الرقابة مازالت موجودة.. جزء منها يقوم به الكاتب نفسه

نتيجة بحث الصور عن توفيقي بلعيد

حاوره/ عبد الواحد مفتاح

توفيقي بلعيد شاعر وروائي مغربي، خلفت روايته الأخيرة (مسارات حادة جداً) نقاشات موسعة وجدالاً، وذلك لما تستحضره من فترة عصيبة ورهيبة من تاريخ المغرب، وهي فترة ما صارت تسمّى بعدها بـ(سنوات الرصاص) وهو عضو بمجموعة من الهيئات الحقوقية منها، منظمة العفو الدولية، كما له عدد مهم من الكتابات الأدبية، منها ديوانه الشعري الموسوم بـ(منعطفات سائبة) وروايته (ذاكرة الجراح).
في هذا الحوار نستحضر جزءاً مهماً من مسار هذا المبدع، ونستنطق أسئلة تظل لازمة في منجزه.

* ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟
– لم يورطني نصُّ بعينه، بقدر ما يعود الفضل لمعلم أحب أن أذكر اسمه، الفاضل أحمد زلجنار، كان مدرسي بمدرسة الأباة الحرة الابتدائية، بحي البرنوصي. هذا المدرس دفعني لقراءة القصص من أجل أن يتحسن الإنشاء عندي، من يومها أبحرت في عالم القراءة وهو مدخل صحيح لعالم الكتابة. بعد قراءة القصص الجميلة لمحمد عطية الابراشي، مما جعلني أحرز النقطة الأولى في مادة الإنشاء خلال أسبوع واحد من القراءة… وبعدها بوقت وجيز كتبت أوّل نص قصصي… ها أنت ترى أنه لم يورّطني في الكتابة، أي اسم كبير من الأسماء العالمية… بعدها اطلعت على كتّاب كبار، وأوّل كتاب كبير قرأته، بعد التوراة والإنجيل، كان رواية “البؤساء” لفكتور هيغو… لكن ورطة الكتابة كانت قد انطلقت من مدرسة الأباة سنة 1966…
* أنت شاعرٌ وروائي. كيف تنظر لارتياب بعض النقّاد للشعراء المهاجرين للرواية؟
– الارتياب متأتي من الخلط بين القصيدة والشعر، ردّدت دائماً، بأن القصيدة ليست هي الشعر، هناك العديد من كتّاب القصائد الذين لم ينجحوا في القبض على الشعر، انطلاقاً من كون الشعر هو روح الأشياء، هو رؤية جديدة للعالم والبحث في العلاقة بين الأشياء وليس الوقوف عند حدودها… ومن هنا يمكن الانتقال من القصيدة إلى الرواية دون أن نفقد روح الشعر، أقرأ لبعض الروائيين فأجدهم أشعر من الكثيرين من كتّاب القصيدة…
* استقبل النقّاد روايتك بارتياح كامل كيف كان وقع ذلك عليك؟
– رواية “مسارات حادة جداً” لم تأخذ لغاية الآن حقها من الحفر والنقد، إلا بعض المقاربة العميقة والجادّة وقراءات عاشقة للرواية قام بها بعض النقاد إلا أنها لا ترقى بعد لما أطمح إليه من دراسات ندية.
* تجربتك مع النشر، كيف تقيّمها؟
– تجربتي مع النشر راكمت من خلالها ولمدة سبع سنوات، رأسمالاً معنوياً قوامه ثقة الأصدقاء بالدار التي ساهمت في تأسيسها، من جانب آخر ضعف القراءة لدى المغاربة عموماً، وغياب مؤسسة شبه عمومية أو حتى عمومية للتوزيع يجعل المحصلة من الديون والمرجوعات ثقيلة جداً.
* من خلال تجربتك مع القرّاء، ما هي أقوى ملاحظة اخترقت مسامعك ووجدانك من قارئ من القرّاء؟ وما هي أطرف ملاحظة تلقيتها من جمهور قرّاء تكتب له؟
