عوالم أسعد الجبوري في ((ثعابين الأرشيف))

محاولة شروع لبناء مقدمة منهجية

جمال قيسي

(1)

 

 

 

كلٌ من له اهتمام في الأدب. يعلم. ان تولستوي،،وديستفوسكي،، قد كسبوا قصب السبق بامتياز ،،في الإبداع الروائي،،وربما ترقى بعض أعمالهم لدرجة الكمال في الصنعة الأدبية ،،لذلك كانوا الأيقونة المعيارية لأي عمل،،على مدى التاريخ الذي نعرفه،،،لكن من ينطلق بجنونه ،،ليصل أعالي سماء الحكمة بغرائبيته وجموحه،،،في لحظات التوحد العنيف ،،بين وعيه الذي يشبه درجات التوتر العليا في أبراج نقل الطاقة الكهربائية ،،التي تصعق لتميت،،والتي لا قيمة عملية لها بدون المحطات الفرعية،،وهي تقسم وتوزع،،حتى تصبح قابلة ،،للتغذية ،،نقول ان من ينطلق بجنونه. أشبه بالومضة أو الشرارة ،،التي تحرق الحقل المعرفي للإنسانية،لتبدأ بموسم زراعي جديد .

نعم هناك ،،من الكتاب والشعراء والفنانين ،،أشبه بالكهرباء التي تسري في أسلاك الضغط العالي،،،يشكلون توتراً بالغ الأثر ،،الحكمة لديهم دفقة جنونية ،،أفعالهم لا تتركك بسلام ،،تخرج بعد ان تتعرض للصعقة من خطابتهم غير الذي كنت عليه،،والا،،فليخبرني أحدٌ ،،عن الجنوح الذي تولده أعمال كافكا،،من منا وهو يحسب نفسه من الأسوياء ،،يتوقع ان تمنحه مخيلته ،،دور ( غريغور ) في الانسان الصرصار،،او ( فلاديمير واستراجون ) ،،لصموئيل بيكيت،،،او لحظات تسمر الزمن والتبئير،،في (الزمن الضائع لمارسيل بروست )،،،او التداخل التعسفي للزمن في متاهات ( السيدة دلاوي ) ،،لفيرجينيا وولف ،،او تداعي الأفكار القهقرى والارتكاس في المنلوج الداخلي ل (بلوم ) ،،و تناقلاته الزمنية التي تقطع الانفاس لنموذج الانسان آلذي يعاني من الاغتراب ،،في حينها كان اليهودي النموذج العالمي له ( بلوم. ،،بطل قصة عوليس لجميس جويس أيرلندي. من أصل يهودي ) ،،قبل ان يتحول العراقي والسوري الى هذا النموذج المعاصر،،،ولنا عودة على ذلك لاحقاً

في تاريخ الفن،،ربما دافنشي ومايكل أنجلو ،،وروبنسن ،،وروفائيل ،،حتى نهاية ( النيو كلاسيكية ) وهي المدرسة التي جاءت كردة فعل ،،على تنامي تأثيرات الانطباعيين في الرسم ،،التي ابتدأت من تجارب بول سيزان ،،كل هؤلاء العظام أقول ربما،،لم تمتد خطاباتهم التشكيلية حتى تصل الى الحكمة ،،،التي توصل اليها فان كوخ،،،وفي قدرة الخطوط الحركية التي تصنعها فرشاته ،،التي تحلل وتمنح الحركة للطبيعة والأجسام ،،في لوحاته ،،والتي لم تفهم عبقريته الا في عصر الديجيتال ،،او المجنون الاخر بابلو بيكاسو،،الذي جاس بجنونه كل العوالم التي لم تخطر ببالنا،،،وكذلك فعل هنري ميللر ،،في تسميرنا على صلبانه،،في المدارات * ،،وثلاثية( الصلب الوردي) ،،وفي مضمار الجنون الأوحد ( الشعر) ،،يتقاذف بمعارفنا،،( أرثر رامبو) الذي لاينتمي الى عالمنا،،،ربما لعوالم لم تخلق بعد،،ساعدته حكمته الى ان ينظر الى الكون من الأعلى والعمق بنفس المسافة واللحظة ،،،وجميعهم جاؤا،،،،،بعد الشكاك الأعظم نيتشه الذي زحزح،،كل ثوابتنا،،يعد البعض كل هؤلاء ،،ابطالاً للتدهور،،او العبث والعدمية،،لكن لا يستطيع أحداً ان لا يعتبر نتاجاتهم،،منتهى الحكمة،،،بأسلوب الجنون العبقري

