محمد خير الدين

الروح المجنحة للمتمرد البريء

نتيجة بحث الصور عن ‫محمد خير الدين pdf‬‎

 

هو الكاتب المغربي النحات بالماء والنار في روح لغة استثنائية نازفة لا تشبه غيره هو الذاهب في أدغال لغة زفت أغانيها إلى فتوحاته ملء امتنانها وأخلصت له بأن وهبته أسرارها كي يشكلها وفقا لرؤاه المتمردة…و هو الفارس المنهمر من بيته النجم الذي لا يأفل حكايا تطفح مرارة ووجعا واستشرافا وحداثة هو النباش سيد العزلة المستطيرة مؤسس الخراب المعانق للخلق والتكوين وهو الطائر الأزرق والروح المجنحة عندما تشكل أسطورتها محمد خير الدين (١٩٤١ / نوفمبر 1995).

ولد الشاعر والروائي محمد خير الدين بقرية أزارون إحدى ضواحي مدينة  تافراوات في جنوب المغرب سنة واحد وأربعين وتسعمائة وألف. انقطع باكرا عن التعليم وهاجر في أواسط الستينات إلى فرنسا إثر ملاحقة قضائية ناجمة عن مواقفه المتمردة ومشاركته في انتفاضة آذار من سنة خمسة وستين وتسعمائة وألف. عاد إلى المغرب بعد ما يقارب عقدا ونيفا من السنين كي يواصل مسيرته الأدبية إلى آخر رمق من نفسه.

بدأ محمد خير الدين كتابة الشعر في سن مبكرة جدا وبرز كواحد من أنبغ شعراء تلك الفترة والذين منهم عبد اللطيف اللعبي الذي أسس معه مجلة « أنفاس » الأدبية. كان صديقا لجان بول سارتر وهو من الأوائل ممن آمنوا بتفرده وموهبته ففسح له الطريق إلى دور النشر الفرنسية والتي من أهمها «سوي» بعد أن شرع لقصائده الأولى أبواب مجلة « الأزمنة الحديثة » أشاد ببداياته التي كانت تنبئ بقامة سيكون لها شأن في عالم الكلمة الكثيرون ومنهم صاموئيل بيكيت، أندريه بريتون، ليوبولد سيدار سينغور وكثيرون آخرون اعتبروه يمثل مشهدا هاما في تاريخ الأدب الفرانكوفوني ولما لا الأدب العالمي برمته.

قصائد محمد خير الدين كما جل كتاباته تطفح بمعاناة إنسانية وجودية تجلت في أسئلته العميقة المنهمرة ضوءا يتسرب من كوى يفتحها للقارئ وللإنسان عموما كي يمسك من خلالها بكل ما تاه عنه منه. محمد خير الدين هو ذاك الأنا الجمعي الذي تضطرم بداخله أسئلة تضيع منه في خضم اليومي البائس الذي يحياه… الأسئلة التي يظل كل منا باحثا عنها ملء هوسه كي يتأكد من أنه يحيا وهو في الآن نفسه لا يستطيع أن يمسك بها لأنها في حالة هروب مستمر مهما كان الوعي بها مستفحلا. في أحايين كثيرة نجدنا مسكونين بأشياء شاسعة نعرفها كما نعرفنا تماما لكننا لا نفهمها، نحسها مثل نبضنا لكننا لا نستطيع أن نجعلها ملء قبضتنا، نحملها بكل شساعتها ونمتلئ بها بيد أننا عندما نعانقها لا نطبق على غير الفراغ… هي جبال من البارود تنتظر أن تكسر بانفجارها واحتراقها ظلمة تلتهمنا بكل وحشية… عود الثقاب القادر على تفجير كل ما هو غارق في أسنه لا يكون بغير يدي فنان حقيقي يملك ما شاءت له الرؤى من الأسرار التي لا تفتح على غير ما يمتد فينا من الحياة/ الموت…الذاكرة/ النسيان… الفرح / الحزن … الحب/ القرف… إلى غيرها من المفارقات مما يضج به كياننا المتين حد الجبروت/ الهش حد الإحساس بالخزي…. ذاك هو شأن محمد خير الدين الذي كتب عن كل شيء وكتب خاصة عن الموت كما عاشه في أبلغ حالات امتلائه لذلك كان احتفاؤه الأسود به يكاد يعانق الأسطورة لفرط ما أوغل فيه حد الفجيعة المرعبة.

