قدمة:  

يعلم الكثير منا بأن مفهوم الانبثاق emergence ذو صلة كبيرة بعلم الأديان والروحانيات، فقد كتب الكثير عن هذا المفهوم واعتبر ذا صلة بليغة بقضايا تتعلق بالميتافيزيقا، لكن ما يهمنا نحن، هو استقصاء الظاهرة ومدى وثوقية وجودها في الطبيعة وخصوصاً في المنظومات الحية بشكل عام. والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا يمكن طرحه كما يلي : هل الانبثاق لأنواع جديدة من السلوك أو الوظائف نتيجة تطور المنظومة الحية ، أم أن تلك الوظائف بقيت كامنة واستحدثت فيما بعد نتيجة الطلب من الطبيعة ؟ .. اعتقد أن الكثير منا يعتبر الطرح الأول أكثر جدارة بالمناقشة والإسهاب ، بينما يبقى الطرح الآخر فيما يتعلق بخواص الكينونة من اختصاص الفلسفة. وعلى أية حال فإن الكثير من البيولوجيين التطوريين وفي مقدمتهم داروين قد أغراهم ظهور أنواع جديدة من السلوك والصفات تبدو مستقلة ومنفصلة عم سبق من التركيب. وإذا وافقنا بأن الانبثاق ظاهرة مميزة في الكائنات الحية ، والتي يبدو مسيرها التطوري والبنائي على نحو ما من التعقيد complexity. هذا التعقيد الذي تتشاركه البيولوجيا مع الفيزياء ، فالبُنى الديناميكية في الترموديناميك وفيزياء حالة الطور phase state تعطي مثالاً واضحاً أن كل نقطة مثلاً من المنظومة الديناميكية ذات علاقة تآثرية بكل نقط الحالة الطورية أو حالة المنظومة ، وهذا يجعلنا نحس بأن المنظومة برمتها تتحرك وتتسم ب (الحيوية) ، ومن هذا المنطلق فإن أي جزء في هذه المنظومة بمقدوره أن يغير سلوك المنظومة برمتها ، وظهور نتيجة وسلوك مختلف عن حالة التوزان التي تحياها المنظومة (يمكن الاستدلال على ذلك في الظواهر المناخية) ، ولسنا هنا في معرض الحديث عن حالات التوازن وتطورها نحو حدود حرجة ، فما يهمنا هو تسليط الضوء على معنى وأهمية الظاهرة في المنظومات الحية . وكما يبدو فإن التعقيد هنا يقع كما يقال  عند حافة الفوضى ، وما بين التعقيد والفوضى محاولة مهمة من أجل التنظيم الذاتي self-organization ، فهل يقع ما يميز الحياة في المنطقة الكائنة بين التعقيد والفوضى؟ .. هل تسهم جواذب الفوضى  attractor في تمكين المنظومة بإعادة تنظيمها الذاتي..؟

تمدنا الانطولوجيا (علم الوجود) بإجابة عن سؤال : ماذا هنالك ؟ أي نوع من الكينونات الذي نبحث عنه ؟ ، والخواص، والمادة الموجودة ؟ في المقابل فإن الايبستمولوجيا (علم نقد المعرفة) تجيب عن أسئلة من نوع ماذا نعرف وكيف ؟ كيف يمكننا معرفة الأشياء على حقيقتها ؟ .. بالتالي فهنالك تمييز بين مفهومين للانبثاق . فانبثاق خواص يعني خاصيات جديدة ، هكذا يتحدث الانطولوجي . أو يمكن فهمه  كجديد الخاصيات، هكذا يتحدث الايبستمولوجي. ووفقاً للانبثاق من الناحية الايبستمولوجية ، فإنه يهتم بشروط وحدود ماذا يمكن لنا معرفته عن الأنظمة المعقدة . وانبثاق خواص من الناحية الايبستمولوجية ، هو تلك الخاصيات من النظام التي لم يكن لنا علم بها ، والتي تزيدنا معرفة بأجزاء المنظومة وتفاعلاتها.حيث تكون الخاصيات الجديدة ذات علاقة أساسية بالخواص الأصلية لكنها تبقى فريدة ومستقلة.

ويمكننا القول بتمييز نوعين من الانبثاق ايبستمولوجياً:

تنبؤي predictive: كانبثاق خاصيات في أنظمة معقدة ، لم يتم التنبؤ بها بمعرفة الأنظمة والقوانين التي تحكم تلك الخاصيات.

نموذج متعذر انقاصه Irreducible-Pattern : انبثاق خاصيات ، هي خاصيات أنظمة معقدة تحكمها قوانين كالتعميم في قوانين الفيزياء.

