بريد السماء الافتراضي

حوار مع الشاعر العراقي محمود البريكان 

نتيجة بحث الصور عن الشاعر العراقي محمود البريكان

1931-2002

كتابة وحوار :أسعد الجبوري

 

لم يستقر في مكانٍ بعينه.لذا تراه هنا وهناك .تارةً تجدهُ عند ضفاف النهر الذهبي ،وهو يجلسُ بمعية الغراب الأعظم ،قارئ أناشيد الأرواح ورسائل العواصف،وتارةً أخرى نجدهُ مختلياً بنفسه ،وهو يجلخُ سِكّيناً غريبَ الشكل والتصميم والحجم في دكان حَداد الخناجر والسيوف الكائن في واجهة سوق الحديد.

في البدء ،امتلكنا الاستغرابُ من وجود سوق للحدادين في تلك السموات،إلا أن ذلك الاستغراب سرعان ما ذهب مع الريح،عندما وجدنا أن للعرب تاريخاً حافلاً بالسيوف والخناجر والنبال والدروع والرماح ،بل وكل ما له علاقة بالحديد. فحملاتُ سيوف الأسلاف،تريدُ إعادة إنتاج الحروب على أرض الآخرة.هكذا بدتْ الصورةُ في المشهد العام.

كان الشاعرُ محمود البريكان نشطاً في كل الأحوال،وكأنه يقومُ بعملية تنظيف ضخمة لزمنه الماضي ،في محاولة منه للتعويض عما فاته في ذلك الاعتكاف الذي فرضه على نفسه في مدينة البصرة قسراً.

كنا ننظرُ إليه من بعيد،مسجلين حركاته وحركات المدار الذي يعيش في طقوسه مع بقية الكائنات .صورٌ لا تتناسلُ عن صورٍ في ذلك الملاذ من السماء. فالأشياءُ هناك دون استقرار. كل شيء يتحركُ ويتغيرُ ويتلاشى بسرعة.

وآخر ما رأيناهُ،كان يتعلقُ بالحَمْام الشمسي الذي أخذه الشاعر محمود البريكان،وذلك عندما التقطتْ أصابعهُ غيمةً كانت تقفُ فوق رأسه ، وبدأ بالاستحمام بها على مرأى الملأ في ذلك الفضاء الطلق.

كان ذلك الحمام الشفهي مفارقة،أغرقتنا بالدهشة.لكن الأمرَ لم يدمْ وقتاً طويلاً،إذ سرعان ما ارتدى البريكان ثيابهُ بعد أن اغتسل من الظلام الذي كان متكلساً على جلدهِ،ثم وضعَ السكينَ في حزام خاصرته،وغادر المنطقة على دراجته الهوائية.

في بداية الأمر،اعتقدنا أنه ضاع من أيدينا،وسوف نفقد أثره،وتضيع منا فرصة هذا الحوار.

لكنه أحبطَ التشاؤم الذي شعرنا به ،عندما لفّ عجلات دراجته وأقترب منا قائلاً:

أعرف أنكم هنا من أجل مقابلتي.ولا بأس.فالوقت مناسب ،وأنا حرٌ بشكل طَوعيّ ،ويمكنني التحدث معكم بطلاقة دون خوف أو تردد أو حتى دون نظارتي المعتمة تلك .

س/هل لأنك تَفتقدُ إلى نظارتك السوداء؟

ج/أجل. لقد تم نسيان تلك النظارة السوداء.نسي المحتفلون بموتي، أن يضعوها معي في القبر.لا أعرف السبب بالضبط

س/ربما من أجل أن لا تُكرر التفاعلَ مع العتمة في الآخرة أيضاً، كما فعلت ذلك يوم كنت على الأرض ليس إلا ؟!

فقد كان أهلكُ يريدون منك أن تعيشَ زمن الإشعاع الجديد ،بعد أن رافق روحك الظلامُ في عصر ما قبل الطعنة القذرة للقاتل.

