خزعل الماجدي

 السحري والإيروسي.. كيمياء اللغة والجسد

 

 

  1. لم تكن الفرصةُ سانحةً ، قبل ربع قرن ، لأن أكتب بطلاقةٍ نظريةٍ عن السحرِ والجسدِ وعلاقتهما بالشعرِ لأسبابٍ كثيرةٍ منها أنني كنتُ منشغلاً بالحياةِ وبالشعرِ أكثر من انشغالي بمراقبتهما ووضعهما في إطارٍ عقليٍّ أو نظريٍّ مجاور ، ثم أن النصوص الشعرية أكثر وفاءً للتجربة من النصوص النظرية خصوصاً عند تراكمها وتبلورها مع نضج التجربة وتصاعدها.
    أستطيع اليوم أن أطلّ على ذلك السحريّ والإيروسي الذي تمثلته ، ومازلتُ ، شعراً وأنضَجتهُ الممارسة الشعرية مثلما أنضجته الممارسة الحياتية ، بكل تفاصيلهما ، وفق رؤيةٍ نظريةٍ تتَّسمُ بثبات أفضل وتفاصيل أدق .
    ولذلك كانت هذه المقدمة التي أستطيع أن أعممها على ما ورد في متون المجاميع الشعرية السبع ( التي يضمها هذا المجلد الثاني من أعمالي الشعرية ) مثلما أعممها على بقية أعمالي الشعرية في المجلدات الأخرى .. لكن هذه المجاميع السبع معنية أكثر بما في المقدمة من محاولةٍ لرصد السحري والإيروسي وهما يوجهان كيمياء اللغة والجسد في هذه النصوص .
    الفرقُ كبير بين أن ننظر للجسد كسجنٍ للروح أو كفردوسٍ لها ، فحينما نرى الجسدَ سجناً للروح نقعُ ، مباشرةً ، في ثنائيةٍ وهمية يكون فيها الجسد نقيضاً للروح وقد أطبقناه عليها وبذلك يتحول الجسد إلى عائق أمام انطلاقةِ الروح ويتحول كل ما في الجسد إلى شرٍّ ورذيلةٍ ويصبح الكفاح ضدّه ضرورياً لتحريرِ الروحِ وكأن هذا الجسد قطعةَ لحمٍ ميت تقبعُ تحتها الروحُ الجميلةُ المتحركة . وهنا نقع في الوهم أيضاً ويترتب على ذلك تدمير حياتنا بأكملها لأننا سنهملُ هذا الجسد ونهمل حاجاته وسنراه مثل نفايةٍ ننتظرُ يوم دفنها أو حرقها .
    لكننا عندما نرى الجسد وعاءً للروح تتشرب فيه وتسعد بسعادته وتتحرر بتحرره وترقى برقـيّه .. فحين ذاك نرى في الجسد فردوساً لا جحيماً ، نرى فيه خيراً لا شراً . وتكون الروح مثل الموسيقى التي تناغمُ مكونات الجسد وتشيع فيه الإنسجام .
    وإذا كانت الروح تسعى للرقيِّ والاتصال بالله والكون رافعة الجسد من محدوديته إلى المطلق فإن النفس تلتصقُ بالجسد وتحرِّك قواه وتكوِّن كيمياءَه المعلنة والدفينة ، إنها تشدُّ الجسد إلى أغواره وأعماقه القصيّة وتهيئ مسرَحَهُ إلى الدراما اليومية من الاتصال والانفصال وإلى أشكال التفاعلات الضاجّة بالحياة .
    النفسُ تغوصُ في أعماقِ الجسدِ والروحِ وترفعُ الجسدَ إلى الأعالي وهما يكملان بعضهما . لكنّ النفس تحتوي على قوىً سايكولوجية إيروسية وقوىً براسايكولوجية سحرية تتناغمُ مع تركيبة الجسد ومادته الغامضة .
    وهكذا تتكون من المنظومة الأنطولوجية ( الجسد والنفس والروح ) منظومة ابستمولوجية هي ( الإيروسي والسحري واللوغوسي ) ، وتصوغ المنظومة الأولى حياة الفرد بينما تصوغُ المنظومة الثانية قوّته الفكرية والشعرية .
    يختزنُ الجسدُ القوى السايكولوجية الحسيّة والبراسايكولوجية الفائقة ( السحرية ) ، ويعملُ الجسدُ مثل حاشدةٍ كونيةٍ تضمّ داخلها كلّ قوى الكون والأنواع الحيّة وفيه يتحرك تاريخ الكائنات الحية متطايراً على شكل ومضات نادرة تطلّ على المدهش والكثيف والغامض والجميل .

    أولاً: الشعر المقدّس والشعر المدنّس
    1. المقدّس الديني والمقدّس الدنيوي

    تقومُ فكرةُ الدين ، كلُّها ، على أساسِ وجودِ جوهرٍ مقدّسٍ تدور حوله كل منظومة الدين ومكوناته ( المعتقد ، الأسطورة ، الطقس ) ، وهذا الجوهر المقدّس هو الطاقة والشحنة والقوة المركزية التي تشيع الانسجام في المادة وتجذبـها نحوها ، وقد عبّرت عن هذا الجوهر أديانُ العصور الحجرية بالقوة السارية غير المشخصة ، وهي قوّة المقدّس الكوني ، طاقة الكون ، التي يشعر بها الإنسان ولا يعرف معناها وهي طاقةٌ تأخذ شكل القوة السارية لكنها تتجلى في بعض مظاهرها العظمى في توازن الكون وقوى الكواكب والمجرات وتناغمها .. ولهذه القوة مظاهر مضطربة أنتروبية تعبر عن التحول من نظام معين إلى آخر وتنفض أعباء النظام القديم عنها وتظهرُ على الأرض في الطوفانات والعواصف والزلازل والبراكين . وقد انتبه الإنسان لهذه القوة السارية ولكنه لم يستطع ، آنذاك ، أن يفسرها علمياً فخاف منها وسجد لها وعبدها تحت مسميات عديدة منها الـ ( مانا ) عند بعض الأقوام البدائية والـ ( سار ) عند السومريين والبابليين .
    أطلق الإنسان على جوهر المقدّس الديني ، آنذاك ، أسماءً مختلفةً لكنه كان يعني شيئاً واحداً هو الله / الطاقة وهو جوهر الكون. لكن الإنسان لم يتعرف على هذا المقدّس بصيغة واحدة بل بصيغ متعددة تطورت عبر التاريخ من السحر إلى الأرواح إلى الآلهة إلى الله . وتشكل هذه العتبات التطور الروحي للإنسان وهو يتلمس هذا المقدّس بمراحل متتالية ومتداخلةٍ في آن واحد .
    وفي مقابل العالم الديني المقدّس الذي هو ، عند الإنسان ، استشعارٌ أو حدسٌ لطاقة الكون كان هناك العالم الدنيوي والمدنَّس الذي هو تـماسٌ مع المادة ، وهكذا وضع هذان العالمان المتميزان في تضادّ شديد : الأول هو العالم المقدّس الذي يسعى الدين لكشفه والتمثل به ، والثاني هو العالم المدنَّس الذي تسعى الدنيا لكشفه والتمثل به . وكان هذا التعارض ، قديماً وحديثاً ، مثارَ جدلٍ ساخنٍ وتصادمٍ شديدٍ فقد كان المقدّس يعادل القوة والطاقة والمشبع للكيان والفاعلية بينما كان المدنَّس يعادل الخواء والمادة المتهافتة الزائلة والزيف.
    ورغم أننا لا نميل لفصل الدين عن الدنيا فهما متداخلان ، لكننا من أجل الدراسة النظرية وإلقاء الضوء على المحركات الدينية والدنيوية وهي تلتحم وتنفصل رأينا النظر إلى كلّ منهما بمحركاته وقواه الداخلية .
    لقد عرفنا أن جوهر الدين يكمن في المقدّس ، أما جوهر الدنيا فيكمن في المدنَّس، وقد حاولنا البحث عن نواة وجوهر هذا المدنَّس فوجدنا أنه يكمن في الجنس، فالجنس هو جوهر المدنَّس وجوهر الدنيا ، مثلما رأينا أن الطاقة السارية هي جوهر المقدّس .
    وبذلك نحصل على هذه المتناظرات المهمة ( الطاقة السارية، الطاقة الإيروسية )، ( المقدّس، المدنَّس )، ( الروحي، الجنسي )، ( الإلهي، البشري)، (الديني، الدنيوي )…الخ وتشطرُ هذه المتناظرات العالم كلّه إلى متناظرات مماثلة لها فالمكان المقدس والمعبد والعمود المقدّس وسرّة العالم هي أماكن نشكونية مشحونة بالمقدّس وهي مركزية في مقابل الأماكن الكونية التقليدية كالبيوت والساحات والشوارع التي هي أماكن دنيوية محيطية .
    وكذلك ينقسم الزمان إلى زمان نشكوني مقدّس أسطوري حصل فيه حدثٌ عظيم مثل بداية الخليقة أو الطوفان أو الوحي أو الشهادة .. الخ ، في مقابل زمن تاريخي تقليدي يضج بالأحداث الدنيوية العادية .. وتتم استعادة ذلك الزمن الأسطوري من خلال طقوس الأعياد الدورية التي هي استذكار لذلك الزمن وإعادة تكثيف له وسط تراتب الزمن التقليدي وكذلك تتناظر الرموز السماوية عن الرموز الأرضية ويتناظر النص المقدّس ( الكتاب المقدّس ) عن بقية الكتب ويحمل النبي كثافة المقدّس أكثر من غيره من البشر وهكذا .. كان المقدّس منذ العصور الحجرية القديمة أمراً مدهشاً وغامضاً شدّ الإنسان إلى عالم آخر وجعله يشعر أنه لا يعيش وحيداً في هذا الكون بل أنه مرتبطٌ بجوهرٍ كونيٍّ سرعان ما سيعود إليه ويتحد به بعد الموت . وقد أطلق الإنسان على جوهر المقدّس آنذاك أسماءً مختلفة لكنه كان يعني شيئاً واحداً هو الله / الطاقة الذي هو جوهر الكون ، أما أول طرق التعامل الجدية مع هذا المقدّس فقد كان السحر ( الذي هو أول عتبات الدين ) وقد كان السحرُ أما حقيقياً يتضمن وجود قوةٍ براسايكولوجية خارقة عند المتعبد تؤثر على بعض قوانين القوة السارية ، أو وهمياً شكلياً يحاول أن يؤثر ، من منطلق نفسي ، على قوانين هذه القوة .
    وهكذا كان السحرُ أول أشكال العلاقة بين الإنسان والمقدّس ، ولذلك فهو أول قناةٍ للاتصال بين المقدّس والإنسان .. وتتضمن هذه القناة شحنات إيجابية من الإنسان إلى المقدّس ( وهو ما نسميه بالسحر ) وشحنات سلبية من المقدّس إلى الإنسان ( وهو ما نسميه بالعرافة ) وكلاهما كان من وجهة نظرنا أول شكل من أشكال الشعر ، الشعر بصورته العملية ممارسةً والشعر بما ينضحُ عن هذه الممارسة من كلماتٍ وجُملٍ ثم جاءت مراحل أخرى بعد السحر وهي الأرواحية وظهور الآلهة ومرحلة التوحيد ، وهكذا انقسم تاريخ العالم روحياً أو تاريخ الروح إلى أربعة مراحل اختلفت في كلٍّ منها طرق النظر إلى المقدّس و المدنَّس ونتج عن ذلك اختلاف في نوعي الشعر الرئيسين الديني والدنيوي ( انظر المخطط )

    khazaal1_400مخطط يوضح تاريخ انواع الشعر الديني والشعر الدنيوي

    ويخبرنا هذا المخطط بالتاريخ الرباعي لتطور المقدّس من ( السحر، الأرواح، الآلهة، الله)، ويتبع ذلك تغيّر نمط التعبير عنه والذي نراه شعراً، حيث يظهر مزدوج شعري يتبع تطور المقدّس ، هذا المزدوج يتغير تبعاً لتطور الروح وكيفية تحسس المطلق. فالتطور الديني حصل كما يلي: ( التميمة، الترتيلة، الأسطورة، النص أو الكتاب المقدّس)، والدنيوي تطور مناظراً لذلك كما يلي : ( الأغنية ، الحوارية ، الملحمة ، القصيدة ).
    سنناقشُ في الفقرات القادمة كلّ مرحلةٍ ومزدوجها الشعري الديني والدنيوي وسنحاول فتح أسرار هذه المتلازمات وعلاقتها ببعضها .

    1- مرحلة السحر : التميمة والأغنية.

    كان السحر إذن نواة الدين الأولى وقد اجتمعت في هذه النواة شحنة المقدّس الكوني والبشري فاصبح الساحر بمثابة المتصّل الوحيد بالطاقة الكونية والقادر على التعامل معها وفق ما يريد سواء بالتحكم بها ( عن طريق السحر ) أو بالتنبؤ بما يحصل ( عن طريق العرافة ) .
    وكانت مرحلة السحر قد بدأت في العصور الحجرية القديمة والوسيطة وتشكّلت بنمطين دينيين هما (الفتيشية ، الطوطمية). جعلت الفتيشية المقدّس أو القوة السارية على شكل بؤرة هي الفتيش Fetich أو الشيء المعبود كالحجر أو الشجر أو العظم حيث تجتمع شحنة المقدّس في شيء واحد ويُّطلق عليه اسماً، وبذلك تكون القوة السارية غير مشخصةٍ بل متخفيةٍ وراء شيء محدد .
    أما الطوطمية فقد أعطت هذا المقدّس صورة ( جماد ، نبات ، حيوان ، رمز ) وركّزت على الكائنات الحية والحيوانات بشكل خاص وادّعت أن المؤمنين بهذا الطوطم ينحدرون نسلاً منه ، فهي ، إذن ، نقلت المقدّس من البؤرة الشيئية إلى البؤرة الحيّة ، وأصبح الحيوان ، بصفةٍ خاصةٍ ، يجسد هذا المقدّس .
    وسواء كان السحر فتيشياً أو طوطمياً على المستوى العملي إلاّ أنه كان على مستوى اللغة مجسداً في كلامٍ مختزلٍ يُقرأ على شكل ( التميمة Charm ) فالساحر يعبر عن نصّه السحري في التميمة التي قد تأخذُ أسماءً أخرى حسب وظيفتها مثل التعويذة إن كانت تطرد هذه القوى الخفية ( التي تجسدت في المرحلة الأرواحية بالشياطين ) أو الرُقية التي تحاول إحاطة الشخص بسور من الحماية أو الحجاب الذي يفعل الشيء ذاته وغيرها ..
    وإذا كانت التميمة قد عبرت عن نفسها في عصور ما قبل التاريخ بالرسومات والخطوط والإشارات فإن أقدمها وأشهرها رسومات الكهوف والصخور التي كانت تطعن هذه الفتيشات أو الطواطم لتعبر عن صيدها والسيطرة عليها .. لكن الحضارات التاريخية شهدت التمائم المكتوبة على العظام والقماش والحجر والجلد والخشب .. ثم على الورق بكلمات هي أشبه بالصرخات والاستغاثات ومحاولات دفع الشرِّ والأذى أو بمحاولات استدراج القوى الخـيّرة لتسوير وحماية الشخص عن طريق الرُقى ، والحقيقة أن كلّ هذه المحاولات تدفع بنا إلى اللامألوف وتجعلنا في الدهشة لما يترتب عليها من أخيلة واستعارات غريبةٍ ، ومن هنا نشأ الشعر السحري الذي جسّدته ( التميمة ) في أفضل أشكاله .
    في المقابل كانت الحياة الدنيوية اللاسحرية تحتفي بالجنس الذي كان مشاعاً قبل تكوّن الأسرة إبان عصر اكتشاف الزراعة ، لقد كان الجنس أساس الحياة وتكاثرها وازدهارها لكنّ الدين ( البدائي ثم المتطور ) كان ينظر إليه ، في الغالب ، نظرة الضد والعداء . ولذلك عمد إلى إخفائه في طبقات من التابو والحرام ثم أعطاه تحديدات شرعية ولم يكفّ عن مطاردته في كل المراحل . وكان الجنس ينبثق هنا وهناك في نسيج الحياة مثل الينابيع لكن الدين كان يغطيه أو يحاول إخفائه .
    لقد كانت الطاقة الإيروسية في الجنس والحب وكان خير من يمثلها على مستوى الفن هي ( الأغنية Song ) التي لا تعبر عن الإيروس الجنسي فقط بل عن إيروس الحياة كلها . إن هذا الشعر الإيروسي تطور عبر العصور مع تطور الحياة الروحية واتخذ أشكالاً متعددة هو الآخر .
    لقد كانت الأغاني هي أول أشكال الشعر الدنيوي وكانت ، في الغالب ، مصحوبةً بالموسيقى والرقص وهي تسري على أفواه الصيادين والرعاة ثم الفلاحين في العصور الحجرية وعصور ما قبل التاريخ .. وربما كانت هي السبيل الوحيد للتعبير عن أفراح وأحزان الحياة لأنها لا تحتاج سوى صوت الإنسان وهو يتهدج ويحفل بالإيقاعات .. وكانت هذه الأغاني مباشرة بسيطة لا تفتعل الخيال ولا تلجأ إلى الاستعارات قسراً ، وكانت على قدر حجم اللغة وعلاقتها ومفرداتها المحدودة آنذاك تحاول التعبير عن ما لا يُعبَّر عنه .
    والحقيقة أن صيد الحيوان أو رعيه أو عملية البذار أو الحصاد أو الزواج كانت تصاحبها الأناشيد والأغاني ذات الجوهر الإيروسي ، فالخصب هو إيروس دائم.
    كانت الأغاني تنطلقُ من الوجدان وكان المغني يؤدي مونولوغاً فهو مترعٌ بالفرح أو الحزن أمام الكون ولم يكن المغني يتحاور مع الآخر بل كان الغناء وجدانياً طافحاً مباشراً لا صناعة فيه. وهكذا نرى أن عصر السحر أظهر لنا نمطين شعريين الأول ديني سحري هو ( التميمة ) والثاني دنيوي إيروسي هو ( الأغنية ) ولاشك أن التنافذ والتداخل بينهما كان يجري على السطح أو على المستوى الأدبي ، أما في العمق أو على المستوى الروحي فكان كلّ منهما ينبع من جوهر مغاير .
    إن محاولتنا اليوم استعادة التميمة ( التعاويذ والرُقى والطلاسم …. الخ ) والأغنية في الشعر الحديث تمثل إطلالة على عصر السحر القديم والجديد ومحاولة النهل منه ومن خزائنه الدفينة ، من طريقة القول فيه ومن طريقة التخاطب ، من بلاغته المؤثرة البسيطة ومن معانيه الساذجة والعميقة في آن ومحاولة جعلها تنطق بمضامين جديدة .
    ونرى أن التميمة والأغنية مازالتا ، حتى هذا اليوم ، موجودتين بهذا القدر أو ذاك في شعرنا فقد اخترقتا العصور ، تحت الأدمة ، وتسربتا في تربة الشِعر الإنساني ومازالتا تنبعان هنا وهناك عند الأقوام البدائية المعاصرة أو الشعوب المتطورة بنفس القدر ولكنهما دخلتا ، حصراً ، في الغناء المعاصر وفي عمليات استمالة الحظ والقوة .