محمد خير الدين هو الكاتب الذي لم يهادن ولم يتصالح مع أي من أشكال الظلم والاستهتار بالإنسانية كما أنه كان المسكون بالرفض القاطع لكل ما هو راكد ساكن ومظلم مشبوه.. محمد خيرالدين كان الجديد المتجدد المفعم بالحياة حتى في أكثر اللحظات المرعبة تنمرا والتي كان فيها الموت متربصا به بوحشية لا يدرك هول مرارتها ووجعها غير من عاشره وصاحبه آناء يقظته والغفو.

ذاك هو محمد خيرالدين العصي على الاجتثاث، الرافض، الصريح حد الذبح…المارق عن كل ما هو مستنسخ ومألوف… متوقد الذهن، الصافي من شوائب التزلف والتملق والتهريج مما يتصف به الكثيرون من الذين يغيرون في اللحظة ذاتها دون خجل العشرات من الأقنعة.. المتحرر من الخوف، المتمرد، البريء من الانبثاث، المحارب، الثائر… الشاسع،المالك لأسرار فتنة لغة يروضها وفق ما شاءت له الرؤى والتوتر… الحاد المزاج إلى درجة قد تبدو في بعض الأحيان موغلة في الإفراط. ذاك هو محمد خير الدين الإنسان في أصفى تجلياته وأصدقها.

أصيب محمد خير الدين بداء السرطان العضال الذي لم يعتقه إلا بعد أن سامه أمر عذاب صوره الموعود للأبدية في « يوميات سرير الموت » كما لم يصوره أحد… توفي في الثامن عشر من تشرين الثاني من سنة خمس وتسعين وتسعمائة وألف.

من مؤلفات محمد خير الدين :

_ ديوان شعر : غثيان أسود..  عن دار نشر لندنية في السنة 1964 وهو أول مؤلف ينشر له.

_  رواية: أغادير.. عن دار سوي الفرنسية للنشر في السنة 1967

_ رواية شعرية: الجسد السالب… عن دار سوي الفرنسية للنشر في سنة  1961

_ ديوان شعر : شمس عنكبوتية…. سنة   ١٩٦٩

_ ديوان شعري : أنا المر

_ رواية النباش.

_ديوان شعري : انبعاث الورود البرية.

_  أسطورة وحياة أغونشيش.

_ صدر له بعد وفاته «نصب تذكاري» و« كان ثمة زوجان سعيدان».

النباش

الفصل الثاني

عما قريب، يحتمل أن أصف حبسي في أحد سجون الجنوب، البعيد عن زنازين المساجين العاديين والعالي جدا إلى درجة أنني لا أقدر على رؤية شيء آخر غير كوة معتمة ودامسة لا يتعدى قطرها العشرة سنتيمترات والتي تشبه كثيرا عين السيكلوب?536; لكن ذلك لم يكن ليرعبني بنفس قدر ارتعابي من نزوات الأضواء الغريبة في المقبرة حيث أذهب للنبش عن قوتي. كنت لا أسمع أي صوت آخر ما عدا صوت ضراطي وصرير السلسلة المعدنية التي تنزل من الكوة العالية كل يومين مع جفنة مملوءة بحساء أسود أدخره حتى لا أنفق جوعا.  عند بداية وصولي إلى هذه البئر حيث أقبع الآن، لم أكن ألمس ذاك الطعام إذ أنني كنت أفضل القبض على بعض الجرذان كي أقتات بلحمها لكن وبما أن جلدها يتحلل ويتعفن فإن رائحة البئر أضحت نتنة إلى درجة لا تحتمل ولذلك وجدتني أقنع بالحساء. رغم كونه مرا، انتهيت بأن أجد للحساء طعما طيبا لعلمي أنهم لا بد قد وضعوا فيه عوضا عن الخضر الطرية أغصانا من نبتة الرند أو بكل بساطة عصارة عود الند وذاك ما كان لا يمكنني أبدا احتماله لو أنني لم أحب لحم الموتى.