 

 

اختمرت في رأسي هذه الافتتاحية،،للشروع في تأسيس مقاربة نقدية ،،لرواية ( ثعابين الارشيف ) ،،لأسعد الجبوري،،وما ان تبدأ في قراءتها،،حتى تجد نفسك أسيراً ،،لوعيه الجنوني،،هذا الارتكاس في لحظات الشروع الاولى،،باسترجاع ،،كوني للزمن،،اذا اعتبرنا ان الكون الاول،،للانسان هو رحم الام،،،هناك يؤسس ،،اسعد الجبوري،،تاريخانية جديدة،،لا علاقة لها،،بتقاومينا الدارجة،،وفي اللحظة عينها تحدد ،،تاريخنا الحقيقي،،وهذه التجربة الفذة والمتميزة،،تتطلب منا في الجانب النقدي،،الكثير من الدراسة ،،حتى نتمكن من تكوين مقتربات عن المنازع السردية في تجربة ،،اسعد الجبوري،،وهو ما سوف نقوم به لاحقاً،،ان أسعفنا الوقت والجهد ،نظراً لما تتطلبه من الغور في عالم متشعب ومربك،،في جوانبه المنهجية،،،،

ولكننا طالما اننا ،،لا نزال في المنطقة الآمنة،،من البحث،،وفي حيّز المراوحة من اجل الإحماء ،،لماراثون طويل،،اشدد على هذا التنوع التاريخاني ( هنا عندما يرتبط التاريخ بالفعل الواعي،،من الانسان في التأثير والتأثر ) ،،ليوميات تندمج في وحدات الزمن،،السابقة،،والراهنة،،واللاحقة ،،في كيان زمني متخطي هذه الوحدات،،الى تناظرات متعالقة،،فأنت لا تعرف ،،شيئاً عن الماضي او الحاضر او المستقبل ،،في زمن اسعد الجبوري. الروائي،،انه زمن خاص به ،،من المؤكد انها تجربة جديدة ومتفردة،،اشبه بتجربة مارسيل بروست الزمنية،،لكنها من المنظور المعاكس ،،هو في الزاوية المقابلة ،،وعلى مقدار متابعتي ،،للتجارب الروائية العربية المعاصرة،،لم تستوقفني غير تجربة فواز حداد في ( المترجم الخائن ) وتجربة جهاد مجيد في بعض أعماله مثل دومة الجندل والهشيم،،وأزمنة الدم ،،وهاهي تجربة تأسرك منذ مطلعها لأسعد الجبوري،،وأظنها فتحاً روائياً،،جديداً في مناحي المنظور والسرد،،والزمن السردي،،،،

 

المدارات / روايتين ،،لهنري ميللر ( مدار السرطان ومدار الجدي )

 

 

القسم الثاني

 

مقدمة منهجية في منازع التجريب السردي

في رواية ( ثعابين الأرشيف ) لأسعد الجبوري

 

ربما يضطرنا اسعد الجبوري في رحلته الحلزونية،،في عوالم ثعابين الأرشيف ،،إلى القفزات المنهجية الغير منتظمة،،لسبر أغوار عالمه الكثيف،،والموغل في الرمزية أحياناً ،،والبوح البسيط،،،وجملة توظيفاته،،للأنساق السردية،،المتعبة أحياناً ،،والتي تمتص من المتعة الشيقة من النص،،بقدر ما تغني في المتعة للناقد

