من هم رواد الشعر الأفريقي المعاصر؟

ربما كان من أهم نتائج ثورة «يناير» المجيدة الانتباه والالتفات بقوة إلي «بذور» الرفض والتمرد والمواجهة في الأدب المصري خاصة والعربي بشكل عام، مما لا يمنع بالتأكيد أو يقف حائلا دون الاعتراف أولا وآخرا بوجود هذه «البذور» أو «الجذور» في معظم أشكال وصنوف الكتابات الأدبية منذ أمد بعيد، بصورة يصح معها بل ويحسن تخيل الأدب محركا رئيسيا ودافعا قويا لفعل الثورة ذاته. وليس العربي فقط، إنما الأدب «الأفريقي» أيضا – بالنظر إلي موقع «مصر» الفريد مكانيا وجغرافيا – كانت له ومازالت سماته الثورية، ولمحاته الرافضة المتحدية لكل أشكال العنف والاستبداد والعنصرية، إذا استرجعنا منذ أمد ليس بالبعيد معاناة «الأفريقي» أو «الزنجي» علي أيدي مستعمريه وطغاته من التفرقة والعنصرية والتسلط. نتعرف علي ذلك بالفعل إذا استعرضنا معا بعض النماذج من إبداعات الشعراء الأفارقة المعاصرين والتي تنطق في صدق وشفافية بأسمي معاني المقاومة والرفض والانتماء. سنجور فنجد مثلا في شعر «ليوبولد سيدار سنجور» من «السنغال» ملامح الاعتزاز بالنفس والإحساس الدائم بالشموخ والكبرياء علي الرغم من «زنوجة» اللون والنشأة والتعرض طويلا للاستعمار إنه في لحظة انهيار الامبراطوريات الاستعمارية بأفريقيا، ينادي علي قارته بلادية الأثيرة إلي نفسه وروحه أن تفيق إلي أبنائها المخصلين الذين لم ينفصلوا أبداً عنها رغم الهجرة والرحيل، أن تستعين بهم وحدهم لأنهم القادرون علي تغيير العالم إلي الأفضل، القادرون علي بث إيقاع الحياة والنماء في الأرض التي اغتالتها الآلة الاستعمارية والقادرون علي إعادة البسمة للوجه العابس الحزين وإعادة بث الذاكرة في روح العالم وجسده. ها هي أفريقيا الإمبراطوريات تموت/ انه احتضار أميرة حرىّ بالرثاء/ وكذلك أوروبا التي يربطنا بها حبل سري/ لتراقبي بنظراتك الثابتة أبناءك الخاضعين/ أولئك الذين يجودون بحياتهم كما / يجود الفقير بآخر ثوب يملكه/ لنكن حاضرين عند الدعوة إلي تغيير العالم/ حضورا شبيها بضرورة الخميرة/ لعجين الخبز الأبيض/ وإلا فمن سيبث الإيقاع في العالم/ الذي اغتالته الآلات والمدافع؟/ من سوف يطلق صرخة البهجة لإيقاظ الموتي واليتامي عند الشروق؟/ قولوا لي: من سوف يعيد ذاكرة الحياة/ إلي الإنسان المحبط الآمال؟» ق «صلاة إلي الأقنعة». سيزير بينما يقرر شاعر مثل «إيمي سيزير» في البداية أنه لا حيلة أمام «الأفريقي» الذي عاني طويلا من التمييز والعنصرية في مواجهة ظروفه ومناخه القاسي الوعر، إلا نفسه وجسده وروحه إذ يواجه الهواء برأسه الصلد والشمس براحته العريضة المفتوحة والأرض بالقدم العارية المشققة، لكن لأنه جُبل علي العطاء والمنح والقدرة يتحول تقريره الأولي إلي شك بإمكانية حدوث ثورة عاتية من الغضب والتمرد تلتهم كل النزاعات العنصرية والاستبدادية مفسحة الطريق لدنيا أخري حافلة بالتحرر والانطلاق:- «نضرب الهواء الجديد برءوسنا الصلدة / سنضرب الشمس براحاتنا العريضة المفتوحة/ سنضرب الأرض بأصواتنا عارية القدم/ وستنام الأزهار الفحلة في خلجان المرايا/ وخوذات الفصوص ذاتها/ ستنخفض في غسق الأبد/ علي حناجر ناعمة منتفخة بمناجم الحليب/ أفلا نستطيع عبور الدهليز/ دهليز الخسران؟