محمد تركي الربيعو

يعد كتاب «الجنس في العالم العربي» دار الساقي، الذي أشرف على إعداده كل من عالم الاجتماع اللبناني سمير خلف وعالم الاجتماع جون غانيون، واحداً من أهم الكتب التي صدرت في السنوات الأخيرة عن تاريخ الجنسانية في العالم العربي، خاصة على مستوى التاريخ الاجتماعي للبنانيين.
ورغم أن عنوان الكتاب يوحي للقارئ في البداية أنه يشمل بلدان العالم العربي (يضم مثلاً دراستين تطرقتا لتاريخ العفة في مدينة دمشق الجديدة، والجمال والنوازع الجنسية في تونس المعاصرة) إلا أن ما يجمع دراسات هذا الكتاب هو أنها تتطرق لتاريخ الجنسانية في لبنان (ثماني دراسات من أصل اثنتي عشرة دراسة)، وهذا ما يوفر لنا مادة غنية حول تحولات الجنسانية في مدينة بيروت ولدى اللبنانيين، بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر، مروراً بالتحولات التي شهدها مجتمع المهاجرين اللبنانيين في الخارج، وما شهدته البلاد لاحقاً بُعيد الحرب الأهلية في لبنان، من رؤية جديدة للهوية الجنسية وللعلاقة الجنسية مغايرة في ملامح عديدة للرؤية ذاتها قبيل اندلاع الحرب، الأمر الذي يتيح لنا معرفة أدق بالتغيرات التاريخية والاجتماعية التي شهدها التاريخ الثقافي والاجتماعي في لبنان بعيد الحرب الأهلية، وربما يساعدنا أيضاً على تلمس وفهم بعض أشكال التغيرات الجنسانية التي تشهدها هذه الأيام بعض البلدان العربية مثل (سوريا، العراق، ليبيا) وما أفرزته هذه الأزمة أو الحروب داخل هذه البلدان من تغيرات قيمية، سواء لمن بقوا محتجزين في داخلها، أو على صعيد تمثلات الحياة اليـــــومية لأبنائها المهاجرين (تغير أشكال العلاقة بين الجنسين، وارتفاع نســـب الطلاق، وبعض المظاهر الأنثروبولوجية الجديدة للنساء على مستوى المظهر والرؤية الجديدة للمسرح اليومي وللعلاقة بين الجنسين).
ووفقاً لسمير خلف –أحد معدّي الكتاب- فإن العالم العربي اليوم يخضع لتحولات عميقة مزعزعة على مستوى النوازع الجنسية والهوية الجنسية، أو على مستوى طبيعة الممارسة الجنسية والعلاقات الحميمية، وهذا ما يتطلب دراسة لهذه الظواهر الجديدة ومحاولة الكشف عن أشكالها الجديدة، بدل السكوت عنها، ما يعيدنا إلى ضرورة التأسيس لما دعاه السوسيولوجي التونسي عبد الصمد الديالمي بـ«سوسيولوجية جنسانية عربية جديدة» عبر تحرير مفهوم الجنس من حالة الاختزال البيولوجية، لصالح رؤية تنظر إلى تاريخ الجنس والعلاقات بين الجنسين والهويات الجنسية وإفرازاتها، بوصفها تعبر عن بناء اجتماعي تاريخي، وعن تداخل بين البيولوجي والنفسي والسوسيو– اقتصادي والديني والثقافي.
ولعل هذه الرؤية الجديدة هي التي تكّون القسم الأكبر من الكتاب. وعلى الرغم من أنها كتبت، كما ذكرنا سابقاً، من قبل باحثين مختلفين (أغلبهم ذوو خلفية تاريخية أو أنثروبولوجية) وشملت فترات تاريخية معينة من لبنان، دون أن تكون هناك محاولة للربط بينها، مع ذلك يمكن النظر لهذه الدراسات بصفتها مكمّلة لبعضها وبوصفها تعبر عن حكاية «الجنسانية اللبنانية» في القرن العشرين.
نعثر في الدراسة الأولى حول «بيروت والنوازع الجنسية والاستعمار» التي أعدها ينس هانسن أستاذ التاريخ في جامعة تورنتو، على مسعى لرصد السياسات البيولوجية التي شهدتها بيروت العثمانية بعد عام 1860، وظهور سياسات بيولوجية مشتركة فرانكو-عربية حيال الحريات والحياة الجنسية. وفي هذا السياق يتحدث هانسن عن رؤية الطبيب الفرنسي بنوا بوييه، الذي تم تكليفه من قبل الحاكم العثماني لبيروت لتقديم تقرير حول «الأمراض في بيروت» فتوصل من خلاله إلى أن الهستيريا والإرهاق العصبي هي أمراض ذات أسس أنثوية واضحة، وأن وقوع النساء بها ـ دون الرجال ـ يعود سببها إلى حد بعيد إلى تأثيرات «الأخلاقيات الجديدة الأقل تشدداً بصورة أو بأخرى، والانهماك بالأمور المادية والفساد الخلقي الذي كانت النساء أكثر عرضة له، لكي يشبعن نزوة أجسادهن». هنا نجد أن بوييه لا يفسر أسباب المرض وفق رؤية استشراقية تقليدية تربط بين تكوّنه وسجن النساء داخل سجون الحريم، أو خلف الحجاب، كما كان يقال دوماً من قبل بعض المستشرقين، وهو ما يوحي بأن معرفة المستشرق في بيروت نهاية القرن العشرين، اكتسبت مظهراً آخر من مظاهرها العديدة، إذ أن المغالاة في الحرية والفراغ هما اللذان كانا يعرضان المرأة البيروتية للاضطرابات العصبية.