إن الانبثاق من الناحية الايبستمولوجية يعتبر أضعف من الانبثاق من الناحية الأنطولوجية، حيث لا يشير الأول إلى وجود شيء قد حدث عندما تتآثر وتتفاعل الأجزاء في الأنظمة المعقدة ،  ، بينما الآخر الأنطولوجي ، يشير إلى ظهور خاصيات جديدة بالفعل قد حدثت نتيجة التفاعل بين أجزاء الأنظمة المعقدة تحت تأثير العوامل الخارجية.

ومن المعلوم تقريباً بأن انبثاق الحياة العقلية كظاهرة والوعي أيضاً يشكل نموذجاً قوياً للانبثاق،         إن التقدم الذي شهده علم الجينات Genetic science منذ ما ينوف على نصف قرن، لم يأخذ في حسبانه تطوير علاجات جينية فحسب، بل امتد أيضاً ليشمل فروعاً علمية أخرى في نظرية التطور، ومن بين أفضل الأمثلة التي تمت دراستها جينة متعلقة بحجم الدماغ في البشر، والحيوانات الأخرى. لقد أدت الدراسات الوراثية للبشر المصابين بالحالة المعروفة بصغر حجم الرأس microcephaly ، والتي يتضاءل فيها حجم الدماغ بنحو 70% إلى كشف دور الجينة ASPM، وثلاث جينات أخرى هي  MCPH1 ،CDKSRAP2،CENPJ ، في التحكم في حجم الدماغ، وفي فترة لاحقة أظهر الباحثون من جامعتي شيكاغو- متشيغان ، أن الجينة ASPM، قد تعرضت للعديد من هبّات التغير خلال مسيرة تطور الرئيسيات، وهذا نمط دالٌ على الاختيار (الانتماء) الايجابي. وقد حصلت واحدة على الأقل من هذه الهبّات في السلالة البشرية، منذ أن تباعدت عن مثيلتها في الشمبانزيات ، وبالتالي كانت محتملة الفائدة في تطور أدمغتنا الكبير.

ويعزز هذا القول رأي الباحث (ستيف جونزSteve Jones ) الذي يقول: “ربما احتوت أدمغتنا بضع جينات فقدت أهميتها بقياس الاختلاف الوراثي العادي. وبديهي أيضاً، أن هناك مجموعة كاملة من الصفات الفكرية والثقافية، التي تظهر عند بلوغ المستوى الحرج للذكاء، والتي لم يتم الترميز لها بالجينات أبداً، والدماغ الإنساني أكبر بثلاث مرات مما يتوقع أن يكون عليه دماغ الحيوان الرئيس النموذجي من الحجم نفسه، وأسلافنا بعمر المليوني سنة، كانوا في ذلك الحين في مقدمة أقربائهم الرئيسيات في هذا الجانب.

وكما رأينا أن تفرد الإنسان بنموذج جيني دماغي معين، يشترك فيه مع أسلافه في سلم التطور، يبدو أنه يتميز عن بقية أفراد نوعه من الهومو Homo في درجة تعقيد جملته العصبية، بشكل أوضح من درجة تفوقه بالنسبة لحجم الدماغ . )، أن الجهاز العصبي المركزي البشري يبدي درجة شديدة جداً من التعقيد، أعظم من أي جهاز منظم معروف بالكون، ومن الطبيعي أن يسبّب ذلك انبثاق emergence خواص من طراز شديد التباين عن كل ما جرت مشاركته مع المادة من خواص حتى الآن ، كالتي لمسناها عن طريق الكيمياء والفيزياء.

 الانبثاق عبر المقاييس:

