رشارد كابوجنسكي.. عبيد الحرية

إعداد وترجمة : سميرة المانع

وصلت سفينة، إلى منطقة في المحيط الأطلسي،غربي أفريقيا، تُدعى  ليـبيريا وعاصمتها منروفيا Monrovia، الآن، ، سنة 20 18.
كان على متنها وكيل جمعية المستوطنات الأميركية روبرت ستوكتون Robert Stockton مع بقية ركاب. حمل الوكيل، عند نزوله الساحل، مسدساً مصوباً تجاه رأس كبير القبيلة المحلية هناك المدعو كنك بيتر، مهددا إياه بالقتل إذا لم يقبل شراء  ست بنادق قديمة الطراز منه، مع صندوق خرز، مقابل ثمن الأرض التي خططت الجمعية، الآنفة الذكر، لشرائها، من اجل إسكان الزنوج الاميركيين المحررين الذين جلبهم معه في السفينة الراسية.

كان، غالبيتهم، عبيداً سابقاً، يعملون في مزارع القطن بمناطق فرجينيا وجورجيا وميرلند بأميركا، وتُعرف بجمعية المستوطنات الأميركية، آنذاك، أنها ذات توجه ليبرالي وسمعة خيرية. يعتقد أعضاؤها أن افضل تعويض للحيف والظلم الذي لحق بهؤلاء الأفارقة الزنوج هو إرجاعهم إلى وطنهم ألام – أفريقيا، ارض أسلافهم.
صارت السفن، بعد ذلك ، تأتي تباعا من القارة الأمريكية إلى هذا المكان محملة بالزنوج المحررين من العبودية، الذين بدأوا بالاستيطان بالمنطقة المسماة منروفيا. مع ذلك،لم يكن عددهم كبيرا عندما أعلنت جمهورية ليـبيريا سنة 1847، فقد كانوا لا يتجاوزون ال 6,000 نسمة. ومن المحتمل أن عددهم لم يصل 20,000 قط، أي اقل من 1% من مجموع السكان المحليين المتواجدين هناك. بدأوا يطلقون على أنفسهم لقب (الليبيريون الأميركان). وجدوا أنفسهم  بأفريقيا، بارض أجدادهم، بين من يشترك معهم بالجذور ولون البشرة  والتقاطيع. جيء بهم، بإرادة الاميركان البيض الأحرار، وتركوا ليلاقوا مصيرهم وحدهم. إلاّ انهم، وبخلاف توقعات المحسنين لهم، لم يركعوا ليقبلوا الأرض التي عادوا لها، ولم يرموا أنفسهم بأذرع الأفارقة المحليين. كانوا، ومن تجربتهم في الجنوب الأميركي، لا يعرفون الا نوعا واحدا من العلاقة البشرية، آلا وهي علاقة السيد بالعبد.
وهكذا سرعان ما بدأت خطوتهم الأولى، عند وصولهم أفريقيا، في إعادة خلق هذا البناء الاجتماعي المألوف عندهم، عدا انهم، بدلا من أن يكونوا عبيداً كما بالأمس، صاروا  السادة الآن. شرعوا في التحكم بإخضاع وقمع  التجمعات البشرية الأصلية المتواجدة هناك.
إن قسماً كبيراً من ليبيريا مغطى بالأدغال وهي غابات كثيفة، استوائية، رطبة، مملوءة ببعوض الملاريا، تسكنها قبائل صغيرة العدد، فقيرة قليلة التنظيم. بدأت العلاقة بينهم وبين القادمين لهم منذ البداية عدائية. اما بالنسبة لليبيريين الاميركان فقد ادعوا، بوضوح، أنهم وحدهم من يملك حق المواطنة، رافضين إعطاء هذا الحق الى  99% من السكان الأصليين. اصدروا قوانين واصفين الأغلبية العظمى أنها قبائل لا غير. أناس بلا حضارة. متوحشون، همج.
سكنت المجموعتان الواحدة بعيدة  عن الأخرى. اتصالاتهم قليلة ومتقطعة. استقر السادة بالسواحل وبنوا مستوطناتهم هناك وكانت منروفيا أوسعها. ولمّا لم يكن بوسع القادمين الجدد تفريق أنفسهم عن الزنوج الأصليين سواءً عن طريق اللون او الشكل الفيزيولوجي، لشدة تشابههم، لذا فقد اجتهدوا في إظهار اختلافاتهم عنهم وتفوقهم عليهم بأساليب أخرى. صار الرجال يسيرون، في ذلك المناخ الرهيب بالحر والرطوبة الشديدة، لابسين معاطف سوداء وقبعات مستديرة وقفازات بيضاء. أما النساء فقد صرنْ يرتدين تنورات مثبتة بأسلاك من الداخل كي تحافظ على شكل انتفاخها الدائري الواسع، مع شعر مستعار ثقيل، وقبعات مزينة بزهور اصطناعية.
