(ج1)

 

مقدمة

إنَّ تجارب العقل البشري (كوعي ناتج عن أسباب بيولوجيَّة وسيكولوجيّة) تشكّل الجزء الأهمّ والأبرز من تاريخ الفرد كوحدة متفردة سيكولوجياً، وجزء من منظومة متفردة بيولوجياً عبر التَّطور التّاريخي الاجتماعي، وكما يمثل الجسم البشري متحفاً كاملاً للأعضاء، لكلّ عضو فيه تاريخ تطوّري طويل يجره خلفه، كذلك علينا أن نتوقَّع أنَّ العقل مكون بطريقة مماثلة. إذ لا يمكن أن يكون ناتجاً بلا تاريخ إلاَّ إذا كان الجسم الذي يحتويه كذلك. والتّاريخ يقصد به هنا أن العقل يكوّن نفسه بالرُّجوع الواعي – أو اللاَّواعي- إلى الماضي من خلال اللغة والموروثات الثَّقافيَّة الأخرى، بالإضافة إلى التّطور البيولوجي واللاَّشعوري، وذلك التّطور ما قبل التَّاريخي الَّذي مر به الإنسان القديم ، والَّذي كانت نفسه ما تزال قريبة من نفس الحيوان. هذه النّفس الموغلة في القدم هي الَّتي تشكّل أساس لا يمكن إغفاله من عقلنا.[1]

ويبدو أن ما ندعوه بالوعي، قد حافظ على بعض الخصائص البدائيّة الَّتي شكلت جزء من العقل الأصلي. ولهذه الخصائص بالذَّات ترجع رموز الأحلام الفرديّة، والأساطير والحكايات الجمعيّة، وتشير باستمرار كما لو كان اللاَّوعي يسعى لاستعادة الأشياء القديمة كلها، تلك الّتي يتحرّر منها العقل أثناء تطوره – أي الأوهام والأخيلة، أشكال التّفكير القديمة، الغرائز الأساسيّة… وهلم جراً من العوالم الّتي تشكل المحتوى الأساسي لما يدعى (اللاّشعور).[2]

إنّ محتوى اللاّشعور هو في الوقت نفسه الأكثر إبهاماً والأكثر ألفة، الأكثر خفاءً والأكثر قسريّة وجبريّة وفردانيّة ومفاجأة، وهو الّذي يولد الحصر الأكثر وحشية كما يولد الأمل الأكبر. وهو غير محدد بزمان ومكان أو تتابع منطقي من الأحداث كما هو الحال في حياتنا الواعية. ودون أن ننتبه، يقودنا اللاّشعور إلى الأزمنة الأكثر قدماً في حياتنا، وهكذا يبدو التَّموضع الغريب أو البعيد جدّاً في الزّمان والمكان، والذي هو مع ذلك أليف جداً.[3] إنّه موضع يُعاد تأليفه باستمرار وإن كان الأمر يتمّ بلغة لم نعد نألفها، إنّها الرموز التي تحملنا إليها الحكايات الشَّعبيّة والأساطير ومن خلفهما الأحلام. إنّها رحلة للنفس في مهاوي مملكة اللاَّشعور. ذلك أنّه، وفقاً لـ”لاكان”، من المستحيل أن “نقول كلّ شيء” لأنّ الكلمات تعجز في النّهاية. ويتعرف رايموند ويليامز على جانب من هذا العجز، فيما يسمّيه الانزلاق باتّجاه الفعل الماضي في التَّحليل الثّقافي، وباتجاه ما يسميه ” الأشكال الثّابتة للفهم، فتعقيدات الحاضر تقاوم المقولات اّلتي نستخدمها لفهمها .[4] لذلك يبدو الرَّمز في الحلم كما الفكر الميتافيزيقي، تكثيف لعدّة معاني في صورة واحدة.