يمكن القول بأن الحياة خاصية منبثقة ، ليس من المكونات الجزيئية لخلية واحدة فقط، بل من كل الخلايا الحية ، وبذلك من الصعب تعريف الانبثاق في الشروط الحية البيولوجية. وعلى هذا فإنه قد تم تعريف الانبثاق من خلال فكرة المستويات، وباعتبار ان الخلية تنبثق من تفاعلات بنيوية للجزيئات التي تؤلف الخلية ، والتي هي منظمة بمدى أكبر من تفاعلات الجزيئات المكونة لها .فإنه من الصعب رؤية خلية تنبثق في داخل المقياس الجزيئي. ويحدث انبثاق الخلية من مكونات تتفاعل على المقياس الذي تكون فيه وظائف الخلية واضحة في تفاعلاتها مع باقي الخلايا والجزيئات. وبكلمات أخرى فالتفاعلات في مقياس واحد تخلق أجسام في مستوى أعلى: وهنا جوهر العملية بالانتقال من التفاعل داخل الجسم إلى الخارج . إن التفاعلات الجزيئية تخلق في المستوى الأعلى الخلايا، والتفاعلات الخلوية تخلق في مستوى أعلى الأعضاء، ومن العضويات إلى المجتمعات. فمثلاً .. الفاعليات المجهرية لعصبونات الدماغ تأخذ بالظهور إلى سلوك فوق مجهري، وعندما ننظر إلى الدماغ في مستوى المقياس الأبسط من الملاحظة سوف نشاهد فقط خلايا أو جزيئات، وعلى الرغم من أن الدماغ البشري في المقياس العصبوني هو أشبه بدماغ الشمبانزي ، انبثقت خاصية القراءة عنه من الثقافات البشرية التي استخدمت ادمغتها لابتكار القراءة. كذلك فإن العضوية أو المجتمع تولد خواص منبثقة مرئية في المقياس الأكبر والأعلى. وفي المقياس الأعلى نحن بحاجة لمشاهدة كل الخلايا، فمثلاً تتنوع هذه الخلايا وفقاً لموضوع الدراسة، فنحن نشاهد الخلايا عبر المجهر الالكتروني كما الشكل والحركة والامتصاص خلال تفاعلاتها ضمن النسج وفي العضوية، ومن هنا فصاعداً يحدث الانبثاق في العضوية عندما نشاهد مجموعة من الخلايا في مقياس تكون فيه المجموعة – العضوية- تؤدي نفاعلات مع باقي العضويات، وتكون الخاصيات البيولوجية مثل لعبة البابوشكا الروسية- تكون التفاعلات  مضمنة على مقاييس متعددة ، وعلى عدة طبقات، إن التفاعلات في المستوى الأبسط ينبثق عنها اجسام تعبر عن خاصياتها في مقياس أعلى . إن انبثاق خاصيات ينجم عنه أجسام جديدة من المقياس الذي يليه.

و أخيراً يمكن القول بأن الانبثاق هنا هو عملية تشكل نمط معقد من قواعد بسيطة ، أو مكونات ويعني ظهور وظيفة معينة اعتماداً على مكونات بسيطة في حد ذاتها غير قادرة على القيام بالوظيفة، وبالنهاية فالعلاقات أو التفاعلات بين مكونات المنظومة وضمن هذه المكونات ، تعطي الوظيفة المعقدة النهائية المرجوة التي لم تكن محققة في مكونات المنظومة الاصلية الأبسط.

ماذا عن التعقيد البيولوجي والاختزالية  ؟ ..

تتواجد الانظمة المعقدة في مستويات مختلفة من التنظيم  ابتداءً من العالم دون الذري حتى داخل العضويات الحية وفي المجتمعات. وتتضمن الأنظمة المعقدة الخلايا والجزيئات والعضويات والأنظمة البيئية  والمجتمعات الانسانية. وعلى الرغم من الاختلافات فيما بينها فإنها تتشارك مظاهر عامة . وسواءً كانت الحتمية ظاهرة فيها كتلك الظواهر التي حققها الميكانيك النيوتوني ، أو حتى في الميكانيك الاحصائي. فإنها بالرغم من السلوك النظامي القابل للتنبؤ ،  يمكن أن تنشأ فجأة تغيرات عشوائية هائلة ، تبدو بداية كأنها تغيرات طفيفة. كتأثير جناح الفراشة المسبب لنشوء تغيرات مناخية هائلة. والذي يدل على نظام معقد داخل الحالة. ويمكن القول بأن هذه المناقشة مهمة لأنها ذات علاقة بأفكار الاختزالية في عدة مستويات :

-اختزالية انطولوجية (وجودية): تفترض بأن كل شيء موجود في الطبيعة قد يشكل من عناصر بدئية أولية بأسلوب نظامي قابل للتنبؤ.

-اختزالية ايبستمولوجية (معرفية) : تفترض أن المفاهيم الأساسية ، القوانين والنظريات للمستوى المُعطى من التنظيم يمكن الوصول إليه من المفاهيم والقوانين والنظريات الملائمة للمستوى الأدنى.

-اختزالية ميثودولوجية (مناهجية) : التي تتدعي بأن الظاهرة المعقدة ، أو الأنظمة .. من المتوجب والمقدور عليه فهمها بواسطة تحليل معاني اجزائها الفردية.

إن أرسطو (384-322ق.م) قد وصف الانبثاق في الميتافيزيقا بقوله:” الكل أكثر من مجموع أجزائه”  ، ولذلك فكامل النظام لا يمكن اختزاله ولا استنتاجه من نوعية أقسامه الداخلية، والمشهد العلمي للانبثاق يضم الآن تنوع من مجالات علمية متعددة تبدأ من الفيزياء حتى علم الاجتماع.