ج/لا أعتقدُ أن أحداً منهم يفكرُ بطريقتك. والمهم أن لا يفرّطوا بتلك النظارة السوداء،لأنها كانت بمثابة (( هاردسك)) يعمل برأسي.

كل أسراري وكلّ تصاويري وكلّ ما رأيتهُ على الأرض ،يوجدُ مخزوناً فيها.

 

س/ولكنكَ لم تكن منفتحاً على عوالم الدنيا بالقدر الذي يؤهلك لأن تكون مخزناً لأحداث الأرض وآلامها المباشرة.كنت مُنطوّياً وبعيداً :العالمُ على ضفة وأنت على أخرى !

ج/لكن التقوقع الذي كنتُ استبدّ به نفسي آنذاك،لم يؤثر على مسيرتي في إبصار العالم وخزن أشلاءه في رأسي.كانت نظارتي عبارة عن كاميرا ديجيتال بعدستين،تلتقط وتؤرشف حتى أدق الأشياء حساسية وبعداً.

س/هل نجد فيها موضوعات تخصّ البريكان ذاته أيضاً؟

ج/ حاولتُ أن أقتحمَ نفسي وفشلتُ بتحويلها إلى فيلم.

س/ولم تطلب مساعدةً من سيغموند فرويد ؟!!

ج/لو كنت أبحثُ عن بطاقة تؤمن لي رحلة إلى الفردوس،لذهبتُ للطبيب النفسي دون تردد.

س/بمعنى أنك كنت تفضل الجحيم ؟!!

ج/لا أعرف إن كان المكان الآخر يدعى بهذا الاسم.

س/الشاعر محمود البريكان أشبه بجدار  على الأرض .أو ربما هو أحدُ أهم الحيطان التي كانت صامدةً في منزله هناك. هل ما زلتَ تعيشُ الوضعَ ذاتهُ هنا ؟

ج/السماءُ هنا، لا تسمحُ بالصمت .

س/معنى ذلك أنك تحررتَ من السكون الذي كان يشكلُ خلاصة وجودك على أرض البصرة؟

ج/لم يكن صمتي طقساً بالمعنى الدقيق،ولكنه كان تعبيراً عن معاركَ الباطنِ المنفلتة التي كنت أخافُ حيواناتها الشرسة .

س/وتركتها تحتلُ جميعَ مراتب القصيدة؟

ج/الشعرُ عندي كهفٌ للاعتكاف.وكان علىّ أن أتخمر بداخل أحواضه كما تلك الأعناب التي يقفل عليها الزمنُ أبوابه من أجل صناعة نبيذ فاخر،لا يترك في الجسد غير تلك الثمالة السحرية.

س/ وهل وصل البريكان إلى مرحلة التصوف بالطريقة التي اختارها؟

ج/ أنا مؤمن بالعدم، ولم أكن متصوفاً.صحيح أنني أعاني من الاختلاط بين ما هو ظاهري وباطني،لكنني في حقيقة الأمر لم أتخلص من رعب كان يسكنني.

س/هل كنت بين فكّي حيوان مفترس مثلاً؟!

ج/شيء من هذا القبيل.

س/نرغبُ بالإفصاح أكثر ؟

ج/يمكنك القول بأن محمود البريكان عاشَ صديقاً للموت مطولاً.وكتبَ من أجل الموت وحده.

س/هل لأن الموتَ هو العنصر الأبقى في الوجود ؟

أم لأنك كنت تسرق قصائدك من مدافن مقبرة الحسن البصري،ولا تنشرها في مجموعات أو كتب مستقلة خشيةً من الفضيحة؟!

ج/لا يمكن اعتبار ذلك حقيقة.إلا أنني صاحب علاقات ميتافيزيقية ،كنت أعتمدُ عليها بالتحضير للقصائد.فالموتى من مولّداتي الشعرية.وكل كتاباتي كانت تعتمدُ على تلك الطقوس.