تبدأ الإشكالية الأولى،،من عنوان العمل،،صحيح ان العنوان جذاب وفيه من الموسيقى،،من ناحية الملفوظ،،إلا انه كمين كبير،،يكاد يختفي عن عين الناظر،،أشبه برقعة لعبة السلم والثعبان ذات الألوان المتقاربة والتي بالكاد ،،تستطيع ان تميز،،تفاصيلها،،والعنوان هنا خطاب بحد ذاته ،،بمحمولات إشكالية،،،وسنرى طريقة التوظيف ،،وعمق الشبكة المفهومية،،التي تعامل معها الروائي ،كأسانيد،وسنفكك العنوان الذي يتألف من مقطعين مفهوميّن ،،على ان نعود إلى تلازمهما ،،من الناحية الدلالية

في المقطع الأول ( ثعابين ) الذي يستوحيه اسعد الجبوري،،من التوظيف الابستمي ( المعرفي ) لمدرسة لاكان  السايكلوجية والتي تشكل البنيوية الأرضية التي تنطلق منها،، لإعادة تشكيل الفرويدية ،،في التأويل  المطور لعقدة أوديب ،،وهي إحدى القضايا  الجوهرية لنظرية التحليل النفسي الفرويدي

كان إعادة قراءة فرويد وفق الخلفية البنيوية،،على يد لاكان ،، وفق منظومة بتصنيف ثلاثي سميت ( العقدة البورومورية ) وهي التي تجسد التشابك ما بين ثلاث حلقات بحيث إما توجد معاً أو تنفك معاً ،،[ وفق النموذج التوضيحي الملحق بذيل المقال ] ،،،هذه المنظومة هي التي سلطت الضوء على أعمال فرويد ،لأنه إذا لم نعمل على ضوء هذه المنظومة الثلاثية فسيكون من المتعذر علينا فهم شيء من تقنية وتجربة فرويد / حسب ما ذهب إليه لاكان

وهو الذي طبق الطوبولوجيا ( علم الفراغ،،أو المكان ،،وهو من العلوم الرياضية والهندسية،،)  والتي وظفها لاكان  لإظهار استقلال النظام البنيوي  ضمن نطاق العلاقة التي يقيمها داخل العقدة،،،( نعتذر عن العسرة في هذا الكلام وسنبسطه لاحقاً) ،،

تتكون منظومة لاكان ( العقدة البورومورية ) من ثلاث أنظمة .هي:

1-النظام الرمزي

٢- النظام الخيالي

٣- النظام الواقعي

ان مفاهيم القانون والبنية لا يمكن تعقلهما ،،من دون اللغة،،والقانون هنا هو الناظم للرغبة في عقدة أوديب ،،ومن ناحية البنية،،ان أعراض النظام لها فعل رمزي ،،بصبغة أنثربولوجية ( أنسنة ) ،،واللغة هنا هي رموز الدوال

والنظام الرمزي وفق لاكان ،،هو أيضاً ( دافع الموت القادم من ما بعد اللذة بواسطة التكرار،،،وبمعنى آخر ان ( دافع الموت ما هو إلا  قناع للنظام الرمزي ) ،،حيث غاية الرمز ،،هو نزعة الإنسان للتعبير عن مخاوفه جراء عقدة الموت.

والخيالي / هو الوهم والافتتان والغواية،،ويتصل تحديداً بالعلاقة  المزدوجة بين الأنا والصورة المنعكسة. ولكي نفهم مقاصده نؤشر ،،ان الخيالي متكون من قطبين هما :الأنا .يقابلها الصورة المنعكسة ،،ويسميها لاكان بالنظير.