لغة غير مألوفة

بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، نشعر كلّ الشعور بأن الأحلام، كما الأساطير، سواء أكانت موضع تجاهل أو إزدراء أو احترام، تنتمي إلى عالم لا علاقة له إطلاقاً بفكرنا المنطقي. إذ نجد في الواقع أنّ بعض الأحلام تشبه الأساطير سواء من حيث شكلها أو من حيث محتواها، وإذا كنا نعتبر في حياة اليقظة أنّهما طائفتان متباعدتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى، فإنّ ذلك لا يحول بيننا وبين أن نبتدع، أثناء حياة النوم، مثل هذه النَّواتج الّتي تشبه الأساطير، ففي الأسطورة نجد أحداثاً دراماتيكّية لا يمكن أن تحصل في عالم يخضع لقوانين الزّمان والمكان، نجد بطلاً يموت ويحيًّا، وطائراً أسطورياً يحترق ويولد من رماده، وطبيعي أن تكون الشّعوب المختلفة قد ابتدعت أساطير مختلفة تعود إلى جذر سيكولوجي واحد، هو صدمة الوعي بالعالم وقلق التعامل مع أحداث مجهولة، مثلما أنّ الأشخاص المختلفين يبصرون أحلاماً مختلفة.[5] وإن كان هناك علاقة تجمع بين التّصورين، نجده في اللغة التي تعبر عنهما كليهما، اللّغة الرمزيَّة. والواقع أنّ الأحلام والأساطير تشكلان رسائل هامة ترسلها ذواتنا إلى ذواتنا. فإذا كنّا لا نفهم تلك اللغة الّتي كتبت بها، فلا بد أن تنشأ ثغرة هائلة و فاغرة في صلب عالم الأشياء التي نعرفها والّتي نتحدث عنها طيلة تلك الساعات الّتي نعلّق خلالها تعاملنا مع العالم الخارجي.[6]

ولتوضيح الأمر لا بدَّ أنّ نميز بين الإشارة والرمز. فالإشارة هي دائماً أقل من المفهوم الّذي تمثله، في حين أن الرمز يمثل دائماً ما هو أكثر من معناه الواضح والمباشر. كما أن الرموز هي نتاج الطبيعة والعفوية، إذ ما من عبقري وضع قلماً أو فرشاة في يده ثم قال ” الآن سأبتكر رمزاً ” وما من أحد يتوصل إلى فكرة عقلانية تقريباً عقب استنتاج منطقي أو نية مقصودة ثم يعطيها صيغة رمزية. فمهما تكن الأشراك الخيالية الّتي ينصبها المرء لفكرة من هذا النّوع فإنّها ستظل إشارة مرتبطة بالتفكير الواعي الكامن خلفها، لا رمزاً يلمح إلى ما هو مجهول حتّى تلك اللّحظة. إن الرمز الجامع (الشّامل) يضرب بجذوره في خصائص الجسد البشري بالذّات، في خصائص الحواس والفكر، وهي خصائص مشتركة بين الجميع، وبالتالي فهي لا تقتصر على الأفراد بما هم أفراد، ولا على فريق محدد منهم. والواقع أن كلام الرمز الجامع قد أتاح للجنس البشري أن يبلور اللّغة الوحيدة المشتركة بين سائر البشر. لكن البشرية ما لبثت وأن نسيت ذلك الكلام قبل أن تتمكن من الإرتقاء به إلى حيز الكلام الاصطلاحي الجامع .[7]

إنّ اتحاد الحقيقة العقلية وغير العقليّة لا نجده وفق يونغ في الفن بمقدار ما نجده في الرمز بحد ذاته، ذلك أن جوهر الرمز أن يحتوي على العقلي وغير العقلي كليهما. فهو دائماً يعبر عن أحدهما من خلال الآخر، لأنّه يشتمل عليهما كليهما من دون أن يكون أياً منهما،[8] وتكونه يعتبر من أهم وظائف اللاشعور الخفي بمعناه الجمعي. والرموز تنبع من اللاوعي، وإبداع الرموز هو الوظيفة الأهم للاوعي.[9]

وفي الأحلام، تحدث الرموز بشكل عفوي، ذلك أن الأحلام تأتي من تلقاء ذاتها ولا تخترع اختراعاً ، وهي لهذا السبب، المصدر الرئيسي لمعرفتنا كلها فيما يتعلق بالرموز الّتي قد ترجع بينا إلى الماضي.[10] وتشكل الأساطير بحر واسع لاكتشاف معنى الأحلام. كلّ أسطورة في كل ضمير لا وعي لشعب ما، تعكس ما يعرف بالمثال الجماعي اللاواعي، فهي تارة الدهاء (الشاطر حسن)، الخوف (الغول )، الحبّ (أساطير الحبّ)، القوّة (عنترة)، الجنس (الأمير المغتصب) …….