س/هل أنت معتزلٌ كغراب على شجرة،وتنظر إلى حركة الكون من هناك ؟

ج/الكون الذي تتحدث عنه ،أنما هو موجود في جوف ذلك الغراب أصلاً.

س/كيف؟

ج/الغُراب بالنسبة لي هو كائن من كائنات الأرصاد الجوية التي لا معنى للشعر دونها.أنه الطير المراقب الحذق الفاتن الذي يرسم للشاعر خريطةَ الطريق وحبكةَ التأليف معاً،وعلى حدّ سواء كذلك .

س/هل كنت صديقاً للغُراب؟

ج/أنا شبيههُ الشعري بالضبط.وما يربطني به،هو نفس ما يربطني باللغة تماماً.

س/ألا تعتقد بأن ثمة سوريالية في هذا الذي تتحدث عنه الآن؟

ج/ربما. فالاستغراقُ بالسوريالية قد يمنع الوحش الذي بداخلي من ألتهامي بتلك السرعة الهائلة. كنت أحاولُ تأجيلَ فورّة غضب الوحوش النائمة بداخلي،حتى يكتملُ نصابُ الشعر .

س/وهل اكتمل ذلك النِّصاب بمقتلك؟

ج/ربما.فمقتلي أفشى سرّ موتي الذي سبق وأن حاولت الإفصاح عنه في قصيدة (حارس الفنار) ؟

س/هل ذلك الإفصاح كان حالةً اضطرارية ؟

ج/لا وجود لحالة اضطرارية أمام العدم الذي يحتل مختلف أرائك أنفسنا وأعظم كراسي الوجود البشري.ولكن الذي أريدُ قولهُ ،أنه ما من شِعرٍ يخلو من طلقة للانتحار.والشاعرُ مأتمُ نفسه الدائم.

س/ولكن سكيناً سبقت الطلقة بانتزاع روحك ؟

ج/ذلك ما يؤلمني حقاً.

س/لماذا تقول ذلك..علماً بأنك لم تكن تنوي الإقدام على الانتحار على الرغم من صلاحية كل الظروف التي كانت تحيطُ بكَ ؟!

ج/لم أقدم على الانتحار،لأنني كنتُ أعيشهُ باستمرار.بمعنى أدق ،كنتُ أراقبُ حركة الموت في الخارج وفي الداخل ،وهي ترتفع وتنخفض كخط منسوب المياه في بحيرة النفس السوداء التي عادة ما كنت أجلس أمامها متصفحاً الأفق وحركة الطير مداً وجزراً.

س/إذا كنت من مالكي الوحوش الشعرية القيمة لغوياً،فهل تعتبر نفسك حالة خاصة بالفجع الشعري؟

ج/الشعراء العرب –وأنا منهم- خرائبٌ نفسية ،ربما تستحقُ الهدم قبل التعامل مع نصوصهم نقداً ،أو التحقق من منابعهم الشعرية.لأننا جميعاً ،لا نعتمد إلا على التناصّ في بنى النصوص،مستغنين في أغلب الأحايين عن ممولي بنك الخيال.

س/مثلما كان البريكان يُهندس الموت ،ويجعل نموّه ممكناً في كل قصيدة من قصائده،ها هو ينقل القسوة إلى عموم الشعراء.كأنك لا تريد الاعتراف إلا بالشعراء الدراماتيكيين.

ج/ليس موضوع الاعتراف بهم هو ما يشغلني،بل بمفهوم النسبية التي يؤسسُ الشاعرُ عليها قلقَهُ داخل النصّ.فعدم التوحد الشعري مع الاضطراب باطنياً،أمرٌ لا يُصفح عنه. لأنه يجعل عضلات النصّ مترهلةً وقابلةً للمحو خلال زمن قصير.