    2- مرحلة الأرواح : الترتيلة والحوارية

    المرحلة الثانية في تطور الأديان ظهرت مع الأرواحية عندما بدأ الإنسان يتخيل هذه القوة السارية لا على شكل شيء أو حيوان بل على شكل أرواح خفيةٍ ، وهنا بدأت أول عتبات الميتافيزيقيا في شكلها الساذج .
    الفتيشية شخّصت القوة السارية للكون في شيء والطوطمية جعلتها شيئاً حّياً أما الأرواحية فقد جعلتها روحاً بعيدةً . وهكذا تشكّل عالم روحي خارج الإنسان يتكون من كائنات روحية كان بعضها مازال يغطسُ في عالم السحر .
    لقد تمّ تصور هذه القوى الروحية التي تسري في الكون والإنسان والأشياء ، بل وتمّ تسميتها ، فقد أدخل العلاّمة كودرنجتن مصطلح الـ ( مانا Mana ) الذي وجده منتشراً ،على نطاق واسع ، بين الجماعات التي تسكن ميلانيزيا وبولدنيزيا والفلبين حيث يسود الاعتقاد بقوىً خارقةٍ غير مشخصة يطلق عليها اسم الـ ( مانا ) أو الـ ( مانيتو ) التي تنبتُ في الأشياء ، والغريب أن الرومان أيضاً كانوا يطلقون اسم الـ ( مانا ) منذ الألف الأول قبل الميلاد على الأرواح . وقد أخذت النصوص الدينية تتطور من التميمة نحو نصوص تنادي الأرواح والكائنات الروحية وأصبح التوسل والحذر والتعويذ والإحاطة والرُقى موجّهة إلى هذه الأرواح .
    لكنّ شكل الشعر الديني الجديد المناسب لهذه الأرواح ، كما نراه ، هو شكل ( الترتيلة Hymen ) الذي تخلص من المضمون والشكل السحري وأخذ صيغة التراسل الروحي بين الإنسان وبينها .
    الترتيلة هي شعرٌ ديني أرواحي المنشأ تسوده لغة الرجاء والدعاء والاتصال مع هذه الروح أو تلك . ومازالت التراتيل الدينية إلى يومنا هذا شكلاً من أشكال الشعر الديني لكنها الآن أخذت مضامين أخرى كما حصل للتميمة عندما انتقلت إلى عصور لاحقة . والحقيقة إننا لا نستطيع الآن استنباط القواعد الفنية الدقيقة لنمط ( الترتيلة ) القديمة بسبب اندثارها أو إعادة صياغتها لاحقاً ، لكننا ندرك أن هذه التراتيل كانت تطلب الشفاعة والحماية وكان الإنسان أو الشاعر يستخدمها في مختلف تفاصيل حياته ، وهو ما نراه ، مثلاً ، في الحقبة الأولى من الدين الروماني الذي احتفظ لنا بأسماء لا حصر لها لهذه الأرواح ( المانات ) الخاصـة بالموتى الأخيار والأشـرار ( ماليبوس ، لارفا ) والخاصة بالحياة المنـزلية ( بينات ) والأرواح العامة ( لارات ) والأرواح الحامية الخاصية ( جن ) وهذه تسيطر على تفاصيل الحياة والسلوك ، ولاشك أن لكلِّ من هذه الأرواح تراتيلها مثلما لها تماثيلها وأشكالها .. وفي كل الأحوال لم تكن هذه الأرواح آلهة بل قوىً روحيةً دقيقةً.
    ولعل أكثر الأرواح وضوحاً في تراثنا العراقي القديم والسامي بشكل عام هي ( ليليث ) التي تمثل شيطانة الليل ، فهي روحٌ أنثويةٌ مغوية تجذب الرجال إليها وتجعلهم يهيمون وراءها في الليل تاركين زوجاتهم في البيوت ، وقد تحولت ( ليليث ) إلى ما نستطيع أن نسميه بـ ( حواء الباطنية ) فهي روح نارية مثّلت فيما بعد ، شخصية العشيقة الناريّة التي تعصف بحياة الرجل المتزوج خصوصاً .
    أما النصوص الدنيوية التي تقابل الترتيلة فكانت تمثل في الحوارية ( Dialoge ) فقد ظهرت الحواريات بسبب وجود قوتين متقابلتين هما ( الروح المعبودة ) و ( الإنسان ) وأصبح الحوار بينهما قائماً ، ثم أصبح الحوار بين شخصين أو بين شخص وجماد أو حيوان أو نبات ، وظهرت في العصر السومري مثلاً حواريات المفاخرات ( أدمندوكا ) التي تعبر عن تنافس بين ( النخلة وشجرة الأثل ) و ( الصيف والشتاء ) و ( الراعي والفلاح ) … الخ .
    وإذا كانت الأغنية في عصر السحر عبارة عن مونولوجٍ وجداني فإن أغنية عصر الأرواح هي ديالوج حواري شكّل بذرة الدراما التي ظهرت لاحقاً بأشكال متطورة وصيغ مسرحية .
    وبذلك يكون الشعر الحواري ( الدرامي ) هو شعر هذه المرحلة حيث يتناظرُ مع الترتيلة الدينية التي هي حوار مع الأرواح ومناغاة لها . وتمثل محاولة استعادة الترتيلة والحوارية في الشعر الحديث ،عن وعي مسبق ، صيغة حوارية لفتح طبقات أسلوبية جديدة في الكتابة الشعرية .

    3ـــ مرحلة الآلهة : الأسطورة والملحمة.

    كانت الأرواحية تمهيداً للانتقال إلى عصر الآلهة حيث تمّ تطوير فكرة الأرواح إلى فكرة الآلهة ، فقد تجسدت هذه الأرواح بصيغةٍ بشريةٍ وأصبحت آلهة ذات عقل وقوة وشمول وسطوة والأهم أنها خالدةٌ باقيةٌ بينما الإنسان زائلٌ بائدٌ رغم أنه يتوالد ويتكاثر .
    كانت هذه العتبة الجديدة التي دخلها التطور الديني منطلقاً للأديان الوضعية المعروفة وغير المعروفة والتي يُرجِّح أنها اتضحت مع العصر الحجري الحديث ( النيوليت ) حيث اكتشاف الزراعة ، ولذلك كانت أول الآلهة وأقدمها هي ( الإلهة الأم ) راعية الخصب في التربة ثم راعيته في الكون كلّه ، وظهر بعدها الإله الأب ثم الإله الابن وتكوّن أول بانثيون عائلي للآلهة قبيل العصور التاريخية .. وكان لابد من ظهور أدبٍ قصصي يروي قصة ظهور هذه الآلهة وكان هذا الأدبُ يروى شعراً وهو تحديداً : الأساطير .
    الأسطورة شعرٌ سردي عن إله معين أو عدة آلهة فهي إذن قصة محكية عن طريق الشعر وهي ثابتةٌ نسبياً ومقدسةٌ ومربوطةٌ بنظام ديني معين ومتناقلة بين الأجيال، ولا تشير إلى زمنٍ محدد بل إلى حقيقة أزلية من خلال حدث جرى ، وهي ذات موضوعات شمولية كبرى محورها الآلهة ، ولا مؤلف لها بل هي نتاج خيالٍ جمعيّ.
    هكذا صارت الأسطورة أحد أهم المكونات الأساسية للدين مع المعتقدات والطقوس . وهكذا صارت هي مادة الشعر الديني المعبر عن هذه المرحلة وهي مرحلة ظهور الأديان الوضعية التي استغرقت زمن الحضارات القديمة كلها .
    وتعتبر الأسطورة قفزةً نوعية قياساً إلى التميمة والترتيلة فقد تضمنت في أحشائها العلم البدائي والفلسفة الأولى التي جعلت الإنسان يتأمل الكون ومعناه وغاياته وما وراءه ، واتسعت فيها رقعة الأدب لتشمل السرد والشعر بأنواعهما وانطوت على أخيلة ومجازات واستعارات جزيئة وكلية . وهكذا اجتمعت في الأسطـورة أسس ( العلم والفلسفة والأدب والدين ) في صورتها الأولى الأشد قرباً إلى الناس وقتذاك ، فهي إذن صفحة من صفحات العقل البكر للإنسان والتي تخفي نضارته وطفولته وأول تشوّقاته لفهم وتفسير ما حوله .
    يظهر الأسلوب الأسطـوري الشعريMethopoetic من خلال مظهرين أدبيين أساسيين للأساطير هما الإيقاع الشعري الظاهر أو الخفي و / أو التقنيات الشعرية مثل التكرار والمقابلة والتشبيه ، ويمكننا تصنيف الأسطورة إلى أربعة أنواع أساسية هي ؛ أولاً : أساطير الخليقة Myths of Genesis (التكوين) وتشمل أساطير خلق الكون ( كوزموغونيا ) وأساطير خلق الآلهة ( ثيوغونيا ) وأساطير خلق البشر ( أنثروبوغونيا ) ولاشك أن نموذجها الفريد هي أسطـورة الخليقـة البابليـة ( إينوما أليش : حينما في العُلى ) فهي أسطورة خليقة نموذجية في العالم القديم تتضمن خلق العالم والآلهة والإنسان .
    وفي أساطير الخليقة تتكون الأنماط البدائيـة الموجبـةPositive Archetypes التي تعمل كحاضنة كبرى لرموز الإنسان التي ستظهر لاحقاً وتشكل بنيته الروحية العميقة .
    وتتم الخليقة عبر أحد العناصر الأربعة الأساسية للخليقة ( الماء ، التراب ، الهواء، النار ) أو بخلط بعضها .
    أما النوع الثاني من الأساطير فهو أساطير البناء Myths of construction وهي الأساطير التي يقوم فيها الآلهة بخلق وبناء تفاصيل العالم وتأسيس المدن ومنح الإنسان أدوات العمل والحكم والسلطة والملكية وغيرها وتسيطر على هذه الأساطير المدائح الإلهية ومدائح المدن التي بناها الآلهة وقصائد البناء وتظهر فيها رموز الخير البناء التي تنطلق من الأنماط الموجبة . وتشكل أساطير البناء بمجملها ما يشبه الكوميديا الإلهية المليئة بالأفراح والمسرات والمدائح ولعلّ أرفع أشكالها هي أساطير الحب المقدّس بين الآلهة وخصوصاً الإلهين الشابين اللذين مثلهما دموزي وإنانا ( تموز و عشتار ) خير تمثيل في المثولوجيا العراقية القديمة .
    أما النوع الثالث من الأساطير فهو أساطير التدمير Myths of deconstruction وهي الأساطير التي تبدأ بأساطير الحب المدنَّس حيث نزول الإلهين العاشقين إلى ا لعالم الأسفل وما يتبع ذلك من مراثي الحب . ثم تليها أساطير تدمير المدن وهجرها ورثائها وقصائد البكاء وتبدأ رموز الشر والخراب والدمار بالظهور . ولعل أهم نماذج هذا النوع هو نزول إنانا للعالم الأسفل ومراثي أور وسومر وبابل وغيرها .
    أما النوع الرابع من الأساطير فهو أساطير النهاية والموت Myths of death وتسمى (الاسكاتولوجيا) Eschatology وهي أساطير نهاية الكون والآلهة والإنسان حيث يتفسخ الكون مثلما ابتدأ ويعود إلى عناصره الأربعة ، وهكذا يتم تدمير الكون والإنسان أما بالماء (الطوفان) أو النار (الحريق) أو الهواء (العاصفة) أو التراب (الزلازل والبراكين) .
    ولعل أهم الأساطير العراقية هنا هي أسطورة الطوفان ، حيث تسيطر على أجوائها الكابوس والدمار والنهاية وتمثل عودة الكون إلى العماء وتحطم الأنماط البدائية وظهور الأنماط البدائية السلبية Negative Archetypes .
    هذه هي الأسطورة .. إنها الخزين العميق لكنوز العقل البشري وتطلّعاته وتشوّقاته الأولى .. وهي شعره الديني الذي يمشي بقدمي السرد في دورة أزلية بين الخليقة والموت مراراًً وكأنها قصيدة / قصة العود الأبدي .
    أما الشعر الدنيوي المناظر للأسطورة فقد كان ( الملحمة Epic ) التي كانت سرداً شعرياً يدور حول بطل بشريٍّ وليس إله , و لكن هذا البطل يملك قدرات استثنائية ويتحول , عادةً , إلى رمزٍ قوميٍّ تجتمع حوله قصة صعود أمةٍ من الأمم , وتكاد الملحمة تشبه الأسطورة في كلِّ شيء لكنها دنيوية أما الأسطورة فدينية وهي أحد أعمدة الدين الثلاث .
    وإذا كانت الأساطير قد توارت نسبياً أمام التطور التاريخي فإن الملاحم مازالت تظهر بشكلها الشعبي وتشكل المتن المميز لبعض الأمم والشعوب .
    وقد ظهرت مميزات أسلوبية ومضمونية خاصة بالملحمة مثل التكرار والإعادة واستباق الأحداث وظهور القوى الغيبية وغيرها وهكذا يكون الأدب الدنيوي قد تطور من قصة بين اثنين ( دراما ) إلى قصة شعب يتمركز حول بطل ( ملحمة ) وإذا عدنا إلى الموضوع من بدايته فسنجد أن هذا التطور قد حصل كما يلي دنيوياً : من الشعر الغنائي إلى الشعر الدرامي إلى الشعر الملحمي وهو سياق متجانسٌ تاريخياً ويعبِّر عن اكتناز متصاعد .
    والحقيقة أن استعادة الأسطورة والملحمة في الأدب الحديث هو الأمر الأكثر شيوعاً فقد احتوت الأساطير والملاحم على كنوز روحية وأسلوبية نادرة كانت تمثل , بلا شك , خلاصة التجربة الإنسانية القديمة في شكليها الديني والدنيوي وقد اختلفت طرق استعادتهما وتمثلهما في الشعر الحديث بين طرق مباشرة وكولاجية وغير مباشرة ورمزية . لكننا اخترنا ( في هذه الأعمال الشعرية وغيرها ) طريقة شحن النصوص الحديثة بمادة الأساطير والملاحم حيث نعمد إلى تكسير الأسطورة أو الملحمة إلى شظايا صغيرة نزيِّن بها النص الجديد أو نشحنه مضمونياً ببعض شحناتها , فقد وجدنا الطرق الأخرى مباشرة ومملّةً وشكلية .. ولذلك اخترنا طريقاً آخر قد تتضح ملامحهُ في الأعمال الأخرى .

    4- مرحلة التوحيد : الكتاب المقدّس والقصيدة.

    عندما ظهرت الأديان التوحيدية سقطت الآلهة ولم يبق سوى إله واحد هو خالق الكون والإنسان وأصبح من الصعب الحديث عن أساطير له لأنه منـزّه بعيد لا أول له ولا آخر ولا ولد ولا أب له . وبذلك تراجعت الأسطورة ووجدت لها ملجأً في الحديث عن الملائكة والشياطين والأنبياء في روايات شعبية . وربما بقيت من أسطورة الخليقة هياكل قديمة تذكِّر بكيفية نشوء الكون وأصبحت أسطورة النهاية إنذاراً ووعيداً بالخراب والزوال .
    وحلّ ( النص المقدّس ) أو ( الكتاب المقدّس ) محل الأساطير وهكذا ظهر الشعر الديني في الكتب المقدّسة موارباً متخفياً متثاقلاً تحت عبء الأفكار والمعتقدات اللاهوتية من جهة وتحت ضغط تفاصيل الطقوس والفقه والشريعة من جهة أخرى .. وبعبارة أخرى أصبح ( الكتاب المقدّس ) هو النص الديني الشامل حيث يجمع مكونات الدين الرئيسية الثلاثة : المعتقد , الأسطورة , الطقس , ومكونات الدين الثانوية : الشرائع والأخلاق ، وهكذا أصبح هذا الكتاب المقدّس هو النص المفتوح على العقل والعمل أي أن الشعر أصبح داخل العقل والعمل .. كان الكتاب المقدّس لليهود هو التـوراة أو ( العهد القديم ) وللمسيحيين هو الإنجيل أو ( العهد الجديد ) وللمسلمين هو ( القرآن ) .
    وهكذا تحول الشعر من ( القصّ المقدّس ) في الأسطورة إلى ( النصّ المقدّس ) في الكتاب ( البايبل Bible ) . وتغيرت وظيفة الشعر الديني كثيرا فأصبحت ذهنية وعملية بعد أن كانت أكثر سعيا وراء الخيال .
    والنص المقدّس أو الكتاب المقدّس لا يعدّ شعراً بالمعنى المألوف الذي عرفناه بل هو نصّ روحي ديني متماسك تظهر فيه أشكال وإيقاعات وتقنيات الشعر لخدمة غرضٍ روحيٍّ أكبر .
    وقد اخذ الشعر في النصوص المقدسة أسماءً جديدةً مثل السِفر في التوراة والإنجيل والمكون من عدد من الإصحاحات ، أو السور في القرآن والمكونة من الآيات . ومهما كانت التسميات فإن الشعر أصبح وسيلة من وسائل المعتقدات والطقوس الدينية ولم يعد له وجود مستقل في الحقل الديني . أما الشعر الدنيوي فقد ظهر في ما نسميه بـ ( القصيدة ) فهي نصٌ شعريٌ يجسِّدُ مشاعر وأخيلة الشاعر مباشرةً دون مسالك ملحمية أو حوارية , لكنّ القصيدة تقتربُ من الأغنية في جوهرها رغم أن القصيدة أكثر تعقيداً وغنىً من الأغنية .
    الشعر الوجداني البسيط يعبر عن الأغنية أما القصيدة فتتضمن هذا المحتوى وتتجاوزه إلى أكثر من ذلك فهي تجمع مشاعر الإنسان في كافة اتجاهاتها وأغوارها وتستوعب خياله وذاكرته وحكمته وفلسفته في العيش . القصيدة ، إذن ، نوع أدبي دنيوي حديث نسبياً ظهر بعد الملاحم رغم أنه ينهل من الأغاني القديمة ( التي ضاع اغلبها ) . وحين يتمّ فتح قناة وصل بين النصّ المقدّس والقصيدة ، أي حين تحاول القصيدة الاستفادة أسلوبياً ومضمونياً من مادة النصوص ( الكتب ) المقدّسة فإن ذلك يجري لجعل القصيدة مكتنـزة أكثر بشحنة جديدة . ولعلّ هذا الملمح هو أكثر ما نراه في النصوص التي قدمناها هنا وفي ( مجاميع أخرى ) فهناك محاولةٌ لفتح نوافذ القصيدة أمام رياح الكتب المقدّس ( والقرآن بشكل خاص في أناشيد إسرافيل ) . وأخيراً فإننا نرى ، في هذا السياق ، أن النص الشعري الحديث يجب أن ينفتح على كل حلقات التطور التي مرَّ بها الشعر الديني والدنيوي . فالقصيدة الحديثة تستوعب مؤثرات وأسلوبيات الملاحم والدراما والأغاني كما أنها تستوعب شحنات الكتب المقدسة والأسطورة والترتيلة والتميمة . وهو ما نراه مناسباً لظهور نصٍّ شعريٍّ متناسلٍ مع تاريخ الشعر كلّه .