إن العضويات البيولوجية تظهر فيها خاصيات منبثقة من تفاعلات مكوناتها مع العوامل الخارجية. إن فكرة الانبثاق مترافقة مع فكرة أن مكونات العالم الطبيعي موجودة في مستويات تراتبية من التنظيم التي تبدأ من الجسيمات دون الذرية حتى الجزيئات والنظام البيئي .الخ… وكل مستوى يحكمه ويميزه قوانين منبثقة لم تظهر في المستوى الأدنى من التنظيم ، وهذا التنظيم التراتبي يخلق ما يسمى (الأسباب الدنيا ) downward causation في عملية الانبثاق.

إن سلوك الخلية يكون متحكماً به من خلال خواص جزيئاتها وخواص العضو الذي تشكل جزءاً منه. فالكل ليس فقط أكبر من مجموع اجزاءه، ولكن أيضاً أقل من مجموع أجزائه ، لأن بعض خواص الأجزاء تكون قد تثبطت بواسطة التنظيم العام. ومن وجهة النظر هذه فليس كافياً تحليل كل الأجزاء الداخلية (الاختزالية) ، ولا كافياً من ناحية تحليله كلاً (كلانّية holism).

-الاختزالية الايبستمولوجية:  وهي تفضل بأن يكون موضوع الدراسة في السياق الطبيعي. والبيانات التجريبية المعطاة بشكل خاص من الفئران (في الزجاج) ، أو النماذج الحاسوبية يمكن غالباً استنباط حالات معقدة منها تنطبق في النوع الانساني. وبشكل أكثر عمومية فإنه لا يمكن اختزال موضوعة الانبثاق في تجارب الذكاء الصنعي وفي الأوضاع التجريبية البسيطة من أجل الكشف عنها في البيئات الحية ، فمجتمعات الشمبانزي مثلاً يتوجب دراستها فقط في بيئاتها الطبيعية .

-الاختزالية الميثودولوجية (المناهجية) : وهي ذات علاقة أقرب مع الحتمية.. المفهوم الذي تكون في كل ظاهرة في الطبيعة هي ذات حتمية تامة ناجمة عن الأسباب البدئية أو الأولية وتكون النتائج ضرورة فيها. وخصوصاً عندما يؤدي السبب إلى نتيجة فريدة والعكس بالعكس.

ومن الوجهة الطبيعية هذا ما يحملنا على قابلية التنبؤ بتطور المنظومة انطلاقاً من حالة محددة ثم نؤسس علاقة حتمية بين العناصر التي أسست المنظومة. إلا أن الأنظمة البيولوجية المعقدة لا يمكن فهمها بشكل تام بقواعد الحتمية التامة. وفي الواقع فإن أغلب سلوكها يكون لا خطياً non-linear behavior

عدم قابلية التنبؤ والتفسير السببي:

إن المكونات الداخلية في الأنظمة المعقدة تتفاعل بطرق متنوعة تتضمن آليات التلقيم الراجع feed back وديناميك تنظيمي، وضمن هذا الاطار فالسبب الفريد يمكن له انتاج آثار غير قابلة للتنبؤ ومتعددة . وحتى التقلبات fluctuations الصغيرة يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقعة. إن التفسير السببي (الخطيlinear) الذي يمكن فيه مناقشة الحقيقة الواقعية (خطياً) لأحداث عناصرية من السبب إلى النتيجة، لذا تكون الأنظمة المعقدة غير قابلة للوصف (لأنها لاخطية non-linear). وعلى الرغم من ذلك فالعديد من علماء البيولوجيا الجزيئية يفضلون النماذج البسيطة مع تفسيرات تعتمد على بعض العوامل الفردية. بالاضافة لذلك هناك ظواهر بإمكانها التسبب بآثار غير مشاهدة مثل الفصل الجيني ، ووجود نسخة جينية مطابقة في الجينوم مما يقود إلى أنماط ظاهرية متعددة تعتمد على نفس النمط الجيني.

إن النتائج الأفضل في العالم الواقع، تميل إلى أن تستمر في البقاء، أو أن ترتقي. وتلك التي هي أقل نجاحاً في العالم الواقعي، تميل إلى أن تُزاح، أو تختفي، وفي الكثير من الظروف، يمكن أن يقدّم التعقيد complexity أفضلية اصطفائية ، إنه تحدٍ للبيولوجيا التطورية . هذا ما يقوله (موري جيل- مان Murray Gell-man).