وهناك رموزاُ كثيرة (من بينها رموز بالغة الأهميّة) ليست ذات صفات فردية، بل جماعيّة في منشأها وطبيعتها. هذه الرموز هي صور دينية في الغالب، المؤمن يزعم أنها ذات منشأ مقدّس تجلى للإنسان، أمّا الريبي فيقول أنها مخترعة اختراعاً. وكلاهما على خطأ. فالصحيح كما يقول الريبي، أنّ الرّموز والمفاهيم الدينية ظلت لقرون طويلة موضوع تفكير وحبك دقيق وواعٍ تماماً، والصَّحيح أيضاً، كما يلاحظ المؤمن، أن منشأها موغل في القدم، ضارب جذوره في مجاهل الماضي حتّى يبدو وكأنّه غير نابع من البشر. لكن الحقيقة هي أن هذه الصور “تمثيلات جماعية” انبثقت من أحلام بدائيّة وخيالات مبدعة. وهذه الصور بحد ذاتها، تجليات عفويّة لا إراديّة، لا ابتكارات مقصودة على الإطلاق.[11] الرّمز هو بنية، واللّغة الرمزيَّة هي لغة يكون فيها العالم الخارجي رمزاً للعالم الدَّاخلي، رمزاً لروحنا وعقلنا، ومفارقات تلك الصُّورة، ليست سوى إنعكاس لمفارقات النّفس البشريّة، وتطوّرها الجدلي من الوعي البدئي إلى الوعي الاجتماعي.

فإذا ما حفظنا في بالنا أنّ اللاّشعور يحوي بغزارة كل ما ينقص الوعي، وأن له بالتالي منزعاً تعويضياً، فبإمكاننا حينئذ، استخلاص نتائج من الحلم، شريطة ألا ينبجس من طبقات نفسية عميقة بالغة العمق، أمّا إذا جاء بالعكس على هذا النحو الأخير، فإنّ الحلم يحوي كقاعدة عامّة، ما يسمى مواضيع أسطوريّة، أي تداعيات صور وتمثيلات أشبه بتلك التي يصادفها المرء في أساطير شعبه، أو أساطير الشّعوب الغريبة، ففي مثل هذه الحال، يحوي الحلم معنى جمعياً، أي معنى بشرياً عاماً.[12] إن النّفس البشريّة تبدع في الأحلام رموزاً، وتكون لها بصائر في طبيعة الحياة وشخصيتها الخاصة، وفيها يتجاوز الفرد الأبعاد الضيقة لمجتمعه، ويصبح إنساناً بشكل كامل. وهذا هو السبب في أن اكتشاف فرويد لتفسير الأحلام، رغم بحثه أساساً عن الغريزة الجنسيّة المكبوتة، قد مهد الطريق لفهم الإنسانية غير المستهجنة، والّتي هي فينا جميعاً.[13] إذ من المعروف دور فرويد الكبير باكتشاف أن تحليل الأحلام يمكن أن يشكل عاملاً رئيسياً لفهم العالم الأسطوري، و كذلك في إعطائه قيمة مهمة لدور الليبيدو المتوجه نحو البحث عن اللَّذة، كنوع من الطّاقة الّتي تشغل الإنسان، والضروريّة لتطوره الجنسي ونمائه العاطفي.[14]

ووفق، فروم، فإنّنا في أحلامنا لا نتخلى عن قسم من عقلانيتنا ووعينا فقط، بل إنّنا نبرهن فوق ذلك على مزيد من الذكاء ومزيد من الحكم ، بل ربّما كنّا قادرين أثناء النوم على إطلاق أحكام أفضل من تلك الّتي نطلقها أثناء اليقظة.[15] لذلك أعطى يونغ للحلم طابعه التنبؤي قائلاً ” يمكن أن يكون للأحلام جانب حدسي أو تكهني، وعلى كل من يحاول تفسيرها أن يأخذ هذا الأمر بالحسبان، خاصة حين لا يقدم حلم، من الواضح أنّه ذو مدلول، قرينة كافية لتفسيره، ذلك أن وعينا هو وحده الَّذي لا يكون على علم به، أمّا العقل الباطن، فيكون على ما يبدو، قد اطّلع من قبل، ثمّ توصل إلى الاستنتاج الّذي عبر عنه الحلم، والحقيقة، يبدو العقل الباطن وكأنّه قادر على تفحص الوقائع، ومن ثمّ استخلاص النّتائج منها، تماماً كما يفعل الوعي، بل إنّ باستطاعته أن يستخدم وقائع معينة، وأن يتكهن بنتائجها المحتملة ، تماماً لأنّنا لا نعيها “.[16] إنّ الإنسان إلى حد ما، ممثل عن البشرية قاطبة، وعن تاريخها، فما كان ممكناً بالجملة في تاريخ البشرية، يمكن له أن يظهر على مستوى الفرد، و هذا يكابد في ظروف معينة، الحاجات التي عذبت البشرية. و لذا ليس بالمدهش أنّ التعويضات الدينية، تؤدي دوراً كبيراً في الأحلام، وما هو كذلك وعلى نحو متزايد في زماننا هو نتيجة طبيعية للمادية السائدة في نظرتنا”. [17]

