المتخيل الديني عند البرتغالي

جوزيه ساراماغو

عبد المجيد الحسيب

ولد جوزيه ساراماغو في البرتغال سنة 1922 وتوفي سنة 2010. بعد مزاولته لمهن كثيرة ومختلفة سيكرس وقته وحياته كليا للأدب. انخرط في الحزب الشيوعي البرتغالي منذ سنة 1959 وكان من مناهضي العولمة. حاز عدة جوائز عن أعماله الأدبية، ولعل أهمها هي جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها سنة 1998. له أعمال كثيرة أهمها «العمى»، التي عمل من خلالها على تصوير الجوانب المظلمة في الإنسان، بما فيها من أنانية وحقد وميل طبيعي نحو الشر والظلم وإيذاء الآخرين. إن من يقرأ هذه الرواية سيشعر بالخوف ليس من الآخرين فحسب، بل من نفسه أيضا. كما نشر «سنة موت ريكاردوريس» وفيها حاول إعادة كتابة سيرة الشاعر البرتغالي الكبير بيسوا بطريقة روائية، متوقفا بشكل خاص عند لعبة القرين التي كانت أثيرة لدى هذا الشاعر. فكما هو معروف فإن بيسوا كان ينشر أعماله بأسماء مستعارة كثيرة، وكان يعطي لكل اسم سيرته الخاصة. ثم هناك روايات أخرى كثيرة كـ«البصيرة» و«سيرة فيل» و«قصة حصار لشبونة»، وغيرها من النصوص القوية والمهمة التي أثرت الأدب العالمي، لكن ما يهمنا نحن في هذه الورقة هي النصوص التي اعتمدت المتخيل الديني كمنطلق لها.

ومن بين هذه الروايات هناك «الإنجيل كما يرويه المسيح» وهي من الروايات القوية والجريئة، وقد عمل فيها ساراماغو على إعادة كتابة سيرة المسيح بطريقته الخاصة، مركزا على الجانب الإنساني في حياته، وما كان يتجاذبه من رغبات وأهواء ومخاوف وغيرها. لقد انطلق ساراماغو في هذه الرواية من الكتب السماوية وحاول من خلالها تتبع حياة المسيح منذ ولادته حتى موته، من دون أن يعير كثير اهتمام للحقيقة التاريخية، لأنه ظل ينتصر للحقيقة الروائية التي تعلي شأن الإنساني ضد الإلهي والدنيوي الأرضي ضد السماوي الغيبي.

لقد عمل ساراماغو، في هذه الرواية، كما هو الشأن في باقي رواياته التي اعتمدت هذا المتخيل كمنطلق، على تقويض المسلمات وزرع بذور الشك والتساؤل وإدانة الدماء التي سالت ولازالت تسيل باسم الدين. إنه ينتصر، بشكل عام، للإنسان ولحقه في أن يستمتع بمباهج الحياة. وفي أقوى وأهم فصل في هذه الرواية، وهو الفصل الذي سيجتمع فيه الإله والمسيح والشيطان في أعماق البحر على متن قارب صيد لمدة أربعين يوما، وفيه كان الإله يحاول إقناع المسيح بتحمل قدره لأنه سيضمن له المجد والخلود، وقد كان السيد هو الذي يتكلم في هذا الاجتماع، أما المسيح فكان يطرح أسئلة إنسانية عادية لا تخلو من حرج، ومن بين الأسئلة التي طرحها عليه هي ماذا سيقع بعد صلبه وكم يحتاج انتصار الإله من حروب ومن دماء؟ وعندما بدأ السيد يتحدث عن الأنهار من الدماء التي ستسيل من أجله، ارتعب الشيطان وتدخل قائلا بأن كل هذه الفظاعات هو الذي سيتحمل وزرها طبعا، هنا اقترح الشيطان على الإله استعداده للانسحاب من الوجود وتركه وحيدا مع مخلوقاته، لكن السيد رفض هذا الاقتراح وأكد له بأن وجوده رهين بوجوده هو كشيطان، وغيابه يعني غياب الاثنين معا. إن الشيطان هنا يصير قرينا للسيد. وفي آخر الرواية ولحظة صلب المسيح سيكتشف هذا الأخير أنه خُدع من طرف السيد لذلك صرخ صرخته المدوية الأخيرة، «أيها الناس اغفروا له، لأنه لا يعلم ماذا يفعل».

