بخصوص القصائد (صدرت منذ خمسة عشر يوماً)، فقد توخّيت أولاً عدم الكشف عنها، لكن عندما فكّرت في الأمر ملياً، بدا لي، بما أنكِ سمعت أحاديث عن هذه المجموعة، على الأقل من خلال الملخصات التي سأرسلها، فإن خجلي سيكون أكثر حمقاً من احتشامك المتطرّف. لقد أبقيت لنفسي ستة عشر نسخة، مكتوبة على ورق عادي، ثم أربعة أخرى دونت على ورق رفيع، احتفظت لكِ بواحدة منها، وإذا لم تصلك بعد، فلأني ارتأيت إرسالها في شكل مجلد. تعلمين بأني لم أعتبر قط الأدب والفنون كمطاردين لغاية غريبة عن المزاج وتكفيني جمالية المفهوم والأسلوب. غير أن هذا الكتاب المعنون بـ “أزهار الشر”، الذي يقول كل شيء، اكتسته مثلما ستلاحظين جمالية كئيبة وباردة، وقد أنجزتُه بجنون وصبر. إضافة إلى هذا، يكمن الدليل على قيمته الإيجابية، في كل الشر الذي تضمنه. عمل، يبعث لدى الأشخاص هيجاناً، بل ذعرت بدوري من الرعب الذي استلهمته، فحذفت منه الثلث مع توالي تعديلات مسوداته. لقد استنكروا لديّ كل شيء، فكر الإبداع وكذا معرفة اللغة الفرنسية. أسخر من كل هؤلاء الأغبياء، وأعلم بأن هذا العمل بمميزاته وهفواته، سيرسم طريقاً في ذاكرة الجمهور المثقف، إلى جانب أفضل قصائد فيكتور هوغو وتيوفيل غوتييه بل وحتى بايرون. فقط توصية واحدة: بما أنك تعيشين مع أسرة الآنسة “إيمون” فلا تتركي هذه المجموعة الشعرية ملقاة بين أفرادها. أما بخصوص الكاهن، الذي تستضيفينه، بالتأكيد بوسعك تقديمها إليه. سيحكم عليّ بأني آثم، ولن يجرؤ على التصريح لكِ بهذا. لقد أشاعوا اللغط الذي سيلاحقني، بيد أنه لن يكون شيئاً، إن حكومة على كاهلها انتخابات باريس المرعبة، لا تمتلك وقتاً لملاحقة مجنون.
ألف اعتذار لكل هذه التصرّفات الصبيانية للخيلاء. لقد فكرت حقاً في التوجّه إلى منطقة هونفلور Honfleur، لكني لم أمتلك شجاعة إخبارك. أتوخّى مداواة كسلي بالكيّ، وأن أفعل ذلك مرة وإلى الأبد على شاطئ البحر، بعمل عنيد، بعيداً عن كل اشتغال تافه، سواء بالانكباب على جزئي الثالث المخصّص لإدغار بو أو مسرحيتي الأولى التي يلزمني حقاً تأليفها طوعاً أم كرهاً. لكن لدي أعمال يلزمني القيام بها، لا يمكنها أن تتمّ داخل فضاء لا توجد فيه خزانات، ومن دون جهاز للطبع ومتحف. يجب، قبل كل شيء، أن أفرغ من نصوص: تطلعات إيستيتيقية وقصائد ليلية ثم اعترافات متناول للأفيون.

القصائد الليلية سأرسلها إلى المجلة المعنونة بـ “عالمين”، أما آكل الأفيون فهي ترجمة جديدة لكاتب رائع غير معروف في باريس، خصصتها لصحيفة ”لومونيتور”.

لكن يلزمني التريّث (لماذا لا أقول كل شيء؟) قبل الخوض في سيرة السيد “إيمون”، إنه صديقك، وأحرص على عدم إزعاجك. هل تظنين مع ذلك، أن أتغاضى عن دونيته ووحشيته والطريقة الفظة التي قابل بها مصافحتي خلال ذاك اليوم المؤلم (المقصود هنا مراسيم جنازة أوبيك Aupick 30 نيسان/ إبريل 1857)، حيث فقط لإرضائك، ولا شيء سوى هذا، شعرت بالإهانة أكثر، لأني لم أتحمّل سلوكاً مماثلاً منك طيلة هذه السنوات الطويلة؟

– هل أنسيلا Ancella، على مايرام، لم أره سوى مرتين منذ ذهابك. أما زال شارد الذهن وفهمه بطيئاً، وهل يحب زوجته وابنته من دون أن يحمر وجهه؟

عندما ذهبت لزيارة قبر، زوج أمي، انذهلت فعلاً أن أجد نفسي، أمام حفرة فارغة، فاتصلت بالمحافظ الذي نبّهني إلى عملية التحويل، وأعطاني كمرشد قطعة ورق صغيرة. أكاليلك التي أذبلتها الأمطار القوية، وُضعت بعناية على المدفن الجديد، وقد أضفتُ لها أخرى.

أقبِّلك أمي العزيزة، بمحبة.

باريس، 9 حزيران/ يونيو 1857

* ترجمة عن الفرنسية: سعيد بوخليط

– See more at: https://www.alaraby.co.uk/culture/