فإذا كان الوعي يفرق بين الناس ويركز على تمايز الأنا الفردي، فإنّنا في الأحلام، وفي الّلغة الأسطورية، نرتدي (أو نتماهى مع) شَبه ذلك الإنسان الأكثر عالمية، والأكثر حقيقية، والأكثر خلوداً، الإنسان القابع في ظلام الليل البدئي، هناك لا يزال هو الكلّ، والكلّ فيه، لا يمكن تمييزه عن الطبيعة، مجرّد في أناه.[18] لذلك لا عجب أن يعتبر الحلم، وهو الّذي أثر في جميع الحضارات القديمة، رسالة من الآلهة.

هذه الرمزيّة إذا، ليست خاصية من خاصيات الأحلام، بل هي من خاصيات التفكير اللاّشعوري، وتفكير الشّعب بنوع خاصّ. وإنّا لنجدها في أغاني الشّعب وأساطيره ورواياته المتوارثة وفي التّعابير الدّارجة والحكم المأثورة والنّكات الجارية أكثر ممّا نجدها في الحلم.[19] وبعض الباحثون المهتمون بالتحليل النفسي يلحون على المحاكاة التي لاحظوها بين الأحداث الخيالية للأساطير والحكايات الشعبية وأحلام اليقظة عند البالغ: إشباع الرّغبات، الانتصار على كلّ المنافسين، تدمير الأعداء، وخلصوا إلى أنّ إحدى متع هذا الأدب تنتج عن كونه التّعبير عن هذا الّذي يُمنع عادة من الوصول إلى الشّعور .[20]

وقد أوضح فرويد، أنّ أهمّ عناصر المضمون الحقيقي لحلم من الأحلام، أو أسطورة من الأساطير، كثيراً ما يُظهر مظهر الجزء غير المهم تقريباً، أو الجزء التّافه من الصيغة الصَّريحة، على حين يظهر الشّيء الّذي يهم حقاً، أنّه ليس له في ذلك إلاّ دور ثانوي ليس غير.[21] ومن هنا يسهل فهم الأساطير من خلال دراسة الحلم، وكما يقول رايك: ” في النّوم والحلم، نعاود القيام بعمل البشرية السّابق، يعيدنا الحلم إلى حالات قديمة جدّاً من الحضارة البشريّة، ويمنحنا وسيلة فهمها بشكل أفضل ” فالأساطير تتبع نفس قوانين الحلم، وهي تعبر عن نفس الرغبات التحريمية، أو نفس النزعات العدوانية (قتل الأب كما نجدها في الحلم وفي أغلب أساطير بابل واليونان والمصريين وغيرهم – زنا المحارم في الحلم كما في نفس الأساطير القديمة – القتل كما نجده في الحلم ونجده عند أرباب الانتقام والدّماء والحروب في الأساطير القديمة)، حيث انتقال الليبيدو إلى مواضيع ثانويّة، تكثيف الصُّور أو تقسيم الميول. الفارق الوحيد يكمن هنا، في أن الحلم يبرز الليبيدو الفردي، والأسطورة تبرز ليبيدو الجماعات، إذ أن الأساطير كما يرى كارل إبراهام: هي البقايا المشوهة لتخيلات ورغبات أمم برمتها. هي أحلام البشريّة الحديثة التي امتدت قروناً طويلة. كما يؤكّد يونغ أن الميثولوجيا الفلكية ليست سوى إسقاط السيكولوجيا اللاواعية في السّماء، فالأساطير لم ولن تُبتكر مطلقاً بشكل واع، و إذا ما كنا نريد التوغل في أعماق حضارة مّا، ومعرفة الدَّوافع الخفيّة الّتي تشكل بداية المؤسَّسات الاجتماعيّة، سيتوجب علينا تحليل أساطير هذه الحضارة.[22]