    ثانياً: الشـــعـر والسحــر

    1. أنواع السحر

    يسعى السَحرُ نحو التدخل في قوانين الطبيعة .. أما لإيقافها أو لتحويرها أو للتحكم بها , ويسعى الساحر لأن يسيّر هذه القوانين وفق ما يشاء وهو بذلك يوقف الإنسياب الطبيعي لهذه القوانين وتكرار حصولها المستمر , أي أن الساحر شخصٌ يعارضُ الطبيعة ويعمل على جعل قدرته تتدخلُ في مسرى قوانين الطبيعة لكي يوجهها حسب رغبته ويجعل هذا التوجه من الساحر شخصاً استثنائياً بين الجماعة أو المجتمع .
    ينقسم السحر , من حيث طريقة ممارسته إلى ثلاثة أنواع أساسية هي ( السحر الخارقي والسحر التعاطفي والسحر الكاذب ). فالسحر الخارقي Parapsychological Magic هو السحر الحقيقي الذي يقوم بالمعجزات المادية التي نتلمسها بحواسنا ونعترف بحصولها دون أن يكون هناك تلاعب أو إيهام لهذه الحواس ويشترط هذا السحر شرطاً واحداً في الساحر هو امتلاكه لقوةٍ خارقة أو إحساس فائق نسميه اليوم ( قوة براسايكولوجية ) حيث يمتلك عددٌ نادرٌ جداً من البشر قوةً أو قوى براسايكولوجية تمكِّنهم من التدخل في قوى الطبيعة وإيقافها أو التحكم بها أو أن هذه القوى تعمل على تحطيم الفيزياء التي حولنا وتنفيذ ما يريده صاحب هذه القوى ، ولاشك أن السحرة الحقيقيين في الماضي كانوا من هؤلاء فهم بامتلاكهم هذه القوى تسيّدوا مكاناً مرموقاً ومهاباً في المجتمع جعل من بعضهم كهنةً أو ملوكاً أو أنبياء لكنهم كانوا يحملون في داخلهم هذه القوة أو القوى البراسايكولوجية . وقد كشف علم البراسايكولوجي المعاصر بعض هذه القوى في الإنسان مختبرياً وفسّرها .
    ظهرت الظواهر البراسايكولوجية التي هي قدرات سحرية ، قبل ظهور علم البراسايكولوجي بمئات الآلاف من السنوات بل إن الإنسان القديم كان يحمل هذه القوى كلما توغلنا في الماضي أكثر لأنه كان يعيش في عالم موحش مظلم غامض مريب وهو ما يجعل هذه القوى تتنشّط أكثر أما عندما تكوّنت المجتمعات واختلطت وظهرت الحضارات واستقر الإنسان في المدن فقد ضمرت هذه القوى في الإنسان تدريجياً وقلّ عدد ونوع حامليها إضافة إلى ضمور الغدّة الصنوبرية في الإنسان مع تقادم الزمن وهي الغدة التي لها علاقة مؤكدة مع هذه القوى .
    أما النوع الثاني من السحر فهو السحر التعاطفي Sympathatic Magic الذي يقوم على محاولة التدخل بقوانين الطبيعة عن طريق تقليد هذه القوانين ، أي أن الساحر لا يملك قوةً خارقيةً بداخله بل هو يناور شكلياً بقوى الطبيعة ويقلّدها لعلّه يستطيع السيطرة على ظواهرها والتحكم بها ، إنه عمل صادق يشحذ الإنسان نفسياً لفعل عمل خارق ولكنه لا ينجح بالضرورة في ذلك ، وهذا السحر على شكلين هما السحر التشابهي Homoeopathic الذي يقوم على أساس أن العلل المتشابهة ينتج عنها نتائج متشابهة حيث يقوم الساحر بصنع نموذج مشابه للطبيعة ويؤثر فيه ليحاول إحداث تأثير في الطبيعة نفسها مثل رسم صورة للعدو ثم طعنها لإحداث تأثير سيئ في العدو . والآخر هو السحر الإتصالي contagious الذي يقوم على أساس أن الأشياء بعضٍ , وأن للجزء تأثيراً على الكل كما أن للكل تأثيراً على الجزء مثل أخذ شعرةٍ من إنسان وحرقها للتأثير على ذلك الإنسان .
    أما النوع الثالث من السحر فهو السحر الكاذب Pseudo-magic أو الشعوذة الذي لا يعد سحراً بل هو نوعٌ من الخداع البصري والحواسّي فهو يفشل تماماً مع الطبيعة ويقوم بالتأثير النفسي على الإنسان الذي يؤمن به وبذلك يتحكم به ولا يتحكم بالظواهر المراد التحكم بها .

    2. أنـواع الشعــر

    إن التقسيم السابق للسحر يصلح تماماً لتقسيم الشعراء إلى ثلاثة أيضاً فالشاعر الخارقي هو الذي ينبع شعره من موهبةٍ قوية فيه ومن فطرةٍ ضاربة في أعماقه وشعره أصيل أولاً قبل أن يكون قديماً أو حديثاً ، نشعر بشعره مثل ينبوع يتدفق عن نفسٍ صافيةٍ عميقة رقراقة ولا يحتاج شعره إلى حذلقات الصناعة الشعرية ولا يتعكز على الخيال المبالغ فيه ، الشاعر الخارقي هو الذي يتقدم نحو الشعر بخطىً ثابتة لأنه قدره المحتوم وهو يسير فيه دون أن يلتفت ويبلغ المستوى الكبير دون عناء ففي داخله قوة شعرية مولِّدة وسيكون عليه بذل جهد معين في وضع هذه القوة في الإطار المناسب وفي الشكل المناسب واختيار المضامين المناسبة . ولكن هذا الشاعر قد يسخِّر موهبته الشعرية هذه في اتجاهات لا تناسبه ولا تناسب موهبته رغم أن قوة موهبته الشعرية واضحة فيها . ولذلك فهو شاعر يذهب إلى الأغوار والأعماق .
    أما الشاعر التعاطفي فهو شاعرٌ صادقٌ يستعين بصدق تجربته قبل كل شيء لكتابة الشعر ويجد في الأدب ملجأً لذلك ورغم أن موهبته متواضعة لكنه يناور بأشكال يبتكرها ويخطط لها ، نشعر بقدرته الأدبية أكثر من قدرته الشعرية فهو ينطلقُ من نصوص أدبية بين تجربته وقصيدته ويقيم بينهما صلةً معقولةً . ينطلقُ من التجارب ومن صدق مشاعره التي خاضت هذه التجارب لكنه لا يسبر الأعماق الخفية والعوالم الباطنية .
    النوع الأخير هو الشاعر الكاذب وهو الشاعر الذي يعتمد كلّياً على الصنعة الشعرية وعلى القوالب الجاهزة لهذه الصنعة والشعر عنده مجموعة تقنيات لغوية فحسب لا تنبع من صدق التجربة ( كما عند الشاعر التعاطفي ) أو من أغوار الفطرة ( كما عند الشاعر الخارقي ) بل هي عمليات قصٍّ وربطٍ وترقيعٍ وخياطةٍ لغويةٍ يمكن عملها بالكثير من المران والخبرة الأدبية .. ويضعنا هذا الشاعر في منطقة اللعب والتسلية والزخارف الشكلية التي ، يعتقد هو إنها ، ستحيلنا إلى الأعماق ولكنها لا تفعل ذلك لأنها لا تمتلك رصيداً عميقاً وروحياً ولأنها ليست صادقة ولأنها تتوسل الشكليات وتحاول اللعب بها فقط .
    ولأن السحر يشتغل في منطقة تحقيق فعلٍ ما فإنه يختلف عن الشعر الذي يشتغل في القول واللغة والكتابة ، السحر يعمل بينما الشعر يقول .. ولهذا يكون السحرُ سحراً عندما يعمل فقط ولا يكون عندما يفشل في العمل وهو ما جعل السحر الخارقي هو السحر الحقيقي أما السحر التعاطفي فنجاحه جزئي في تحقيق الفعل والساحر الكاذب كذلك .
    لكن الشعر يكون في منطقة الكلام واللغة ولذلك فهو يتطلب أولاً موهبةً أصيلة ( الخارقي ) وثانياً صدقاً في التجربة ومرانا أدبياً ( التعاطفي ) وثالثاً صنعةً وتقنيات لغوية وخيالٌ شكلي ( كاذب ) . إنه يجمع هذه الأنواع الثلاثة بنسب متدرجة لأنها ، كلها ، تعملُ في منطقة القول والكلام واللغة ، ويقيناً أن وجود الموهبة سيهذب الصدق والتجربة والأسلوبية الأدبية وكذلك سيحدُّ من أمراض التقنيات ويخفف من عبئها وضغطها على براءة الشعر وفطريته .

    3. الساحر والشاعر

    يشبهُ الشاعرُ الساحرَ في أمور كثيرة مع ملاحظة أن الساحر يعمل والشاعر يقول ( أو يكتب ) ، ويتظافر الفعل والقول عند الشاعر الحقيقي الذي يصبح رمزاً مشرقاً للصورة الإنسانية في تفوقها الروحي والعملي .
    الساحرُ يحاول تحدي واختراق الفيزياء الطبيعية للوجود والشاعر كذلك وينتج عن ذلك رقـيّاً وتصاعداً في المستوى الانطولوجي والمعرفي لحياة البشر .
    الخارقية السحرية تشبه الخارقية الشعرية رغم أن الأولى حرثٌ في الوجود والثانية حرثٌ في اللوغوس .
    كان الساحرُ ، في العصور القديمة ، يشغل أهميةً استثنائيةً في الحياة الاجتماعية والسياسية وكان يشغل زعيم القبيلة وطبيبها وشاعرها وفيلسوفها حيث تجعل قدرته الفائقة على هذا القدر من الأهمية . وكان الشاعرُ يحتل مرتبة نوعية في الحياة السياسية والاجتماعية لكنها لا تضاهي مرتبةَ الساحرِ . ورغم أن المجتمعات البشرية أظهرت تخصصات معقدة في طريق تطورها السياسي والاجتماعي إلا أن مكانة الساحر تدهورت مع الزمن بينما تصاعدت مكانة الشاعر .
    والحقيقة أن الساحر والشاعر يحملان القدرة ذاتها ويحققان الأثر النوعي ذاته في التطور النوعي للأمم , لكن الساحر ارتبط بالدجل والشعوذة وخصوصا بعد عصر التوحيد حيث بدا وكأنه يمثل القوة الوثنية في مقابل قوة الإيمان الإلهي .
    أما الشاعر فقد تشوهت صورته هو الآخر عندما ارتبط بالبلاط وأكثر من ظهوره الماجن والمغوي وتهاوت صورة الشاعر بقسوةٍ إبان ظهور شعر التكسّب والمديح والهجاء واللهو .
    لكن نصاعة صورة الساحر ( الشخص الفائق المعرفة ) والشاعر ( الشخص الذي يمثل الحرية ) بدأت بالعودة مرة أخرى كصورة نوعية للإنسان في أقصى تجلّياته المشرقة .

    ثالثاً: الشعـر والجسـد

    1.طاقة الإيروس

    إن قوة الجسد الداخلية التي احالتنا إلى نشاط مراكز السحر فيه تحيلنا أيضاًً وبصورة مباشرة إلى القوة الإيروسية التي تنتعشُ بانتعاش الجسد وتُهملُ بإهماله وهكذا يكون الجسد مركزاً للماجي ( السحري ) و الإيروسي ( الحسي) .
    إن الإيروس هو نشاط الجسد الجنسي والعاطفي ويسميه فرويد ( غريزة الحياة ) وتقع في نطاقها غريزة حفظ الذات وغريزة حفظ النوع رغم اختلافهما , وهدف الإيروس إنشاء وحدات جديدة تزداد حجماً , فهو غريزة رابطة , أما الطاقة التي تعمل وفقها فاسمها ( اللبيدو ) . ويتصارع (الإيروس ) مع الـ
    ( تانتوس ) الذي هو غريزة الموت الكامنة في الجسد البشري والتي تحاول تعطيل كيانه وحركته .
    إن هذا الإيروس هو الذي يمدّنا بحب الحياة وعشقها وهو الذي يزيِّن لنا جاذبية الجسد الآخر وهو الذي يُشعل اللذّة فينا فهو نار الجسد وشعلته العظيمة.
    يفقد الجسد الكثير من فاعليته عندما يكون هذا الإيروس محجوباً ( في حالات التقشف ) أو غفلاً ( في حالات الخمول الجنسي ) أو معطّلاً ( في حالات الشيخوخة ) , ويعمل الإيروس على تماسك الجسد وإذكاء فاعليته وإدراكه لفحواه وجوهره . وتتجسد طاقة الإيروس بشكل مباشر في ممارسة الحب والجنس والنشاطات الحسيّة النوعية مثل التذوق المرهف والسماع المهذب للموسيقى والتلذذ بالعطور حيث تتنشط الحواس الخمس وتمارس فاعليتها وامتلاءَها .
    لكن طاقة الإيروس قد تتجسد بشكل غير مباشر عندما تتسامى الحواس وتتحول طاقتها لإنتاج فكري أو فني أو شعري متميز . إن التسامي هو فعل إيروسي غير مباشر تقفز فيه الطاقة الحسية وتتحول من طاقة مادية إلى طاقة مثالية يجسدها العمل الإبداعي , وهذا ما يدعونا للتأكيد بأن الإيروس هو المخزن الحسيّ للإبداع ومنه تنطلقُ أمواج الشعر والأدب والفن ولكن عبر عمليات داخلية في غاية التعقيد .
    إن طاقة الإيروس طاقة نفسية ( سايكولوجية ) وطاقة الماجوس ( السحر) طاقة فوق نفسية ( باراسايكولوجية ) وطاقة اللوغوس طاقة روحية كونية وبذلك تتظافر هذه الطاقات مع بعضها في عمليات الإبداع .
    يتلازم الشعر مع طاقة الإيروس لا باعتباره شكلاً متسامياً لها بل باعتباره ينبوعاً فطريا إيروسياً . وهذا ما يختلف به الفكر عن الشعر فلو أننا توهمنا واعتبرنا الشعر متعالياً إيروسياً لنتج عن ذلك شعر ذهني أقرب إلى الفكر ، لكننا سنقترب من حقيقة الشعر إذا نحن وضعناه في الجذور الإيروسية لأنه اقرب إلى ينابيع الحواس وعيونها الخصبة منه إلى مجرداتها وسمائها العالية .
    إن التأكيد على إيروسية الشعر يشبه التأكيد على فطريته ، فالجسد يجب أن يكون حاضراً بطرواته وحواسه المشتعلة ، بل يجب أن يكون النصّ الشعري جسداً لدناً متورداً بحواس نشطة ومن هنا تأتي مقولة أن الشعر يؤنِّث العالم لأن الجسد الحقيقي الذي يسعى الشعر لتجسيده هو جسد الأنثى حيث تسعى الأنوثة لصبغ العالم بجمالها ونورها .