يتخذ الخيال في مواجهة الواقعي والرمزي ،،في عملية هي تشكل الأنا لطور المرآة ،،لتكوين قاعدة النظام الخيالي،،أي بمعنى عملية تماهي الأنا،،مع النظير أو الصورة المنعكسة،،لذلك فإن التماهي يمثل جانباً هاماً من النظام الخيالي فالأمل والنظير يمثلان النسق لعلاقة التبادل الثنائية،،ومن سمات النظام الخيالي النرجسية يرافقها قسطاً من العدوانية،،،من هنا يكون  الخيالي هو دائرة الصورة والمخيلة والأحبولة والافتتان.

إن قوى الخيال التي تأسر الذات تستند إلى التأثير الأخاذ للصورة المنعكسة.خلاصة القول،،ان جذور الخيال تضرب عميقاً في علاقة الذات مع جسدها.

إما في الشق الثاني من العنوان،،( الأرشيف ) يأخذنا اسعد الجبوري إلى رحلة وعرة،،وكأننا  خرجنا معافين ،،من الأولى،،،فهنا ينهج  أسلوب ميشيل فوكو،،الأركيولوجي ،،( بمعنى حفريات المعرفة ) ،،والذي يغوص إلى أعماق الشبكة المفهومية للحفر عن الأصول ،،مع مزاولة نحته للمفاهيم خلال انهماكه في هذا الإجراء ،،والأرشيف عند فوكو (  هو مستوى من الممارسة تنبثق  عنها عديد الملفوظات باعتبارها حوادث منتظمة ،،قابلة للمعالجة من خلال التعامل معها أو تناولها ) .

وهنا يعني الخطاب يتكون من  حاملين ماديين  هما الأرشيف واللغة ،،وكل النصوص لمجتمع أو كاتب تكون نظامها الخاص بها أي أرشيف ،،وهو كل معلومات تخضع للتحليل والاقتطاع والتي بالإمكان للمؤرخ الرجوع إليها،،أي تشكيل الخطاب.

مما سبق ربما تعرف القارئ الصبور على مشقة التجربة ( الجبورية ) .

والآن نعود لنوضح العنوان كمتلازمة مفهومية، ( ثعابين  الأرشيف ) وأسباب تطرقنا ،،إلى هذه الإكراهات المعرفية.

يذهب أسعد الجبوري هنا في ثعابين إلى معنى ( قضيب الرجل ) ،،والأرشيف ( رحم الأم ) ،في رحلة تناقلية تبدأ ،،تأريخياً من عقدة أوديب الفرويدية،،بالعداء الفطري بين الابن والأب ،،في النسق الجنسي،،فيما يكون رحم الأم هو الكون الذي تدور فيه المعرفة الأولى لبطل القصة ،،والحياة التي استمد كل معارفه منها،،مع انتهاك الذكر ،،لهذه المرأة ،،وهي هنا الحياة،،بتعسف،،فيما ينأى هو بنفسه عن هذه الجريمة ،ويتخذ دور الشاهد،،والناقد والرافض،،لهذه العملية،،أي بمعنى رفضه للحياة المعيشة ومهازلها،يدمج أنظمة لاكان  السالفة الذكر،،ليحفر منظومة مفاهيم جديدة،،وهذا ما سوف نتعايش معه في رحلة قراءتنا للرواية.

وهنا اسعد الجبوري ينحى إلى خلق أسلوب روائي جديد،،وخاص وممتع في الظاهر،،ومر في باطنه،،يحاول تكثيف ثقافته الماركسية البنيوية ،،بالتماهي مع مأساته، بعيداً عن الأساليب الأخرى،،وهو ما سيتضح لنا بعد نهاية القراءة الكاملة ان أسعفنا الوقت.

لا أقول شيئاً،،إلا أنني كنت مصيباً ،،بنعته بالمجنون،،على طريقة فوكو .

 

 

يتبع