الروائي يلجأ إلى فضاءات متخيلة يصعب على القارئ تصديقها

 

 

لندن: عدنان حسين أحمد

إن ما يُثير الانتباه في رواية «سائق الحرب الأعمى» للشاعر والروائي العراقي أسعد الجبوري هو جنوح مُبدعها إلى فضاءات غرائبية ومُتخيّلة حتى ليصعب على القارئ تصديقها وإن كانت منبثقة عن نتوء واقعي مُوخز، كما أن براعة الجبوري تكمن في إدارة الشخصيات، وتصعيد الأحداث، والوصول بها إلى ذُروة منطقية تحترم القارئ العضوي، الذي يبحث في الأقل عن الصدق الفني حتى وإن ظلّ معلّقًا بين الخط الوهمي الفاصل بين الحقيقة والخيال.
لا يكمن التحدي في الكتابة الإبداعية حينما يكتب الروائي عن موضوعات مألوفة يعرفها عن كثب، فهي مُتاحة للجميع ومعروضة على قارعة الطريق، وقد فقدت في الأعم الأغلب بريقها. أما التحدي الأصيل فيكمن في الكتابة عن تيمات وشخصيات وأشياء لا يعرفها الكاتب، ولم يخض فيها من قبل، الأمر الذي سيوفر له ولقارئه الكثير من عناصر الترقّب والمفاجأة والإدهاش. وهذا ما فعله بالضبط أسعد الجبوري، حيث استهل أحداث نصه الروائي من مدينة نيفادا الأميركية لنتعرف من خلال الفاكس الذي بعثته أديث لأهلها على عائلة أميركية ثرية جدًا لكنها مفككة وغريبة الأطوار. فأديث، التي درست المثيولوجيا وانغمست في قراءة الأساطير، قد وجدت لها زوجًا «إيروتيكيا» يُدعى ويليام سوف تبتلعه رمال نيفادا المتحركة، ثم تبني لها قبرًا افتراضيًا في فناء القصر الكبير. الأب غرين رجل غني جدًا يفقد كل ثروته في غمضة عين عبر الإنترنت، حيث تبتلع البورصة كل ما لديه من ثروات وأموال فيغمى عليه ويُنقل إلى المستشفى، لينتهي به المطاف إلى مُقعَد يحتضنه كرسي كهربائي. أما زوجته جوليا فهي متورطة بمراسلة غالبية رجال المدينة والريف باسم مستعار وهو «روش»، وقد أجبرت ولدها زولا على كتابة هذه الرسائل بخط يده. فأصبح واجب جوليا هو تحطيم قلوب الرجال، وواجب غرين هو تحطيم الأسعار!
تنطوي شخصية الابن زولا على نوع من الغموض، فقد جعل منه الوالد مهندسًا زراعيًا مختصًا بالحشرات، فيما حولته الأم إلى كاتب لرسائلها الغرامية مستغلة منصبها كمديرة لدائرة البريد في المدينة. أما خادمة المنزل فوجي فسوف تروّض زولا عاطفيا قبل أن يجد طريقه إلى «عاصفة الصحراء» التي حررت الكويت من الغزو العراقي عام 1991.
* التيمة المركزية
يزخر هذا النص الروائي بتيمات فرعية كثيرة ومهمة، لكن التيمة المركزية للزواحف المدرّعة هي الأكثر أهمية، بغض النظر عن صحة هذه القصة من عدمها، فالمتلقي لم يرَ هذه الزواحف التي تفرز مادة غريبة تُدرِّع أي جسمٍ تلامسه أو تحتّك به. من هنا فإن الحديث عن هذه الزواحف المدرعة التي لم تُصنّف بعد ينطوي على صدق فني يتقبله القارئ كشيء أقرب إلى الحقيقة، حتى وإن لم يُبرهَن علميا على الرغم من اعتقاد زولا أن هذه الزواحف الغريبة هي من جنس الضُبّان أو الضِباب التي تنتمي إلى فصيلة العظايا والتي تعيش في الصحراء السعودية.
لم يُرِد الجبوري أن يركِّز على الحرب التي كانت خاطفة أصلا، وإنما انصبّ تركيزه على الزواحف الصحراوية التي صوّرها زولا وكتب عنها بحثًا مطولا نشره في مجلة «فلاش» الأميركية، ليصبح أشهر من نارٍ على علم، بحيث توجِّه له الحكومة العراقية الدعوة لزيارة العراق للتباحث بشأن الدراسة التي نشرها والوقوف على بعض ما ورد فيها من حقائق وتصورات. لا بد من الإشارة إلى بذرة الشك التي زرعها الجبوري حينما قال إن زولا قد عُين آمرًا لمفرزة الاستطلاع التابعة للكولونيل فوكسل، بينما تمّ إهمال الجنديين المسلكيين كلاوس وتريام، الأمر الذي يوحي بارتباطه بجهة استخبارية أميركية مهمة ربما تكون قد جندته لهذه المهمة أصلا.