وفي هذه اللّغة الرمزيَّة للحلم فإنّ الرَّابطة السببيَّة بين فكرتين يمكن أن تكون محذوفة، كما يمكن أن تكون مستبدلة بتجاوز مقطعين طويلين متنافرين، وكثيراً ما يكون هذان المقطعان مقلوبين، فيمثل الأول النَّتيجة والثَّاني الفرضية، واعتقادنا أن كل تحول مباشر من شيء إلى آخر يمثل في الحلم علاقة علة بمعلول. والحلم لا يقبل التَّخيير بين أمرين، وحين تبرز فرضيتان، يدخلهما كلتيهما في الحلقة نفسها من تداعي الأفكار، وبعبارة أخرى، فإنّ حرف العطف “أو” في مضمون الحلم الكامن، يستبدل في المضمون الظاهر بحرف العطف “و”. كما تعبر التّصورات المتناقضة عن نفسها في الحلم في صورة عنصر واحد بصورة دائمة تقريباً، ويبدو أنّ الـ ” لا ” فيه مجهولة . فالتعارض بين فكرتين، تناحرهما، يجد في الحلم تعبيره المميّز، إذ يتّحول فيه عنصر آخر، كما لو بعد فوات الأوان، إلى نقيضه.[23] يقول فرويد أنّ: الطَّريقة الّتي يعبر بها الحلم عن مقولتي التّضاد والتّناقض لباعثة على الدَّهشة حقّاً، فهو لا يعبر عنهما، بل يبدو وكأنّه يجهل الـ “لا”، ولكم يجبر على الجمع بين الأضداد وتمثيلها في موضوع واحد، وكثيراً ما يمثل أيضاً عنصراً من العناصر بنقيضه، بحيث لا يسعنا أن نعرف إن كان عنصراً بعينه من الحلم، قابلاً لتأويل متناقض، يشي بمضمون إيجابي أو سلبي في فكرة الحلم”. ويبدو أنّ مفسري الأحلام في العصور القديمة قد استخدموا على أوسع نطاق، الفرضيّة الّتي مؤدّاها أنّ الشَّيء يمكن أن يدلّ في الحلم على نقيضه. [24] لذلك يمكن الافتراض بلا تردّد أنّ أسلافنا وأجدادنا قبل آلاف الأعوام كانوا يحلمون بمثل الطريقة التي نحلم بها اليوم، وقد عزت جميع الشّعوب القديمة، قيمة كبرى إلى الأحلام، وعدتّها قابلة للاستعمال العملي، فقد وجدت فيها دلائل لاستطلاع المستقبل، والتمست فيها فالاً وطيرة. ويعتبر المصريون أوّل من أوجد نظريّة التّفسير بالضدّ، أو التّفسير المعاكس لما يرد في الحلم، فالبكاء في الحلم يعني الفرح، والضحك يعني الحزن، والحلم بالموت يعني الحياة. وكذلك لم يكتف الصينيون بالنّظر إلى الأحلام على أنّها رسائل من عالم آخر، بل اعتقدوا أنّ الرّوح في عالم الأحلام تغادر الجسد وتتخاطب مع يقيّة الأرواح من عالم آخر سواء أرواح الموتى أو الآلهة، الأمر الّذي ينجم عنه تهذيب للرّوح وتعليم الشّخص درساً ليس بمقدوره أن يتعلّمها في عالمنا الَّذي نعيش فيه.كما اعتمد اليونانيون في تعاملهم مع الأحلام على ما قدمه المصريون والبابليون والآشوريون، لكنّهم فسّروا الرُّموز الخاصّة بالأحلام بطريقة مختلفة رغم أنّهم، كالمصريين، اعتقدوا أن الأحلام عبارة عن رسائل تصدر عن الآلهة، وقد أنشأوا الكثير من المعابد الَّتي كان يقصدها الزوّار ليتعرفوا على ما تنطوي عليه أحلامهم من أسرار ومضامين. و ما كان الاغريق والشّعوب الشّرقيّة ليتصوّروا حملة عسكريّة بلا مفسري أحلام .[25]