    رابعاً: كيمياء السحر والجسد في المجموعات السبع

    حاولت قصائد هذا المجلد الشعري النهل من تلك الينابيع السرّية للسحر والجسد ، من جاذبية السحر وحقوله المشتبكة وهو يعيش في حواسنا التي ينشّطها الشعر ومن جاذبيته وهو يرسخ في أعماق وجداننا اللا شعوري , ومن عبقرية الجسد البشري المجلجل بالأعاجيب الحسيّة وتورّدات الغرائز وسعيها إلى الرُقيّ .
    عندما يحكم الشعر مجالي السحر والجسد فلن يكون هناك نكوص نحو الهاوية والابتذال , لن يتحول السحر إلى شعوذة بل سيكون جزءاً من التركيب الشديد العالي للحواس , ولن تتحول الإيروسية الجسدية إلى غرائز حيوانية بل سيقودها الشعر إلى الرفعة وسينفتح الجسد المخصّب على حقول الروح والنفس ويُغنيها .
    الأعمال الشعرية هنا لا تدّعي أنها تطابق التنظيرات التي تحدثنا بها , إذ ما من شاعر يستطيع التوفيق بين رؤيته ونتاجه فالمسافة بينهما قائمة مهما كان صدق الشاعر ونواياه .
    لكننا نود التأكيد على أن الشعر لا يأخذ مادته من نظريات الشاعر بل من مادة حياته وتجربته , وربما جاءت هذه النظريات بعد التجربة وبعد الشعر نفسه , وربما لعبت دور الإطار العام والبوصلة الموجهة فقط .. وهذا ما نراه من دور مناسب لها .
    ربما كان توجهنا في جمع قصائد هذه المجموعات الشعرية السبع في مجلد منطلقاً من عاملين أولهما شكلي يتمثل في سيادة الإيقاع الموسيقي الشعري المتمثل بالتفعيلة العروضية في اغلب هذه المجاميع وثانيهما مضموني يتمثل في طغيان موضوعات السحر والجسد في هذه المجاميع ، وربما سيكوِّن العرض الآتي الذي سنقدمه لهذه المجاميع مفاتيح هامة في فهم وتحليل وكشف هذه المضامين , رغم أننا اخترنا لغة ذوقية اكثر منها نقدية لبسط هذه المادة لإيماننا الكامل بأن مثل هذه اللغة هي الأفضل في الحديث عن الشعر وأغواره خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشاعر نفسه وبأعماله .
    كانت يقظة دلمون باكورة أعمالي الشعرية كلِّها فقد صدرت عام 1980 حاوية على قصائد كتبتها في السبعينات وهو العقد الذي ظهرت فيه تجربة جيل شعري جديد في العراق ( جيل السبعينات ) وكنتُ أحد شعرائه .
    قصائد هذه المجموعة أقرب إلى الرومانسية فهي مشحونة بالعاطفة وبالسعي نحو المثل العليا وتلمس عتبات الرمزية في إطارها العام لكن الثمار الخاصة فيها كانت متمثلة في غصنين أساسين هما غصني السحر والأسطورة . فقد حاولت أغلب قصائد المجموعة وخصوصاً في كتاب السيمياء الاستفادة من السحر والأدعية والتعاويذ والطلاسم وغيرها .
    كانت محاولتي المبكرة هنا للاستفادة من هذا الحقل المهمل في تراثنا الشعري الحديث استجابة لوعي معرفي خاص بهذا الأمر ولدوافع داخلية ، لا أعرف حتى هذا اليوم أسبابها ، وقد أستطيع العودة بالوعي المعرفي الخاص إلى ميولي الذوقية الشخصية للشرق وللغنوصية والهرمسية واعتبارها منطلقات وعي وفنٍ معاً . لقد حاولت استبطان السحر العربي ومدوناته الشعبية وجاء ذلك على مستوى العبارة والسياق والمخاطبة : لا أصحو .. حتى تأتي إليّ وتُذهب عني تعبَ الدهرِ
    يا مؤنس قلبي وصبيّ شبابي وتصالحني
    أقسمتُ عليك بروح ساكنةٍ في الماءِ
    بأن تخرج من أرضك مفتوناً بي .
    كان السحرُ ينهمرُ من تداعيات مباشرة ، وربما كان نيئاً إلى الحد الذي يشبه تقريباً ما تحمله تعاويذ السحر الشعبي :
    قُلْ بالذي انزل هذا الكتاب
    مكملاً يا سيد الأحباب
    ماذا تقول الروحُ في سرِّها
    والقلقُ الفاتن فوق الجسد الوثّاب … الخ
    ولنقل هنا أن جمل السحر تحاول أن تفسخ لها مكاناً في النسيج الشعري للقصيدة الحديثة فتخصبه مرةً وتجعلهُ مشحوناً مرة أخرى وهكذا ، لقد كان السحر يمرّ عبر اللغة اكثر من مروره عبر الفعل وكان ذلك يجد مكاناً مناسباً له في أدعية وتعاويذ أقرب إلى العشق والعاطفة منها إلى شيء آخر .
    وتعملُ طقوس السحر مع لغة التميمة السحرية في إذكاء الجو السحريّ مثل حرق الآس وانتشار الطواطم في الهواء من الجبّة وتبرج البروج ورشّ ماء الندى ورش ماء الذهب على الشفتين وتنوع ظهور أغصان السحر والحصى والقلم والسدر والزعفران …
    يتراصف الطقس مع المتن ليشكلّ جواً من قوى السحر السارية التي تريد أن تضع نفسها في الموقع المناظر للشعر ، الشعر هنا يتلاقح بالسحر .
    يسأل الشاعر هل رشَّ الهدهدُ ماءَ الذهبِ على الشفتين ليصير الشعر كلاماً عجباً ويوقظ نفسه ويرقي بدمه الخلق المدهشة ، ويصرخ : ها أنت جميل في كلماتي وجميل بين يديّ ، ويرينا طواويس مسخرة لجنونه وجبالاً طائعة لخطاه ومنارات المرو في مملكته ترحل في الليل .
    وبقوة السحر وبقوة الإيروس يسأل الشاعر : قرِّب نفسك مني واطرد ما يشغل بالك عني واسع إليّ ، فلقد ذهب العقل وماتت أنوار السبحان ويبس الورد على شفتي وفوق خدودي.يتّخذُ السحرُ من الإيروس الحسي وسيلة وغاية في الوقت نفسه .. ويتحدان معاً في شبكةٍ ماديةٍ أقرب ما تكون إلى الكيمياء ، كأن السحر يلعب دور الطاقة والحس يلعب دور المادة وهكذا يحاول السحر أن يحرك الحسَّ ، الطاقة تحرك المادة ، وهذا يحيلنا إلى مواضبة مبكرة لأن يكون السحر قرين الجنس والجسد ، ولا فرق هنا أن يكون السحر تشبيهياً أو اتصالياً أو أسود أو أبيض طالما أن طاقة اللغة عبر إثارة الحواس تشتغل بقوة .
    وتظهر الأسطورة في هذه المجموعة كغصنٍ ثانٍ وبشكل خاص في كتاب دلمون ويحاول الشاعر أن يحفر في الطبقات الرافدينية لذاته ، فيمسك بدلمون رمز الفردوس السومري ويحوله إلى مثل أعلى يحاول العودة إليه أو الصعود به أمام الجدب والصحراء الخاوية التي هو فيها .
    تتفتح هذي الآماد الحجرية عن شجر البرقِ فيشرق في الأعماقِ بشير الروح وتسقط أوراق المعرفة وسحر العالم من شجرات الدنيا وأرى الغمر يغطي الأرضَ وروحُ الله يرفّ على الماءِ ، ماذا يحملُ هذا الوعدُ ؟ افتح أسرار النفس وأسرار الماضي في دلمون وأطوي في الأرض الخطوات إلى مقبرةٍ سالفةٍ وتلال زرقاء .
    وتتجذر دلمون في نفس الشاعر فيعبر عن مثاليته فيها ويعتبرها الأمل القادم ولكننا نلمح انكسار هذا الحلم معبّراً عنه بنوع من اليأس وضيق المدى والفضاء والزمان العنيد .
    ويحاول الشاعر استنطاق رموز مثولوجية عربية قديمة مثل إيل وعثتر ولاهة وهي تنبعث من الصحراء ومن ماضٍ مازال التراب ينهال عليه . ويجد في طسم القبيلة العربية البائدة هدياً لخطاه التائهة الباحثة في حاضرٍ عربيٍّ مظلمٍ فيبحث عنها وعن أهلها ويعيش معهم وينغمر في حياتهم هارباً من حاضره العربي المجدب .
    وتقوم طسمٌ من مراقدها وطسمُ وحيدة في الرمل متعبة العيون ، يا ذا الشرى أغفت على روحي السحابة ومضى على أهلي الزمان وتركتني وحدي بلا خمرٍ ولا نارٍ ، فهب لي من قطيعك ناقة في هذه الصحراء تحملني لأهلي وتقود لي خطوي وتمنحني الأمان .
    ومثلما تحول السحرُ إلى طاقةٍ لتحريك الحياة الإيروسية تحولت الأسطورة إلى طاقة لتحريك الحياة الروحية . واتخذت لغة السحر من ناحية ولغة الأسطورة من ناحية أخرى دوافع شحن للغة الشعر بل اندست في نسيجه وحاولت تبديل موجهاته المعاصرة .
    ليس هناك من تقنيات كولاجية للسحر والأسطورة بل هناك بثّ لشحنتهما داخل لغة الشعر وصوره واستعاراته .. ولم يتعلق الأمر بمفرداتهما بل بقواهما وهي تتوقد في النصوص .
    لكنه بمقابل ذلك ، يجب الاعتراف أن النبرة الرومانسية والعاطفية التي اتسمت بها القصائد أضاعت الكثير من إمكانيات هذه الحقول في إحداث تأثيرات أقوى وأكثر جدية وستحاول المجاميع القادمة إكمالها .
    في أناشيد إسرافيل تترسّخُ وتنضجُ القصائد السحرية والإيروسية حتى أنها تصهر في داخلها كل تجربة الشاعر ورؤاه ومشاعره وعواطفه ويسلّم الشاعر عقله للفنون المغمورة .. فنون السحر والتعاويذ والرُقى والأدعية والنيرنجات والزايرجة والطلسمات والميامر والإيقونات .. هذه الفنون التي انطوت في هامش أو قاع المتن الروحي والفكري العربي ورسبّت معها واحدة من أكثر التجارب غنىً وخصباً ، فقد حاول الشاعر استعادة هذه الفنون المغمورة وأعاد تشكيلها وجعلها هيكلاً وشكلاً لتجربته الجديدة ، لقد حاول أن يفتتح بها طرقاً هاربة أو قصّيةً . ونبش بها القوى الحسية والنفسية الفائقة ( الباراسايكولوجية ) التي نمت فيه . لقد كان استنطاق هذه الحواس عن طريق آليات السحر القديم أمراً ينطوي على الكثير من النتائج الغريبة .
    كما حاول الشاعر في هذه المجموعة أن يفتح تجربته على مصراعيها فهناك تمجيد الحسية والشهوية والخمرية واللذّة والجسد ، وقد حاول الشاعر أن يجعل هذه المضامين الإيروسية الموضوع الرئيسي في هذه المجموعة . وهنا لابد من استحضار تجربته البكر في كتاب السيمياء ( في يقظة دلمون ) وكيف أنها طغت على هذه المجموعة بأكملها وكيف استخدمت طاقة السحر بأقصاها لتهييج وتنشيط مادة الجسد والجنس .
    تتردد في إغواءات شمس اللّذة صورة الفتى الراهب السكران المضمّخ بالندى وسيل الأنوثة وهو يرحل تحت إيوانات الجسد وتجذبه شمس اللذّة إلى الأقاصي وترتخي أعنّة خيوله لتسحبه إلى أرضٍ بعيدةٍ يفرد فيه صولته لمحاسن ذبلت ويشعل ميسمه فيغطيه بخار الخمر ويغطي نار ريحانه ويبل نحره وأطرافه .. ولكنه يصحو ولا ينسى مهمته كشاعرٍ منتدبٍ لردمِ انشقاقٍ سافرٍ في الخلقِ والتكفير عن ذنب آدمي هو فرقة الفردوس .. وهكذا تؤدي الرحلة التي زفّتها أجراس السحر نحو الفردوس الجسدي إلى جحيم روحي أيضاً وهو ما يختلط على الشاعر ويكون بمثابة شواش وهيولى .
    خاتمٌ لوّحت الشمسُ به نحوي فيممت عيوني ، واستعدتُ الجرّة الفخار واسّاقط حولي ورقُ النجمِ فهيأت غصوني أفتح الجنّة تلوَ الجنّةِ ، انهالت شموسٌ في صحوني وارتوى نسغي وطاردتُ الفضاءْ ، محكماً بالحلم هيجتُ نساءً بنساء، وسقاني الغيم خمراً بعد ماء . حلمي أن أحمل الأرضَ وأمضي فوق طبعٍ ليّنٍ أفلقُ هامات الهواء ، حلمي الآتي وقرآني سطورٌ خفقت فوق محياي وغنّتها الظباء .
    لكنّ الشاعر يخلط كل هذه الفتوحات السحرية والإيروسية والروحية في مجال واحد هو الشعر لا لكي يصل إلى هدفٍ معين .. بل لكي يبقى في مجال الشعر متوتراً مخضباً فاتحاً عينيه على أقصى انفتاحات الجمال .
    إنني أفلقُ صبحاً وأنادي الديكهْ ، لغدٍ أجمل من أمسٍ وأبني مملكهْ ، إنني أرصفُ أحلاماً وأشعاراً وأجتاحُ سماءً منهكهْ ، فأستدر ياوقتُ وأسمعني وزد نبعي وغُذَّ المعركهْ .
    وهكذا يظل الشاعر يتقلب بين رائحة الأنثى ومخمل الورد وبخار الخمر ولسع الجسد وريحانه وخاتم النار والياقوت والجمر ودموعه الفرحة بهذا البذخ الحسيّ .. وعادة ما يختار ساعة الفجر امتداداً مع ليل يمطر باللذة ويوم يتقدم فيها وليس هناك سوى حلم واحد يؤرقه هو أن يمضي إلى أعالي بركة الشمس ليحني مع الشعراء والعشاق بدم الشمس الأيادي ويبنون معاً قلعة العشاق في الضوءِ ويصبغوها ببحّات الدموع وبقول ساحر وآفاق تصلي للشموع .
    أما في رُقى المحبة والتهييج فيواصل الشاعر ترقية عشقه برُقى السحر لصيانة جسده وروحه وبثِّ الإيروسية في نفسهما الصاعد والنازل فهو يتوسل بحقِّ نجمةِ المسا وحقِّ آية النسا وحقِّ ما خلّفه الورد على الشفاه والنور على العيون والحنين والأسى وحقِّ ثديين يحطان على عشبٍ فيهتزُ ويصبان إلى نبعٍ فيرتجُّ به الماءُ أن تأتي امرأته لتقيم في شبابه قمراً وتفكَّ في يبابه نهراً هادراً وتستلقي على غصن سحابه وتملك الأشياء .
    هذه الرُقى السحرية تتوسل الجسد وتتوسل الروح وتسوّرهما بالحب حتى يبدو لنا المشهد طقسياً وتتصاعد معه أشجار ٌ لا يمكن فصل جذورها السحرية عن ساقها الإيروسي وعن ثمارها الشعرية ويعمد الشاعر لتزيين هذه الغابة بإيقاعات جديدة وتفعيلات غريبة مثل تفعيلات البند والدوبيت وتنويعات البحر السريع ليمعن في إضفاء جوٍّ لذائذي وقرعٍ حسيّ ، سبحان من هيّج نار الورد في خدِّك واستلقى على الشهدِ وسوّاك رقيقاً عذباً , شمسُ تناديك وخدّام يشيلون لك ، الدنيا وترشق ايقاعات البند هذا الجو الباذخ لتزيدهُ التماعاً . هوى الليلُ على الأغصان وانشقت لنا الأقداحُ فاجتحنا نجوم الليل والأنثى بماء الليلِ ترمينا فهيّجنا أغانينا , نشدّ الليل نُذكي نارنا نطعمها خمراً وطيّنا أيادينا على صدرٍ ذوى من شهقةٍ حرّى , على قدٍّ لهيـبـيٍّ إذا ما دار أو غنّى سيهتزّ بساقين على تلّين عفيفين …..
    ويستدعي الشاعر ملاكه إسرافيل ليساعده في إيقاظ النفوس الميتة بل وليزيد من قوة الشاعر وبسالته في المضيّ إلى أهدافه المعنية بالجمال والزهو والنشاط الحسيّ والروحيّ . ويستخدم الشاعر لغة السحر والرقى في مناداته لإسرافيل .
    عجِّل يا ملك النور وهيِّج نفسي ودمي , وتلقّف بعصاك الديجور وسخّر قدمي , الماءُ يبلُّ قلاعَ الروحِ ويضربُ فُلكاً ساكنةً فيّ ويغمرها بالزنبق والأصداف وآس الماء .. أقسمتُ عليكَ توكّل باسم نبيٍّ يأسرني منذُ ولدتُ وصوتٍ يسحرني منذ أفقت ونور يغمرني منذ رأيت .. توكّل وانفخ بعصاك وغنِّ الروحَ وحرِّك في أعلاها النار وفي أسفلها الجمر ومرَّ بها في يمِّ الظلمات وذكّرها بالماضين وبالأيام مجمّعةً في كفِّ نبيٍّ ألقِ الروحِ , انفخ بعصاكَ وغنِّ لنا . وهكذا يتحول إسرافيل من ملاكٍ ماردٍ ينفخُ بالصورِ إلى شاعرٍ رقيقٍ ينفخُ بالناي ويقرأ الشعر سبيلاً لممارسة حياةٍ أشد رقياً ورفعة …
    البرقُ يشقِّقُ كفنَ الأجدادِ ويمسك الشاعر وردته منطلقاً إلى الآفاق ويلتفّ على غصنه الناس , ويجلو الأرض بالشعر الهديل وتنحني الأغصان على نهره ويستجيب له طاووس مَلََكْ وأسماء الخدام ..
    وهكذا يشقُّ الشاعر وسط زحام التاريخ والحاضر حشود الناس ليقف مزنَّراً بالجمال وملامساً الهياكل العليا صافي العيون وتعيد الرُقى والتعاويذ والحروز قوة السحر إليه فيقرأ ويلفَّ البرد بالجسد النحيل ويقرأ ويغطي الروح بالأوراق ويكتب أسطراً سوراً ويقرأ ويعلِّم كلام الزمرة العليا ويقرأ ويقرأ حتى تنكشف له الحقائق الخفية فيسكر نشواناً بها ويلتفّ بالأقداح ويشقّ الثوب نصفين ويرقى وردةً فوق كؤوس لعبت فيه ويحني رأسه للأمسِ ويلتاع ويشق الحرث والماء بأنفاق صحاريه .
    وتحفز الرُقى هاجس القوة الداخلية فيه فتنعقد الغيومُ في بنانه ويلكز النجومَ ظبياً نافراً ورايةً محاربةً ، ويطلّ على فمه فيجده غائراً في جرحٍ قديم عميق لكنه يتوعد ثبات الأشياء وفيزيائها الراكدة بالسحر :
    قلتُ أقرأوا سحراً على سحرٍ
    وشدّوا قصباً بالنجمِ
    رتِّل يا مغني في الخرابِ
    قلت احملوا الأسرار من كتبي
    وفكّوا الزِّبرَ ينساب السحاب .
    وهكذا تتوالى كلمات الساحر وأفعاله لينال ما يريد فيستعمل في إحدى رقاه ( الوحا ) ليرفع روحه من ترابٍ سافلٍ ويتخلص ممن حوله الذين يظهرون مثل السكاكين .
    ويظل الشاعرُ الساحر مدلهمّاً برماً يحاول دفع سفينته باتجاه الخلاص لكنه لا ينال ذلك الخلاص .. فينهال التراب على قلبه ويخاطب الجموع الخاملة والذين يرونه كطفلٍ مخبولٍ وثنيّ يلهو بالكلمات ويلعب بالتيجان ويُحيي أحلاماً بائدةً ومسلاتٍ زائلةٍ ورُقى .
    لكنه كان يسهر قبالة مجرّة درب التبانّةِ ليمسك روحه ويرى أنه في آخر قافلة الكهّان يقلِّبُ نجماً في الليل ويسكر فجراً ويلوِّح للأيام ويمسك نار الخلق ويلعن أياماً ضاعت منه سدىً ويتربص بالموت .. أما الناس فنيام .
    ومثلما يتبتل الشاعر مرةً ويتهتك مرة أخرى يعود في الطرازات الماجدية إلى إيروس الخمر والجسد مانحاً إياه السطوة بعد أن ذبلت عيونه من التأمل .. وليكن نبضك شمساً في الأعالي وامنح العمر إلى زمرةِ فتيانٍ وخمّارين منسيين في بغداد واستلقِ شهياً في النبالِ .
    ويهيئ الورد لسليل الورد والكأس العذب ويغني ويبكي على صوت الرحى ويتبع الكأس التي تُشرق في الليل ويطلقُ طيوره من أسر ليالي النار والوجد ومن ليل جذوره ويستجيب لنداء صياح الديك في الفجر لا لكي ينام أو يصحو بل لكي يسكر ويحضن الأرواح الكبرى .
    وهكذا يسدر الشاعر في مجونه ويحجب الناس لكأسٍ في يديه ترقص فيها البوادي والسفوح وتفور فيها الشمس وتضوع بعطر يفوح .
    أما إيروس الجسد فيشبعه مع إلهة الفجر السمراء التي تجعله يخلع خاتمه ويرمي به في النار ويترك وراءه أوراق الشاعر الصفراء ولياليه الشاحبة فيغوص في جسدها المبتل بالعتمات والعرق الشهيّ وعنفوان السيل والتيجان والزهر الذي يحنِّي السرّة .. وينتشي وهو يكسر جراره فجراً ويغازل القدمين ويهبط في براري الجذوة السكرى ويصيح من بلوى : حنانك يا حمام .
    وتمضي الإيروسية متصاعدة مع الخلاسية بمخملها الأسود وأكتافها العارية فيلمحها مبلولة بالماء تلملمُ زنبقها وتدير بطاس زمردها الخمر وتركض نحوه فيصيح على مخملها وقلائدها ومعاولها ويصيح على ثديين رخاميين وثغرٍ كالتينةِ ومنارات ترفلُ بالرايات ، وتتحول الشهوة إلى عنوانٍ صارخ في هذه القصيدة حيث أبواق جنونٍ في الشهوةِ ، والشهوةُ كرمٌ في الأقداح وحمرةُ أطرافٍ وخدودٍ وتورّدُ أخدودٌ وشموسٌ تنضح طلعاً فوقَ القمم والشهوة فوق خواني وأوانيّ وتحت قميصي وعلى علمي .
    يلجأ الشاعرُ إلى فتح القصيدة أمام أسلوبية الكتب المقدسة فيبدأُ بمحاولة الاستفادة من القرآن الكريم في ذكر الأجداد وكيف أنهم احتفلوا بقدومه فيدقّ على باب السنوات ويهبطُ عند تخومِ الأرضِ ويمسك أحجاراً نقشت بالأسماءِ وزّينها الزهرُ بلونِ الغسقِ ويحيي أجداداً نادوا الله وغنوا للأيام وغابوا .. ويستعملُ الشاعرُ طقوس وأقوال السحر حين يترقبُ وقت ظهور الهلال ويخطّ على رقِّ غزالٍ أبيض كلمات خضراء ويمحوها بالماء ويغسل وجهَه فيه ويوشم من ترغبه النفس ويحضنه بفراشه وينام ليصحو تحت مباخر نارٍ ليّنةٍ وحصىً ولبانٍ ثم يتلو تعزيمته السحرية ( أقسمتُ بأن يحضر في رمشةِ عين ويحييني ، أقسمتُ عليكم يا أرواح ويا سكان الوديان وخدّام الأسماء ، أقسمتُ بحق الكلمات المكتوبة فوق سرادق عرش الله …. الخ )