وعلى الرغم من الدمار الكبير الذي ألحقته «عاصفة الصحراء» بالعراق فإن هناك بعض المختبرات في أعماق الأرض لما تزل صالحة. ينفتح الفضاء الروائي لأول مرة على الشخصيات العراقية، من بينها الدكتور قيس الذي كُلف بحماية زولا، ثم الدكتور موفق المختص بعلم البيولوجيا الذي سيرتب له اجتماعًا مع عدد من الأطباء البيطريين والبيولوجيين والكيميائيين والمختصين بعلم السلالات، لأن الدولة تريد أن توفر حماية استراتيجية لهذه الزواحف المدرعة، كما أنها تريد أن تكلفه بجلب أعداد كبيرة من هذه الزواحف وهو الذي تعتبره شقيقته أديث العضو الزائد في العائلة ويمكن بترهُ من دون الشعور بالأسف!
تأخذ الرواية طابعًا تشويقيًا حينما تدخل المخاوف والكوابيس طرفًا في التيمة الرئيسة، حيث تتناهى إلى سمعه اتهامات خطيرة من بينها «كنت خسيسًا عندما وافقت أن تكون مُجندًا لـCIA كما سنثبت لك بالحقائق والوقائع الدامغة» (ص 243).
تجدر الإشارة إلى أن الجبوري يسلّط الضوء على المواطن العراقي المقموع من دون أن ينسى القامع من جهة، والمعتدي الأميركي من جهة أخرى، حيث نقرأ: «لم نعد نعثر على شخص عراقي واحد سليم ومعافى. لقد شوّهت عاصفة الصحراء التربة والعقل والعواطف بالأسلحة الكيماوية المحرّمة وسواها، ولم تنجُ نخلة أو سمكة أو جنين أو حجر أثري من التشوّه الجيني» (ص 243).
صدرت الأوامر بتلقيح لواء من الجنود العراقيين بالمادة المُستخلصة لتدريع جلودهم، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى ما يشبه الروبوتات التي لا يمكن التفاهم معها. فاللقاح جعلهم عدوانيين ولا يستطيعون إقامة علاقة مع أي شخص غير ملقح بمن فيهم الديكتاتور نفسه.
* بذرة الشك
تنمو البذرة التي زرعها المؤلف في منتصف الرواية باحتمالية كون زولا منتميًا إلى الـCIA، ونسمع فحواها يتردد على لسان د. موفق الذي تساءل متهمًا زولا: «ألم تكن تلك الزواحف فكرة أميركية؟» (ص 267). وحينما يزداد التمرّد بين الجنود المُلقحين يأمر الديكتاتور بإعدامهم جميعًا. لم يكن الرئيس يعرف أن ابنه قد قام بتلقيح عشرة آلاف من حرّاسه الشخصيين الذين وسّعوا من مساحة التمرد في مناطق أخرى من العاصمة، الأمر الذي يدفعهُ للموافقة على أخذ اللقاح والقضاء على المتمردين، وهذا يعني مغادرة طبيعة جسمه القديم «ليصبح أشبه بوحش مدرّع في بحيرة التماسيح» (ص 272).
وقبل أن يقْدِم على هذه الخطوة يلقح أفراد الجيش، وعناصر الأمن، وأعضاء الحزب، والإعلاميين، والمغنين، كما يشمل التلقيح أفراد حمايته الذين بلغ عددهم 50 ألفًا انطفأت الشهوات في أجسادهم، فهاجرت النساء مثل الطيور هجرات جماعية. وبعد عام من التلقيح تظهر تشققات مقززة ومرعبة على أجساد الملحقين، ما عدا الديكتاتور الذي تلقح بعد شهرين فامتلأ قلبه رعبا. لم يسلم الديكتاتور من التشوه، لكن العلماء اكتشفوا علاجًا بالمصادفة حينما سقطت بصقة أحد الطبيبين المتشاجرين على جلد جندي مصاب، فاختفى التشقق مباشرة! هل يمكن تصديق هذه الفكرة؟ وهل أن بكتيريا البصاق قادرة فعلا على إلحاق الهزيمة بهذا الوباء المروّع؟ وبما أن الأمر كذلك من وجهة نظر أسعد الجبوري، فإن الأطباء سوف يدلكون جسد الديكتاتور ببصاق الشعب كل دقيقة وهو جالس على مكتبه الفخم.
يتكشف مصير زولا كليًا حينما يحرره المُختطِفون من قيوده ويعلقونه بملاقط حديدية عملاقة على حبل غسيل في كهف مظلم تاركين إياه مع «أفظع أنواع الوحوش ضراوة: الصمت ومجموعة من الزواحف التي أتوا بها من الصحراء!» (ص 282)، لتنطوي صفحة «سائق الحرب الأعمى» الذي قاد البلاد والعباد إلى الهلاك.

 

((الشرق الأوسط))

http://webcache.googleusercontent.com/search?