وإذا ما عُدنا إلى مسألة التعقيد العصبي، فإن (جيمس تريفل James Trefil) من جامعة جورج ماسون – أمريكا، يقول: ” إن عملية التطور قد أنتجت أدمغة متباينة إلى حد كبير، بالتطور الاختياري لأجزاء مختلفة من النظام الأساسي، أي لتوسعة جزء معين، أو بإضافة خلايا عصبية بإعادة ترتيب الخلايا العصبية الموجودة مسبقاٌ “.

ويضيف (تريفل) : ” إنه عندما نصل إلى مستوى معين من التعقيد، فإن أنواعاً جديدة من الظواهر ستبرز نفسها، وإذا أخذنا في الاعتبار مستوى التعقيد في خلية عصبية واحدة، ودرجة الاتصال التي للدماغ، فإنه يبدو من المعقول أنه سيكون هناك أكثر من خاصية منبثقة تميّز النظام، وإن هذه الخواص ستظهر عند درجات متباينة من التعقيد ، وبالتالي فإن النظام سيمر عبر مجموعة من القفزات المنفصلة ، كل قفزة ترتبط بنوع جديد من الخواص المنبثقة (سيل جديد) التي تميّز المستوى الجديد من التعقيد”.

وبعد فهل انبثاق emergence وظائف الدماغ الجديدة هو نتيجة التعقيد العصبي فقط، أم أن فُرصاً بيئية محلية أيضاً سمحت لتطور الدماغ على هذا النحو؟ .. إن (منسكي Minsky) يدافع عن فكرة أن أدمغتنا لم تتطور حسب قواعد ومتطلبات محددة . بل بدلاً من ذلك تطورنا حسب الفرص ،بانتقاء طفرات دعمت بقاءنا تحت الظروف والتغييرات في بيئات مختلفة ، خلال نصف مليار سنة من التباينات والاصطفاء. إن الكثير من الأجهزة العقلية، قد تطورت لتصحح نواقص في الأجهزة القديمة، أي نواقص لم تظهر حتى أصبحنا أكثر ذكاءً، حيث أن من خصائص التطور، أنه بعد تطوير بُنى عديدة جديدة، فإنه يصبح متأخر الرجوع إلى الوراء، وإجراء تعديلات على المنظومات القديمة التي لانزال نعتمد عليها.

ويمكننا القول هنا أن الدماغ هو منظومة تكيفية معقدة، بأكثر من كونها نظاماً بيولوجياً يحمل خطةً تطورية جينية مبرمجة. ذلك أن هذه المنظومات لها مخططات، ذات نتائج في العالم الواقعي، وهي تمارس ضغطاً عكسياً على التنافس بين المخططات، وتلك المخططات التي تنتج

 

-التنظيم الذاتي self-organization والتعقيد:

في هذه الظاهرة فإن أنظمتها تنتظم ذاتياً ضمن بنى متكيفة مع العناصر المنبثقة. كالبُنى القابلة لخلق وايجاد استراتيجيات معدلة تتكيف مع تغيرات الحالة البيئية. في الواقع فإن الأنظمة البيولوجية المعقدة تتواجد حلى حافة الفوضى edge of chaos ، والتي هي وفقاً لِ كوفمان Kauffman قادرة على انجاز نوع من اللياقة المرتفعة. ويأخذ التنظيم الذاتي مكانه في العضوية بعدة مستويات ، داخل الخلايا وفي استجابة المستعمرات الجرثومية ، وفي الدماغ داخل العصبونات التي تنظم ذاتها للتعلم من الخبرة.

وعلى أية حال فالضغط من البيئة الخارجية يؤدي بالأنظمة المعقدة لأن تبدي تغيرات ديناميكية في درجة من التآثر بين المكونات الفردية التي تشكل الشبكة، والتي باستطاعتها تعديل وإعادة تنظيم ذواتها في توازن جديد استجابة للأحداث الخارجية. وهنا يظهر التكيف ليكون القاعدة أكثر من كونه استثناء. وعندما افترضت الداروينية تكيف العضويات في بيئاتها، فإن البيولوجي التطوري الأمريكي ريتشارد ليونتين Richard Lewontin أظهر الانقسام حول هذه الفكرة بين داخل العضوية وخارجها، والتي لا تعتبر الدور للعضوية في إعادة بناء بيئاتها. وفي الواقع فإن العضويات لا تتطور في العزل ولا في التكيف البسيط مع العوامل الخارجية. وفي الاتجاه المضاد فإنها ترتكس وتقوم بتعديل بيئتها وفقاً لاحتياجاتها. لذلك فإن كلاً من العضوية والبيئة واقع تحت عمليات متتابعة من التفاعلات المتبادلة.

