• الرواية الجديدة.. تداخل الأنساق التعبيرية

الرواية الجديدة.. تداخل الأنساق التعبيرية

أحدثت التطورات المذهلة في عالم التكنولوجيا الرقمية، وإمكانات الحاسوب الواسعة ثورةً هائلة في عالم الكتابة الروائية، فلم تعد الرواية تتمثل في ذلك الخط الأفقي التتابعي للحكاية بقدر ما أدخلت آليات الصورة المتحركة، وتفاعلت الرواية مع فنون السينما، وأدخلت آليات الصورة المتحركة ضمن الكيفيات التي يتشكل بها الخطاب الروائي. وما تطور الآليات الزمنية في الرواية – مثل آليات الاستباق، والاسترجاع، والتشتيت – سوى نتيجة لتفاعل النص المكتوب مع النص المشاهد بصريًا. وسواء أكانت الرواية أسبق في استعمال هذه التقنيات الزمنية، أو السينما فإن ما يعنينا هو فكرة التلاقح، أو التداخل بين السرد وتلك التقنيات؛ فالسرد لم يكتسب القوة الفنية المطلوبة إلا بعد أن دخل في منظومة من التقنات الزمنية مثل الاسترجاع والاستباق . والأمر لا يقتصر على التقنات الزمنية وحدها، بل نجد هذا التداخل المتبادل في آليات مثل الكولاج، واللقطة، والمشهد، وزوايا الرؤية، والإبعاد والتقريب «الزووم» والإطار الداخلي، والإطار الخارجي للمشاهد…إلخ . إن فكرة التصوير البصري هي القاسم الأكبر الذي يتلاقى فيه النسقان» أعني النسق اللغوي والنسق التصويري»، بل إن فكرة صناعة المشاهد هي الصفة البارزة في السرد الروائي، وسرد السينما على السواء، وما أسلوب التصوير البصري بالكاميرا إلا جسر يشد علاقات الفنين معًا، ويؤكد على تداخل الأنساق السردية، ودخول آليات التصوير السينمائي إلى عالم السرد الروائي . ويؤكد بعض النقاد على التداخل بين الآليات السردية، وآليات التصوير السينمائي إلى حد ربطهم بين نشأة السينما والرواية في توقيت متقارب، مؤكدين على أن ولادة السرد العربي قد اقترنت بمنابت انبثاق الفن السابع الذي تبدلت معه خارطة الإبداع اللغوي والبصري على حد سواء. ويصل حد التداخل بين السرد الروائي، والتقنيات السينمائية إلى درجة دفعت بعض الباحثين إلى عقد نوع من المفاضلة بين الرواية، وفن السينما ؛ لينتصر في النهاية للغة السرد الروائي وكأن ثمَّ ما يدعو للقلق على لغة السرد من سطوة التصوير، أو كأنه يُخشى على اللغة الروائية من آليات التصوير، مما يستوجب – في تصور القلقين- النهوض للدفاع عن اللغة في السرد الروائي. إن الأنساق التعبيرية تتداخل، والفنون تتلاقح فيما بينها، ولست أرى مبررًا للخشية على السرد الروائي من سطوة التصوير أو غيره، بل إن سيرورة الرواية وتطورها ربما يتوقفان في الأساس على تداخلها مع فنون أخرى، ومعارف متباينة . أما النص الرقمي متعدد الوسائط فقد كان بمثابة نقلة نوعية في مسار الرواية العربية؛ إذ انتقلت به الرواية من مرحلة النص الورقي المكتوب إلى مرحلة النص الرقمي أو الإلكتروني. إن النص الإلكتروني مفهوم جديد نتج عن التطور الهائل في مجال الإعلام، والملتيميديا، ويجرى التعامل معه على أساس أنه النص الذي يتحقق من خلال وسيط خاص هو شاشة الحاسوب . لقد استحدث الأدباء والنقاد مفاهيم ومصطلحات عدة ليسموا بها الرواية الالكترونية، مثل رواية الواقعية الرقمية، والنص التفاعلي، والنص المترابطHypertext، والنص التشعبي، والرواية الالكترونية، والرواية الرقمية ..إلخ . إلا أن ثمة فوارق بين هذه المصطلحات «ليس هذا مقام تناولها» ولكن ما يعنينا الآن هو أن نص الرواية الرقمية قد يجمع بين أنساق تعبيرية متعددة، فيجمع بين الكلمة المكتوبة، والصورة التشكيلية الثابتة «اللوحة التشكيلية»، والصورة الفوتوغرافية، والصورة المتحركة، بالإضافة إلى الصوت، والحركة، والنغمات الموسيقية . إن النص متعدد الوسائط يتحقق بتفاعل كل هذه الأنساق. لقد أدت تكنولوجيا الاتصال ببرامجها المتطورة، والمتلاحقة إلى فرض وقائع جديدة في عالم الكتابة الروائية، تقع فيها الصورة المرئية موقع القلب، وتتراجع أمامها آليات أخرى نتيجة لإمكانات الصورة وتطور أدواتها، مما حدا بالكثيرين إلى القول بنهاية النص الورقي، وإن كنت أرى أن مثل هذه النبوءات بانتهاء عصر الورق الآن لصالح هذه الكتابة الإلكترونية إنما يأتي من قبيل الاندفاع وراء الأشكال الجديدة من الكتابات ، والحماس الزائد الذي لا يقوم على أسس واقعية، أو علمية، أو إحصائية، إلا أنني أقرّ بأن النص الإلكتروني نص يفارق جذريًا أشكال الكتابة الروائية المعروفة كافة . إنه نص جديد، يفارق آليات النص الروائي التقليدي، ويتبنى طرائق سردية مختلفة تتضافر فيها آليات من فنون وأنساق مختلفة، وتتطلب قراءته نمطًا من القرّاء يختلف عن نمط المتلقي العادي؛ إذ تتطلب دراسة النص الرقمي معرفة ببرامج الحاسوب، والقدرة على تعرف دور الوسيط في إنتاج الدلالة، وكونه عنصرًا مهما في الكيفية التي يتشكل بها الخطاب الروائي الجديد.

المصدر: رؤى ـ د. مهدي صلاح الجويدي: