مجيد الموسوي..

ناجح المعموري

لا يتجاهل المخيال الواقع ،بل يتجاور معه ،مثلما لا يتناسى اللاواقع واللامعقول ،انه مزيج من ثنائية ذات طاقة مهيمنة وهذا يتبدى أكثر وضوحا في التجارب الشعرية الغنائية التي تمسك بالمتخيل وما يوفره من مجازات عميقة ورموز مبتكرة أو موروثة،الا أنّ النص الجديد ،دائما ما يتمظهر عن انفعالات النفس بشكل ملحوظ ومعروف ،وكثيرا ما يبثّ رسائله للآخر/ المتلقي ،ليعلن عن المحنة / المأساة التي تتمحور حولها النصوص الشعرية .
وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في نصوص الأزمة الروحية العميقة التي أخذت الشاعر الى تجربة سردية فيها تخيّل وبلاغة مضمنة، محتوية التاريخ . ليس بالمعنى السياسي،وانما بأعتباره مرويات عن الكائن/
الفرد وتوصيفات عن الكينونة القلقة وهذا ما كشف عنه نص الشاعر السردي الذي صاغ الصحراء فضاء للعزلة والذهاب نحوالكشف عن طريق الآخر،والسعي لأعلان ما يشبه النبوءة عن الآتي ،ودائما ماحفلت تجربة مجيد الموسوي التأريخية /الشخصية عن حضور ذات فيها تمثيل لتشبيه ،لكنها مرآة عن الأنا /الذات ،والتي يكون فيها العقل مهيمنا وهو المأخوذ نحو المجهول /الصحراء .
التاريخ الفردي ،ذاكرة متخندقة،منتجة سردياتها الرثائية التي اختصرت غيابات أصدقاء اختطفهم الموت، لكنها ليست هكذا بل تذهب بأتجاه السيرية ،ويتخلص التاريخ عن وقائعه ،ويختزن موروثات الفرد،المطارد والمحاصر بما هو قدري ..فلم يجد الشاعر الا الأصدقاء يرثي ذاته من خلالهم ،كزار حنتوش ،محمود عبد الوهاب .
ولأن للمكان رمزيته في تخيّل السرديات الشعرية ،اهتم الشاعر مجيد الموسوي بالمكانية التي أمسكت بالزمانية شفافة ،وكل منهما تفضي للآخرى وتتشكل ثنائية عميقة ،لايستطيع الشاعر مغادرتها وهذا واضح في نصه الخاص عن الصحراء المنفتح عن سحريات ،متكتم عليها ،يحلم بها الكائن أن تقوده نحو الحكم /الأتقاد وهذا ملمح من توصيفات السرد الشعري عن تجربة الوحدة والعزلة ،والقلق والتوجس .
وظل المخيال حاضرا في تجربة انسحاب الذات من محيطها الأجتماعي ،والأكتفاء بعزلة كائن لايرى غير دنوّ المخيف المصاغ بغنائية وسردية مرنة،تفلت من طوق الحبكة وتعاود حضورها الجديد ،فتكتفي برائحة الحبك وتختزنه ، لأن مثل هذه السردية لاتقوى على الأنفلات عن الحبكة ،بسبب حكائية الأغنية ، حتى التراجيدية ،او الأسطورية التي تشفّ عن موات وشيك للمألوفات في الطبيعة . وايضا ما تمظهرت عنه الصحراء من اسطوريات لها علاقة بالروحي والأستعداد للتعامل معها لأنها تنطوي على طاقة انقاذية في مجالها السحري والتمركز الروحي ،والفضاء المترامي جدا وما يولده من تداعيات لتعويض ماتحتاجه النفس من هدوء في اليومي والمألوف .
منذ مات أخي
وأنا أتوجس رائحة
ودبيبا غريبا
يحاصرني
لم تغادر نصوص مجيد الموسوي القصيرة /الأيقونية من السرد الغنائي وهذه هي التي ظلت حاملة رائحة الحبك.
أما الطاقة الطافحة بالمرثية والندب ،فهي متوفرة في نصوص كثيرة، يكشف الفحص السريع بأن تلك المراثي هي عن الأنا/ الذات،على الرغم من الأشارة الصريحة لأحد الأصدقاء،
وتتشكل أهميتها من التشارك بين الأنا والآخر،حيث تتضاعف المشاعر المأساوية وتقدم لنا صورة انسانية متوترة بالحزن والشجن كما في هذا النص :
قريبا يقرع الموت الباب ويدخل
في تلك اللحظة