وما من شكّ في أنّ نظرة القدماء إلى الحلم كانت تتَّسق ومجمل نظرتهم إلى العالم بوجه عام أكمل اتّساق، وهي نظرة تسقط على العالم الخارجي –في صوة واقع– ما لا وقوع له إلا في باطن النّفس. ذلك أنّ مقارنة موضوعات الحلم النّموذجيّة بموضوعات الأساطير النّموذجيّة يوحي بفكرة مفادها أنّ التَّفكير الحلمي يجب أن يعدّ من ناحية النُّشوء النَّوعي، أقدم نمط فكري. ودلاً من تقديم الأمثلة المتعدّدة، يكفي أن نرجع إلى حلم نوعنا البشري، ويجب أن نتذكّر أنّ الحلم دخل في مشهد التُّفاحة بوصفه طريقة نموذجيّة في تمثيل الذَّنب الجنسي. والفكرة المستقاة منه مفاده أنّني “أرتكب خطأ بأكلي مثل هذه” ومن المعلوم أنّ الأحلام الّتي تعبّر عن ذاتها بهذه الطَّريقة الملغّزة، إنَّما تعبّر بلغة التّمثيل والتَّشبيه، وهذا معهود كذلك في اللّغات البدائيّة. وكما أنّ الجسم يحمل آثاراً من تطوّره النّوعي، فإنّ الذّهن البشري يحملها كذلك. ومن ثمّ ليس بالمدهش إمكانيّة أن تكون اللّغة المجازيّة للأحلام باقية من النَّمط الفكري الممعن في القدم.[26] إنَّ تحقيق الدَّوافع على عواهلها وبأكبر قدر ممكن من الحريّة كان ممكناً إلى حدّ مَّا، خلال طفولة الجماعة البشريَّة، حيث كان الأمر الأكثر طبيعية ، عندما كانت الأعراف لم تتخذ بعد شكلاً صلباً. ولكنّ بعد التَّطور الحضاري اللاَّحق، لم تلبث هذه الدوافع وأن كٌبتت بفعل سيرورة بوسعنا أن نقارنها بالكبت الفردي، لكن تلك الدوافع في الواقع لم تتلاشى كلياً، بل ظلت موجودة في ثنايا الأسطورة التي أصبحت حلم جماعي (كما أن الحلم هو أسطورة فرديّة)، أي عبارة عن مجموعة من الرموز الّتي تمرّ دون أن يفهم الشعب مغزاها الحقيقي أو الكامن المٌعبّر عن نوازع البشريّة المكبوتة بقوّة، فرغبات الهو الغريزيّة تعاود الظّهور والولادة مع كلّ طفل بشري، وثمَّة طبقة كاملة من الكائنات الإنسانيّة المصابة بالأمراض العصابيّة ترد على تلك الضروب من الحرمان، بالنّفور من الحياة الاجتماعية. ذلك أن الفترة الأولى من الطفولة لا تعرف الخجل، وهي نظرة تبدو كضرب من الفردوس، والفردوس نفسه ما هو إلا تخيل جماعي عن طفولة الفرد، لذلك كان الناس في الفردوس أيضاً عراة لا يخجلون حين يتواجهون، إلى أن جاء أوان فاستيقظ الخجل ودبّ الهلع وتبع ذلك الطرد من الفردوس، وأخذت الحياة الجنسيّة ومشاغل العمران في المسير. والحلم يستطيع أن يسرى بنا فيعيدنا إلى هذا الفردوس من جديد، إذ أن انطباعات الطفولة تسعى إلى التكرار من تلقاء ذاتها بغض النظر عن محتواها، وأن تكرارها هذا يحقق رغبة، بحيث تكون أحلام العري هي أحلام استعراض. [27]

وبالتّالي علينا أن ندرك أن رموز الأحلام هي في معظمها تجليات للنّفس الّتي تقع فيها وراء سيطرة العقل الواعي. لكن المعنى والغائية ليسا امتيازين خاصين بالعقل، بل هما موجودان في كامل الطبيعة  الحية. وليس ثمة فارق من حيث المبدأ، بين النّمو العضوي والنّمو النّفسي. وكما تنتج النبتة الأزهار، كذلك تبدع النفس رموزها. وما الحلم إلاّ دليل عن هذه العملية.[28]