س/ولكنك لم تفعل ذلك بدافع أدبي،عندما منعت شعرك من الدخول إلى مختبرات التجريب.هل كنت خائفاً إلى ذلك الحدّ ؟

ج/في كلامك شيء من الصحة.وربما فعلتُ أنا ذلك من أجل الحفاظ على نقاء القصيدة من العوامل الخارجية ومن غبار الآخرين بالضبط.كنت أخشى التلوث بظلال الشعر الآتي من غير ينابيعي تأثراً وتَّنَاصّاً .

س/لماذا لا تعترف بأن إصرارك على العُزْلَة ،كان ناجماً عن فشل البريكان بإقامة منظومة شعرية خاصة به داخل مختبر الحداثة ؟!!

وإزاء ذلك الفشل، فضلتَ البقاءَ بكهفك الشعري،مُكللاً بالغموض.أليس ذلك تحايلاً مارستهُ على القارئ طوال سنوات من تلك العزلة؟

ج/أنا رأيتُ الحداثةَ بغير الأعين التي رأتْ فيها كل ما هو مثير.

بعبارة أدق ،لم أتعامل مع الحداثة على أساس شهواني بالمطلق.حاولتُ الحفاظ على البعد الفلسفي في بناء النصّ ،وبطاقة ذاتية خالصة،لا تتطلبُ التحديثَ إلا بحدودٍ ضيقة.

هذا الاعتراضُ الذي مارسته بحق قصائدي،لم يجعلها متخلفةً إلى ذلك الحدّ السيئ الذي تتصورّه أنت.صحيح أنني لم أضع شعري في مختبرات التجريب،والتزيين ،فذلك لأنني لا أحب الإضافات التزويقية على القصيدة.

أما بالنسبة لممارستي التحايل على القارئ،فقد أجد في هذا التوصيف عدواناً يمسّ الجانب الوجودي لفلسفتي المتعلقة بالانزواء،وعدم الإيمان بالقارئ الذي لا يفرقُ ما بين العزلة الأدبية وما بين الفوبيا من الآخر.

س/لقد سبق وأن قال عنك بدر شاكر السياب :أن البريكان (( شاعر عظيم ، لكنه مغمور !! بسب نفوره من النشر ، وسأحاول بذل كل جهد لإخراجه من صمته ليتبوأ المكانة اللائقة به )) كان ذلك  في عام 1957 .

لكن شيئاً من ذلك لم يحدث بعد مرور كل تلك الأعوام بالمطلق.فهل كنتَ مريضاً نفسياً ،أم مصاباً بنوع من أنواع الشذوذ ؟

ج/لا يسعدني ما قاله السيابُ عني أبداً.كان عليه أن يعترف،بأن البريكان مثله مثل رواد الشعر الحر .أما أن يكتفي بالتوقيع على شهادة دفني،ومن ثم التصريح بأنني شاعر مغمور ،وبأنه سيكفل بمهمات إخراجي من بئر الصمت إلى النشر،فتلك  لعبة سيابية خبيثة ،ربما انطلتْ على الكثيرين.

وفيما يخصُّ المرض النفسي، أو إصابتي بنوع من أنواع الشذوذ،فلا تعليق لي على السؤال.

س/ولكن ألا تعتقد بأن مقتلكَ على يد قريب (ابن أخت زوجك) ،سيقودُ إلى ضرورة فتح تحقيق جنائي وبيولوجي ،بما سيكشف وسيضوي على دوافع تلك الجريمة من جديد؟

ألا تقترح شيئاً ،خاصة وأنك دَرَستَ القانون ومارستَ مهنة المحاماة في العاصمة بغداد حتى أواخر عام 1967 ؟

ج/لقد مرت بلادي بمراحل من القتل الدموي العاتي البليغ الجشع الظالم المظلم.وكنتُ رقماً من أرقام ذلك القتل العراقي الذي كان يجري ملتهباً على جبهتين:جبهة الحرب الخارجية.وجبهة الإرهاب والعنف الفاشي في الداخل.