اخترع نسل عبيد الزنوج الاميركان حكام ليبـيريا الآن، التمييز مبكرا بين السكان مجسداً، في منتصف القرن التاسع عشرً.  قبل بداية نشوء قانون التمييز العنصري كنظام، بأفريقيا الجنوبية. ففي عالم منروفيا الصغير المتعصب، صدرت قوانين تمنع الاختلاط المباشر مع السكان الأصليين المحليين، خصوصا في مسألة الزواج. كما خصصت حكومة مونرفيا لكل قبيلة، وعددها 16 قبيلة، منطقة معينة يسمح لهم بالعيش فيها. هذه المناطق المحددة لا تختلف عن نموذج (الوطن) الذي أوجده المستوطنون البيض، العنصريون بجنوب أفريقيا، بعقود بعد هذا التأريخ للسكان الأصليين. صاروا يعاقبون بشدة كل من ينتقد هذا النظام. يقضون على رؤساء القبائل اللامذعنين، يقتلون ويسجنون السكان. يدمرون قراهم ويحرقون محاصيلهم. تقوم هذه الحملات والحروب المحلية من اجل هدف واحد: هو أن يؤسروا عبيدا، فالاميركان الليبيريون بحاجة ألى أُجراء من اجل العمل بمزارعهم واعمالهم هناك. وبالفعل بدأوا باستخدام العبيد منذ منتصف القرن التاسع عشر، كما باعوا العبيد للبلدان الأخرى. وعندما كشفت الصحافة العالمية سنة  1920هذه الممارسات وتحدثت عن وجود مثل هذه التجارة التي تعمل بها رسمياً الحكومة الليبيرية، تدخلت عصبة الأمم، آنذاك، وأُجبر الرئيس فيها يومئذ، شارل كنج، على الاستقالة. الا إن ممارستها استمرتْ على نحو سري.
تأسس ما يُسمى بـ (حزب الأحرار الحقيقي) في منروفيا سنة1869. وقد احتكر السلطة لمدة 111 عاما وحتى سنة 1980. أثناء تلك المدة لا يستطيع المرء أن يقوم بأي شيء ذي حسبان ما لم يكن عضواً في ذلك الحزب. اما معارضوه فهم اما أن يكونوا في السجن أو في خارج البلاد. لقد قابلتُ رئيس الحزب والجمهورية وليم توبمان William Tubman سنة 1963 بأديس أبابا، أثناء انعقاد أول مؤتمر لرؤساء البلدان الأفريقية. كان رجلاً قصيراً، مستخفاً، جذلاً، مع سيجار في فمه، عمره يقارب السبعين عاما. انه رئيس ليبـيريا منذ 28 سنة، وينتمي لأولئك الصنف من الرؤساء النادرين اليوم، الذين يحكمون بلدانهم كما يدير مالك الأرض مقاطعته. إنهم يعرفون كل شخص فيها، يقررون كل أمر بأنفسهم. يستقبل توبمان، يومياً، في مونروفيا، ما يقرب من ألـ60 شخصاً، يخصص الوظائف للرسميين، ويقرر من يستحق الحصول على الامتيازات، ومَن من المبشرين يُسمح له بالمجيء. شرطته الخاصة ترفع التقارير السرية له حول كل شيء يحدث، وليست هناك حوادث كثيرة. الدولة صغيرة، منعزلة، منسية بأفريقيا. تمر مجموعة من الناس أمام أبواب القصر الحكومي فيها،بين حين وآخر،رافعة لافتة كبيرة مكتوب عليها: ( مظاهرة هائلة من الامتنان بسبب التقدم الذي يجري في البلاد، مع الشكر لادارة رئيس ليبـيريا  دكتور. دبليو. ف. س. توبمان، اللامثيلَ لها).
يبدو، في هذه الأحوال، أن الذي ينتزع الاحترام الكبير له عندهم، بالاضافة للاسباب الاخرى، هو اعتقادهم أن الرئيس محميٌ بأرواح كريمة تمنحه قوى خارقة فعلا. فمثلا، إذا أراد أحدهم أن يناوله شراباً مسموماً، سينفجر القدح بمنتصف الطريق اليه . كما أن رصاصة من ينوي على قتله، تذوب قبل وصولها الهدف. توفي توبمان سنة  1970 وحلّ مكانه صديقه نائب الرئيس تولبرت William Tolbert . كان الأخير نموذجاً حياً للفساد،  يتاجر بكل شيء: بالذهب، السيارات، جوازات السفر. إن النُخبة ، وجميعها من الزنوج المنحدرين من عبيد الاميركان يحذون حذوه، والناس الذين يتسولون في الشوارع من اجل الخبز والماء، يطلق عليهم الرصاص، حسب أوامر تولبرت. لقد قتلت شرطته المئات منهم.