لقد أثارت هذه الرواية، لحظة صدورها سنة 1991، ردود فعل عنيفة ومستهجنة سواء من طرف الكنيسة أو من طرف الحكومة أو من طرف القوى المحافظة، ما اضطر كاتبها إلى المنفى الاختياري في إحدى جزر الكناري.

وإذا أردنا أن نقارن هذه الرواية برواية كازانتزاكي، «الإغواء الأخير للمسيح» فيمكننا القول إن الفرق بينهما هو أن كازنتزاكي كان مشغولا بتوق المسيح نحو المطلق، أما ساراماغو فقد عمل على أنسنته، لذلك انتصر المسيح عند كازانتزاكي في حين أحس أنه خُدع في رواية ساراماغو. إلى جانب هذه الرواية هناك روايات أخرى جعل فيها ساراماغو المتخيل الديني مكونا أساسيا في بناء عوالمه كما هو الشأن في رواية «الإله الأكثع» التي بيعت منها آلاف النسخ وكذا رواية «قايين» وغيرهما. تتحدث هذه الرواية عن رحلة الضياع والتيه التي عاشها قايين بعد أن قتل أخاه هابيل بسبب الاحتقار والازدراء الذي أحس به من طرف الإله، الذي كان يستقبل قربان هابيل ويرفض قربانه هو، لذلك حكم عليه السيد بالرحيل والضياع إلى الأبد. قال له «ستمضي هائما على وجهك وتضيع في العالم». ولأنه لا يمكننا تتبع قايين في كل رحلاته فسوف نتوقف عند بعض اللحظات الدالة والمهمة في هذه الرحلة، التي لم تكن رحلة في المكان فحسب، بل كانت أيضا رحلة عبر أزمنة مختلفة.

ففي إحدى رحلاته سيلتقي بإبراهام وهو يقود ابنه إسحاق ليقدمه قربانا للسيد، وقد تدخل قايين شخصيا لإنقاذ الطفل لأن الملاك الذي أُوْكلت له هذه المهمة تأخر بسبب مشكلة ميكانيكية في جناحه الأيسر! وفي حوار قوي الدلالة بين الابن، بعد نجاته، والأب، نقرأ في الرواية: «سأل إسحاق، «أبتاه، أي ضرر سببته لك وجعلك تريد قتلي، وأنا ابنك الوحيد، لم تسبب لي أي ضرر يا إسحاق. لماذا إذن أردت قطع عنقي كما لو كنت حملا، سأله الصبي، فلو لم يصل هذا الرجل الذي يلفّه السيد بالمباركات ليمسك ذراعك، لكنت تحمل الآن جثه إلى البيت، لقد كانت فكرة السيد الذي يريد دليلا، دليلا على أي شيء، على إيماني، على طاعتي، ومن هو هذا السيد الذي يأمر بقتل ابنه…». إلى أن يقول الطفل بمرارة «لست أفهم هذه الديانة يا أبتاه. ورد عليه والده «حاول أن تفهمها يا ابني لأنه ليس لك من سبيل آخر. والآن أريد أن أطلب منك طلبا، طلبا واحدا بائسا، ما هو ، أن ننسى ما حدث».

يتضح من خلال هذا المقطع أن ساراماغو كعادته ينسج محكياته بلغة طافحة بالسخرية وبالتجديف، لغة متشككة متسائلة مرتابة تسعى إلى الانتصار للإنسان وتجرد القصص الدينية من مثاليتها القدسية عن طريق إعادة صياغتها بطريقة مغايرة ومختلفة. لقد اتهمت هذه الرواية بدورها بتحريف التوراة، كما أثارت حنق اليهود والنصارى على حد سواء، واتهم ساراماغو بأنه كاتب غير أخلاقي. كما حاولت هذه الرواية أن تقف عند أهم المحطات في التوراة وإعادة صياغتها بطريقة روائية، كما هو الشأن مثلا مع برج بابل الذي كان من خلاله الناس يسعون إلى بلوغ السماء، وهو ما اعتبره السيد تحديا له فجعلهم يفقدون لغتهم الأصلية ويتكلمون لغات مختلفة لا يفهم الواحد منهم الآخر كي يتوقف، ذلك البناء الذي سيدمره السيد في ما بعد ويحكم على الناس بالتشتت والتشرد إلى الأبد.