والمنطق بالنسبة لهذه اللغة الرمزيّة يختلف عن المنطق المعروف للكلام اليومي، إنّه منطق لا ينطلق من مقولتي المكان والزّمان، بل لاترابط والشّدة والشّحنة الانفعاليّة، إنّها لغة التجربة الذاتيّة الّتي تعتبر اللّغة الجامعة والوحيدة الّتي تجمع كلّ الحضارات والأفراد على مرّ التّاريخ. لذلك يقول يونغ: ” يمكن دون شكّ أن يُطرح سؤال: ما فائدة الحلم للحالم إذا كان لا يفهمه؟ علّي أن أعلّق على ذلك بأنّ الفهم ليس عمليّة عقليّة حصراً، لأنّ الإنسان كما تُظهر التجربة، قد يكون متأثّراً ومقتنعاً فعلياً وبأشدّ الطّرق نجاعة، بأمور لا تعد وليس لديه فهم عقلي لها. ولست أحتاج إلاّ إلى تذكير قرائي بفاعليّة الرّموز الدينيّة .[29]

***********

[1] كارل يونغ: الإنسان ورموزه . سيكولوجيا العقل الباطن –ترجمة: عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، دمشق ط1 2012، ص 81- 82.

[2] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 121

[3] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية – ترجمة: طلال حرب، دار المروج، بيروت، 1985، ص 91

[4] الأجساد الثقافية , الإثنوغرافيا و النظرية: تحرير: هيلين توماس و جميلة أحمد – ترجمة: أسامة الغزولي، المركز القومي للترجمة، عدد 1595، ط1 2010، ص 80.

[5] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، ط1 1995، ص 12

[6] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – مرجع سابق، ص 15

[7] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات و الأساطير – مرجع سابق، ص 22

[8] كارل يونغ: دور اللاشعور ومعنى علم النفس للإنسان الحديث – ترجمة: نهاد خياطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت، ط1 1992، ص 25

[9] كارل يونغ: الكتاب الأحمر – ترجمة: متيم الضايع، رنا بشور – دار الحوار، ط1 2015، ص 78

[10]  كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 62

[11] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 63

[12] كارل يونغ: الإنسان يبحث عن نفسه –  ترجمة: سامي علام، دميتري أفيرنيوس، دار الغربال ,، دمشق، ط1، 1993، ص 53

[13] إريك فروم: ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة – ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الكلمة، القاهرة، ط1، 2010، ص 118

[14] ميشال مسلان: علم الأديان , مساهمة في التأسيس –  ترجمة مشروع كلمة، أبو ظبي، ط1، 2009، ص 141

[15] اريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – مرجع سابق، ص 36

[16]كارل يونغ: الإنسان و رموزه – سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق، ص 94

[17]كارل يونغ: الأحلام – ترجمة: محمود منقذ الهاشمي، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 2013، ص 74

[18] كارل يونغ: دور اللاشعور ومعنى علم النفس للإنسان الحديث –  مرجع سابق، ص 81

[19] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام – ترجمة: مصطفى صفوان، دار المعارف بمصر، ط2، 1969، ص 358

[20] برونو بتلهايم: التّحليل النفسي للحكايات الشعبيَّة – مرجع سابق، ص 58

[21] اريك فروم: الحكايات والأساطير والأحلام – ترجمة: صلاح حاتم، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1990، ص 157

[22] روجيه باستيد: السيسيولوجيا و التحليل النفسي – ترجمة: وجيه البعيني، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 55 – 56

[23] سيجموند فرويد: الحلم و تأويله – ترجمة : جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط5، 1993، ص 41

[24] سيجموند فرويد: إبليس في التحليل النفسي – ترجمة : جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت – ط3، 1999، ص 84

[25] سيجموند فرويد: نظرية الأحلام – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1982، ص 8

[26] كارل يونغ: الأحلام – مرجع سابق، ص 71

[27] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام – مرجع سابق، ص 262

[28] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 77

[29] كارل يونغ: الأحلام – ترجمة : محمود منقذ الهاشمي، دار الحوار، اللاذقية، ط1 2013، ص 68

((الأوان))