ليس ثمة حارس واحد قريب من محبسي. هذا مما كان يفترض أن يضايقني كثيرا لكن وبما أنني أعلم أنهم يبغون موتي متسمما فإن هذا الأمر لم يكن ذا أهمية أو هو له قليل من الأهمية بحيث أنه من النادر جدا أن أفكر فيه. كنت أكرس وقتي في استرداد قواي والعودة إلى حياتي من جديد ومن خلالها استعادة ذكرى كل الذين احتكوا بها سواء عن غير وعي أو بكامل إرادتهم. يقال إنه قبل الموت يرى الرجل كل مراحل حياته تمر أمامه وكأنها وميض برق بيد أن هذا لم يكن حالي فأنا كان لدي ما يكفي من الوقت. أو قل إنه لم يكن لدي وقت كي أنشغل بالتفاهات. لم أتساءل قط إن كان الوقت موجودا. هو ربما لا يدل على شيء أو هو لا يعني شيئا يذكر. الوقت لا يوجد في غير أذهان المتدينين والتجار. تعاقب الليالي والنهارات، توالي الأشهر والسنوات، القرون وآلاف السنين، كل ذلك يبين ويمثل حقيقة وبكل بساطة حركة تلف وتآكل. لا شيء في كل هذا يستحق أن أفكر فيه ! من الأكيد أننا نولد ونموت بيد أن ذلك يشبه تقريبا أشرطة من الصور، الضوء والظل. ذاك ما يحدث بين ولادة وموت كائن يخلق فكرة الزمن. شيخوخة الصخور تحمل في ذاتها محض كتابة شكلية. يمكن تسمية ذلك بالزمن غير أن الفلاسفة يتيهون مثل الخرفان وينسون كل ما هو مهم وأساسي. للعلم أن الفعل لا يتضمن فحسب النبضات التي تقوده.لكن لنعد إلى خرفاننا التي لا يمكن أن تكون أبدا فلاسفة.

من أين تراني سأبدأ ما دام يجب علي أن أمر مستعرضا الأحداث التي وسمت حياتي؟ هل أبدؤها بفترة الصيد تلك التي دامت سنة في محطة صغيرة للحمامات البحرية في جنوب فرنسا أم بشيء آخر؟ المشكلة فعلا هي أنني في فرنسا امتهنت كل أنواع الأشغال: كنت عسكريا، ماسح أحذية، خادما، مخبرا، قوادا، عاملا منجميا، مدير فندق أعور وبائع صور بورنوغرافية. كنت أقدر على أن أبقى جنديا بما أنني تلمست شيئا ما كنه الحرب. ذاك لم يكن شيئا يذكر. إثر مغادرتي لساحة الوغى،  جربت إطلاق العنان لكل مكبوتاتي ومحاكاة أناس الهناك إلى درجة عدم القدرة على تمييزي بينهم. لكن الذين يعرفونني جيدا كانوا يحترسون مني ويتجنبونني بسبب شاربي المتدليين مثل مخلبين. أبناء بلدي كانوا يلقبونني بـ « موسان توزلين » وهي تعني حشرة «أبو مقص» بيد أن هذه التسمية لها ميزة أنها تحدد بدقة طبيعة الحشرة المذكورة. حرفيا هي تعني موسى-أبو-المقصات، كان يجب أن أخترع حياة لا علاقة لها بتلك التي نعيشها عادة والتي تمثل عقبة إزاء شكوكي، ترددي وحيرتي. علي أيضا أن لا أهمل أيا من التفاصيل المتناهية في صغرها والتي تخص ما عشته حتى اللحظة الراهنة. أن أختلق لي حياة جينيرال أو رئيس فرقة أو مذهب على منوال حسن- ابن – الصباح أجل هذا هو ما يجب أن يحدث الذين يضطهدونني سيجدون سببا كافيا لإدانتي دون أن يحقدوا علي حتى. عندما أشطب من هذا العالم سوف يضحكون… لا… هم سيبكون من فرط الضحك ويحتفلون بتصفيتي وحذفي من العالم في الماخور أو الجامع.