في المقابل نجد أن موقف النخب المحلية لم يختلف كثيراً عن رؤية الطبيب الفرنسي، إذ بدءاً من عام 1860 وفي ظل الحرب الأهلية التي كان يشهدها جبل لبنان، أخذ الشعور بالقلق وعدم الأمان بشأن مستقبلهم يدعو هذه النخبة إلى رفض العادات الغربية والنوازع الجنسانية الجديدة للنساء والنظر لها بوصفها مصدر قلق للمدينة.
في جانب آخر، ينتقل بنا أكرم خاطر أستاذ التاريخ في جامعة كارولينا الشمالية، إلى دراسة معاناة وهموم اللبنانيين الذين هاجروا إلى وسط وجنوب أمريكا خلال الفترة الممتدة بين 1890-1920.
إذ أنه بحلول سبعينيات القرن التاسع عشر كانت تجارة قرى جبل لبنان (الحرير) قد ركدت بسبب دخول الصين واليابان السوق، خاصة عندما عزمت الأخيرة على اللجوء إلى تصنيع الحرير بإنتاج ضخم ونوعية عالية، كما ساهم افتتاح قناة السويس في عام 1869 وإطلاق القوارب البخارية في حصول حالة إشباع في سوق الحرير وانهيار الأسعار. وبالنسبة إلى العديد من قرويي جبل لبنان، كان لهذا التقدم التاريخي أثر وثيق على حياتهم اليومية. وبعد عقدين من الرخاء ـ شهد البعض خلالهما مستوى أعلى في العيش تُرجِم إلى تضاعف عدد السكان، بالإضافة إلى أمور أخرى – وجدوا أنفسهم ينزلقون عائدين إلى الفقر وخسارة أراضيهم. وفي محاولة لمواجهة هذه النهاية المقيتة آثر عشرات السكان الفلاحين إرسال بناتهم للعمل في مصانع الحرير. هذه الاستراتيجية العائلية من أجل البقاء مادياً شكلت ضغطاً على «العقد» القائم بين الجنسين حتى نقطة الانفجار، لأنها وضعت النساء غير المتزوجات (وللمرة الأولى) في مواقف تعرضهن للشبهة الأخلاقية. وأضحت سمعة النساء الشابات العاملات في تلك المؤسسات موضوع ثرثرة وغمز ولمز، إلى درجة أن عبارة «فتاة مصنع» أصبحت نعتاً ورديفاً للمرأة الساقطة جنسياً. وهكذا، حتى قبل هجرتهم عبر الأطلسي، كان عمل المرأة خارج حدود المنزل مصدر قلق جنسي وأزمات. وهذا التهديد – وفقاً لأكرم خاطر- كان خطيراً بقدر كاف بالنسبة إلى الكنيسة المارونية، إذ سعت إلى أن تمنع النساء من العمل في مصانع الحرير، بنشر رسالة كنسية تصف عمل النساء في المصنع بأنه أمر غير أخلاقي. لكن هذه الاستراتيجية لم تحل المشكلة تماماً، خاصة أن المصانع نقصها التمويل، ولم تتمكن من منافسة التفوق التقني للمصانع الفرنسية. وهكذا، بحلول تسعينيات القرن بدا أن قرار الهجرة هو البديل الوحيد الناجع مادياً، وقد تُرجِم هذا الأمر عبر هجرة 120000 شخص وعائلة من كل الفئات من جبل لبنان إلى الولايات المتحدة بين عامي 1880 و1920. في بداية الهجرة القليل جداً من الرجال والنساء اعتقدوا أنهم سيمكثون طويلاً. فقد توقعوا أن يستقروا في مكان ما، وأن يعملوا فترة من الوقت ليجمعوا المال، ومن ثم يعودون إلى أرض الوطن ليعيشوا حياة مرتاحة مادياً كفلاحين يملكون أراضي. ولكن سرعان ما اتضح للعديد من المهاجرين أن على كل شخص قادر أن يعمل خارج المنزل لكي يلبي حاجاته، وهو ما شكل بالنسبة للنساء تجربة جديدة على مستوى الانطلاق يومياً إلى العالم المفتوح لشوارع المدينة، وعلى الاجتماع في العمل برجال من إيطاليا وأسكوتلندا وغيرها من الدول، الأمر الذي أنتج بحسب الباحث أوضاعاً حافلة بالشائعات، وهو ما انعكس في موقف الطبقة الوسطى اللبنانية من هذا الواقع الجديد بوصفه يلقي ظلالاً كثيفة على قيم اللبنانيين وعلى شرفهم. وهو ما أشار إليه مثلاً الياس ناصيف الياس في مقال له في صحيفة العهد عام 1903. إذ يشير إلى أن عمل النساء لطخ شرف «السوريين» (اللبنانيين حديثاً). لكن ما يلفت الباحث إليه هو أن القلق لم يكن فقط حول حماية شرف راسخ في البنية التقليدية للنظام الأبوي. فالعديد من المعترضين على عمل النساء رأوا فيها خروجاً ليس فقط عن معايير القرية، بل الأهم من ذلك عن معايير الطبقة المتوسطة في أمريكا، التي كانت تقوم على فكرة أن الحياة الأخلاقية والاجتماعية للعائلة الصغيرة تتمثل في الأب الذي يكسب ما يكفي من المال ليعول زوجته وأولاده، وأن دور المرأة الأساسي يكمن في العناية بزوجها وتربية الأولاد.