    وتستمرُ النيرنجات وأعمال الساحر العجائبية من غناء الترتيل الحسن إلى دعوة الأفلاك تركض صوبه إلى توسِّل أدوناي واقتفاء مسرى الشمس واستنطاق الأوفاق السحرية ومحاولة صيد الأزل بالشعر حتى الموت وبكاء العصافير وغناء الوعول الشاردة عليه .
    والنيرنجات والزايرجة فنون سحرية عربية قديمة تستعمل الأولى لربط أهداف الساحر أما الثانية فتستعمل لكشف طالع وأحوال الناس والشعوب والملوك عن طريق معادلات رياضية وحروفية معقدة .
    ويحاول الشاعر الاستفادة من هذه العلوم السحرية القديمة لتحريك نصوصه وشحنها وإخصابها بمادة فائقة تحقق طرازاً جديداً من الشعر ، وتختلط أسلوبية البيان القرآني مع بلاغة السحر ويتهدج صوت مجلجل يشتبك سراً مع اللغةِ العصية ليفتتح أرضاً محالاً باللفظ وبالزبر القديمة وتَضرب الآفاق بالكلمات لينبثق الهلال وتكون مجاميع العشاق قد خرجت وعبرت ظلام الأفكِ واشتعلت لها حقبٌ ومشتبكٌ أتون ، وتمرغت في طينها شوقاً ورجّت كوكباً تمراً وصاحت خوف ماحيةٍ تكون ليلاً تهدهدُ أو دماً نسراً وتطلقهُ انفلاقاً مخصباً يعلو العيون .
    ويعود الشاعر إلى كنـزه المفضل إلى هرمس وطلاسـمه ( وسيكون هذا الكنـز هو النبع السريّ لعمله القادم في المجلد الرابع _ خزائيل _ ) وترِّفُ طيور الغنوصية والهرمسية عليه فيكتشف أوجارها وأعشاشها الخفّية لكه يمسِّها هنا مسَّا خفيفاً في طلسم الإدريس ( الذي هو هرمس ) فيمجِّد الشرق والباطن والحوريات السرّيات قرب ينابيع اللذّة أو المعرفـة ( لا فرق ) فيجد مصرعه هناك ليقوم بعدِها ويشمّ رائحة الآلهة ويكتشف النار من جديد ويرتِّل ترتيلةً غنوصيةً يشير فيها من قريب أو بعيد إلى نقوش العماء والجوهر الغامض والألواح وإلى النبي يحيى الذي له مائدة من عسل البرِّ وإلى الصحف الأولى وإيوان السماء . ويضربُ الشاعرُ هنا وهناك فيجد نفسه مرةً رقماً بين قلاع الزمن الغابر والعصور أو طفلاً يكتب على باب الخشب طالعه المستمد من حلم رائق يفتك به صغيراً ( حلم الشعر والنساء ) أو يكتشف الذهب الذي يسري في دمه …. الخ .
    لكنّ الشاعر وهو يواجه الحروب والموت أمام دفقه المليء بالحب والحياة يقف مليّاً ليمجِّد الشهداء المحاربين المنحدرين صوب الفردوس ( الجنّة ) بلغةٍ لا تختلف عن اللغة السابقة فهي تحمل الأسلوب القرآني وكأنها عزاءٌ للمحارب وأناشيده التي لا تمجد الحرب بل تمجد الشهادة وتدين الموغلين في الحروب وخرابها فتحكي عن العراق وعن العائدين إلى الجنة والشهداء وزهرة الجنة وبيروت التي كانت تتمرغ بدمها آنذاك بسبب الحرب أيضاً .
    ومن ينابيع العشق ذاتها يصعد الشاعر باتجاه القدّيسة ريّا بعيداً عن الشهوات والجسد ليجرب نمطاً من الحبِّ الصوفي في وهلةٍ هي أشبه باستراحة العاشق الحسيّ فالله يرعى الصِبيةَ المتطيبين بناره ، والله يمنحنا الجرار ويرِّفُ فوق عيوننا ويحيطنا بالسعد والسلوى ويدخلنا جنانَه ، والله يمنحنا حنانهُ من طاقِ عزَّته ومن نُعماه ، من فيضِ الفضا في راحتيه وسُنَّةٍ تعلو بنانَهْ .. لكنّ الشاعر سرعان ما يعود إلى الأنثى التي تشهر رياحينها وجسدَها ومعاولَها وتجرّ نبالها وقتلاها وتصيح لتشعل من جديد إيروسية الجسد فيرتوي من نبعها الفائر محموماً ويكسو جسدَه بالعسل الناضح من ميسمها الناضحِ وينحني للثدي ويتضرع لفراشاته ويشعر بسياط حوذيِّه يجلده وتتحول يده صخراً بينما هو يصحو كالجدي المستنفر .
    وتعود الرُقى لتجعل الشاعر يهيم في حقوله ورموزه الإيروسية والسحرية ويختار بحوراً غريبةً على الذائقة العربية مثل الدوبيت والبند الفارسية البيئة لينعش بها نصوصه . ثم يفيقُ الشاعر وسط عالمه الحقيقي بعد أن حلّق طويلاً في سماه وغاص في طبقاته الباطنية الرمزية ليجد جسده منهوشاً من قبل الآخرين وأن الحياةَ لا تمنحه ما يشاء من الحرية التي مارسها فيتعجب كيف أنه حارس أبواب الجمال من جهةٍ لكنه يزداد فقراً وتنهدّ على بيته الطلول ويعرى ويجوع .. لكنه يصرّ على أن هذا هو قدره وعليه أن يواصل رغم أن هذه العتبة ستشكل مادة الجدل الشعري في مجاميعه القادمة وذلك الاحتدام الصارخ بين ما يريد كشاعر وما هو فيه كإنسان . وهكذا يقترب من النهاية ليمجِّد في آخر هذه المجموعة الشباب المشتعل بالحبّ والحرية والمجون ولا يخفي عذابه الداخلي وافتتانه بما هو أبعد من السحر والجسد ولذلك فانه يطرح نموذجين للشاعر الذي لم يعرف رغم أنه خاض في هذه الحقول الشديدة الإغواء ، والشاعر الذي عرف الحقيقة التي تكشف له عن سرٍّ مغلق يحاول اختراقه لكنه يُذهل عندما يلمحه ويكفّ عن النطق ويمزق بشعره الذي كتبه ويسد باب بيته ويشعلُ النارَ ليحترق كلَّ شيء .. وربما الشاعر نفسه .
    وهكذا ينتهي الشاعر مع إسرافيل إلى هذه النهاية مثلما انتهى مع دلمون إلى نهاية شبيهةٍ يائساً ممزقاً محترقاً .. هكذا إذن تقودنا الـمُثل إلى حتفنا أما الحياة فتمنحنا كلّ شيء عبر حواسنا وعبر كشفنا السحريّ لعجائبها ..
    في المجموعة الشعرية الثالثة الياقوتات نكون أمام تجربة شعرية ، لا تتكرر أبداً عند الشاعر أو عند غيره ، وتكمن فرادة هذه التجربة في شكلها الإيقاعي بالدرجة الأساس والذي يستدعي نمطاً أسلوبياً وبلاغياً يتناسب مع ذلك الشكل الإيقاعي الخاص .
    الياقوتات خمس قصائد منظومة على طريقة البند وهو مزيج من الرَمل والهزج ، وقد شاع البند في بيئات عراقية خاصة مثل النجف في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ولم يستعمل كقصائد شعرية بل كرسائل أو مقطوعات احتفالية تكرر ذات الأغراض الشعرية القديمة في المديح والغزل والهجاء وغيرها، وتكمن فرادة البند في ذلك الإيقاع المتماوج الذي يسمح بالخروج من الرمل والدخول إلى الهزج دون كسرٍ عروضيٍّ وهو يعطي بذلك بنية عروضية هجينة لكنها في غاية الجاذبية .
    لقد كان عليّ ، لكي أخوض في تجربة استعمال البند في الشعر الحديث ، أن أغسل عن البند أغراضه التقليدية وأن أنقيّه من شكلياته البلاغية الطاغية عليه قديماً وأن أعيد تفعيل موسيقاه وأسلوبه في فضاءٍ شعريٍّ حديث شرط أن أحتفظ بطزاجته وأن أُبقي على براءة وعفوية وانسيابية شكله ، وكانت المهمة الأكبر هي وضعه في مضمون جديد .
    لم يكن أختياري للبند عرضياً بل كان مقصوداً لأسباب كثيرة لعل أهمها هو جرسه الموسيقي الأخّاذ ، ثمّ لأنه نمطٌ من الفنون الشعرية التي خمّرته العصور العربية الوسطى تحت ظروف خاصة وغامضة وقد كنتُ ومازلت مسحوراً بهذه الفترة التي أظنّ أن كنوزها الروحية والأدبية لم تستخرج بعد ، فهي مرحلة ظلام سياسي ولكنها تحمل في داخلها أنواعاً وأجناساً أدبية وفنية وفكرية نادرة لا تظهر في عصور أخرى ، ولذلك كان تصيِّدي للبند ( وقبله الدوبيت ) من هذا المنطلق أولاً .
    في الياقوتة الأولى يصادفنا أولاً مشهد ليلةٍ حسّية باذخة حيث تهرقُ جرار الخمر من حيض دم الظلمة في ساقية الفجر ، ويُسقى الساهرون وزحل الذي يدمع من كيد ، ثم يظهر خطاب الشاعر الإيروسي حيث يلوم صاحبه الذي غادر بحور الجسد المهتاج وأبدله صخراً أصماً جلفاً وينهره : فما خطبكَ لا يرمزُ فيكَ الفصُّ أو يخطفكَ الضدُّ ولا مبسم جرح الماءِ وهو الفاتنُ الثديّ اللطيف الناتئ الغديّ رهط المخمل الناريِّ في الثغر . ثم يدعوه للعيش الخلاسيّ وللغزو وللرحلة صوب الغامض المجهول ، وكأنه يخاطب نفسه من خلاله وهكذا يختلط الشاعر مع صاحبه ويبدو الكلام موجهاً لشخص واحد وكأنه يحرِّض على العيش في لّذات الحياة وجنونها الفاتن من جهة وعلى العيش الروحي الذي يحمل الشاعر إلى الجمال الأبدي ، للماءِ .. لهذا الموج أحني جبهتي المؤمنة الحرّى له للرجفة الأولى التي تزحفُ منذ الأزلِ الأول .. للغيم الذي حامَ على أولِ خلقِ الله ، تلك الموجة الأولى التي تنطقُ ذات الجملة السريّة الغامضة الأولى ويظهر ضوء اليواقيت إذا ما شققت كالبرعم الصاحي حيث يباهل الشاعر صباه الواثب .
    وتمثل الياقوتة الأولى خليطاً من العالمين الحسيّ والروحيّ للشاعر يتنقل بينهما دون عناء وكأنه لا يبالي بتناقضهما الظاهري أو أنه وصل إلى المستوى الضمني الذي تتحد النقائض فيه . إن الشاعر يناور في اتجاهات إيروسية وسحرية ولوغوسية وظاهرية وباطنية في محاولة لمسك الحقيقة الشاردة التي يبحث عنها ، وفي حومة هذا البحث يسمع اسمه ينادى على ساحل بحر من ماضٍ بعيد فيتتبع الصوت ويصل إلى خالقه ، ويُعرَّى لمرأى الروح ويوقف الندى والنار إجلالاً ويخاطب غيره : فمن منكم رأى البيت الخرافيّ الذي عمّره الشاعرُ واستلقى به في لحظةِ الموتِ قتيلاً بين حورياته ينـزفُ أزهاراً وياقوتاً وكان الخمرُ في قربتهِ يغلي ويرتَجُّ ، ومن أسس في هيكلهِ الكون وأبقى نفسه منفصلاً مستيقظاًً للنارِ ، أبقى روحه في رفعةٍ أعلى من النـزوةِ..من بحرٍ غريزيٍّ ومهجورٍ ؟
    وهكذا يتحدى الشاعر الذين حوله أن يكونوا قد فعلوا ما فعل ليصل إلى ربّه وإلى الحقيقة المدفونة في الطبقات السرّية لهذا الكون .
    ويعود الشاعر مرة أخرى لسهره ولياليه الباذخة التي تنتهي عادة إلى طريق الروح .. ومن تكرار هذه الأحوال يجد الشاعر نفسه مطروداً من الجنّةِ ومصاحباً زمرةً من القديسين المعطوبين بالتأويل والباطن والفوق ومعه الكتب الصفراء وكتب السحر فيما يكون قد غادر الحياة الجميلة التي عاشها سابقاً ، بل أنه يرى الشعر قدراً ملعوناً استدرجه إلى هذه النتيجة ويحاول العودة إلى بذخ الحياة وحسيتها لكنه لا يستطيع ويعترف بانكساره وهزيمته ويرى في شاعر صبيٍّ قادم بعده رهاناً على إكمال ما بدأه .
    في الياقوتة الثانية يبدأ الشاعرُ من حيث انتهى في الياقوتة الأولى فبعد انسحابه وعزلته يحاول أن يتّخذ من شاعر كبير قديم عوناً على شقّ الطريق مرةً أخرى ويقع اختياره على شاعرٍ عرفانيّ طالما سحره بشعره النافذ وهو ( أبو العلاء المعري ) الذي يشير له بصفة ( شيخي الشاعر الأعمى ) الذي يرى بأنه سليل الورد والأنسامِ والقرم الذي طوّع أفلاكاً وما سمّى ، إذ اختار مجرّات له وافتتح الطينةَ والجرما وقال الشمس في مخِّي .
    ويصبح المعري دليلاً في رحلة غنوصيّة للشاعر داخل العوالم الخفية وكأنه مثل فرجيل لدانتي في رحلتهما إلى الجحيم والمطهر والفردوس وهو ما يشير أيضاً إلى صلة الكوميديا الإلهية برسالة الغفران وإلى أن المعري كان قد سبق دانتي في رسم طريق هذه الرحلة المهولة معتمداً على الإسراء والمعراج .
    ويفاجئنا الشاعرُ بأنه يعرفُ ملامح هذه الطرق السرية ، بحكم تجاربه السابقة ، ويطلب من المعري مساعدته للذهاب إلى المنجم التحتيّ : ألقى فيه تمساحي وغصني وأناشيدي الغنوصية والخمر التي عتقَّها قبلي سريّون وانسابوا كما كوكب زيتٍ في فنون العقلِ في أنغامِهِ الخمرية الجفرية الأولى لأعلو في نجيع الهدم أُحصي غسق المنفى لينشقّ رمادي وأغني قصة الموتى .
    يجدُ الشاعرُ الجمال المثالي فيتبادل معه الحوار ويراه يغمرُ الطبيعة والخليقة كلّها ، جمالٌ غمر الدغلَ وأرخى فيضَه فوق تلالِ الليلِ أرخى شاله فوق تخومِ الأرضِ لو زيّنها الركبُ وفكّت فوقها السترَ ونامت واستراحت عندها الروح وأعلاها حنين الفتحِ للشمسِ وروّاها زلال النبعِ حنّاها دمُ الفتنةِ واحتكَّ بها النهرُ القديم الأبعد الصافي وفي لفح الندى الغافي على مخملِ أجسادٍ طفت في عُتر الوردِِ .
    ويناديه شيخه الشاعر الأعمى إلى الجنّة فيذهب ، وتظهر صورته الجميلة العاشقة هناك ويصل إلى الشفرة السريّة للكون هناك ويحاول فكّها لكنه يتذكر النفي إلى الجحيم إذا فعلها . ولذلك يختار طريقَ الكتابةِ الناقص أبداً حيث لا يكتمل شيء وحيث تدفع المتناقضات الشاعر إلى بعضها البعض ليظل مبلبلاً لا قرار له .
    لكنه يتحسّرُ على فقدانه الشفرةَ السريّة للكون ( لوح الخلق ) فيعود بسرعة ليمسك به ويصرخ أنا أول حرفٍ فوق هذا اللوح ألقاه مدى الأيام والنجمُ الذي مازال خفّاقاً بأقصى الكون والساكنُ في الأرحامِ والهائم في البريّة الأولى ..
    لكنه يلقى العقاب فيسقط خارج الفردوس يلعنه الطيرُ وتطويه الثعابين ، ويعود الشاعر مكسوراً بعد رحلةٍ حاول فيها الخلاص ووصل إلى الفردوس لكنه ارتكب ذات الخطيئة الآدمية عندما أمسك لوح الخلق ( شجرة المعرفة ) وطُرد من الجنة .
    في الياقوتة الثالثة يرضى الشاعر بقدره كشاعرٍ على الأرض : لا فرحةٌ كفرحة الشاعر ، لا أبهةٌ وسطوةٌ كسطوة الشاعر ، لا إمارةٌ تشبه ما أسّسه الشاعر ، لا كواكبٌ ترقى ولا عناصرٌ تفورُ مثلما في قدح الشاعر .
    ويعود الشاعر إلى ذات الينابيع السحرية والحسيّة التي كانت تغذيه ذات يوم . ويتذكر زمرة الشعراء المقدّسة التي رافقته من أبناء جيله والأجيال القريبة ، سلاماً أيها الصحب الندامى يا نهارَ الشعرِ يا نورَ القناديلِ ، لهم في رفرف الماءِ طيوفٌ هزّها الشعرى بترتيلِ ، يشقّون دمَ الليلِ ويمشون على أطراف هذي الأرضِ أشباحاً ينـزُّ الورد من مشيتهم توتاً ويسبيهم صياح الديك نشواناً ويكويهم ، إذا شمّوا على أطرافِ بغداد رياح الخمر هبّوا وتساقوا .. لكن الشاعر بين أصحابه هؤلاء ينفرد بإغواءِ الفرس النافرة السكرى وكأنه يشير إلى تفرّده لكنه كان يرى نفسه ميتاً في لحظةٍ من لحظات الخطف أو الحلم ثم يستفيقُ ليرى أنه في رعاية الرحمن وأن الله يناديه : وحيداً صرتَ يا طفلي مذ غادرتَ فردوسي وضُيعتَ بهذي الأرض محمولاً على بحر الخطايا مثقلاً بالإثمِ متبوعاً بناقوسي ، فعدْ يا طفلي الحالمُ من منفاك واملأ وحشتي واصعد بناموسي .
    وهكذا يتردد عليه نداء الفردوس الذي فقده يوم حاول معرفة ما في لوح الخلق وتجرّأ على محاولة فك الشفرة الأولى .. ويطول حوار الشاعر مع الله : وها علمتني ياربّ أن أنزع من روحي سكون البال والأعماق ، أن ألجمَ أفعاي التي تدفع بي نحو سفينٍ غارقٍ في اللّذة السوداء ، ها علمتني أن أطبع الأيقونة الطقسية الأولى بنعشي وأهيلُ المسكَ فوقي وأنادي أربعاً إسطقس .
    ويرى الشاعر في غمرته أسئلته أرواح البشر وكأنها في يوم الحشر شبّت واستفاقت مثلما الطوق وغنّت لجمال البشر الزاهي على الأرض ولكنّ بروقاً أحرقتهم واستحالوا ندباً في صخرةٍ ذكرى ، وبذلك يصل الشاعر إلى منطقة اليأس الكاملة فبعد أن فشل في الحصول على لوح القدر ومعرفة أسرار الخلقِ ، سقط النوع البشري كلّه تحت البروق رماداً منثوراً ولم يعد هناك خلاص فردي أو جماعي فحتف البشرية واحدٌ ولا خلاص بالمغامرة أو الشعر .
    تنتهي الياقوتات الثلاث الأولى بهذه الطريقة بعد أن بدأت بمحاولة اختراق الشاعر للزمن عن طريق نشوته وجسده .. ويشكل ثالوث الياقوتات دورة مغلقةً واحدة لمغامرة الشاعر .
    في الياقوتة الرابعة يناور الشاعر بفانوسه السحري وعصاه الإيروسية في دهاليز باطنية فهو يرثي تراجع أنثاه وتحطم تمثالها وسقوط الكؤوس على الأرض وبكاء الخمر ، لماذا انتحبت سيدةُ الشرق وفاضَ الكأسُ دمعاً وتراباً ودماً يطوي وحمى تسكت النايَ ؟ لماذا احتجبت سيدةُ الناي ؟ وفي مقطع آخر يتجاذبُ الحبل مع زمانه وينسب له المسرّات السريّة ، ويفتق في طبقاته اللّذات الخاصة : كثيرُ اللبط مطّارٌ يزيد الأرضَ عشباً والسماءَ إستبرقاً .
    ويزداد الإغواء حتى يسرق فهرسة الأرض ويخفيها بدرجٍ تحتَ كفيّه . وفرّ الورد حيران يغني تيه لذات تفلّت وانشوت في دمه واسّطرت في النجمِ .
    وفي مقطع آخر يمثل ذروة السحريّ في الياقوتات يجعل الشاعر من نفسه ساحراً فعلياً يضربُ مُحَّـاً بالتعاويذ فيفري الكيسَ والطورُ له طيرٌ وكافٌ كاغدٌ يلقط معداناً وصوفيين رسّامين زمّارين ، هذي الأرض حنّاها وسوّاها بسيخٍ أحمرٍ هذّب معناها . ثم يمارس فعله السحري عن طريق الطقِّ ، حيث يطقُّ الحرف بعصاه فيجري الشعرُ سيلاً والسماءُ استبرقاً تومض في الكلمةِ والروحِ ، ويطقُّ الكأس ثم الجسد وكأن الشاعر / الساحر يخبرنا عن أقنومه : الشعر والخمر والجنس . وهذا التجلي الشعري الماجي الإيروسي هو غاية ما يريده .
    وتكاد الياقوتة الخامسة تسري باتجاهٍ آخر حيث يتحدث الشاعر عن بلاده التي بدأت تواجه الكوارث السياسية والعنف الداخلي , رمت بغداد في أطلسها النار , وفي تاريخها جلجل رشق البرقِ , في تاريخها صفّق طبّالون للوهم, ومن نهر دمٍ يخفقُ من جمرِ ظلامٍ خرجَ السيّاف والصوفيّ والشاعرُ وها نحنُ نخيط الجرح بالدمعِ .
    كانت بغداد مقبلة على كارثة الحروب والبطش والقهر وكأن عرق دمٍ خفيٍّ بدأَ ينبض في تاريخها الحديث .
    مجموعة موسيقا لهدم البحر تختار من الناحية الشكلية العمل السمفوني وتتوزع على طريقته في أربع حركات كبرى . الحركة الأولى ( الغضب ) تمثل انهيار أحلام الشاعر في ثمانينات القرن العشرين وتحطم خياراته الجماعية وسحق مجتمعه تحت رحى العُصاب الأديولوجي والحروب والفتن . فلا يجد الشاعر سوى الغضب ليعبر عن استيائه من خراب الروح وتدمير الجمال ، ثم الوقوف بوجه البحر ( الذي هو الماضي والأصول التي تغذي خراب الحاضر ) ثم اختيار العزلة كحلٍ نهائي .
    كم قيل أن فراشتي احترقت وأني راكضٌ بالزهرِ أتبعُ جمعَ سرييّن احترقوا وغابوا ، وأنا المغني الأخرسُ ، أنفك عن رخٍّ قتيلٍ عن مشيمةِ غابة سفلى وأهذي ، وأنا رضيع مفاتن تطفو على بطن الشقائقِ ردّني تاريخُ رجعٍ شاملٍ للغمرِ قيدّني هتافُ مدائحٍ في الوردِ أو تتلى لشمس .
    ويقتربُ انكسار الشاعر من وضوحه عندما يرى أن هذا التداعي يحصل بسبب حذف دور الشاعر من مجتمعه واستبداله بدور الطبّال والمدّاح : أ لأنني صنّاجة الصبحِ الذبيحِ وغرّة الشمس البعيدة ؟ أ لأنني أمسكتُ مرآتي وأطلقتُ الفضاءْ .. من أسرها وكسرتُ كرّات الرمادِ بجملتي ورضيتُ أن أنساب مثل جداولٍ فوق الرخامِ ومهرجانٌ في دمي ؟ أ لأنني غنيت أغنيتي الجديدة ورسمتُ فوقَ الورد أعلامي وفي كوبي وفوق زمرّدي ، وأنا احرِّصُ طينة الدنيا بقلبي ، وأقيم جوهرةً لشعبي فوقَ تاجِ الأرضِ أنحتُ قُبّراتي ، وأنا أقودُ الشمسَ وعلاً تائهاً وكذا أردّ جحافل العقبان عن بيتي وأخرجُ من جروحي ، زهيان .. أرفع وردتي علماً وافتكُ بالقبيحِ .