قبل ساعات فجر يوم12  أبريل/ نيسان، آقتحمت بالقوة، مجموعة من الجنود قصر الرئيس، لتقطعه إرباً إرباً. رمتْ أحشاءه الداخلية للكلاب في الباحة، كي تلتهمها. كان قائد المجموعة ضابطاً برتبة رقيب عمره 28 عاما، بالكاد متعلما، اسمه صاموئيل دوو Samuel Doe من قبيلة (كراهان) التي تعيش بأعماق الأدغال. إن أناسا مثله دُفعوا لمغادرة قراهم باتجاه منروفيا منذ سنين بسبب الجوع، مفتشين عن عمل ونقود. لقد ازداد عدد سكان ليبـيريا ما بين 1956 1986- عشرات الأضعاف. بينما كان عدد سكانها 42,000 صاروا 425,000. يجري هذا في مدينة لا صناعة فيها او نظام مرور. بيوت قليلة لديها كهرباء، واقل منها فيها ماء صحي. تستغرق الرحلة من الأدغال إلى منروفيا مسيرة عدة أيام صعبة، خلال مساحات استوائية لا طرق فيها. عدا الشبان الأقوياء، القليل من ينجو، اثناء عبورها. عندما يصلون منروفيا لا شيء ينتظرهم. لا عمل، لا سقف يؤويهم. يصبحون منذ اليوم الأول لوصولهم جزءاً من جيش الشبان المقرفصين ببطالة، في جميع الشوارع والساحات الواسعة بالمدن الأفريقية. إن احد أسباب الاضطرابات بالقارة هي هذه الحشود، فمن بين صفوفهم يستطيع أي رئيس عصابة أو جماعة محلية مغامرة، أن يجند، باجر زهيد، غالباً لا يتعدى الوعد بالطعام، جيوشاً من اجل استخدامهم للوصول إلى السلطة. إن (دوو) وعيدي امين في أوغندا كانا من بين هؤلاء.
كان انقلاب (دوو) ليس تغييراً للرئيس السياسي البيروقراطي الفاسد الى آخر نصف اُمي في ملابس عسكرية فقط، وانما ثورة كاريكاتورية دموية عنيفة قامت بها الجماهير المسحوقة النصف ُمستعبدة من الأدغال الأفريقية ضد رؤسائهم الممقوتين المنحدرين من عبيد مزارع المستوطنات الأميركية. اعلن (دوو) نفسه رئيساً، فوراً. وامر في الحال بقتل 13 وزيراً سابقاً من إدارة الرئيس تولبرت أمام جمهور واسع من المتفرجين. ظل الرئيس الجديد يعلن، باستمرار، ان هناك مؤامرة لاغتياله لكنها أُحبطت. قال إن  المحاولات التي جرت كانت 34  محاولة وقد أُعدم جميع المتآمرين. كونه ما زال حياً ومستمراً بالحكم دليل حقيقي على أنه محميٌ بتعويذة قوى جبارة، قام بتحضيرها له السحرة من قريته.
حكم (دوو)10  سنوات. اثناءها ماتت الحياة كلية في الدولة. ليس هناك كهرباء. أغلقت الحوانيت كما توقف المسير في طرقات ليبيريا القليلة. كان (دوو) كسولاً يقضي وقته جالساً في مقره يلعب الشطرنج مع تابعيه. لم يكن متأكداً ماذا سيفعل في الخطوة التالية، وكيف سينقذ نفسه من الانتقام بعد أن قتل هذا العدد الهائل من الناس. وجد أن خير حل للمشكلة هو أن يحيط نفسه بأفراد ينتمون الى قبيلته (كراهان). استدعى أعدادا منهم ضخمة إلى مونروفيا. انتقلت السلطة من أيدي الأغنياء الليبيريين – الأميركان، المستقرين العارفين بالعالم الخارجي (والذين هربوا الآن) الى أيدي هؤلاء الفقراء الأميين من سكان الأدغال في قبيلته، الفاقدين بسبب وضعهم الجديد، لرابطة الجأش او الشجاعة ، بعد ان انتزعوا، على نحو مفاجئ من أكواخهم، ليروا مدينة، سيارة، وحذاء  للوهلة الأولى. كانوا يفهمون شيئاً واحداً فحسب: إن الوسيلة الوحيدة لإنقاذهم ولأبقائهم على قيد الحياة هي في تخويف وتصفية جميع أعدائهم المحتملين. معنى ذلك تخويف كل من لا ينتمي إلى قبيلة (كراهان)، وهكذا ابتدأت حفنة من هؤلاء العالة على الآخرين، سابقاً، بإرهاب الشعب كله*.
 يتبع
* مقاطع من كتاب (ظل الشمس) بقلم الكاتب البولندي (رشارد كابوجنسكي) Ryszard Kapuscinski ُترجمت عن الانكليزية، مأخوذة من صحيفة الغارديان البريطانية بـ 01.5.19

((المدى))