/ ان طريقا شديدا بأوردة فاترة صفراء/ حيث تثب جواميس الغضب المتمردة/ يركض/ ملتهما زمام الأعاصير الناضجة/ نحو الخيزران المبشر بأشفاق حافلة» ق «خسران». ويصل الأمر عند شاعر مثل «ليون كونتران داماس» في مسألة إحساس الاعتزاز بالنفس، أن ينفي امكانية تحول الأبيض «زنجيا» حتي لو رغب في ذلك، لأن «الزنوجة» – في ظنه- هي الشرف، هي الحكمة، هي الجمال.. «الزنوجة» عند «داماس» تمثل كل المعاني والقيم النبيلة السامية والتي يصبو إليها الكل: من شجاعة وصبر وحب وخيلاء، وفن وبهجة وسلام:- «أبدا لن يصبح الأبيض زنجيا/ لأن الجمال زنجي/ وزنجية هي الحكمة/ لأن المعاناة زنجية/ وزنجية هي الشجاعة/ لأن الصبر زنجي/ وزنجية هي السخرية/ لأن الجاذبية زنجية/ وزنجي هي السحر/ لأن الحب زنجي/ وزنجي هو الخيلاء/ لأن الرقص زنجي/ وزنجي هو الإيقاع/ لأن الفن زنجي/ وزنجية هي الحركة/ لأن الضحك زنجي/ لأن البهجة زنجية/ لأن السلام زنجي/ لأن الحياة زنجية». «ثأر الزنجي» ونجد شاعرا مثل «محمد الفيتوري» من «السودان» يقدم – مكانيا- علي اعتزازه بنفسه وبزنوجته وبلاده السمراء الفعل الاستعماري البغيض ضد بلاده، موضحا الانتهاك الصارخ للحرية الطبيعية والآدمية الربانية التي أودعها «الله» في هؤلاء «الزنوج» فلقد سرق الاستعمار أثمن ما لديهم، أثمن ما لدي الوطن، سرق تاجه ومجده، سرق سيفه، جعله أعزل إلا من إيمانه بنفسه وإيمان أهله به، ثم اغتصبه واغتصب خيراته وثرواته وكنوزه، ولم يكتف «الاستعمار البغيض» علي مر العصور وتعاقب الأزمان بذلك، بل اضطهده واحتقره حتي يكسر شوكته وينال من عزيمته وإرادته، لكن هيهات فالوطن باق، وأفريقيا باقية، والبشرة السمراء شارة أبدية تزين جبين الكون والعالم. «سرقوا أثمن ما يحمله صدرك يا أم بلادي/ سرقوا تاجك/ ثم اضطهدوك/ سرقوا سيفك/ ثم اغتصبوك/ سرقوا مجدك/ ثم احتقروك/ إنما لم يقتلوك» ق «عاشق من أفريقيا». نوكان وعلي الرغم من اعتراف شاعر مثل «زغوا شارل نوكان» من «ساحل العاج» بأن «زنوجته» هذه هي سبب استعباده علي أيدي القياصرة والمغتصبين وتسخيره في بناء وتشييد القصور وناطحات السحاب للآخرين، والنيل منه كدا وشقاء في سهول أوروبا ومزارعها، ووقوعه أسير الأغلال والقيود في بلده ومسقط رأسه وتألمه من جراء الظلم والاستبداد والعنصرية المذمومة.. إلا أنه يعود إلي فخره وعزته بسواد وجهه، بزنوجته، بأفريقيته المستحبة لديه والأثيرة إلي قلبه ومشاعره، إنه يرفع هذا التاج «تاج الزنوجة» في وجه كل قمع واستبداد مثله مثل كل زملائه الأحرار:- «أنا زنجي/ استعبدت علي عهد القيصر/ شيدت الأهرام والقصور وناطحات السحاب/ أنا أسود كليلة لا مقر يضيئها/ دمي روي سهول أوروبا الأنانية/ وكدي زرع مشاتلها/ وعمّر مصانع المعمرين والأمريكيين/ أنا زنجي يتذكر أبدا أغلاله الكثيرة/ أتألم في «الكونغو»/ في «الموزمبيق» وفي «أنغولا» من رصاص الاستعمار والإمبريالية/ يهشم جمجمتي ويمزق نياط قلبي/ أنا الكادح المقتول علي باب كوخه في سان دومينغو»/ وفي «الجزائر» وفي «فيتنام»/ أنا الأسود الفخور يرفع قبضتيه/ في وجه كل قمع/ أنا هو «توسان لوفيرتير» و«لومومبا» و«بن بركة» ق «مفكرة سجن». وبتفصيل أكثر عن أساليب «المستعمر» وطرقه الخبيثة في التحكم والسيطرة يخبرنا الشاعر «فرنسوا سانغات كيو» من «الكاميرون» بأنهم قالوا له: أنت لا تصلح إلا لخدمتنا، فأطاعهم وضحكوا عليه، أنت لست سوي طفل وأمروه بالرقص ثم ضحكوا عليه، أنت مذنب فتوجه إلي «الكنيسة» وعندما توجه إليها سخروا منه، أنت لا تصلح إلا للموت من أجلنا، فبذل دمه وروحه لأجلهم، فلعنوه وضحكوا عليه.. وأخيرا عندما نفذ صبره وعيل تحمله، خرج عن إساره وحطم قضبانه وحل قيوده، وتحرر من دائرة خضوعه واستسلامه ووضع يده في أيدي رفقائه، وبالرغم من أنه لم يجد منهم استجابة أو مشاركة لفعل التمرد والثورة، إلا أنه لم ييأس أو يمت بل تولدت لديه حيوات كثيرة وعزائم متعددة مصدرها الوحيد إيمانه بنفسه واعتزازه «بزنوجته». قالوا لي: أنت لا تصلح لشيء/ سوي أن تموت من أجلنا/ علي ثلوج أوروبا/ أرقت دمي من أجلهم/ لعنوني/ وضحكوا/ حينئذ عيل صبري/ ولما هشمت حلقات خضوعي الجبان/ جعلت يدي في أيدي منبوذي الكون/ فقالوا لي: يائسين/ غير قادرين علي إخفاء فتنة رعبهم/ من أنت فلست غير خائن/ مت/ علي حين أنني «أفعوان» بألف رأس» ق «قالوا لي».

 

http://www.masress.com/alkahe