أنا لم أفهم أبدا لماذا لم يعن لي وجودهم شيئا كما أنني لم أحاول إطلاقا إعطاء قيمة لعجيجهم المتنافر ولا حتى لاحظت تفرد المحيط الذي أعيش فيه. رغم ذلك أنا وفدت إلى هذه الحياة في الجبال.  ولدت بين أربعة جدران من التراب المكتنز المتصلب الممزوج بالقش، قرب وابور القاز، ووسط رائحة الأبقار والسعتر. لم أقدر قط على فهم تشكيلة انعكاسات نور الشمس وحدة الأشعة على الحصى أو على الرمال أو ببساطة أكثر على بركات ماء صغيرة في حالة تبخر. إن صادف أن تحدثت عن هذا فإن ذلك يحدث بإعادة خلق شيء ما أجد صعوبة كبيرة عند تحديده في الزمن. معلمي كان لا يضربني بما أنه يعلم أنني ابن القايد وأمي لم تكن تغير وجهتها عني كما تفعل جميع أمهات بلدتي طبعا. بيد أنني لم أقدر أبدا على أسر قلبها والاستحواذ على حبها. كانت تفضل تدليل إخوتي وأخواتي لكن ذلك لم يكن ليحسسني إطلاقا بأنني محروم أو غير راض. لا شيء كان يهم بالنسبة لي أكثر من عجرفة مقدم الجيش الفرنسي الذي قفز من الجيب وهو يمد لي بندقيته ويسدد إلى ظهري عدة ضربات قوية قال إثرها: «سوف تغدو قاسيا وعنيدا أيها الخانب (الراعم) الصغير.» ثم قال متوجها بالكلام إلى أبي: « هيا نأكل.»

تواريت مع مخازني الدائرة وذهبنا لصيد الأرانب البرية والضأن الوحشي. بالفعل لقد طرحنا أرضا كل ما كان يتحرك وراء أي دغل يصادفنا. عند أوبتي إلى المنزل، وجدت أبي والمقدم (الكوماندان) جالسين على الأرض بينما أخواتي اللاتي لا يفتأن يسترقن النظر إليهما يجهزن المائدة ويضعن بين أيديهما الأرانب البرية المحشوة باللوز وكل الأطباق المحضرة بفائق الإتقان. كانا يقهقهان بصوت عال كلما خطرت على بالهما ذكرى اصطياد أحد الثوار الذين ما زال البعض منهم يرفضون التخلي عن تمردهم على السلطة الاستعمارية أو عند التحدث عن الرسول وعن الطريقة التي سممته بها يهودية خيبر. أظن ولست متيقنا من الأمر أن الرسول وهب لنفسه واحدة من النساء اليهوديات كانت فاتنة الجمال.

نحتت من قالهما وقيلهما مقتطفات في ذاكرتي ورسخت ذبذباتها التي كنت لا أحتملها إلا لكوني أغبط القائد على وضعه ذاك وهو لا ينفك يلمس شاربه الذي اختلط سواده بالبياض دون انقطاع ويتجشأ شتائمه وسبابه  ضد أولئك الوضيعين الحقيرين القملين ممن ينظمون لتلك الاضطرابات ويحثون عليها. وبحركة عنيفة ينزع أبي عمامته تاركا رأسه المحلوق تماما عاريا ويقسم بأن شابا واحدا من هؤلاء البلديين لن يبقى في الناحية وأن كل رجل سليم البنية غير مؤد لواجبه في مدن الشمال سوف يستدعى ويسخر للقيام بمساره وبالتمارين العسكرية… فإن تم عصيان الأوامر… ويحمل أبي سكينا ويضعه على رقبته… علامة على أن القرويين سيتجرعون بشراسة المر لأقل عمل مخالف للقانون يأتونه… وينفجر المقدم ضاحكا ويعد أبي بأن التقرير الشهري الذي يخصه سيكون مخصصا في معظمه لوصف صرامته وحزمه وأن ولاءه للقوة الحريصة على تمدن القرية والخروج بها من غياهب الجهل سوف يجازى ضعفه مائة مرة. ولهذا السبب فقد أقنع القائد كل شيوخ القبيلة بتسهيل عملية اختراق أفواج العسكر الاستعمارية لكل المناطق وفي كل الأحوال فإن هذه البلاد بامتداداتها الصحراوية تنغلق على الكثير من الثروات ما يجعلها تنشئ دولة جديرة بهذا الاسم.