سأحبس أنفاسي وأنسى أن أتنفّس
لايمكن اعتبار هذا النص خاصا بالآخر وتجريده من الأنا/ الذات ،صحيح أن الآخر عنصر بنائي وشحنة لها علاقة بالذاكرة والتاريخ وله تأثير جوهري . لأنه عمق التخيلات وزاوج بين الأنا و به ومعهالآخر وعبر التوافق بينهما صاغ لنا الشاعر مجيد الموسوي نصّا أو مجموعة نصوص .
هنا تكمن فاعلية الشاعر وخصوصية تجربته المتمثلة بالنجاح في توظيف ماهو للغير /الآخر،
ليتشارك  به ومعه وتظل هواجس الكامن في كل مكان ،وهو لايدري الى أين تمضي به رجفة الحلم .
المفر من مفردة الموت يختار مجازا لها،هو يلعب على مأساة الذات وفي هذا المقطع مفردات لها دلالة الموت والأنقطاع عن الحياة :
وأخيرا..
يحمل الليل
بقايايّ ويمضي
مسرعا، يحمل أشيائي:
قميصا دون أزرار
وزهرا يشبه اللّيلك
زهرا يقطّر الدمع
وزهرا يقطّر
الخوف .
تكست / العدد19/2013
لايستطيع القاريءتجاهل هيمنة الموت في قصائد مجيد الموسوي لابل في حياته،وحياتنا،وكأنه يراه بعينيه ،مثلما رآى آدم في قصيدة”غرفة آدم ” أحفاده بعينين ذاهلتين . الشاعر محاصر بالعزلة التي تجعله دائما أكثر قربا من الموت بشكله التجريدي ،الكامل،متخفّ بالهواء والغبار والريح ،وفي كل مظاهر الطبيعة ،لأنه –الموت – يطارد الحياة،والطبيعة ،كلها حياة ،ربما تتعطل –أحيانا- لفترة طويلة أو قصيرة،لكنها تعاود حضورها البهي والقوي ،حضور لاينكره الناظر اليها. هي توميء للكائن كي يراها، وينكشف جمالها في موجوداتها الكثيرة.وجود الطبيعة مقدس،كما قال هولدرن الذي أدرك بأنّ الحياة موت .وبينهما ثنائية حاضرة ،تتناوب أحدهما مع الأخرى ،فالموت هو أيضا حياة،العودة الى الأرض،انجذاب لرحم الأمّ الرمزية مرة أخرى،كي يأخذ دورة جديدة،وتحين لحظة مستقبلية حتى تلده الأرض مرة أخرى .الأبتداء والأنتهاء،دورة،عرفت عبورات عديدة وانتهت بالعود المقرر للأم الرمزية /الأرض .الموت عطّل كل شيء وانقلبت الأشياء والثوابت ضدا ،ومعكوسا يفضي الى صدع حياتي مخيف.
انه السؤال الأول ذاته،يتكرر في قصائد مجيد الموسوي والمختلف فيه هو اللغة ،الكلام الصامت والذي اختار الكتابة لينقل لنا فزع الكائن الشاعري ،الممنوح من الذات أرقّ الصفات وأجملها وأكثرها اثارة للأسى .ففي قصيدة “شاهدة ”
لماذا؟ تموت الفراشة
في النار
الفراشة رمز تكرر في الشعر البصري أكثر من مرة ،البريكان ،سعدي يوسف ،مجيد الموسوي .
لأنها – الفراشة – الرمز الدال على الكائن البصري ،الذي لايذهب نحو الخراب المستحيل ،لكن القدرية الغائبة ،والحاضرة،والمستحيل الذي لايراه الكائن،فيمتد زاحفا في المكان،ليعلن عن هيمنته ومقدراته للتلاعب بكل شيء لايريده الأنسان ولا يفكر به ،حتى تحل لحظة الصدمة /المفاجأة
كيف يصير الندى حجرا
والعصافير تقتل الرعد
والناس بالجوع ؟
هو السؤال ذاته ،فلسفة الموت الحاضرة،المتبدية بتحولات غير مقبولة ،ولامعقولة:
انه قائم في المكان واللامكان والكائن يدير ظهره له ويمتد نحو الأبتداء ،المتكرر يوميا…لأن الحياة فيه ،وحتى في غياب الأمل المؤقت .سؤال واحد يكرره الشاعر في علاقته المتوترة ،الخائفة مع الموت ،حتى صارت للشاعر مجيد رؤية خاصة به ،مغايرة عن غيره من الشعراء،الذين كتبوا عن الموت وعرفوه زاحفا ببطء.
كيف أجيء،
وأمضي بلاسبب
كما أولد ثمّ أموت.

 

http://www.almadapaper.net/a