لذا، فلا يمكن لأحد أن يصنع للعدالة أو لحقوق الإنسان شيئاً بغياب القوانين والدساتير الديمقراطية. وما مهنة المحاماة في العراق آنذاك ،إلا لعباً على الحبال في سيرك عام.لذلك قُتلتُ أنا وانتهت حياتي إلى جنازة بين أقدام الريح.

س/والقتل الشعري..ألا تؤمنُ بشيء من هذا القبيل؟!!

ج/إلا إذا كان قتلاً لتلك الأدوات التي تجعل الشعر مجرد أوزان وقواعد ورنين موسيقي.

س/ولكن القصيدة التي تخرجُ من عقلك،سرعان ما يجدها القارئ مرهقةً بمختلف المنظومات الانضباطية التي تحاولُ الحفاظ على النصّ بمنأى عن أية مراهقة لغويّة .وذلك كما نعتقد يشكلُ وضعاً في غير صالح الشعر كما نظن.

ج/عندما تشتعلُ أرض الذات بالحرائق ،فلا تبريرَ لخوف الشاعر من قنابل الخارج وجنونه.أمام هكذا مسار،فأن أول ما على الشاعر أن يفعله ، هو الانخراط بتلك النيران ،لا أن يمارس دور الإطفائي بين طبقات النصوص وطوابقها.

س/لماذا تعتقدُ بضرورة حدوث مثل ذلك الالتهاب.هل تؤمن بالعنقاء وأسطورة الخروج من الرماد؟

ج/ربما لأن الشاعر يسعى إلى الانخراط بكلّ ما يُمكنّهُ من العودة إلى عصر العنقاء،باعتبار أن الرماد هو أرضهُ الثابتةُ الأخيرة في الوجود النهائي.

س/هل هذا التصور ،يأتي بسبب اعتناق الشاعر ذاك، لشيء آخر غير تلك الديانات التي تملأ بلدان العالم بشرائعها المتناقضة مثلاً ؟!

ج/سأقولُ إليكَ شيئاً عن أسرار شعريتي التي لا تبدو واضحة المعالم بالنسبة للقارئ وللناقد على حد سواء:

أنني مستثمرٌ نشطٌ للكوابيس داخل منظومتي شعرية ،خاصة بعد أن أصبح القلق بمثابة المضمد الموسيقي لمختلف الجراح اللغوية التي كانت تستنزفني في وحدتي.

س/وربما لأنك تبذل جهداً موسيقياً في بناء القصيدة والتأسيس لكياسة لغوية خاصة بما تكتب؟

ج/منذ أن غادرتُ الأرض،وأصبحتُ هنا،لم أر في السموات منْ يؤسس لنظام بنيوي خاص به .لذلك كم أصبحت نادماً على ما فعلهُ بنا ناقد مثل د.كمال أبو ديب بمسلسلات من كتب البنيوية التي كانت تمهد لطوفان حداثوي للسانيات مغامرة ،ولكنها لم تستطع قلّب موازين القوى في الشعر، فبقي الشعرُ أشبه بطير منزوع الريش في أغلب الأحايين ،ولا يغرّدُ حتى خارج القفص.

س/هل يقول البريكان هذا، لأنه لا يؤمنُ بالنظريات التي تحاولُ اللعبَ بأعصاب الشاعر ولسانياته اللغوية؟

ج/ثمة  ديالكتيك سِرّيّ ما بيني وبين اللغة التي أجلسُ في قعرها كما السلحفاة في قاع بئر.كنت في كل لحظة من زمن القصيدة،أحسّ بحالةٍ من الغرق اللذيذ ،بعدها تخرجُ الكلماتُ من أعماقي السحيقة.