وفي السياق ذاته، يغوص الأنثروبولوجي اللبناني غسان الحاج (جامعة سيدني) في بياناته الأثنوغرافية الحيوية للتحقيق في بضع ظواهر عن التفاعل بين الهجرة والسلوك الجنسي. وبطله هو (عادل) مهاجر قروي لبناني يعيش في بوسطن، أقنع نفسه بأنه يعاني حالة «خلل في الانتصاب» كنتيجة حتمية لحياته الهامشية في الشتات وحنينه الذي لا ينقطع للتواصل مع لبنان.
ووفقاً للحاج فإن فقدان عادل لسلطته وحالة «الإخصاء الرمزي» التي يعاني منها باطراد ليست مأزقاً فردياً أو نادر الحدوث، فأدب المهجر مملوء بالتلميح إلى فقدان قدرة القضيب والكلمات التي توحي بالإخصاء الرمزية كالخنوثة ونقص الرجولة. كما أن هذه التصورات لذكور «العالم الثالث» المستعمَرين تجلّت في أعمال فانون وإدوارد سعيد وآخرين. وبهذا المعنى فإن مشكلة عادل مع قضيبه، قد تعود وفق هذه التفسيرات إلى شعوره المتزايد بافتقاره إلى «ما يلزم» سواء أكان افتقاراً إلى المال أم إلى الهيبة أم إلى الحداثة التي تصادق عليه كمواطن أمريكي. مع ذلك فإن حساسية الحاج الأنثروبولوجية جعلته مقتنعاً بمحدودية هذا التفسير، ما دفعه إلى القيام بدراسة اثنوغرافية داخل القرية التي عاش فيها عادل، ومن خلال هذه الدراسة تبين له أن ثقافة القرية التي عاش فيها عادل تعيش على فكرة أن القضيب ليس هو الشيء الوحيد الذي يمنح الطفل سلطة الأب القوية وتمثيل العائلة، بل يعدّ الشبه بالوالد أمراً أساسياً للحصول على هذه السلطة. وقد تبين لغسان الحاج أن عادل بقي يعاني من هذه الرؤية المجتمعية لأنه كان يشبه أكثر مما ينبغي جانب أمه من العائلة، ولذلك عندما كان يغضب والده منه كان دائماً يقول له «طالع لخالك جميل» وهذه المقولة بقيت راسخة في ذاكرة عادل، ما زاد من البعد السلبي لهجرته، كونها ساهمت في فقدانه للسلطة الذكورية داخل عائلته، وعدم وراثة مكانة والده (كونه لا يشبهه) وهو ما فاقم من شعوره بحالة الإخصاء الثقافية أو الرمزية.
من ناحية أخرى ترى الباحثة اللبنانية روزان سعد خلف (الجامعة الأمريكية بيروت) من خلال دراستها «ما هو رأي طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت في الجنس؟» أن الوضع غير المستقر الذي تعيشه البلاد بعد الحرب غرس رغبة لا ترتوي للتعويض عما ضاع من وقت. هذا التوق الشديد إلى «الحياة الطيبة» للاستمتاع باللحظة وعدم النظر إلى الوراء، ساهم في خلق خلافات بين طلاب الجامعة وآبائهم حول النوازع الجنسية. فالطلاب من ناحية، يرون في الجنس شكلاً إيجابياً من تحقيق الذات وفرصة للتجريب المفتوح، وهكذا يمنح التعبير الجنسي شرعية في كل العلاقات التي تتم برضا متبادل، في ما يتعلق بالارتباطات الرومانسية أو الطويلة الأمد. أما الآباء، من ناحية أخرى، فيشددون على المخاطر الكامنة في العلاقات الجنسية الح222رة خارج الحدود الآمنة للحب والزواج. هذا الخلاف عبرت عنه الطالبة فاديا عبر القول «إن أبويّ محدودا الأفق.
إنهما لا يفكران كما تعودا أن يفكرا. لقد مرا بتجربة الستينيات والسبعينيات دون أن يعرفا الثورة الجنسية، ولذلك بالنسبة إليهما النشاط الجنسي أمر سيئ، وتعاطي المخدرات أمر سيئ والميول الجنسية المزدوجة والمثليون جنسياً لا وجود لهم».

٭ كاتب سوري

http://www.alquds.uk/index.php/archives/735550