    في قصيدة موسيقا لهدم البحر فضح لهيمنة التراث والأصول والماضي على الحاضر وتدميره ، فالبحر هو هذا الماضي الذي هو أشبه بالسديم التياميتي المالح الذي يعيق خلق كونٍ جديد .. البحرُ كان يفيضُ في المنفى وفي الكلمات ، كان البحرُ طيرَ خرافةٍ يجتاحُ غاباتنا ويعلو والبحرُ كان جماجماً وجماهراً وحشود متّفقين منطقةً لأسر الشمسِ مجداً كاذباً ومعاولاً عمياءْ.
    يرحل الشاعر مع صديقه الشاعر في هذا البحر لكشف أسراره وتقليب طبقاته وكشف مستوره وفضح أكاذبيه ثم لعزف الموسيقا التي ستفتته ، إنهما يحاربان الماضي بالموسيقا أو الفن والجمال ولا يحاربان بأساليب أديولوجية تعسفية هي الأخرى .. وتبدأ رحلة تحدي البحر ويصادفان أهواله .. أنتَ الذي ناداك حفريون منحنياً بنصٍّ رتبوه ورتبوك ، نادوا ورتّل جنبهم طفلان يقتتلان في القاموسِ كي يضعا رماد حلولهم ولكي يردّا عنهما شبحاً قتيلاً أو يقولا قولةً في ما تداعى من رموز الكونِ في ما أقفلت من فاتحات جموحهِ .
    ولكن البحر كان أقوى منهما فيتسرب بقوةٍ إلى لغتهما ونصوصهما وتفشل محاولتهما في هدم البحر : اختصما وناما لكنّ أرضهما جنونٌ أبيض وسماهما ضربٌ من الجمرات من وردٍ وموسيقا لهدم البحرِ ، ناما وأجهز ثالثٌ فقهيّ بينهما وأطبقت الجهات شملاً على طفلين منتخبين للفوضى وهدم البحر .
    ويتوارى الشاعران عقاباً على محاولتهما في تحدي البحر وهدمه بالموسيقا ويحالان للظلام وتفشل هذه المحاولة اليائسة ويزداد الغضب ويختار الشاعرُ طريقاً آخر له .
    في عزلة في الكريستال يختار الشاعر العزلة بعيداً عن البحر والآخرين .. فهو يرى هنا أن الحلّ يكمن في التفرد عندما تختلطُ الأوراق وتتشوه الحقائق . الشاعر في جماله الروحي الصلد .. في كريستاله البعيد عن الآخرين وقد أصبح كل الشعراء حوله في جوقات رديئة الصنع ترددُ هتافاً مهيناً للشعر. إذن لابد من العزلةِ تماماً فقد سقط المغني وكانت الألفاظُ قبراً للمغنين ، احتمالَ مكيدةٍ ، أو شهقةً للعقلِ في الزبد الطريِّ وفي معادنِ شفرةٍ سريةٍ أو سوطِ أنثى تشتهي سفن الرمادِ ولا تسافرُ أو تلين ويسوطها الغرباءُ والغرباءُ نبلٌ أبيضٌ في الشمس لا يتحركون .
    ويعيد الشاعر برواية حزينة سرد ذلك الماضي الممزق الذي دفعه إلى العزلة .. دلني يا ربُّ ماذا كان غير الريح تعصفُ بالترابِ وبالعظامِ وبالسنين ، وبمن أرى ؟ أ بعينِ ميْتٍ أم أرى بعيون حفّارين ينتحبون للماضي لأغرقَ في الأنين .. ياربُّ .. من أينَ انفصال مشيمةِ التاريخ عن بدني ؟ ومن أينَ الخلاصُ ؟ ومَنْ سيُصغي ؟ شمسٌ تموتُ وتنبتُ الديدانُ شمساً في عماءٍ مقفلٍ ، شمسٌ تموتُ وتستحيلُ بقاعنا رملاً وننعسُ في الرماد حتى يقال بأننا أبناء منسيين اقتتلوا وغابوا .
    يتحول السحري والإيروسي هنا إلى علاقة إيروسية وسحرية بين المفردات وبين الاستعارات وبين المعاني ، تتحول الإيروسية من الجسد إلى اللغة وتصبح اللغةُ جسداً ، إخصاب المفردة يأتي من وضعها الجديد في مستوىً آخر وإخصاب الصورة يأتي من شحنتها الحسيّة . أما السحري فيتسرب هو الآخر إلى المفردات والاستعارات والجمل والصور لكن الشاعر رغم ذلك يفصح عن حقيقته دون دفائن لغوية ، ولكم نحنُّ ، ونحن أدرى ، للجنون ولكم نحنُّ لحتفنا . سكرى ولا مجدٌ لنا في الأرضِ لا بيتٌ ولا لغةٌ نجانسُ قيحَنا فيها لنشفى ، سكرى نجرُّ فراغنا كالكلب من بارٍ لبار ، لحوارنا المقتول في فمنا .
    لم يعد الكريستال زينةً بل مكاناً للنفي حتى تحول صلادته دون الاتصال بالآخرين وحتى تبقى الكوميديا أو التراجيديا البشرية مرئية دون حاجب وحتى يُستقبل الضوء نقياً ، لكن الروح محطمةٌ بعزلتها .
    وتشكل العرافةُ ( التنبؤ ) الوجه الآخر للسحر ويستعملها الشاعرُ في كشف الحاضر والمستقبل فهو يقول في ذلك الحاضر العراقي المأساوي : يا بوحُ ..يا أمراضُ ..يا أضغاث عافيةٍ ويا رهبان يقتتلون من أجل القداسةِ أو حراسة ماسةِ الفنِّ الرهيبةِ يا مجانين انتهت أشواطنا ولذا يرنّ النجمُ في شفتي وأسمعُ ما يكسَّرُ من فتونٍ في النهار .
    ثم يرى في المستقبل مصيراً كالحاً : إِني أرى شمساً تنام وطينةً تبتلُّ بالمنفى وليلاً لا يليل ، وأرى سهاماً في عيونِ الشكلِ أُبهةٌ تُرنَّحُ أو تموت ، وكذا أرى فوجاً من الشعراءِ يُصعقُ ، قبّراتٌ فوقَ نهر الموتِ أو حجراً يقوم ، فلمن تغني أيها التاريخ أو تبكي سواءٌ ، هذه الآفاقُ رملٌ ضاربٌ في العمقِ أو جثثٌ تعومْ .
    في الحركة الثانية ( المطر ) يلجأُ الشاعر إلى المرأة من خلال همومه السابقة التي جسّدها موت الجمال وازدياد العنف وسرقة الأحلام وانتصار الماضي والتراث على الحاضر . حيث يحمل همومه هذه ويحاول أن يدع المرأة تعينه على حملها معه .. لقد عاد الشاعر من اللوغوس إلى الإيروس ، وبدأ ( المطرُ ) الذي يهطل من الأنثى ليليِّن جفاف الحياة : ريثما يهدأُ هذا الشرق قُومي ، ريثما تنفطرُ الأسلحةُ الطينُ وينفضُّ غبار الدم قومي ، ريثما يتعبُ سيّافوه أو تمضي الجياد فوقَ تلٍّ شاهقٍ تُلقي بتاريخ الجياد .
    وبعد الدخول في العالم الأنثوي الذي يبسطُ أفرشته الحسيّة عليه وينبضُ في التفاصيل تختفي الأنثى من حياته بسبب ما كان الشاعر يخاف منه فيتساءَل عن سبب اختفائها ويدعوها للعودة ريثما يهدأ هذا الشرق وتنفطرُ أسلحته الطينية وينفضُّ غبار حروبه .
    ويعود في ( تمام الجسد ) إلى المرأة ويتقلب في طبقات جسدها وكأنه يعود لكأسه المفضل الذي ينسيه الخراب .
    وفي الحركة الثالثة ( اليباب ) تبدأ الفجيعة تحوك شباكها فقد نهضت جوقةُ السيوفِ فارتعشَ الوردُ واستحمت فراشاتهُ بدمٍ ، ربما النهرُ مازال يمضي ربما المطرُ اشتدّ لكنّ ماءً كثيراً تلوّن واشتعلت سحبٌ بالدموع _ الطفلُ يزحفُ نحو أفعىً تنام على دميته .
    وهكذا يتقدم ثور الفاجعةِ في الدم حتى تفنى الطفولة ويبدأ الناس بالتساقط .. فلا تبقى سوى الأصابع تتلو قصاصَتها ولم تعد الأيادي غير التمعّن في السيوفِ وغير أبهةٍ محطّمةٍ .. وتزحفُ الفاجعةُ لتحوّل الناس إلى أشباحٍ ودّع بعضهم بعضاً وخاطوا الأنفَ علّ جروحهم تشفى وخاطوا الحلقَ علّ جروحهم تشفى وخاطوها لعلهمو يبقون أو يفنون وما زالوا يخيطون .
    وترثي القصائد القصيرة ( لم تبق غير أصابعٍ )خراب زمن الحروب والعسف والدمار وتكشف بعض تفاصيله ويدعو من خلال جملة سومرية قديمة وردت في إحدى الأساطير ( في النهر الصافي يا سوداء العينين اغتسلي ) أن يغسل خراب الحروب والأسلحة والمزقَ من أجل بيوتٍ خاليةٍ من دمعٍ ودخان وشظايا ورماد .
    وتتوالى قصائدُ الترددِ والخوفِ والشكِ ويتردد بين الرعاة والخمر والأوجاع والجنون فقد غدت حياته ملعباً للأشباح الضاغطة عليه .. أشباح الخراب .
    وفي الحركة الأخيرة ( الأفول ) يتجولُ الشاعرُ في ما تركته الحروب لوطنه من خراب وينعى وطناً كان في عين طفل ينام بعد أن كانت خشيته وخوفهُ من هذا المشهد قد اتضحت في ( اجرسيني أيتها الكلمة ) لكنه هنا يتلمسُ بيديه نهاية الفاجعة ، رمادٌ على ماءِ بغداد أَم وردةٌ أم دفوفُ .. رمادٌ على دجلة يرشقُ خدَّ الرصافةِ والكرخ دمعاً دماً ودخانا ، رمادٌ على الجسر ينـزفُ في النهر تاريخَهُ وهواه .. ويترادف الرماد والدم في كلّ شيء ببغداد بعد هذه الحروب وتخرجُ العامرية داميةً بعد أن ضُربُ ملجأُها وسقط مئات الأطفال والنساء ضحايا هذه المجزرة البشعة .
    لكن الشاعر يكمل أغنيةَ الأفولِ هذه عندما يتحدث عن كل هذه التراجيديا التي بدأت بها المجموعة حين يكتب ما يشبه ( القصيدة الرسالة ) أو ( القصيدة المكتوب ) إلى صديقه الشاعر فوزي كريم في ( شاعر سرقته الخيول ) ليبوح له بما لم يبح به من خلال تذكر أيامهما السالفة في بغداد السبعينات حيث بداية الدويّ ، سرقتكَ الخيولُ إذن ، لا سرج ، لا زوّادة ، لا كأس ، أفقٌ تسدُّ منافذه الخيولُ الهاربهْ ، أفقٌ غبارٌ لا رنين به سوى بقايا صوتكَ المطعون يقرأُ آخر الليل القصائد شاحبٌ ومقطعٌ ، ودمٌ على موائدنا .. سخامٌ .. ثمة طائرات قربنا وممزقون .
    وتتعممُ صورة الخراب لتشمل الشرق كلّه .. يا صديقي لو أنك رأيت أوبئة قارتنا لصمتَّ وما قلتَ شيئاً سوى طرف سبّابةٍ تشيرُ إلى الشرقِ تلعنه .. ثم تبكي عليه . ماذا سوى جثثٍ ودمعٍ لا يجفُّ ؟ ماذا سوى حجرٍ من جنونٍ يصيح ؟ ماذا سوى فك الحمار يلوحُ أبيضَ رمّدتهُ أتونها ؟ ماذا سوى الأغصان تشهقُ : لا أحد ؟ كلبٌ هزيلٌ راح يلوي ذيلَه ، كلبٌ هزيلٌ .. آخر صورةٍ للموتِ ينبشُ قلبنا ورؤوسنا ، كلبٌ يجرّ خرافةً سوداء تنحبُ أو تشيخ ، عرباتُها تمضي بنا تعوي فنودعُ ما ادّخرنا من جمالٍ في السواقي ثم نصمتُ ناطرين .
    وتلتقطُ التراجيديا صور شعراءٍ آخرين طوتهم السنين ، ويظهر تمثال صديقه في الكرّادة والذي كان جدول ماءٍ يفيضُ من لحيته ومن كتفيه مثل الإله السومري إنكي وكانت الأسماك تلعبُ في عيونه وفي حقيبته ويديه لكنه ، وهو داخل التمثال ، كان يسخر من هذا التمثال ومن هذه التحايا ويمزح مع حارس التمثال .. وتشكّل هذه الصورة سخريةً سوداء من حشود التماثيل ، التي ملأت بغداد ، بطريقة غير مباشرة ، وتنتهي القصيدة بصرخةٍ مريرة : كان يمكن أن أسلخَ حنجرتي واستبدلها ببوقٍ لكي لا أجوع ، ولكنني اختفيتُ وراء حنجرتي أدوّن النهار والليل وهما يتلاحقان مثل قطٍ وفأر . وتعبتُ ذات يومٍ من التدوين ، أين حنجرتي ؟ سرقوها إذن ! ، حسناً .. أين نوتاتي ومدوناتي ؟ يا إلهي .. لم أكن أكتبُ بحبرٍ .. كنتُ اكتبُ بماءٍ .
    وبهذه السخريةِ المرّةِ وبنصوصِ الماءِ التي لا تُرى ولا تُقرأ ولا تُؤرخ يطلقُ الشاعرُ الرصاصةَ على الشِعرِ الذي يكتب هناك : هل لابدّ من استبدال الحنجرةِ ببوقٍ لكي يبقى النشيدُ عالياً ، هذهِ مهنةٌ مُرهقةْ ، وداعاً أيتها المهنة المرهقة ، وداعاً أيها الشعر .
    وهكذا يهيئ الشاعر أمتعته ويخرج من بلده مكرهاً مودعاً شعره وذكرياته هرباً من الجوع واليباب والعنف والظلم .
    في مجموعة (خواتم الأفعى) تنفتح التجربة الإيروسية على مصراعيها مخضّبةً بدمها وعذابها وكأنها مجموعة اللذّة والألم معاً حيث الألم يرافقُ اللذّة . يرحل الشاعر من بغداد إلى عمّان وهو مجذوب إلى امرأة استثنائية تبدو كما لو أنها كانت خارجة من عالم الأساطير ، امرأة تشبه الإلهات الآشوريات الفخمات المترعات بأجسادهن ومجونهن وميولهن المتطرفة . ربّةٌ من ربّات الحصاد والمطر تلك التي تُخصبُ الحقول وتحمي المدن ، ربّة اللحظة الشاردة المترعة والحظ الوفير ( تايكي ) .. فيتقدم الشاعرُ إلى بيتها يسوطه نداءٌ غامضٌ إليها ولكنه يرى في حديقة بيتها ثلاثاً من سادنات الأقدار العجائز ، ساحرات ثلاث تمسك الأولى ريشةً تقدِّر بها عمر الإنسان والثانية صحيفةً ملفوفةً ومغزلاً تقرأ فيه مصير الإنسان والثالثة تمسك كرةَ العالمِ وتقرأ خطوطها ومصائر بشرها . فينصحنه بأن لا يدخل إلى بيت هذه المرأة لأنه سيجد المتاعب الكثيرة والألم ، لكنه يسخر منهن ويرمي أغراضهن فوق سطح البيت فيطلبنَ منه أن يعيد أغراضهن إليهن لكنه يرفضُ فتهدده إحداهنّ بقطع خيط عمره بالمقصِّ إذا لم يفعل ذلك فيرمي لهن أغراضهن ويدخل بيت المرأة .
    يُفاجأ أن بيتها يشبه شكل رحمٍ تالفٍ وكأس مكسور وقبضة محكمة .. وتبدو هذه الإمارات وكأنها نذيرٌ بالألم والعذاب لكنه يتوغل في بيتها ويبحث عنها فيجدها نائمة على سريرها الجميل وتبدأ رحلةُ الإغواءِ العنيفِ بينهما ، كان بيتك المتاهة الصغرى وكان جسدُك المتاهة الكبرى وكنتُ مسجوناً في المتاهتين أتتبعُ الإشارات على الجدران ، وكنتُ كالغزال جلدي يلمعُ تحت نجومكِ وكنتِ ظلامي .
