«ستون يوماً في السجن» لساشا غيتري:

عقاب مخفّف لكاتب «خائن»

 

إبراهيم العريس

طعلى رغم أن ساشا غيتري عُرف في الحياة الفنية الفرنسية بوصفه كاتباً مسرحياً، كما بوصفه بعد ذلك، مخرجاً وكاتباً سينمائياً، فإن الأشهر من بين كتبه يبقى ذلك النص القصير والمليء بالمرارة الذي عنونه «ستون يوماً في السجن» وأصدره عام 1949 أي بعد سنوات من وقوع تلك الأحداث التي يصفها في فصول الكتاب. وهي أحداث يشير إليها العنوان بكل وضوح. لأن تلك الأيام الستين التي أُمضيت في السجن كان ساشا غيتري ذاته هو الذي أمضاها هناك. أما جريمته التي استوجبت وجوده في السجن بدءاً من قبل ظهر يوم الثالث والعشرين من أغسطس (آب) من العام 1944 فكانت «التواطؤ مع المحتل»، والمحتل هو طبعاً ألمانيا الهتلرية التي كانت احتلت فرنسا قاسمة شعبها بين يمين ويمين متطرّف ويسار، ناهيك بالأغلبية الصامتة التي آثرت الصمت على الفعل في أي اتجاه. ونعرف أن قطاعات من اليمين وكل اليمين المتطرف وقفت تساند المحتل النازي، فيما وقف اليمين الديغولي إلى جانب اليسار عموماً والشيوعيين خصوصاً، موقف الرفض من الاحتلال ثم مقاومته بالعمل النضالي وصولاً إلى الكفاح المسلح.

> ويومها، كما انقسم الشعب الفرنسي انقسم المثقفون بدورهم على الشاكلة نفسها، وكان ساشا غيتري متأرجحاً بين الصمت والتواطؤ مع العدو وفق الظروف. أي أنه لم يكن في أي حال، في صف المقاومين لا بالسلاح ولا بالكلمة ولا حتى، كما يبدو، بمواقف احتقارية يقفها ضد جنود العدو ومسؤوليه. ومن هنا، كان طبيعياً حين بدأت المناطق الفرنسية تتحرر واحدة بعد الأخرى مع استشراء الهزيمة الألمانية، وبدأ المقاومون يمارسون الانتقام من «المتعاونين»، أن يصلوا إلى غيتري الذي يبدو أنه لم يتمكن من الهرب من قبضة العدالة الوطنية كما فعل آخرون. وهكذا، في ذلك الصباح الذي أشرنا إليه وكان الرصاص يطلق في العاصمة والقتل يتم من دون محاكمات أو محاسبة، دخل شابان مسلحان إلى بيت الكاتب، كما يخبرنا في الكتاب، ليقتادوه بلباس النوم وبالخفّين مع ثلاثة جنود كانوا ينتظرونهم في الخارج إلى مبنى مختارية الدائرة السابعة. ليتنقل طوال الشهور التالية بين دائرة وأخرى وبين إدارة وطنية ومركز اعتقال، فيما اشتغل المحامون لتخليصه من المصير الأسود الذي كان ينتظره. فالرجل كان معروفاً في باريس ولم يكن من السهل الاقتصاص منه، كما أنه، وكما يروي لنا في الكتاب، يصر على أنه لم يخدم العدو في شيء. كل ما في الأمر «أنني واصلت حياتي وعملي كأن شيئاً لم يكن». وكانت تلك هي حجته ووسيلته للدفاع عن نفسه. فهو هنا، وكما تنكر للوطنيين في السابق، يتنكر للعدو الآن. ولئن كانت «لعبته» قد نجحت وأُفرج عنه بعد تلك الشهور الستة، فإن الإفراج عنه – وهذا ما لم يقله في الكتاب – تم بناء على تدخلات عليا، لا على التوصّل إلى كونه بريئاً.

> فساشا غيتري كان يعتبر، على أي حال ولفترة من الزمن، واحداً من أفضل كتاب المسرح الفرنسي إلى حدّ أن بعض النقاد كان يرى فيه موليير جديداً. وكان هذا ما أنقذه، ومع هذا، حين انتهت الحرب العالمية الثانية، هبطت أسهمه في شكل مفاجئ وبدأ الناس يديرون عن أعماله، ووصل الأمر إلى ذروته حين أقيل من عضوية أكاديمية غونكور في 1948، من دون ان يحرك أحد من معارفه ساكناً. وذلك بكل بساطة، لأنهم يعرفون، وعلى رغم «تبرئة» القضاء له أن ذلك الكاتب الكبير والممثل المتفرد، والذي كان واحداً من أوائل الأدباء الفرنسيين الذين اكتشفوا فن السينما وخاضوا غماره باكراً، حدث له خلال الحرب العالمية الثانية وفي الوقت الذي كان الألمان يحتلون فرنسا ويحكمونها عن طريق حكومة الماريشال بيتان في فيشي، حدث له أن أبدى إعجابه بهذا الاحتلال ولم يخف تأييده للماريشال الخائن. صحيح أنه في ذلك الموقف إنما كان يتبع مثال قطاع عريض من الشعب الفرنسي، لا سيما من البرجوازية الفرنسية التي رأت في الوقوف إلى جانب نظام فيشي مخرجاً لها ومنقذاً، غير أن ما كان يمكن التهاون فيه، بالنسبة إلى طبقة بأسرها، كان من الصعب قبوله من كاتب وفنان، كانت أعماله على الدوام مليئة بالمعرفة وبالدعوة إلى نوع من التقدم الحضاري والاجتماعي.