أدرت رأسي وحدت بسمعي وأنا أمسك ببندقية القائد وأفرغ خزانها وأقلب الخراطيش. آه  الخراطيش الجميلة والقذائف الصفراء الصغيرة الرائعة رشفت مسحوق البارود المتدفق المتفجر والذي يجعلني أحس بالحياة أكثر مما يفعله الهواء وكل ما يتحرر من غازات من الأعشاب المذابة بمفعول الحرارة. المسحوق المجدول على شكل حبل تنتج عنه التماعات تسطع بشدة لكنني لا ألهب حريقها بغير نظراتي. معادن بمحتوى فريد… أعرض على أخواتي الجالسات على الحشايا المرتفعة شيئا ما الخراطيش الصغيرة الصفراء والحمراء ثم وبكل رفق وحنان أداعب زناد البندقية الذي جعلني أرى زهو حياة خاوية. أحببت بعمق تلك البندقية التي وددت لو أنني كنت مالكا لها… أحببتها على طريقة المهووس المرمي على امرأة والجا إياها إلى حد الإعياء…

الفتيات يهدلن بصوت خافت. أبي والقائد يغرغران بكلمات هابطة ويدخنان السجائر الشقراء أو غلايين الكيف دون أن يلتفتا إليهن… ثم… ما أبعد كل هذا الآن  أنا لست إطلاقا جينيرالا للذاكرات. لن أذهب أبدا فيما وراء ظلي. لكنني لا أهتم كثيرا بأن أحيا الكوابيس التي عشتها سابقا مرة أخرى لذلك أجدني أسير دون أي إجراء يذكر… دون… انظر  إنني أفقد خيط الحديث والأفكار… آه أجل النساء أو البنات، ليس مهما… النساء وبصفة خاصة أولئك اللاتي لا يغادرن المنزل أبدا واللاتي يعتبرنني طفلا من هذا المحيط البائس المملاق القمل ويتفنن في مداعبتي ودغدغة كل جزء من جسدي. يشرطن جبهتي بشفرة موسى الحلاقة مدعيات أنني أرشح بحمى مستنقعات التي حولها إلي بكل عنف شيطان قادم من قاع أعماق الجحيم… وكأن البندقية نزعت مني نهائيا ولرعبي أجدني خاضعا منقادا لمواصلة ودون أي عصيان حياة الطفل المملة والتي كنت خلالها ورغم أنني المدلل مهملا ومنبوذا من طرف خليلات القايد المسيطر على ستة آلاف شخص متخفين، راكعين ومقبلين يده ويدي أيضا عندما يتعلق الأمر بخصومة ما عادية لكن المحترزين مني دائما وكأنني التراكوما?536; والموشوشين أنني غير عادي وبالتالي فأنا المؤذي المختلف عن أبي الذي يؤدي لعبة طلب منه تجمع القرى تأديتها وأنا الذي لا أحب غير الأسلحة والحرب خارج الدوائر الضيقة المحدودة حيث  نعيش منتصبي القوائم تماما مثل الضفادع. الحقودون والحساد يعاملونني بطريقة مرائية وماكرة وكأنني ابن عاهرة بدعوى أنهم من العساكر الشمال الإفريقيين أو من أحد التنظيمات التي يتوخاها آنذاك الوضع العسكري في الجهة حيث الاضطرابات ومقاومة المحتل اللذان كانا وهما في أوج امتلائهما يضربان في الصميم.كنت أشرح لهم أنني لست مسؤولا عن شيء مما يحدث بيد أنهم كانوا يبصقون من فوقي وعندما كنت أتعرض لمحاولات تعنيف من طرف أولادهم كنت أتقن الدفاع عن نفسي حتى أنهم كانوا دائما ينسحبون على أعقابهم بجروحهم الدامية الفاغرة.

في تلك الفترة أدركت أن القايد لا يعدو أن يكون أداة لعالم كنت ما زلت أجهله… دمية لا غير…على النقيض من ذلك كان المقدم ««الكوماندان»» يعتبر نفسه أبي الحقيقي إذ أنه الذي كان يعالجني غالبا عندما أمر بظروف صحية صعبة وهو الذي يقدمني إلى معلمي المدرسة حيث يعلموننا كيف نحذر العرب، الزنوج واللصوص وحيث كانت كل الأحداث المرعبة التي تقع  في جهتنا والتي يحاول أبي وشرطته اختزال مداها ونتاجها وقمعه  بمحو خصومه ولوي أذرعهم تمر في صمت ولا مبالاة.