    يمد صولجانه فيحول نهر أحزانها إلى فراتٍ ويرمي فيه أسماكَه ، كانت آثار الأحزان على مواعينها وفي كوؤسها ، الغيومُ على الأباريق والفناجين ، الدموعُ على سلَّم البيتِ ، عرشٌ مخّربٌ عبثَ به اللصوصُ وأقواسٌ حزينةٌ في الممرات . يُخرج صايته الحمراء ويلبسها ويعزفُ على الناي فتخرج ضحكاتها من شرانقها بطيئاً ثم تصير أعنف من مارش ملائكي محتشدٍ تفقِّس البيوضُ في سلاّتها وتتنفسُ ويتحول نهر أحزانك إلى أمواج غبطةٍ .
    يتحول جحيمها وخرابها إلى فردوس عدن فتبدأ الحياة تدبُّ في المرأة الأفعى . عدنٌ .. وأيدينا تُحيكُ الليلَ بالشهقاتِ والشهقاتُ بالأُذنينِ , بالعينين بالوجعِ ، عدنٌ مضببَّةٌ نشقِّقها وندخلُ في مغاورها ونُشعلُها مشاحيفاً وشمعا . لكنها تبدأُ بنفث سمومها ببطء .
    يزداد الشاعرُ التهاباً في عشقه الروحي والجسدي وتزداد هي تحولاً إلى أفعى ثم تتحطم أجنحة الشاعر وتتبدّل صايته إلى رداءٍ سمكيٍّ يلحقُ الأنهار ويحمل النجوم إلى رحم المياه كي تلد الكلمات والأعاجيب ، صايته الحمراء تتبدل إلى جلد ثعبانٍ لتدخل في الأغوار وتحملُ المشهد إلى العالم الأسفل حيث الموت ، لقد تبدّلت هي إلى أفعى .
    وتتجاور لذة الحياة ( الإيروس ) مع لذة الموت ( التانتوس ) في جدلٍ صيانيّ وتهديميّ متصل حتى تبدو قصة الحب هذه مثل فسيفساء مرصوصة بالإيروسي والتانتوسي : اخرجي السيوف المتّقدة الحمراء التي كنتِ تطوفين بها على مُكحّلي العيون ومُسدلي الشعر على المتون ، العاشقون الفاتنون الذين عصفت بهم جُملُ الدمع في عيونهم فأحبوا وهاموا .. أخرجي عليهم سيوفَ الرمادِ وأفزعيهم بها وأعيدي لي أنفاسي الحرّى أعيدي لي مرشَّات الطلع التي كنتُ أرشّها بكِ .
    يتطلع الشاعر إلى جمع خرق اليوسفيين وبقايا أجنحته المحطّمة وأضغاث الشهقات وبقع النبيذ لكي يرحل .. لكنها تتوغل في نزعتها التدميرية وكانت تساعدها وصيفة بائسة تترك تمغة العنكوبتة وراءها دائماً .
    يرى الشاعرُ أن عليه أن يحمل (خواتم الأفعى) إلى نبعٍ ويرميها هناك لكنّ النبعَ يتحرك بالحياة وتحضر الأفعى فيحاورها وكأنها الأفعى الكونية الخالقة ولذلك تأتي قصيدة (حينما في الأسافل) لتلقي وإلى الأبد هذه القصة إلى الجحيم، حيث يفيق الشاعرُ من كابوسها المعتم ومن شباكِ فجرها ومن جنون ليلها الصارخ باللذّات ، وتترادف في استذكاره لها طبقات اللذّة والألم وتنفتح هذه الطبقات على شحنات وبساتين إيروسية حقيقية وخادعة . يستعيد الشاعر هذه التجربة بطريقة جديدة لكي يصل إلى نهاية حاسمة . أ لأني أترعتُ كأسـَكِ تماماً ! , أ لأني سقيتكِ حباً لم تذقه امرأة ! أ لأني هيّجتُ رموزَ الماضي فيكِ (فضحكتِ منها) أ لأني أحـرقتُ قامتي وأضأتـُكِ ! أ لأني دخـلتُ فيكِ وتواريتُ ! أ لأني أغلقتُ شبابيكي عن سواكِ ! أ لأني أرضعتكِ وجعلتُ اللبنَ غزيراً في ثدييكِ !
    وتستمر لغة التذكّر ويصل الشاعر إلى حقيقة هذا الحبّ فلا يجد سوى كلمة ( كذب ) مناسبة له ويبدأ الشاعر بالانفصال النهائي ،سوف ألغي كلّ ما يربطُ نعلي بترابِ الأرضِ .. فردوسٌ من الكارتون ، فردوسٌ من الباغةِ ، فردوسٌ من الغيمِ سألغي كلّ ما خطّته تايكي وسأرمي في مياه البحر تمثالَ إنانا وسأرمي ناي بارات وكتب وسأبقي كلمة واحدةً ( كذبْ ).
    ويذكِّرها بأكاذيبها وتناقضاتها ويطلب منها أن تعيد له صولجان الغسق لأن إيزيس تريد هذا الصولجان الذي أخذه من الإلهة وأهداه لها وأن تعيد له شهوات فجر إنانا وفضة ماء أترغاتس وأجنحة ضوء ليليث وتاج قلعة تايكي وخاتم خيزل سدوري … الخ .
    هكذا ينبش الشاعرُ في الطبقات الإسطورية والحسيّة ويفرغها من مادتها الماثلة ليستعيدها منها . وليلقي بقمامات ما تبقى إلى البحر الذي يهبّ إليه هو الآخر ليغسل جسده من الأدران .. فيخرج من بيتها عارياً وحاملاً مطلقهُ في صرةٍ وتحت أقدامه أنينها وقد غدت أشبه بتيامت إلهة الكون العتيقة المليئة بالشر والقبح لكنه يخرج ويندفع للبحر وتنتفضُ البروق لتضرب تيامت وهنا نستعيد أسطورة الخليقة البابلية ( عندما في الأعالي ، إينوما أليش ) بشكل مختلف حيث يحاولون خلق السماء من نصفها الأعلى لكن هذا لا يحصل وتخرج نجوم سوداء ولا تنبت النباتات على نصفها الأسفل الأرضي ويتعطل صنع العالم لسنوات طويلة .. أما الشاعر فلا يظهر مثل مردوخ مقاتلاً ومنتقماً منها ، بل يخرج بسلام من هذه الحكاية تاركاً البروق والأقـدار تلعب بها لكنها يقيناً كانت قد وقعت ، إلى الأبد ، في الأسافل ..
    في مجموعة (حزيناً عند عمود السماء) يشدُّ الشاعرُ رِحاله إلى ليبيا فيلج عالماً جديداً غامضاً وغريباً عنه، ويتخيل من شدة اضطرابه أن خيولاً ركضت خلف عرباته وأسرته لكنّ امرأة اسمها ( لموع ) تتلقّفهُ ، كانت مياه البحر الليبي مثل خمرةٍ قويةٍ وجبال الجنوب الليبي أعمدة السماء ، لقد كان أقوام الأطلس ( الأتلانت ) الليبيين يسمون بلادهم ( عمود السماء ) بسبب جبل تغوصُ قمته في الغيوم ، يبحثُ الشاعر عن عمود السماء فيجده ويتسلقه لكنه لا يجدُ أرضاً ولا سماء ، كانت الأوهام تتناسلُ وإذا به يقبع في غرفةٍ يطحنُ بها رغباته وأوهامه ، أما لموع فتبدو له أشدّ بعداً مما كان يتصور وهكذا يدور حول عمود السماء بلا نهاية .. وتعمل دوامة الحياة المكررة هناك على جعله في ما يشبه المتاهة .
    تستقبلهُ مدينة درنة في ليبيا وتضمِّد جراحه وتُشعره بالأمان لكنه مازال تحت أوجاع قديمة لا يعرف ماذا يفعل . يضع على الطاولة ( رصيعة المتاهةِ ) وهي لعبة متاهة في وسطها مركز يحاول اللاعب أن يُدخل قطره الزئبق في هذا المركز وهذا كله ترميز لمتاهته الجديدة ويومه المكرر .
    تخرج لموع من درنة لتقوده إلى نهرها ، كيف أطلقتِ على درنة موسيقا من الورد وزيّنت يديها بالخواتم ، كيف ألبستِ ذرى درنة تيجانَكِ فاجتاح سماها الزهو وانشقَ بها نهرٌ أسمّيه ( لموع )، سكن البحرُ ولم يسكن لموع ، حرّك المرسى وساق السفنَ الغرقى ولم يسكن وناداني إليه . أخذت الرصيعة ووضعتها في حقيبتها ، قلتُ هاتي خريطتي ، قالت هي خريطتي وسأدفعكَ ببوصلتي إلى جبالها ووهادها وسأوصلك إلى النقطةِ .
    وتبدأ رحلةُ حبٍّ غريبةٍ تنحتُ طريقها بين قليل من الحقيقة وكثير من الخيال ، حيث تظهر لموع وكأنها كائن أثيري لا تفعلُ شيئاً سوى إثارة مواجع الماضي ودفع الشاعر إلى النهوض من جديد بعد كلِّ ما حصل : أخذت من نهرها حفنةَ ماءٍ ثم رشّتْهُ على جُثةِ تاريخي فقمتُ حيثُ قامَ الزرعُ طولي ثم قامت قبّةٌ من رشقات الماسِ ، قامت شهوةُ النارِ وقامت بي سيولي . أخذتْ من شعرِها العطرَ ورشّتني به قامت خيولي .
    ويتّضح لهبها فوق المياه حيث لا يكون في معبدها الضوئي سوى خاتمها يسقي الشموع فيحاول أن يمدّ كفيه إلى سلّتها فلا يجد سوى كنـز نجومٍ ويمدّ كفيه إلى أعماقها فلا يجد سوى منجم ماسٍ ، كانا يخلطان على الساحل يديهما وكانا يزرعان المحار والحصى ، كيمياءُ البحرِ تعلو وتشتدَّ زرقةُ المياهِ ويعلو زَبَدَهُ ، وكانت الطيورُ تصفِّقُ والمرايا تتناسلُ ، ما هذه الفتنةُ التي يتوضأُ بها وأيّ عذابٍ هذا الذي يصلّي به .
    كان جوادُها يعدو من ساحلِ درنةَ إلى ساحلِ سوسةَ وهي تلمُّ في حقيبتها الجبالَ والرجالَ اللاهثين وراءَ شموعِها ، وكانت تنفجرُ ضحكاً ومرحاً وتقطفُ الطيورَ من السماءِ والعيونَ من الرجال اللاهثين .. تعالي وافتحي بيوت النساءِ اللائي رحلنَ من حياتي ، غيمةُ الموسيقا تهبطُ في سلَّتها وتنامُ ، لماذا تتقاطع الأيدي في تصافحٍ وعِراكٍ ، تأملي في صورِهنَّ وحقائبهنَّ ومكحلاتهن وقمصانهن، تأملي في ما تركنه من الخواتمِ والقلائدِ وتأملي في عرباتهنَّ الواقفةِ حتى هذا اليوم مع خيولٍ كسيرةٍ ، تعالي انظري إلى أمشاطهن وعلب العطور والمكياج .
    وفي سوسة يقف الشاعر مع لموع في لحظة نهايةٍ عجيبةٍ حيث تبكي أقدامها وتغني وهي في الرملِ تغوص ، وأنا أحملُ تمثالكِ ، من خوفٍ , وأعدو ، أقلبُ الدنيا على سافِلها . أفخاذُكِ في الرملِ تغوصُ ، أضربُ الريحَ برمحٍ ويرتفع البحر وتستسلم لموع للرمل الذي يسحبها إلى الأعماق ويغوصُ الليل في الرمل وفي الماء ولا شيء سوى كفِّ الشاعر والرمل ولا شيء سوى لمعةِ ضوءِ وسكون .
    هل كانت لموع واقعاً أم خيالاً .. لا أحد يستطيع معرفة ذلك ولا حتى الشاعر نفسه .. لقد بدأت أشباح النساء تظهر في حياته لا النساء أنفسهن .. تُرى هل هذه من صفات عمود السماء أيضاً .. ربما ؟
    في عربات كيلو باترا يتماهى شبح / واقع المرأة مع التاريخ فتظهر كيلوباترا في صورة جديدة تحفّ بها حياة الطوارق ( التوارق ) ، ويأخذ النص الشعري شكلاً جديداً حيث تشكِّل الألغاز والأحاجي والأمثال التوارقية وصلات ربط بين أمواج التاريخ وأشباح الحاضر ، السماءُ والنجومُ .. شيخٌ يغربل البرقوق ، سقط البرقوق على الأرض وأنبتَ الناسَ ، ظهر الناس من صلب الأشجار وانحدروا في الوديان والجبال . ماذا يتبع هذه القصة المؤلمة للخليقة سوى العطش ، كانت الغابات تجفُّ والناس يزدادون نحافةً .
    ويظهر البسولي وهم أقوام ليبية قديمة بين أهل ليبيا المعاصرين وهم أقوى مناعةً إزاء لدغ الثعابين والأفاعي . وتظهر المرأة وهي تنـزلُ في بئرٍ ليبي لتجد كيلوباترا الحقيقة ممددة في قاع البئر تمسك صولجانها وعصاها ، ويداها متصالبتان والنور يخرج من عظامها ( ترميزٌ لتجاور وتواشجِ حضارتي مصر وليبيا ) .
    وتخلع المرأة ثيابها وتنـزل إلى البئر وكأنها روح كيلوباترا (با) التي تنتظرُ العودة إلى جسدها ، وهكذا يتم اتحاد الجسد بالروح وتخرج المرأة وكأنها كيلوباترا جديدة وتتجه بعرباتها إلى درنة .
    وفي درنة تلتقي الشاعر وتدخل شوارع المدينة وشعابها وتطلي جسدها بالقرمز والنور وتظهر صورتها على صلاّية النسور الفرعونية المعلقة في أحد دكاكين درنة . ويظهر الوشم على يديها وبطنها وكتفها وقدميها وهي عادة من عادات تجميل أجزاء الجسد عند الليبيات .
    خسارتي مضاعفةٌ وأنا أتّصلُ بأشباحَ الماضي ، لم يعد هناك ما يُغري ، حقيبة سوداء هي كلّ ما خرجتُ به من بلادي ، بكت على آلامي الطيور ، كنتُ أُخيطُ جراحاتي وأتقلَّب وحيداً ليس معي سوى أشباح التاريخ تلعبُ و لا أستطيعُ ملاعبتها .
    لكن الشاعر يلعب لعبة الـ ( شغرغم ) التوارقية الليبية مع الناس فيخرج خارج اللعبة لأن خياله هو الذي يحركه بينما الواقع يحرك الناس . لابد من الخسارة في البلاد الغريبة ! .
    يدفع الشاعر صندوقه في ( شارع الظلام ) وهو أحد شوارع درنة في انتظار عربات كيلوباترا ليشتري لها أدوات زينتها وذهبها لكنها لا تأتي فيركضُ في الشوارع الخالية من الحب وحول عمود السماء فتذبل مائدته وثيابه تفقد أصباغها ويصبح شعره رمادياً وتزداد دوخاته وتسقطُ كيلوباترا من عربتها بعد أن عضّها الثعبان المخبأَ في سلة التين ( وكأن كيلوباترا لابد أن تعود إلى مصيرها وتنفصل عن امرأة درنة إذ لا فائدة من هذا الاتحاد القسري ولا بد من نهايته ) ويصرخ الشاعر عبثاً في شوارع درنة لينادي واحداً من ( البسولي ) الذين يعرفون دواء عضة الثعبان لكنهم كانوا قد انقرضوا جميعاً .. وينحني الشاعرُ على جسد كيلوباترا ويلفّه بعباءَتها ويضعهُ على العربات التي ساطتها الرياح بعيداً .. بعيداً .
    وفي عمل ( قبل تلويحة الوداع ) يكتب الشاعر قصائده إلى امرأة تتماهى مع الإلهة ( تانيت ) التي تظهر مهمومةً ومعذبةً بسبب بحثها القديم عن ( أتلانت ) أخيها وحبيبها .. الشاعر يركض وراءها وهي تركض وراء أتلانت الذي مزّقه العطش .. لكنها لا تلتفتُ إلى الشاعر بل تمضي في رحلتها إلى الأقصى حيث يحاول الشاعر أن يصنع من هذه المرأة تانيت معاصرة جديدة لكنها تحب مصيرها وهو الهرب وراء شبحٍ زائل .
    أحبُّ الأغاني الحزينة .. تُذكرني بكِ ، أحبُّ الألم الذي فيها .. يجعلني أتحسس المسافةَ التي بيننا ، المسافة التي صُنعت من فولاذ ، أحبُّ الأغاني الحزينة وتجعلني أُفكر بكِ ، أحبُّ بكاء المغني لأنه يشبه بكائي ، أحبُّ يأسَ المغني لأنه يجعلني استحضرُ بقوةٍ رحيلنا المحتوم .. وتندمج صورة الشاعر بصورة أتلانت عندما يتساقط ورقهما ويظهر أتلانت وهو يجرّ شبكته الفارغة حول عمود السماء وتتساقطُ ثماره وتتساقط جمراته ، لحيته تطول وجدائله تتجعد على متونه ، يده الآن لا تقوى على النداء ، يده الآن في جيبٍ مثقوب ، أغنامه فرّت منه وقصبُهُ تحطّم ولم يعد في رأسه سوى الوجيج .