– في تجربتي لست مجرد كاتب، فأنا منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي وأنا أجوب المدن والقرى ورحاب الجامعات كشاعر له صلة بالناس، بالذين يقرأون بآذانهم، وطبعاً كتبت بجل الصحف المغربية، ابتداءً من سنة 1975، وكان أوّل عمل أقوم بطبعه بدعم من القرّاء كان ديوان “منعطفات سائبة” سنة 1996، بعدها رواية “ذاكرة الجراح”سنة 2001، التي كنت قد نشرتها بجريدة المنظمة، على حلقات” سنة 1998 تحت عنوان”أوراق رجل من زماننا”… لذا سمعت الكثير عن تجربتي الإبداعية، كان كل نشاط بالجامعة يستمر في العراء أو في حلقة ضيقة يتناول التجربة الإبداعية عموماً وتجربتي وعلاقتها بالمواقف وبالساحة النضالية. لكن رواية “مسارات حادة جداً” التي تحتفي بنضال الشعوب وبالعشق وبالمرأة بشكل ملفت للنظر، حملت لي نسائم من نساء لهن مكانتهن في الساحة الفكرية والإبداعية…
الطريف في عملي الروائي، الأول والثاني، أنني أصادف العديد من شخوصي في الشارع فأعاود اكتشافهم لأوّل مرة، لكن أقوى ما تعرضت إليه بخصوص رواية “ذاكرة الجراح” هو عندما وجدت إحدى قريباتي، ورد الحديث عنها في إحدى الصفحات، واقفة أمام منزلي مستاءة مني لأنني تحدثت عنها وعن العائلة قائلة ما مضمونه “لم تجد ما تتحدث عنه سوانا”… عندها أحسست إلى أيّ حد تكون الكتابة قاسية وإلى أيّ حد لسنا أحراراً في أن نقول كل شيء خصوصاً المشترك…
* الثقافة والسلطة، الإبداع والرقابة، والأفق اللا محدود والخطوط الحمر… ما هو موقفك من هذه الثنائيات؟ وكيف تموقع كتاباتك بينها؟
– حاولت دائماً ألا أحرّض لا على العنف ولا على الكراهية، وحرصت على ألا أمس خصوصية الآخرين وكرامتهم… وفي نفس الوقت، أن أرى العالم من الزاوية التي اخترتها والتي تمجد العدل والجمال والنبل… الرقابة مازالت موجودة جزء منها يقوم به الكاتب نفسه، وجزء الأجهزة المنوط بها ذلك، وجزء خطير يقوم به المجتمع… مع وجود الفضاء الأزرق لم يعد للرقابة من معنى سوى إحصاء الأنفاس وجمع البيانات والمعلومات، وتصنيف الناس… أي سلطة، رسمية أو غير رسمية، لا تملك مشروعاً ثقافياً ولا تدعم الثقافة هي سلطة تنتج بؤس العقل والجيب…
* هل تجد أن الحركة النقدية واكبت القصيدة الحديثة بنفس الأفق الذي تستحق؟
– النقد يزهر عندما يزهر الإبداع الجاد، وهذا مرتبط باهتمام القارئ وبرواج الكتاب… لا يمكن أن يكون هناك نقد جاد بدون حركة ثقافية قوية داخل المجتمع… هناك تجارب رصينة في النقد وفي مقاربة القصيدة، لكن يبقى جلّها حبيسة الدراسات الأكاديمية وبعض الملاحق الثقافية والدوريات…
* كيف تنظر للساحة الثقافية المغربية اليوم هل تمر بوضعية صحيّة؟
– هل يمكن أن نتحدث عن الساحة الثقافية في غياب مشروع ثقافي واضح لدى كل الفرقاء..؟ هل الوضع العام صحي..؟ اتركني أسرد بعض المظاهر التي لابد منها لكي تكون الحالة الثقافية صحية: المدرسة العمومية يتم الإجهاز عليها من أجل تفريخ جيش آخر من الأميين. القطاع العام منذ سنوات تم الإجهاز على العديد من مؤسساته، سواء الصناعية أو الاجتماعية. الصحة. العدل. القدرة الشرائية للمواطن… الساحة الثقافية ليست تلك التي تضمّ النخبة في صالون أو قاعة عامة، الثقافة ليست هي الكتب والمجلات والجرائد… الثقافة هي كل البناء التحتي والفوقي الذي ينتج القيم المادية والمعنوية داخل مجتمع من المجتمعات… يحدث أن تظهر حالة صحية قوية للثقافة في مجتمع البؤس لكن لذلك شروطه…
أصبح النقد الأدبي للسرد عملة نادرة على عكس النقد الأدبي للشعر.. فما هو السبب في رأيك؟؟
لست متفقاً مع هذا الرأي، إلا إذا كنت تعني ذلك النقد الذي يتمّ بين مجموعات يساند بعضها البعض أو ينافحه…

((المدى))