ذات صباح رحلت دون ترك أي تفسير. كنت حينها في السابعة عشر من عمري وكنت قد ضقت ذرعا بكل ما يحدث عندنا. لم أكن أعرف لي وجهة معلومة وكنت أذهب إلى حيث تحملني قدماي لكنني كنت أعول على أن تقودني المصادفة وحدها إلى حيث تشاء هي. حينها كان قد مضى على نقل المقدم من مركزه زمن طويل بينما بقي أبي يواصل حياته الخاملة بين نسائه وجواسيسه. قطعت عشرات الكيلومترات ماشيا على قدمي إلى أن انتهيت بالوصول إلى مدينة لم أعد أذكر اسمها. ما أدهشني كان ملابس الرجال والنساء هناك. في المناطق الجبلية تعودت على رؤية كل النساء يرتدين الأسود بينما وجدتهن في هذه المدينة يلبسن ثيابا متنوعة. لا يمكن أن يرى منهن غير عين وامضة حيث تمتزج الشهوة بالخوف في هجوم حانق ومتمرد سرعان ما يرتد حائرا. عندما وصلت إلى تلك المدينة لم أكن أملك أي مبلغ من النقود. خلال الأيام الأولى عشت على النهب وعلى وسائل أخرى. غالبا، كنت أترصد ضحاياي آناء الليل وأنا متخف في زاوية. كنت لا أغير على غير المارين من راكبي الدراجات المتعجلين الذين أسقطهم بجعلهم يتعثرون بواسطة سلك حديدي مشدود أسد به الطريق فيصبحون فرائس سهلة أنقض عليها بسرعة البرق وأسلبها.كنت كمن يمارس بكل سرور وطيبة خاطر لعبة النسر والحية بيد أن الصراع ينتهي دائما لصالحي.

ها أنني مرة أخرى أجدني مرميا بعيدا جدا في الزمن كي لا أخلط بين ما وقع لي فعلا وبين كائن آخر كان يحيا ملء كل صبغياتي. ما هم ذلك يجب أن أزيلني مني تماما كما غدوت الآن، أن لا أنتظر اطلاقا وأن أضمحل ربما خلف حواجز وأحجبة الحيوات المريحة الرضية التي أحملها والتي تتبعثر في الأخاديد الضيقة لحياتي السابقة  بالتباس أرعن لجرائم فخمة وحكمة نمل لا أحد يسميها حكمة الدولة. تخلصت من مشاكستي وشراستي ورميت بهما في البحر أو لا أدري أين، لم أعد أذكر… ما صرت قادرا على إثارة أي شرارة عنف بدواخلي. من غيظي الأكثر عنفا، صار لا يكفيني غير وثبة كي أحط في وضع من اللامبالاة والمزاح. من الضوء( الذي هو علامة بائسة لحقيقة لا ينفكون يقرعون بأمثالها وحكمها أذني كما بالوعيد المتكرر دائما.) استنتجت النور الوحيد والحقيقي المرتكز على الركود إلى ما لا نهاية… بين مع أو ضد، قضية ما لكن عندما علا في صبغياتي وفي خلايايا ذاك المقدم (الجينرال) الفاخر مثل جثة خارجة لتوها من البلوى ومن جحيم الألم منتزعا الأشرطة التي تطوقه بحركات عبد بصدد التحرر، ينمو الضوء فجأة ويسطع في كل مكان حيث أستطيع أن أكتمل مقابل ألف جرم (جناية) تتغير في احتفالات لمجد هذا الصلف المتجبر ولخنجره الشبيه بشاربي اللذين كانا فيما مضى.

حيث حطت بي ساقاي كان نفس المشهد يتكرر، مئات الآلاف من النساء والرجال يعيشون نفس الحياة المستنسخة على كدس من السحب لا يعتقد بجدواه غير أولياء الأمور من كبار القوم الكئيبين والساديين الذين لا هم لهم إلا أن يعيشوا مثل الصعاليك البائسين. هم لا يقومون أبدا بما من شأنه أن يرفع من قدرهم ويجلب لهم ولو قليلا من احترام ما، بيد أنهم يرسون سلطتهم ويرسخونها بواسطة رجال شرطة سريين ينوبون عن العدالة في حين أنهم الذين ينفونها ويحرمونها ويدينونها ويعمدون إلى أن يجعلوها لا توافق غير رغباتهم وإراداتهم الخاصة. كذلك كان وصولهم إلى السلطة وبروزهم بواسطة الفساد المنظم، الوشاية، النذالة واللصوصية السياسية.