س/ولكنك شاعرٌ كلاسيكي بروح حديثةٍ ،لم تجسدها معظمَ قصائدك .فأنتَ شاعرٌ تضعُ غطاءً واقٍ ،منعاً لإصابتك بالحرارة والضوء والغرام.بعبارة أدق : جدار برلين تحطم في ألمانيا،فيما أبقيتَ أنتَ حيطاناً كثر ما بينك وبين الحداثة التي تُرعبك؟!

ج/أنا لست شاعراً قوياً ، لأخوضَ مواجهةً مع أحد.النملةُ أفضل مني في هذا المجال.ولو سنح لها الوقت للتعبير عن نفسها،لمشت النملةُ بأسرع مما عندي من أقدام.

س/هل ((الحرية )) هي مصدرُ حالات الانغلاق والذعر التي تعرض لها محمود البريكان على تلك الأرض البعيدة في العراق؟

ج/لم أكن حرّاً ذات يوم في حياتي .لذلك تنعدمُ في عقلي رغبةُ الارتهان إلى عنصر المراهقة في الشعر.كنت أتعامل مع الكلمات كلّ على انفراد في المجرى العام للقصيدة.

س/هل قرأت شعراً مترجماً، وساوركَ الاعتقادُ ،بأن يكون نيتشه أفضل من شعراء أوروبا ،كما هو حال المتنبي عند العرب؟

ج/ كل ما كان مترجماً من الشعر،كان فارغاً من الكائنات الحيّة.  ومثلما يصلحُ نيتشه ،لأن يكون في مقدمة شعراء الغرب،فقد يصلح عبد الأمير الحصيري أن يمثل واجهة الشعر العربي بصعلكته وفنه ولغته وطقوسه،لا المتنبي المنتفخ بمديح نفسه وحده.

س/ولكن كلاماً كهذا ،ربما لا يؤخذُ بالحسبان.فالشعرُ المترجمُ قد يفقد السبك،ولكنه لا يلغي الشخصية الشعرية التي عادة ما تغطي مساوئ الشعر المترجم ،لأن أسماءً مثل رامبو أو إليوت أو باوند تعوض الخسائر في نقل المعاني والمقاصد والرؤى الحقيقة للنصوصّ التي عادةً ما يقتلها المترجمون إلا فيما ندرّ.

ج/هذا رأي غير ملزم لأحد.وأنا على مدار سنوات التصاقي باللغة،وجدتُ نفسي ليس غير غرفة تجتمعُ فيها كل المتضادات: الحكمة ونقيضها.الجنون والعقل.الحب والحرب.فالدنيا أكبر من عيادة السيد فرويد كما أظنُ .وأعظم من النصوص التي عادة ما تمسخها الترجمات.

س/لقد دخلت إلى قصيدة النثر شاعراً عروضياً بثقل موسيقي بارز.ما رأيك بذلك؟

ج/هذا الأمر صحيحٌ. وقد كتبهُ عبد الرحمن الطهمازي بعد مقتلي،عندما قال: ان القصائد النثرية التي كتبها الراحل- يعني أنا – ، تعد تقييما كبيرا للعروض ذاته، فهي نموذج من تمخضات العروض بمنبريته، إلى نثر مقروء تستسيغه المرحلة، فهو قادر على تطويع الذائقة العامة، والارتقاء بها إلى قبول الجرس الداخلي لإيقاع الموسيقى الكامنة في انتظام الشعر نثرا وفق مقاس «كلمي» مدروس المعاني والشكل. ان النسق اللفظي القائم على إحساس بالموسيقى العروضية، وليس العروض بحد ذاته، وضع لقصيدة النثر مواصفات، هذه المواصفات هي حرية التعامل مع الجذر الموسيقي للكلمة في سياقها العام.

س/وما رأيك أنت فيما قاله الطهمازي؟

ج/ثمة مبالغةٌ وثمة تخريفٌ.قصيدة النثر التي تهربتُ من الاشتباك معها،لم تكنْ بقرةً مجردّةً من الجرس الموسيقي،لأكون فاعل خير بإعادة الجرس لرقبة الحيوان النثري ذاك،فتنتهي قصتي عند تلك الحدود.

