«ربات الإلهام» لموريس دينيس:

الألوان قبل أي شيء آخر

نتيجة بحث الصور عن موريس دينيس

 

 

ما لا يقل عن ثلاثة أو أربعة اتجاهات فنية – ولكن دينية أيضاً -، تمكنت من أن تتقاذف توجّهات موريس دينيس طوال حياته، هو الذي بقدر ما كان رساماً، كان منظّراً للفن أيضاً، وإليه تُعزى واحدة من أشهر العبارات التي تعتبر مفتاحاً للفن الحديث، أو في شكل أكثر تحديداً، لشكلانية الفن الحديث. وهي، بالطبع تلك التي تقوال: «علينا أن نتذكر دائماً أن اللوحة، قبل أن تكون حصاناً في معركة، او امرأة عارية، او صورة لأي حدث من الأحداث، هي في الأساس مساحة مسطحة مغطاة بألوان جُمعت تبعاً لنظام معين». بهذه العبارات البسيطة والتي لا تحمل أي قدر من السخرية، عرّف موريس دينيس الفن التشكيلي ذات يوم. وكان يعني ما يقول. وموريس دينيس قد لا يكون الأشهر بين الفنانين التشكيليين الفرنسيين الذين ظهروا وانتجوا خلال النصف الأول من القرن العشرين، لكنه على أي حال، كان أقدرهم على التنظير للفن وعلى الخروج عن الأكاديمية في الوقت نفسه. ولعل هذا ما ساهم مساهمة أساسية في إبقائه خارج التصنيفات، وأضفى على فنه، من ناحية أخرى، سمة العمل العقلاني الذي راح النقاد يبحثون، عبثاً، عن الروح فيه.

> مهما يكن من أمر، فإن ما لا بد من التوقف عنده هنا هو أنه من الصعب إيجاد التطابق بين نظرة دينيس الى الفن وممارسته له، في لوحات لعل أكثر ما يميّزها التنوع الذي يتقاذفها كما أشرنا أول هذا الكلام، في مدارس وأساليب ربما يمكننا القول انها متعدّدة تعدّد لوحاته. ومع هذا تبقى أشهر تلك اللوحات تلك المعنونة «ربات الإلهام (في المنتزه)» والتي رسمها دينيس في العام 1893 وتوجد اليوم معلقة في إحدى قاعات متحف أورساي الباريسي. صحيح أن في إمكاننا أن نرى في هذه اللوحة تلك الألوان والخطوط المؤطرة الواضحة مرتبة بكل عناية، لكنها تبدو موضبة هنا تبعاً لمبادئ تزيينية بشكل يجعل اندفاعات الفنان وديناميته تبدوان وكأنهما تفتتحان الفن الحديث بأسره بل حتى «الآر-ديكو» نفسه، على الأقل بالنسبة الى بعض المؤرخين. وبالتالي فإن اللوحة تبدو هنا وكأنها بساط من كانفاه لونية مهيكلة تبعاً لإيقاعات شديدة الخطّية.

> من ناحية ما، تبدو لوحة موريس دينيس هذه مقتبسة مباشرة من لوحة لمواطنه بوفي دي شافان عنوانها «الغابة المقدسة» وتصور أسطورة قديمة العهد تتحدث عن ربات الإلهام الماثلات في الميتولوجيا الإغريقية. غير أن دينيس عرف هنا كيف ينقل موضوعة ربات الإلهام ليجعلهن سيدات معاصرات يعشن في زمنه ويرتدين زينة وأزياء ذلك الزمن. بل إن كل ما في اللوحة يحيل الى نهايات القرن التاسع عشر وصولاً الى الأنوثة المطلقة والأنيقة للسيدات اللواتي لم يعد لهن من وظيفة الملهمات سوى الروح الداخلية وبعض المؤشرات وأنواع السلوك. فالمشهد هنا، كما في «الغابة المقدسة»، يدور تحت ظلال أشجار وارفة أسلبها الفنان في شكل مبالغ فيه – ويبدو أنه أراد منها أصلاً أن تظهر على شكل ديكور في إلغاء بيّن لواقعيتها بغية التركيز على واقع نساء اللوحة -. ونرى واحدة من هاته النساء وهي منصرفة الى بَرْي القلم ما يوحي بأنها ربة الرسم التي تتحضر لرسم شيء ما على دفتر وضعته في حرجها. وتبدو امرأة أخرى رافعة ناظريها لتوها عن كتابها في نظرة تأملية الى البعيد ما يوحي بأنها ربة الشعر… وهكذا. والحقيقة أن عصرنة هذه الأسطورة القديمة، وفق مؤرخي حياة دينيس وأعماله من الذين يتوقفون دائماً عند هذه اللوحة، كما أسلبة تشكيليتها، يضفيان عليها طابعاً بادي الإلتباس وغامضاً، كان من شأنه دائماً أن حيّر الناظر اليها…

> ولد موريس دينيس في مدينة غرانفيل الفرنسية في 1870 وتلقى دراسته الابتدائية والثانوية في «ثانوية كوندورسيه» التي تركها وهو في الثامنة عشرة من عمره ليلتحق بمحترف جوليان، حيث كان الرسام بول سيرّوزييه، العائد من سفر قام به الى منطقة «بريتاني»، التقى خلاله بالرسام غوغان، كان قد جعل من نفسه داعياً لاتباع أسلوب غوغان الفني. ولقد أثر سيرّوزييه بدينيس تأثيراً كبيراً، بحيث أن معظم لوحات هذا الأخير، التي أنجزت ضمن إطار عمله في المحترف، تبدو وكأنها مجرد نقل لبعض أعمال غوغان.