كانوا يبتكرون أبهات وفخامة على الشواطئ مقابل المحيط وهم يحولون الأكواخ والمنازل الخشبية (البنغالوات) إلى كازينوهات خسيسة وقذرة حيث كل أنواع الألعاب متوفرة. يلتهمون فيها المئات من جراد البحر، سرطانه، السالمون المدخن، التيس الجبلي، المشوي الملتمع كالذهب و القاروس الناضح بجبروت البحر ويتعثرون وسط موائدهم الاحتفالية في حكايا بذيئة، مالية، وتحالفات كوكبية. هي القرون الوسطى المتأخرة التي تجعلها المغالطة التاريخية والمفارقة تتوافق مع الوسائل الحديثة المستعملة لغرض واحد ألا وهو توطيد دوامها وزرع الرعب في المجموعات الإثنية المتعادية والمتناحرة والمستعبدة من طرف تقاليد فرضت عليها بالحديد أو بإغراءات الدين المخادعة. كي يكمموا أفواه المحرضين ومثيري الفتنة الخطرين ويخرسوا مرضى الثورة المفترضة كانوا ينظمون الدعاوي المزيفة متعللين بانقلابات تحركها أياد طويلة يسيرها الأغراب الذهانيون المصابون بجنون العظمة. كانوا يختطفون في قلب النهار أو عند انبلاج الفجر عشرات القرويين والطلاب وبعض العناصر ممن يثيرون الريبة من الطبقة المتوسطة وكانوا يضعون تحت أذقانهم وأنوفهم مسدسات صدئة، هراوات ومنشورات هدامة لم يسبق لهم إطلاقا أن رأوها. كانوا ينكلون بهم وفقا لما تعودوا عليه من ممارساتهم قبل أن يرسلوا بهم إلى وكيل الملك الذي يعهد له فقط بتسليط عقوبات معينة مقدما. كانوا يعدمون بعضا منهم فيعود كل شيء إلى سالف هدوئه. هدوء تكدره إضرابات تلاميذ المعاهد الثانوية في فترات مبعثرة أو بعض المقالات الجريئة لرؤساء تحرير من البورجوازيين ممن يحكم عليهم فورا بالسجن لمدة ثمانية عشر شهرا بتهمة المساس بالذات الملكية. في أثناء ذلك، كان يقع حبك تفاصيل الانقلاب الحقيقي في كواليس القصر أو في ملاعب الغولف حيث يلعب المحرض الأساسي مع جلالة الملك، ملقنا إياه باستهزاء مباهج بطالة تقاعد ذهبي. لكن كيف لا يقع التآمر على إله لا يوجد إلا من خلال قديسيه الكواسر وفي عفونة أخلاق وأدبيات حضارة ما زال لا يتقيد بها غير القرويين ومحاربي الريف الذين لا يقاومون إلا من أجل البقاء على قيد الحياة. بعض المغامرين المشاكسين من الشيوخ كانوا يهيئون أنفسهم مسبقا لنشر غسيل الملك القذر على الملأ وهم يقولون لأنفسهم إن الشمس هي التي ستتكفل بإذلاله في عيون أصدقائه فيما وراء البحار والذين هم مع كل ذلك يعرفون حق المعرفة أنه لا يعدو أن يكون رجلا بائسا لا يصلح بتاتا أن يكون جديرا بذلك الاسم وتلك المكانة.