هكذا يلصق ساراماغو بالسيد صفات سلبية كالأنانية والحسد والحقد والرغبة في سفك الدماء وغيرها. وفي رحلة التيه التي قدرت على قايين الثائر والمتمرد سيصل إلى أريحا التي دمرها السيد عن آخرها، وسيكون شاهدا على مجازر يشوع الذي قتل الآلاف ولم يتحمل موت ستة وثلاثين من جنوده، فبدأ يعاتب السيد على تخليه عنه ليعمل في ما بعد على حرق السارق جالب الهزيمة وغضب السيد إلى جانب زوجته وأطفاله ومواشيه في مكان لازال قائما إلى اليوم. كما كان قايين شاهدا على حرق مدينة سدوم وأهل لوط وتفحم أجساد الأطفال والنساء رغم أن السيد سبق له أن أعطى عهدا لإبراهام بأنه لن يمس الأبرياء. أما موسى فقد حرض أتباعه على ذبح كل من تخلى عنه وبايع العجل الذهبي. نقرأ في الرواية «إليكم ما يقوله السيد إله إسرائيل، فليأخذ كل واحد منكم سيفه، ويرجع إلى المعسكر ويمضي من باب إلى باب فيقتل الأخ والصديق والجار. فكان أن قتل على ذك النحو قرابة ثلاثة آلاف رجل. وكان الدم يسيل بين الخيام مثل سيل ينبثق من تحت الأرض». ولما شاهد قايين كل هذه الفظاعات سيقرر الهروب قائلا: «سوف أغادر، وقال له، لم أعد قادرا على تحمل رؤية كل هذا حولي، وكل هذا الدم المهدور»(…) إلى أن يقول «أنا لم أفعل أكثر من قتل أخي».

أما نهاية رحلة قايين فستصل به إلى سفينة نوح بعد أن قرر السيد إعادة تشكيل البشرية من جديد، بسبب تفشى الشر وانتصاره على الخير. في السفينة كان نوح يأمر أبناءه وقايين ونساء الأسرة بالتلاقح ليساهموا في خلق بشرية جديدة. لكن قايين بدأ يتخلص منهم الواحد تلو الآخر في أعماق البحر وعندما أوشكوا على بلوغ اليابسة صعق نوح حين اكتشف أن قايين تخلص من الجميع، ولأنه لا يستطيع مواجهة السيد اضطر إلى الانتحار. وحينما علم السيد بفعلة قايين صرخ فيه غاضبا «أهكذا تشكرني على إنقاذ حياتك حين قتلت هابيل، سأله السيد، فقال قايين، كان لابد أن يأتي اليوم الذي يضعك فيه أحدهم أمام وجهك الحقيقي».

يتضح إذن من خلال هذا التقديم أن ساراماغو يعتمد بشكل أساسي على الكتب السماوية، خاصة منها التوراة برواياته المختلفة في إعادة صوغ موضوعاته وعوالمه الروائية والأدبية بطريقة جريئة تقوم على التجديف والسخرية والتحوير من أجل بناء حقائق أخرى، حقائق تقوم على الاستفزاز والتساؤل والشك. فمن خلال هذه المعطيات يتضح: أن ساراماغو يعمل على تقويض الأخلاق الدينية ليُحِلَ محلها أخلاق دنيوية تنتصر للإنسان ولما هو أرضي ودنيوي.

– يمزج ساراماغو بين ما هو تراجيدي وما هو هزلي ساخر بلغة شاعرية شفافة يصير فيها الحوار سردا والسرد حوارا بأسلوب يميز صاحبه بشكل خاص.

– مع ساراماغو نحس أن فن الرواية هو فن الحرية بامتياز، فلقراءة هذا الكاتب ينبغي ترك الأحكام المسبقة جانبا والاستمتاع بعوالمه السحرية الفاتنة والبليغة الدلالة.

– لقد عاش ساراماغو ملعونا ومات ملعونا لأنه آمن بقدرة الأدب على تحرير الإنسان وتخليصه من الكثير من الأوهام بما فيها الأوهام الدينية والعقدية بشكل عام.

 

 

 

//www.alquds.