> غير أن دينيس سرعان ما قرر أن يجد أساليبه الخاصة، من ناحية، بعيداً من التكون الأكاديمي الذي تكونه، ومن ناحية ثانية بعيداً من التأثر بأسلوب غوغان، وهذا ما جعله يتزعم جماعة «الأنبياء» التي راحت أعمالها تتراوح بين الانغلاقية والتوليف والتقليدية الجديدة وصولاً الى النزعة الرمزية. وفي 1889 عرض دينيس أولى لوحاته التي شاء أن يطلع الجمهور عليها، في مقهى فولبيني، وبعد ذلك شارك في «معرض المستقلين». وكانت تلك هي المرحلة التي كشف فيها، كذلك، عن مواهبه الأدبية وراح يكتب في النقد الفني مقالات جعلت البعض يتمنى لو أن موريس دينيس ينصرف الى كتابة النقد ويكف عن الرسم!

> غير أن ذلك لم يحبطه كرسام يحاول أن يؤسس لشيء ما في هذا الفن، بل واصل عمله غير عابئ بواقع أن نجاحه كرسام، في تلك الآونة على الأقل، كان ضئيلاً. لكنه شعر في الوقت نفسه أنه قد بات عليه في تلك المرحلة الجديدة من مساره، على أي حال، أن يبدل من أسلوب تعاطيه مع اللوحة، هو الذي كان قد اعتاد أن يغيّر أساليبه بسرعة، فأحس هذه المرة بميل الى النزعة الانطباعية الجديدة (التي انتجت لديه لوحته الشهيرة «السر الكاثوليكي» 1890) وبعد ذلك الى نزعة تقتبس الأشكال اليابانية، على غرار ما فعل فان غوغ (ما انتج لوحته «صورة السيدة رانسون» 1890)، ومن ثم الى النزعة الحميمية («صورة الأب فاليه»). وهنا مرة أخرى، نراه وقد عاد للتقرب من بول سيرّوزييه ليتلقى عبره تأثيرات غوغان.

> كل هذا جعل موريس دينيس يبدو في تلك الفترة ضائعاً بين أساليب عدة لا يقر له قرار، ويبدو من العسير جداً تصنيفه في وقت كانت فيه كل الفرديات تهوي على مذبح الجماعات والتيارات والمدارس. وليس هذا لأن دينيس كان يصر على فرديته، بل انه كان تواقاً دائماً للانضواء تحت لواء ما، وأكثر من هذا كان يريد لنفسه ان يكون زعيم أي تيار من التيارات يتبعه. في شكل اجمالي تبدت ملوّنة دينيس في ذلك الحين صماء جامدة لا روح فيها، كما بدت أشكاله مسطحة تنتمي الى نوع من «الأسلوب الحديث» عامرة بشتى أنواع التبسيط الجريء، وبنوع من البحث عن طابع تزييني. ومن هنا عدم اهتمام النقاد جدياً بأعماله في تلك الفترة، وهي الفترة التي سبقت أول رحلة قام بها الى ايطاليا، وولدت لديه على الفور توجهاً جديداً، نما لديه عبر اكتشافه فن النهضة الايطالية بجدرانياته الهائلة وألوانه الحيّة وشخصياته الانسانية. وهكذا تغيّر دينيس كلياً، متجهاً نحو رسم مبني في شكل أفضل ومعتنى به. ولقد قاده ذلك التطور الى رسم أشكال بدت أكثر تقليدية في تكوينها، لكنها انتمت مباشرة الى حيوية الانطباعية في تلوينها.

وكانت تلك على أي حال هي الفترة التي انغمس فيها في نوع من الإيمان الصوفي، الذي وصل الى ذروته لديه خلال عمله على تزيين كنيسة سان – لوي في فنسان. لكن ذلك أضعف تكويناته الفنية وأثرى حسه التزييني في الوقت نفسه، مما تجلى في رسمه لسقف مسرح الشانزيليزيه، ثم لجدران قصر عصبة الأمم، وبعد ذلك لسقف درج مجلس الشيوخ. ولقد قادته نزعته الصوفية الى اكتشاف المسيحية من جديد فأسس مع جورج ديفالييز في 1919 «محترف الفن القدسي»، وراح يرسم لوحات ذات طابع مسيحي صرف خلال السنوات العديدة التي أمضاها يعيش هادئاً متأملاً بالقرب من غابات سان – جرمان آن لي. موريس دينيس الذي آثر العزلة التأملية على حياة الصخب الباريسية، انتهت حياته ذات يوم من أواخر العام 1943، حين صدمته شاحنة قتلته على الفور. ولم يتنبه لموته أحد في ذلك الحين. ولكن بعد ذلك راحت الحياة الفنية الفرنسية تكتشفه كرسام ومفكر وناقد وكاتب.

http://www.alhayat.com/Opinion/Ibr