> ومن هنا اعتبروها خطيئة كبيرة تلك التي وقع فيه ساشا غيتري، ما جعله ملعوناً طوال السنوات التي فصلت بين انتهاء الحرب العالمية الثانية ورحيله عن عالمنا يوم 24 تموز (يوليو) 1957. مهما يكن فإن رحيل غيتري بدا وكأنه قد أزاح الغبار عنه وأنسى الناس مواقفه إلى جانب فيشي، إذ سرعان ما عادت مسرحياته تمثل من جديد، وعادت أفلامه تعرض، وراحت تصدر عنه كتب ودراسات حاول بعضها على أي حال أن يجد مبررات وأعذار لمواقفه. مع هذا كله لم يكن ساشا غيتري فرنسي الأصل، بل كان، عند ولادته في 1885 روسياً، وهو ولد في سانت بطرسبرغ، وكان والده ممثلاً مشهوراً يدعى لوسيان غيتري، اصطحب ولده باكراً إلى باريس، حيث تلقى دراسته في الوقت ذاته الذي اختلط فيه بعالم المسرح بفضل فن أبيه ومكانته. وهو كان في السابعة عشرة من عمره – كما تقول الحكاية – حين كتب أول مسرحية مثلت من تأليفه، وبعد ذلك بعامين تزوج وبدأ يستقر في حياته، وراح يكتب نصوصاً مسرحية بدأت تلفت إليه أنظار الجمهور الباريسي. وهو بدوره لفتت السينما نظره فإذا به يحقق في 1915 فيلماً عنوانه «هؤلاء من عندنا» لعل أهم ما فيه أنه حمل، ربما، الصور المتحركة الوحيدة التي التقطت لبعض كبار فناني ذلك العصر من رودان إلى رينوار، ومن أناتول فرانس إلى مانيه وسان – سانس وتريستان برنار.

> في تلك الآونة كان الجمهور الفرنسي يقبل بوفرة على مسرحيات البوليفار التي كان غيتري يكتبها بغزارة، ولما أحس الكاتب بأنه يكاد ينزلق كلياً في ذلك النوع من المسرح الذي كان، حينها، يصل إلى حد التهريج، راح يثبت مكانته كمثقف، وككاتب من نوع آخر، عبر مسرحيات كان يكتبها ويخرجها بنفسه وأحياناً يتولى فيها الأدوار الرئيسية، وتتناول في ما تتناوله فصولاً من حيوات شخصيات أدبية وعلمية وفنية معروفة. وهو في هذا الإطار كتب مسرحيات عن «باستور» (1918) و «موزار» (1926) و «جان دي لافونتان» (1928) و «تاليران» (1947)، والحقيقة أن تلك المسرحيات كان لها فعل السحر في نفوس الطبقة المثقفة في فرنسا، ودفعت أعضاء أكاديمية غونكور الشهيرة إلى جعله، بالانتخاب، واحداً منهم، وهو أمر ظل يفخر به حتى اللحظة التي أقيل فيها من الأكاديمية.

> منذ مسرحيته الأولى في 1902، وحتى آخر كتاباته في 1949 في هذا المجال، كتب ساشا غيتري نحو مئة وأربعين مسرحية، كان ينقلها بنفسه إلى الخشبة في معظم الأحيان، إضافة إلى أنه كان غالباً ما يقوم بالدور الرئيسي. وهو نقل بعض مسرحياته إلى الشاشة، حيث عرف عنه كذلك ولعه بفن السينما الذي كتب له العديد من النصوص الخاصة خارج إطار كتابته للمسرح.

> ولئن كان ساشا غيتري قد كتب الكثير من المسرحيات، فإن عدداً قليلاً من مسرحياته يمثَّل الآن، ويركز أهل المسرح على مسرحياته القديمة بأكثر مما يفعلون بالنسبة إلى مسرحياته الأقل قدماً. ومن هنا، فإن المسرحيات المعروفة أكثر لجمهور ساشا غيتري هي أعمال مثل «حارس الليل» (1911) وخاصة «جان دي لافونتان» (1928) التي يحلو لكثر من النقاد أن يعتبروها أهم مسرحية له، إضافة إلى هذا هناك مسرحية «أبي كان على حق» (1919) التي كان لا يخلو منها موسم مسرحي فرنسي.

مقابل هذا تكاد تغيب مسرحيات مهمة لغيتري مثل «متى نلعب الكوميديا؟» و «لا تسمعن يا سيداتي» وغيرهما من مسرحيات تعود إلى الفترة بين 1935 و1947. أما مسرحيات غيتري المولييرية مثل «زواج طيب» و «يد صغيرة» فإنها المسرحيات التي جعلت ناقداً كبيراً مثل ليوتو، يرى في غيتري حظّاً جديداً للمسرح الفرنسي، بـ «لغته الطبيعية وقدرته على رصد المجتمع الفرنسي وانطلاقة تزعته الروحية». ومع هذا فإن هذه المسرحيات تكاد تكون مجهولة كلياً في أيامنا هذه.

((الحياة))