لنعد إلي الآن. مرة أخرى أدع نفسي تذهب بعيدا بأفكارها مثل مثقف فظ… مثل مستمتع بحيوات لم تكن له وليس مثل آكل جثت الموتى، أو جندي فيلق قديم أو مدير فندق سابق أو عامل منجم سابقا.. سابق هذا وسابق ذاك… السلسلة الحديدية ارتفعت منذ قليل بعد أن وضعت جفنة الحساء على البلاط. احتشدت الجرذان حولها… بكل تلك السرعة لم أتحرك لكنها كانت ترمقني مراقبة. واحد منها ضخم مثل ثمرة حنظل لم يكف عن البحلقة مباشرة في عيني. يبدو أنه رئيسهم. اللعنة لقد التهمت الجرذان كل حسائي. فلندعها تفعل ما عن لها. سوف أصوم قليلا وهكذا فإنني سأصعد بعيدا في الزمن. يجب أن يسترجع أنفي وعيناي قدرتهما على المسك بالروائح القديمة والأشكال والألوان التي كنت أحبها كثيرا وأعرف كيفية اكتشافها. لعلني أعود من جديد إلى صيد هذه القوارض. كل ما في الأمر هو أنه يجب علي أن أنشط عضلاتي ببعض الحركات حتى تتخلص مما صار يصيبها من خدر… سوف نتحدث مطولا في هذا الأمر لاحقا… في السابق، كنت أمارس الصيد الحقيقي… لم يكن ذلك بواسطة البندقية… لا… كنت أنصب فخا للثعالب وفي كل صباح أجد أرنبي البري. ذات يوم، لم أجد الفخ في مكانه. كان ثمة فقط  أثر الطريدة التي سحبته. تتبعته بدقة إلى أن انتهيت بتعيين مخبإ الشيهم. كان فعلا شيهما وقد عرفته من خلال أشواكه المنثورة خلفه. كان يجب أن أرجع إلى المنزل بحثا عن عصا طويلة، شمعة وأعواد ثقاب لأن طريدتي لجأت إلى تجويف عميق. زحفت على البلاطة الصخرية والعصا أمامي. فجأة أسرع عقرب بالانسحاب من تحت أنفي… عقرب طويل ومشعر… نجحت خلال بضع دقائق في جعل الفخ يعلق فسحبته إلى الخارج والشيهم في الأسفل لا ينفك يحرك قوائمه. سددت للحيوان ثلاث ضربات بالهراوة قبل أن أحمله على كتفي إلى أن وصلنا إلى القرية. استمتعت يومها. الأرامل كذلك استمتعن مثلي. امرأة عجوز سألتني بينما كنت أسلخه إن كان الشيهم ذكرا أو أنثى. وأجبتها إنها أنثى وحينذاك ترجتني أن أعطيها عضوها التناسلي. اقتطعته بإتقان وسلمتها إياه. بعد ذلك أخبرتني أنها ستستعمله كشراب سحري للحب. تابعتها وهي تغادر ثم انكفأت على الشيهم أواصل سلخه.

أوف مرة أخرى أجرجر نفسي حيث روث البقر… هذه المرأة العجوز، هذا الشيهم وهذه الشمس التي تقتلهما.. كل هذا لا يجعلني أتقدم إلا نحو اللاشيء. وإلا فإنه يجب علي أن أهيئ نفسي سريعا لخسران أعدائي الغير قابلين للتنقيص (للاختزال). هم فوج بأكمله وقد أعدمت بالرصاص بعضا منهم بعد حمام دم جدير بالذكر. لعلني أقول لاحقا ماذا كان يعني وجودهم بيد أنني لن أنتشر على ممتلكاتهم. شخص مثلي لم يعد له شيء يخسره. ومع ذلك فأنا ما زلت متشبثا جيدا بالأرض كي أجنب نفسي كل ما هو جنحة أخلاقية. القارئ سيء النية سوف يخلط بكل سرور بيني وبين سفاح فظ، مرتكزا في رأيه على كون ماضي يشطب ويتشعب، لذلك فهو سيركد أو يخرمني بتشف لكن قارئا متواطئا مع انزعاجي ومزاجي المتوتر يستطيع دون عناء تحمل جلدي المتعفن وكل جراحاتي الدامية. أنا منهك… أنا سئم.. أنا مشمئز… مشمئز إلى درجة أنه يجب أن يكون هناك مسرح كي أثبتني، ماسكا سلاحا قديما لا ينفك يضرط، مؤرجحا الواقي اللزج في البالوعة، صافعا أيا كان، متعقبا أثري بنفسي مثل حمار يسيل قيحه، على كل مساحة الصحراء وحتى فناء قصر ملك متوعد يتقيأ  ما التهمه من جراد البحر وجلالته القاتلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

٭ مرض التراكوما هو التهاب يؤثر بشكل رئيسي على الأغشية المخاطية التي تغطي العين والأجزاء الداخلية للجفون… ويسمى أيضا الرمد الحبيبي الذي يتسبب في حال عدم المعالجة تلف العين وفقدان البصر.

آسية الخسيري مترجمة من تونس

((نزوى))