بل لأن نجاحي العروضي فيما كتبته من قصائد،جعلني أستشعر الفشل المؤكد، فيما لو كتبت قصيدة النثر بالطريقة التي يكتب بها صبيان اليوم.

س/ولكن كان بإمكانك أن تكتبها بطريقة المشايخ ،إن يعجبك ذلك؟

ج/زمن قصيدة النثر لم يكن زمني بالضبط. وفكرة عدم التنازل عن كبرياء الأعمدة والأوزان والموسيقى والقوافي،هي الفكرة التي دفعتني للمحافظة على وجودي منضبطاً في تلك القوالب المهيبة،بعدم الانجرار إلى فوضى الأشكال وسيرك الكلمات وتداخل الكلام اليومي بغبار اللغة بسلالم الأزمنة المتوفرة في كل مكان من تجليات التأليف الشعري.

س/هل قابلت بدر شاكر السياب هنا؟

ج/قابلته مرتين فقط.

س/وهل كان متجليّاً وبصحة تامة؟

ج/ليس بالشكل الذي كنتُ أرغب فيه.

ففي المرة الأولى قال أنه يوّد السباحة في الخليج والبكاء هناك.وفي المرة الثانية أعاد علىّ قراءة كتابه ((منزل الأقنان )).

س/وهل عثرتَ على بعض المنابع الشعرية في طبقات السموات بعد وصولك إلى هنا ،أم ما تزال تشعر بالاغتراب في هذا التيه؟

ج/أنا لا أغادرُ سريري إلا لأمور طارئة. لذلك ما زلتُ أعاني من بدائيتي في هذا الكون الجديد.إلا أنني أتأففُ كثيراً جراء عدم عثوري على الشاعر (كيتس)) بعد.

س/وما كانت حاجتك عند الشاعر الإنكليزي كيتس يا محمود ؟

ج/ أريدُ أن أطرح عليه سؤلاً يخصّ عدم اعترافه بقلق التأثير الذي تحدث عنه هارولد بلوم ليس إلا .

س/وهل الأمر مهم إلى ذلك الحدّ ؟

ج/ما من عملٍ لنا هنا سوى سدّ الفراغات التي خلفتها لنا الدياناتُ في الأفئدة وفي الكتب وفي التاريخ وفي الأذهان وفي التخوت وفي الملاهي وفي الجنة والنار.

س/هل اصطحبك أحدٌ لترى جهنم يا محمود البريكان؟؟

ج/بعضهم عَرضَ عليّ الفكرة ورفضتُ .وبعضهم أرادَ ترويعي ،لأنه لا يرى مكاناً لائقاً بي،سوى النار.إما أنا ،فقد تذكرتُ كيف كان الشعراء يشوون جثامين بعضهم في مناقل  الأرض وأفرانها.

س/هل الشعراءُ الأقوياءُ، هم من يفعلون ذلك بضعاف الشعر الآن ؟

ج/لا أعتقد بذلك. ما رأيتهُ واقعاً،اثبتَ عكس ذلك التصور.فالشعراءُ الذين وقعوا في دائرة التهميش،هم من كانوا يقومون بحرق نجوم الشعر .

س/لأي سببٍ كما تعتقد؟!!

ج/بسبب ما كانوا يُسمّرون أجسامهم بمثل تلك المسامير الضخمة على كراسي الريادة.أنها مسألةُ ثأر جهنمي يقومُ بها شعراءُ الأطراف ضد نجوم المركز.

س/هل تفكرُ بمنصب زعامة شعرية هنا ؟

ج/لا فكرة تأخذني نحو ما ذكرتهُ أنت.والشعرُ السماوي هنا ،عادةً ما يشبه البنك العَقارِيّ.أنه من أملاك الربّ وحده.