إن الأنظمة البيولوجية تكون مقيدة بظروف بيئاتها ، لكنها أيضاً تغير بيئتها.. هذه الفكرة قابلة للتطبيق في مستويات متعددة من التنظيم تتضمن المستويات الخلوية والجزيئية .

إن التطورات الأخيرة في البيولوجيا التطورية تقترح استبدال فكرة القانون الحتمي ،بالقانون غير القابل للتنبؤ، وخصوصاً في الأنظمة المعقدة، وبكلمات أخرى “القانون ضرورة” وتكون الامكانات أو الاحتمالات مقيدة داخل الأنظمة المعقدة التي تتطور .

والسؤال المطروح هنا هل التعقيد موجود في قلب الأنظمة البيولوجية ، أما هو ناجم عن طريقة التعبير المفاهيمية للظواهر العلمية .. هل من عوامل خفية تسهم في تبسيط فهم المنظومة الحية (ماكس بورن ودور العوامل الخفية في فيزياء الكم) .

ومن أجل تجنب المشاكل الأساسية للتعقيد تلك منها الايبستمولوجية ، المعرفية ، البراديغمية ، وذلك بتوسيع معرفتنا بالتعقيد ، وبالنظر إلى التعقيد الذي يتضمن كلاً من الكلانية holism والاختزالية reductionism ، فإنه يبدو بأن القابلية للتنبؤ تصبح غير ذات أولوية في فهم الظواهر الحية.

لقد قدمت نظرية التعقيد الراصد كعنصر جوهري في العملية المعرفية والبحث. إن المبدأ الذي صاغه فيرنر هايزنيرغ (1901-1976)  يظهر بأن الراصد يؤثر بالرصد، هذه النتيجة ليست بالميكانيك الكمومي فقط، لكن يمكن توسيعها لتشمل حقل التجارب البيولوجية والكيموبيولوجية، كما أن السويسري ادوارد كلنبيرغر E.kellenberger (1920-2004) قد كتب .” تكون الطاقة عير معينة أو ريبية في العالم مادون الذري وخصوصاً في المعرفة الحاصلة عن طريق التجارب” .

وفي تكنولوجيا النانو الحيوية تكون هذه العلاقة (الراصد-الظاهرة) واضحة بشكل مباشر. إن العلماء بحاجة لاستكشاف نقاط مختلفة  فيما يتعلق بهذه المسألة وخاصة إذا كا الغرض هو انشاء نظرية تفسر وتصف الظاهرة المشاهدة. وتعدد وجهات النظر يسمح للعلماء ببناء فهم اشمل للظاهرة الحية.

إحدى أهم العلاقات أساسية بين المنظومة وبيئتها هو الفصل في وجهة النظر بين داخل المنظومة وخارجها. يتوجب أن تكون وجهتا النظر هنا متتامتان ويكمل أحدها الآخر ، ولقد كان الفيزيائي الفرنسي هنري أتلان Henri Atlan قد اقترح بأن الأنظمة التراتبية  والراصد الخارجي يمكن أن يكونّا مستوى تنظيمي أعلى. فمثلاً تحاول الخلية انتاج ضجة noise في طرق اتصالاتها بالمحيط ، يمكن أن تقود في ما بعد إلى آثار مؤذية ممكنة وغير متوقعة ، لكن الراصد في المستوى الأعلى أو العضوية سوف تعتبر الضجة كعامل من حدوث تغيرات بنيوية للمنظومة وهذا ربما ما يجعل الخلية ذات لياقة ويحميها من الموت.

إن مسألة النظام البيولوجي تضمن انتقالاً من الفعالية الجزيئية إلى نظام خلوي ما فوق جزيئي ، وهذه مسألة لم تزل غير محلولة. عادة ما يقدم النظام البيولوجي على أنه حالة فيزيائية غير محتملة ، تخلقها وتحفظها أنزيمات بما يشبه جنيّ ماكسويل، الأنزيمات التي تبقي على الفروقات الكيميائية في المنظومة بنفس الطريقة التي يحفظ بها جنيّ ما كسويل فروق الحرارة والضغط. وإذا قبلنا بهذا فستكون البيولوجيا  ذات قوانين تسمح بالموت فقط. بيد أن المعلومات الجينية الموجودة في الحموض النووية يعبر عنها بأنزيمات تسمح للحياة بأن تستمر.تؤخر الأنزيمات الموت واختفاء الحياة. إننا نعرف الآن أن المحيط البيولوجي عبى العموم ومكوناته أكانت حية أم ميتة توجد في حالات بعيدة عن التوازن . وفي هذا السياق فإن الحياة بعيدأ عن أن تكون خارج النظام الطبيعي تبدو على أنها التعبير النهائي للسيرورات المنظمة لذاتها. ومتى ما تم تحقيق شروط التنظيم الذاتي فإن الحياة تصبح قابلة للتنبؤ.  إنها واقعة مدهشة أن الاكتشاف الحديث لأشكال مستحاثية للحياة تظهر تقريباً متزامنة مع أول تشكيلات للصخور (أقدم مستحاثة ميكروبية تعود إلى 3،8 مليار سنة بينما يعود عمر الأرض إلى 4،6 مليار عام، وإن أول تشكل للصخور يرجع إلى 3،8 مليار عام). إن الظهور المبكر للحياة هو حجة لصالح فكرة أن الحياة هي ناتج تنظيم ذاتي تلقائي ، والذي يحدث متى كانت الشروط تسمح بذلك.

