قراءات الشتاء ـ 2 ـ: السيف ومحارب يحاربان النسيان

غادة السمان

أتابع اليوم أيضا تحضير أرواح بعض المبدعين العرب الراحلين والوسيط الروحي هو كتاب حوارات ـ مختارات مما نشر في «المجلة العربية» خلال 40 عاما.. حيث السيف ومحارب يحاربان لحفظ الذاكرة العربية في لحظات بهائها وصدقها.. ويتجلى ذلك بالذات في حوار عمر أبو ريشة مع سيمون عواد وكان ذلك في زمن المد الشعري للمبدع أيضا نزار قباني الذي قامت شمسه ببعض التعتيم الإعلامي على قامات سامقة في ادبنا العربي.. وحين يطلب عواد من عمر أبو ريشة تعريف نفسه يقوم بذلك شعرا قائلا:
تتساءلين علام يحيا هؤلاء الأشقياء
المتعبون ودربهم قفر ومرماهم هباء
أنستهم الأيام ما ضحك الحياة وما البكاء
أزرت بدنياهم ولم تترك لهم فيها رجاء
تتساءلين وكيف أعلم ما يرون على البقاء
أمض لشأنك.. اسكتي.. أنا واحد من هؤلاء..
ويتوهج عمر أبو ريشة في الحوار مع «المجلة العربية عام 1978، ومن الصعب تلخيص حواره الاستثنائي مع «المجلة العربية» فقد أجاب على معظم الأسئلة شعرا وذلك رائع ونادر.. وتجديد طليعي في أسلوب الرد على الأسئلة!

د. قسطنطين زريق ودمشق القديمة

يتحدث ذلك العلامة في حواره مع سيمون عواد قائلا: «أذكر اننا كنا نعيش في حي من أحياء دمشق القديمة التي تتجاور فيها بيوت المسلمين والمسيحيين، وكان يقابل بيتنا بيت لأسرة مسلمة عريقة ذات مكانة دينية مرموقة».. وهذه الصورة التي رسمها د. قسطنطين زريق لدمشق القديمة تذكرني أيضا بدمشق التي عرفتها وأحببتها.. ويضيف ذلك «السَبّاق في مضمار الكتابة عن القومية العربية» كما وصفه محاوره عواد: «التفكير في العالم العربي.. لم يتغير بعد تغيرا نوعيا مجاريا للتغيير النوعي الذي يشمل الحياة المعاصرة». وهذا الحوار مع د. زريق دار عام 1978 وبالتالي يكاد يشبه النبوءة على ضوء ما يحدث لنا ما بعد «الخريف العربي»!..

نازك الملائكة: الرائدة المجددة

أبدع حمد القاضي في تقديمه للشاعرة نازك الملائكة دونما تحفظ وأنصفها بقوله: ليست شاعرة فحسب.. ولكنها رائدة مجددة وحسبها أنها أول من قال قصيدة في «الشعر الحر».. ثم وضعت كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الذي يعتبر من أول الكتب الحديثة التي تناولت قضايا الشعر وهموم الأدب (دار الحوار عام 1981).. ومن طرفي تحمستُ دائما لريادة نازك الملائكة على الرغم من أن تلك الحقيقة أغضبت بعض الشعراء الذين عاصروها وكانوا يطمحون إلى هذا اللقب أو يضيقون بمنحه إلى (امرأة).. ومنهم الشاعر بلند الحيدري الذي إذا استحضرنا روحه عبر حواره مع «مجدي إبراهيم علي» نسمعه غاضبا على نازك الملائكة ينازعها مع سواه ريادة الشعر الحر قائلا: لا يمكن أن يأتي عصفور واحد بالربيع.
ويتابع بلند: اجتمعنا أنا والسياب والبياتي في زمن واحد وولادة واحدة 1936 وبعد عشرين سنة كانت ولادتنا الثانية في تجربة الحداثة.. ولكن الكثير من أعلام النقد يعترفون بأن نازك الملائكة هي الأولى الرائدة في هذا الحقل.
وفي بداياتي الأدبية، تشاجرت أبجديا مع أنيس منصور لأنني دافعت عن نازك الملائكة حين هاجمها، بعدها التقى بها في مؤتمر أدبي وكتــــب أنها بعد الزواج سمنـــــت وترهلت بالإنجاب وتثاءبت في المؤتمر (ولعلها كانت على حق في ضجرها!)، وانتقدها كأنه يجب منع المبدعات من الحمل بل وإرغامهن على تناول حبوب منع الحمل!.. من طرفي وجدت أن أبجديتها لم تترهل، وأن شكلها الخارجي لا صلة له بإبداعها، وتربية الأولاد ليست عاهة، ولم يغفر لي أنيس منصور يوما دفاعي عنها.

عبد الوهاب البياتي: لا أحبكم!!

أستحضر روح البياتي المشاغب الذي وصفه محاوره عمار عوني بأنه أحد ثلاثة كبار في مسيرة تجديد الشعر إلى جانب بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. وحين يسأله عمار عوني عن رأيه في النقاد الذين ينادون بضرورة العودة إلى القصيد العمودي التقليدي يقول البياتي إنه ضد الذين ينادون بأي نداء.. مؤكدا «اؤمن بحرية الشاعر في الكتابة ولكن الشعر يجب أن يتميز بميزتين هما: الشعرية والحداثة».
وعلى الرغم من أن الحوار دار عام 1998 ولكن لا يفوت عمار عوني طرح السؤال النبوءة: يبشر بعض النقاد بأن «الرواية ستعوض الشعر وتسلبه تاج الأدب» ويجيبه البياتي: «هذه مقولات صحافية تفتقر إلى الدقة في التعبير». واليوم، بعد مرور حوالي ثلاثة عقود نجد أن بعض «المقولات الصحافية» لا تفتقر كثيرا إلى الدقة. ومن المعروف أن البياتي قام بهجاء العديد من معاصريه المبدعين وعلى رأسهم الشاعر نزار قباني حيث قال في حواره: ما يكتبه نزار هو لتلبية رغبات المغنين والمراهقين، أي يلبي طلبات غير قراء الشعر» ولكن الزمن أثبت أن نزار شاعر كبير وأن (غيرة) البياتي سبقت موضوعيته..

نعم للمزيد من هذه الوثائق..

هذا الكتاب وثيقة أدبية وجمالية نادرة ويتمنى القارئ إصدار ما يشبهها من مجلات أدبية عربية أخرى جادة، وقد اخترت في «لحظة حرية» تحضير أرواح الذين مضوا لأنه لم يعد بوسعهم تبديل آرائهم أو إضافة شيء إليها على العكس من المبدعين الأحياء الذين ضمهم الكتاب..
ومن الجميل أن يقوم محرر الكتاب سعد المحارب بإهدائه: «إلى كل من حاوروا ضيوف «المجلة العربية» عبر أربعين عاما. هذا الكتاب باقة وفاء اقتطفت من بساتينكم»..
والوفاء نادر في زماننا…

((القدس العربي))