    ويتناقص الإيروس إلى أقصى حدوده في هذا العمل حتى يبدو وكأنه يختفي تحت طبقات الوعد بالأمل ، ماذا يحصل لو أنكِ ألقيتِ شالكِ ؟ ماذا يحصل لو أن خيولكِ مزقت الستار بيننا ؟ ماذا يحصل لو أن تـمركِ سقط في فمي ؟ ماذا يحصل لو أن طيوركِ حملت من أنهاركِ سمكاً إلى أنهاري ؟ ماذا يحصل لو كشفتِ عن آباركِ ؟ .. قليلٌ من الضوء .. قليلٌ من المخبَّـأْ فيه الكثير من السعادةِ لكِ .. ولي .
    وتستعد اليد التي ستشير بالوداع إلى الظهور بالأماني الواعدة كسراب : يدٌ للمسِ الضوءِ على وجهكِ ، يدٌ لزرعِ الندى في روحِكِ ، يدٌ لمداعبةِ فراشاتكِ ، يدٌ لشمِّ عسلكِ ، يدٌ لكي أُتبِّل قمركِ ، يدٌ لكي أغرفَ خمركِ ، يدٌ لكي أخوضَ في حرائقكِ .. يدٌ .. يدٌ .. وتتناسل الأيدي دون جدوى لأنها مازالت في الجيوب ، لكن يد الوداع هي التي تحاول الارتفاع فلا يقوى الشاعر على رفعها وتبتعد امرأته في الآفاق .. ويظهر عمود السماء وكأنه عود ثقابٍ مقلوب قابل للإشعال في أية لحظة .
    في ( لوبا ) تظهر امرأة تحاول إنقاذ الشاعر من حزنه فتبحث عنه ، لكنها لا تراه ، إنها تشمُّ رائحته لكنها لا تصل إليه ، ورغم أنه قريب منها يلاقيها في الشوارع والأماكن الكثيرة في درنة وهي تحملُ ناظوراً لتبحث عنه لكنه كان طريحاً قرب عمود السماء لا تقتربُ الطيورُ منه ولا يدلُّ عليه دخان ، كانت ( لوبا ) عاليةً وكان هو متناثراً في جحيمه ، قررت أن لا تعود إلى الأرض لكنّ منطادها هبط في باب طبرق وسدّ الشوارع والطرقات . خاطت له قميصاً وشرشفاً وخاتماً وهي تمشي على خيط بين وتدين في المدينة لكنها لم تصل إليه .. ولكنها تجمع بقاياه من الشوارع والبحر والبيوت والأزقة حتى تكتمل هيئته فتتعرف على شكله وتبحث عنه فتجده خاوياً عند عمود السماء فتحمله إلى كهفها ( وهي الذئبة العاشقة ) وهناك تداوي جراحه وتطببه وتمسح جسده وتجعله يفيقُ شيئاً فشيئاً ويشعر بأنه كائن بنهرين وتعود له رموزه وأساطيره التي فارقها ويفتح عينيه عليها ويعانقها ثم يطمسُ جسدهُ في عسلها ويحاول العوم لكنها تدفع به إلى الأسفل حيث يتلألأ ذهبها ويكتبان كتابهما الوحيد ( المخابيل ) بأصابع أقدامهما على ساحل المتوسط وعلى شوارع درنة وعلى سجادة كهفها وعلى الرمل ومدافن الماء ، خلعنا أحذيتنا ودخلنا إلى بحر درنة ، يدي في يديك ، ودمعكِ كان غزيراً جمعته مثل عشٍّ على البحر ، وضحكك كان غزيراً جمعته مثل زهرٍ ، كنتُ على راحتيكِ أغني من وجعٍ وكان الموجُ بيننا يحصي الكلام الماجن الجميل الذي يتساقطُ في البحر . لكن الشاعر يحزمُ حقائبهُ ليعود إلى بغداد ويضعُ فيها أبراجهما الإثني عشر التي ظهرت في كهفها ودارت أقدارهما في دائرة هذه البروج لتظل تدور حيثما ذهبا . وبذلك تكون الذئبة لوبا قد أنقذت الشاعر من دوامة عمود السماء ووضعته في دائرة البروج الجديدة منعشةً آماله بتكاثر حظوظه وطبقات تجربته الحسّية والروحية .
    في مجموعة (السومرية أحلام.. في اتِّضاح جحيمها وفراديسها العالية) يحاول الشاعر أن يسلك طريقاً وعراً إلى حبيبته الأولى ( أحلام ) فيجد أنه لابد من معراج يمرّ فيه بجحيم نزواته السالفة لكي يطهّره هذا الجحيم بناره ، فيتخذ من ( ليليث ) رمزاً شاملاً للمرأة المغوية التي ظهرت في أكثر من تجربةٍ في حياته.
    ويبدأ القسم الأول ( في ظهور ليليث) بطريق ضائع مدلهم يخترق الشاعر المجروح فيه جراحاته : متى تداوين جروحي .. أرسلتِ حيّاتكِ لي ، حيّتكِ الملتفّة على أعمدة بيتي ، حيّتـُكِ النائمةُ تحت سريري ، حيّتُكِ الواقفةُ في نافذتي ، حيّتك التي تُقمِّطني ، آه متى تأتين أنتِ . تظهر ليليث وتفرك السنابل على المياه وتصعد الجبل وحصانها يثير شهوة النبات . تتعرق رقبتها ، يتعرّق الثديان ، يتعرّق ظهرها ومطرها ينـزلُ في كفوفي ويطليني . أنتِ لمحتِ خضابَ عيوني ينتشرُ ولمحتِ نحاسي يتفطّرُ ولـملمتِ ثيابكِ ودثّرتني بها ، طينُكِ صارَ خبزاً لي وكان فجرٌ وكان ضمٌّ .. شملٌ واحدٌ . يظهر الجحيم وكأنه المنفى الذي يُبعده عن أحلام وهو خليطٌ من الجنيّات والحوريات والآلهة القديمة والنساء المندثرات اللائي يتنازعن قيعانه السفلى . إنه جحيم السحر الأسود واللّذات السوداء وعوالم الشبق والكحول والحنين والبكاء والخبل وجحيم إغواءات الليل والنساء والمجون .. جحيم خراب الروح وهياج الجسد في كلِّ الاتجاهات، الجحيم الذي لا تقطف منه إلاّ ثمرات الجمر .
    يتوقد الشاعر في ظلام جسد ليليث وتكتب جسده كأنها تعيد تشكيله وتطلقُ فيه السماء ، كان نملُ الشمس يدبي في جسدكِ الخرافيّ والأعشاب المتراصّة تسيلُ في محوركِ سيل أطلس البروق ، ضرباتٌ عبديّة وتصادمُ خيولٍ في جسدكِ . وهكذا يتوغلُ الشاعرُ في أقسى رحلةٍ إيروسية داخل الجسد الأنثوي حتى توصله إلى الجمر المقدّس وإلى تخوم العالم ويدخلُ غياهب التاريخ ، حنّاء بيزنطة على أطراف أوراقي ، راعي المياهِ يتأوه في دمي .. صرخاتُ الشعوبِ المقهورةِ تخرجُ في كتاباتي ويخرجُ معها ولعي برمادِ الحضاراتِ ، طبولُ الشرق تسكتُها بنـادق الغرب .. مشهدٌ صامتٌ يفضحُ الإنسان .
    ويصبح الجسد هو المحور ، فهو الذي يوصل إلى المطلق : خلطت الأقدامُ أعمارَنا بالترابِ ولم نتعب بعد من التحديقِ في المطلق ، كنتُ فلقتُ تلالَكِ بفمي لينشقَّ نرجسٌ تحت لهاتي وليتكوّم الماسُ الأسودُ في الهاويةِ ولترجّ الشمس إيقونة الفمِ ، وكنتُ أرشقُ الفراشاتِ المتطايرةِ من أعضائكِ ببخاري هاشَّـاً على البعيدِ ليتكوّمَ في طاعتكِ ولتتشاور أقدامُكِ ، في الغاباتِ ، معَ جذورِ الشمسِ الضاربةِ في العالمِ الأسفلِ .
    وتختلط ليليث الشيطانة بأناهيت الإلهة وتقع الأساطير فرائس في كمائن الجسد .. وينفتح التاريخ بورده وجنونه على المدن الحاضرة ، من ساحةِ الأندلسِ تأتي .. من شارع حيفا تأتي .. تستعمر ليليث الشوارعَ وأمام البابِ ستعثرُ على تميمتها .. صليبٌ معقوفٌ مصنوعٌ من الرصاصِ ، سلسلة أنسابكِ تنفرطُ على العتبةِ .. وتسقطُ علبةُ السجائر ، أمزجتي غيرّتها الأهواءُ .. القرونُ الوسطى تشجعني على ممارسةِ الحبِ أكثر من الدخول في طبقاتِ العقائدِ .
    لم تعد الكلمات تنفع . رحلةٌ في الطريقِ الغامضِ .. شمُّ العنبر وشمُّ النهود وشمُّ الفضةِ وأعلق في يدي سورةَ الرعدِ وأكتبُ على يدي الأخرى ( أجهرط ) وترُ القزِّ يلمعُ ونورُ اليافوخِ يغلي والحديدُ يتفطرُ ، ينقلبُ خاتمي إلى أسدٍ يعضَّني وينقلبُ زغبُها إلى حريرٍ والحوتُ والقمرُ في ميزاني يصعدُ من هنا وينـزلُ من هناك .. رائحةُ الفروِ تبسطني وأنا أفكّ أزرار السماءِ وأفكك زناجيلَ الكواكبِ كوكباً بعدَ آخر ونقاطُ جسدِها تضيِّعني ، أشيلُ صفحةَ النورِ من بشرتها وأشيلُ صفحةَ الحضرةِ والحمدِ وأشيلُ الثلج وأشيلُ طبقةَ الحمامِ وانفخُ في المسبرِ أنفخُ في كراسي الحروفِ وأحفرُ .. أرفع مصباحَها لأدخلَ في ظلامِها وأفكّ شفتين وأبوسُ .. أتنصتُ لأنين الزمان وأتوسلُ بالعروة .. فكّي همِّي .. أتوسلُ بشبّاكِ إيل : فرِّج عني . أغمطُ أنعطُ أنمُ أهوي وفمي حصاني .. فمي الذي أدرك به القمر وأذوق به الظلام . وبعد أن اتحدت ليليث بأناهيت ( الشيطانة والإلهة ) تقتربان من ( أحلام ) لتتحدان بها .. وهكذا تتحول العشيقة الشيطانة والعشيقة الإلهة في حوّاء .. وتستعيد المرأة صورتها السوداء والبيضاء في حلم واحد وفي أحلام الشاعر .
    وفي القسم الثاني (فردوس أحلام) .. يكون الشاعر قد اجتاز أهوال جحيم الجسد والليل واقترب من فجر الفردوس الذي هو فردوس أحلام حيث أمواج الأغنيات الدافئة الحنون والبوح العاشق والصبر العاشق والأمل ، حيث سلام الجمال والحب والحقيقة ، إنه وضوح الروح وسحر الوله ورُقيّ اللذّة وتعاليها .. لكنّ أحلام لم تكن موجودة في فردوسها ، لقد رحلت إلى بغداد وتركت عاشقها وحده مع الذكريات القريبة والبعيدة سعياً إلى لقاءٍ يجمعهما في المستقبل . يبدأ الشاعر بعزف قصته مع الفراشة التي حملت على أطرافها ذهب الزمان وصاحبة العيون المثلثة التي تصطدمُ خيولُ الضوءِ بخيول الظلام فيها ومع سحرها المطلق الذي يجعلها ترفع المنارات في روحه وتنشر الطيور تحت سمائه . ويستعيد بندمٍ بعض ذكرياته معها : من سيغفرُ لي ، لو أنكِ ضِعتِ ، وأنكِ ، مثل دموعي ، في غربتي ، من عذابٍ سرحتِ ، لقد كنتِ وردي وروحي وقد كنتِ غصنَ الجمالَ أجوبُ به الكونَ أو أتّقي به برصَ الآخرينْ . ويزور ينابيعها وينابيعه في العراق حيث طفولتهما وصباهما في الشطرة وكركوك وأربيل والبدعة والمحاويل ، ويتذكر أسراره القديمة لكنه يتدفأ بها ولا يبوح بها لها ويرصد ما فعلته به فقد حوّلته من جوّالٍ إلى مغنٍ وزرعت في فمه البذور وجعلته يطوف البلدان ويغني ، وهي التي عجنته ووضعته في القمر فأخذ يتأملها من هناك ويمدُّ لها ذراعه . ويطلب من إله الحسرات المقيم معه أن يربط النهر الذي جف بقلبه بندى دجلة يجتاح دمه الطوفان : ضمّ الضفتين ولنكن في ضفةٍ واحدةٍ نحيا فقد طالَ الشُتات . وتظهر أحلام وكأنها البؤرة التي تجتمع فيها نساء التاريخ والأساطير ( حواء ، عشتار ، إيزيس ، مريم ) وتظهر وكأنها الرابط بين أم الشاعر وابنته . وحين يرى آخر صورةٍ له معها يجد فيها الأمل والقوة والبسالة والجمال وأنه يتكئ على معمارها ولكنه حين يتذكر منظر وداعها له يشعر بأن الموت يحفر فيه : أيام فاضَ الدمعُ من أحلى العيون وبلَّ دربَ النارِ ، بلَّ قوافلاً تمضي وترجعُ صوبَ بغداد الجريحةِ ، بلّ الناسَ تخرجُ من مقابرها تودِّعُ آخر الأحبابِ ينحدرون من ليل الحروبِ مطوّحينَ بصمتهم وتتحول إلهة الأحلام السومرية ( مامو ) إلى أحلام بعد أن تمنحه التمائم ليتحول نحوها . ويتذكرها وهي تغني في عيد رأس السنة وهي تجمع المطر والجمر في كيانها وهي ترسل إغواءاتها له فالأشجار بعض ترجمات فيضها العجيب والأنهار نبضها ، ويستدعي الحمائم بهديله شجنه وشجنها فتصبح نداء الـ ( ياقوقتي ) رسائل له ولها . لكن حلمهما الراسخ في الحب والحرية هو الأقوى والذي يخترق كلَّ هذه المتاعب ، كم لوحّنا لبعضنا بالوداع ؟ كم افترقنا ؟ كم حملتُ حقيبة سفري وأنتِ تبكين ؟ كم تسلقتُ طرقاً صعبةً ؟ كم تعبت أقدامي من السير ، ولكن حلمنا لم يفارقنا ، حلمنا بالحب والحرية لم ينطفئ . ويزداد الإصرار على أن حبهما وحريتهما وحرية بلدهما هي أساس ما تبقى من مستقبلهما .. قد نتسلق الجبال من حديد ، وقد نقطع البحار وقد نكتب رسائل الفراق والألم .. لكن حلمنا بالحب والحرية يكبر مهما طال الفراق . وهكذا يعود الشاعر إلى حبيبته الأولى التي بدأ بها في بداية هذه المجاميع فقد كانت ( بوبولينا ) في أول قصائد يقظة دلمون هي ( أحلام ) التي يكتب عنها في آخر قصائد هذه المجاميع .. فهل يريد الشاعر أن يقول لنا بأنه يحاول إقفال الدائرة أو إكمالها .. هل يريد أن يقول بأنه لابد من حبٍّ حقيقي في اليد لكي يكون تعويذة اختراق هذه الأهوال والغابات والمصاعب والرحلات التي خاضها . ربما .. وربما كانت رحلته هذه هي نوعٌ من تخصيب ذلك الحب الفطري الرومانسي وجعله حبّاً ناضجاً ممتلئاً مشحوناً متوتراً قوياً. هكذا إذن تصعد وتهبطُ قوة السحري والإيروسي وهي تمضي في رحلتها الطويلة هذه ، وهكذا تنفتح اللغة على كيمياء الجسد لينتج منها ما هو روحي فائق متصاعد وما هو حسّيٌّ طافح بالملذات العنيفة ، هكذا يظهر الجحيم متبوعاً بفردوس والفردوسُ متبوعاً بجحيم في دورة لا تنتهي ليقطر من خلال كل هذا الشعرُ ولتظهر في آفاقه كل هذه الحيوات والمصائر المتصارعة.

    * “أدب فن”