إذا اعتبرنا أن الخلية منظومة مفتوحة مادياً وطاقياً ، فلكي تعيش هذه المنظومات ، لابد لأن تتغذى من تدفقات مستمرة للمادة والطاقة من الوسط المحيط، ومن جهة أخرى تنتج الخلايا الفضلات كبقية الكائنات الحية ، وبناءً عليه فالخلية بنية تبديدية dissipative structure ، وهي حسب “إيليا بريغوجين” Ilya Prigogine منظومة مفتوحة تحافظ على ذاتها في حالة غير متوازنة جوهرياً ، غير أنها تبقى مستمرة على الرغم من التدفق إلى الخارج ، واستبدال المركبات ، ويبقى النموذج العام للتنظيم محفوظاً فيها ، والتفاعل الوثيق ما بين البنية من جهة ، والتغيرات (أو التبديد ) من جهة أخرى. وهكذا تكون الميزة الخاصة لديناميك مثل هذه البُنى التبديدية ، بحيث تؤدي إلى نشوء تلقائي لأشكال جديدة للنظام ، ويمكن للمنظومة لدى تعاظم تدفق الطاقة ، الانتقال إلى نقطة اللااستقرار ، المدعوة (نقطة التشعب أو التفرع) التي يمكن أن يسير التطور بعدها بطريق مغاير تماماً ، مما يتيح المجال لنشوء بُنى جديدة ، وأشكال مرتبة. ويمكن أن ندعو هذه العملية اصطلاحاً (بالتنظيم الذاتي self-organization) . وإذا ما كان التنظيم الذاتي مركبة ملازمة لديناميك المنظومات المفتوحة فإننا نصل إلى استنتاج مهم  ، وهو أن مايميز المنظومات المفتوحة هو التطور والارتقاء.

وبناءً على ما سبق فالكائنات الحية تسعى من خلال تنظيمها الذاتي ، وباعتبار أنها منظومات مفتوحة مادياً وطاقيأ ، إضافة إلى أنها مغلقة تنظيميأ ( داخل الخلية وفي شبكات الخلايا) ، فإنها تسعى بالاتجاه السالب للزمن ، وتحاول دائماً أن تعاكس مبدأ الترموديناميك الثاني الذي ينص في جوهره على زيادة الفوضى مع انقضاء الزمن في المنظومات المغلقة. لكن الخلايا في سيرورات التنظيم الذاتي تسعى للسيطرة على الفوضى بالتجدد والتطور عبر أشكال بناها المتعددة ، و باعتبار أن الحرارة ، أو (الطاقة الحرارية) هي ناتج تفاعلي للمنظومات المفتوحة عبر عمليات الهدم والبناء الخلوي ، فإنه يكاد يكون من المستحيل إعادة تنظيم هذا الفاقد الحراري في أي صورة جزيئية منظمة . فما تم فقده من الطاقة هنا هو جزء يسير يزداد عِظماً مع مرور الزمن ، لتنتهي الخلية بالموت بعد أن بذلت كل المحاولات الممكنة لنقل مخزونها الوراثي ، وعملها البنائي إلى سائر المركبات البروتينية المجاورة ، وذلك عبر التنظيم والبناء. وهكذا فالحياة تنزع إلى التنظيم في مواجهة الفوضى ، لكنها لا تفلح في نهاية الأمر ، إلا إذا كان العقل إبداعها الأهم.

ولا يغرب عن بالنا اعتبارات ثلاث تميز الكائنات الحية وهي الاستقلاب والتعقيد والاستقلال بناءً على :

أولاً : الكائنات الحية أشبه بماكينات كيماوية ، ويحتاج نمو كل منها إلى آلاف التفاعلات الكيماوية التي تتكون بفضلها العناصر الأساسية للخلايا، وهذا ما يسمى الاستقلاب metabolism وينتظم في عدد كبير من السبل المتشعبة ، كلاً منها يشتمل على تفاعلات عدة.

ثانياً : كل كائن حي ، يؤلف وحدة وظيفية منسجمة متكاملة ، وهذا الانسجام الوظيفي يحتاج إلى تدخل منظومة توجيه آلي تشرف على الفعالية الكيماوية في نقاط كثيرة وتراقبها.

ثالثاً : الكائنات الحية تنشأ نفسها بنفسها ، وليس بتدخل من القوى الخارجية وتكون نفسها تكويناً مستقلاً ، بفضل تفاعلات بنّاة داخلية ، وذلك لإنتاج البروتينات اللازمة للحياة.

إن الحياة يمكن أن نفهمها كنظام احيائي ، والمقصود به بنية مقولبة تمثلها الخلية المشّكلة لأساس كل الأنظمة الحيوية ، وفيما يتعلق بالحالة الديناميكية الحيوية. فإن النظام الخلوي ينبغي أن يكون مفتوحاً ومحفوظاً ذاتياً خارج التوازن الديناميكي الحيوي ، أي تبديد الطاقة  حسب تعبير “بريغوجين” .

إن أهم ما يميز المنظومات الحية الخَلق ، أو التجدد الذاتي ، أي إعادة إنتاج نفسها للشبكات الحية ، وبذلك تحافظ على النموذج التنظيمي ذي الشكل النسيجي ، وتولد مركبات الشبكة على نحو دائم وتحول إحداهما إلى الأخرى ، ويحدث ذلك بطريقتين مختلفتين :

الأولى: يجدد كل كائن حي ذاته باستمرار بقدر ما تنقسم خلاياه، لتنشأ بنيات جديدة ، وتجدد الأنسجة والأعضاء دوماً ودورياً تكوّنها الخلوي. وبغض النظر عن هذه التبدلات المتواصلة يحافظ الجسم على خصوصيتة الكاملة ، أو شكله التنظيمي .

الثانية: التغيرات البنيوية للمنظومة الحية ، تحيط بتلك التي توجِد بُنى جديدة ، وتقيم صلات جديدة في شبكة الصنع الذاتي self-making، هذه التبدلات لا تحمل طابعاً دورياً ، بل طابعاً تقدمياً. وترتبط المنظومة الحية مع الوسط المحيط بنيوياً ، أي تحت تأثير أفعال دورية ، يُحدث كل منها تغيرات بنيوية في المنظومة . وهكذا يشرك الغشاء الخلوي دوماً خلايا لمادة من الوسط المحيط في العمليات الاستقلابية والجملة العصبية تغير من طابع صلاتها نتيجة كل فعل من أفعال الإدراك الحسي، مع أن المنظومات الحية مستقلة ذاتياً. فالوسط يحرض فقط على التغيرات البنيوية ، وهو لا يحدد نوعها ولا يتحكم بها.

وعلى ما سبق فإن التنظيم الذاتي يظهر كسيرورة مهمة في تمكين العضوية على أن تبقى حية ، ويشكل دافعاً قوياً من اجل انبثاق خواص جديدة بالمنظومة ، مع نوع جديد من السلوك يساعد العضوية بتخطي الضغوط من العالم المحيط والخارجي.

********

المصادر

Mazzocchi، Fluvio، Complexity in Biology، European molecular biology organization، EMBO reports، VOL 9، NO 1، 2008.

Irun R. Cohen and David Harel. Explaining acomplex living system: dynamics، multi-scaling and emergence، Journal of the royal society، http://rsif. Royalsocietypublishing.org/ on March 4، 2016.

Angela Matthies، Andrew Stephenson، Nick Tasker، The concept of emergence in systems biology. www.http//: stas.ox.ac.uk.

 

-بروكمان ، جون ، الثقافة الثالثة ، ما بعد الثورة العلمية ، ترجمة: طاهر شاهين ، ديمة شاهين ،منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة ، دمشق، ط1، 2009

-تريفل ، جيمس ، هل نحن بلا نظير ، ترجمة:د. ليلى الموسوي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت ، العدد 323، يناير ، 2006.

-كابرا، فريتيوف، الصلات المتبادلة الخفية، رؤية جديدة إلى الحياة، ترجمة: د. شريف الحواط، منشورات دار علاء الدين، دمشق،ط1، 2009.

– بريغوجين ، إيليا، استنجر، إيزابيلا، نظام ينتج عن الشواش، ترجمة: طاهر بديع شاهين، ديمة طاهر شاهين، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق ، ط1 ، 2008.

((الأوان))