لا أود الدخول إلى متحف التنظير حول الشعر والحداثة لأني لا أود أن أنجز بالمنجز. من هنا سأقتضب الحديث حول اللغة في نصي الشعري. مع ذكر بعض المعوقات التي تعترض مسيرة المرأة الإبداعية سواء في المجال الثقافي الأدبي أو المجال الشعري من هنا أستنهض المبادرة بالقول إن كل نص هو بدل عن ضائع والكتابة بشكل عام ما هي إلا تعويضا عن فعل حيث (كل معرفة لا جهل بها لا تبدو) على حد قول النفري ولأن ثمة فقدان حقيقي للنص الكامل كان لا بد من الملاءمة ما بين عمومية النظام اللغوي وخصوصية الإبداع الشعري ورفدهما بعناصر تستدرج الاهتمام وتمد النص بطموحات ترضي الحياة وتوقها.

إنها مسيرة كونية مسيرة النص الشعري فيها من العذوبة بقدر ما فيها من الاستحواذ وفيها من الانعتاق بقدر ما فيها من الهزائم والانكسار ونظرا لاهتمام القصيدة الحديثةب/ ال أنا/ هذه التي يتم التركيز عليها وكأنها بند من بنود تكوين القصيدة هي في قصائدي/ أنا درويشية /نسبة إلى محمود درويش الذي قال/ أنا يوسف يا أبي/ حيث الأنا الفردي يتماهى مع الأنا الجمعي
ففي إحدى المقاطع الشعرية أقول على سبيل المثال:/ نحن شعب الشعر المختار/ نحن فريق العاطفة/ الخ
أما الأنا التنبؤية نسبة إلى المتنبي/ أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي/ فهي نادرة في قصائدي وإن وجدت فلتؤكد خصوصية المرأة إلى حد غير مبالغ فيه.
ويبقى/ الأنا التحتي/ الذي يمد القصيدة بألوان الأحلام وقزحيتها وذلك وفق الرؤية الفرويدية حيث الحلم هنا يتموضع في القصيدة كمعادل موضوعي لهزائم الواقع ونكوصه وانكساراته هو الهروب الجميل خارج القوس الناري بل هو فردوس القصيدة والفائض من توقها وشغفها وتدفقها وتفتحها هو سماد القصيدة وحيث أن النص كلام محتاج والقصيدة تتضور جوعا وعطشا إلى الحرية والعدل والحب والحياة فقد بدت القصيدة وكأن من مراميها رأب الصدع وعلى أكثر من صعيد و الانشغال على ترميم الهاوية

وانسياقا مع ذلك جاز لنا القول بان القصيدة وبكافة مشاربها وتنوعها ليست إلا إضافات إبداعية وإنجازات أدبية ومحاولات تجريبية لا علاقة لها بالتهويمات اللغوية أو الثرثرات المجانية أو الفراغ اللفظي والمعنوي الأجوف تقوم بتعميق الحس الفني والجمالي عند المتلقي برؤاها الثاقبة وإستشرافاتها الساعية وصورها الزاخرة، و هذا علاوة على أنها تقوم باتساق الصلات واستوثاق العلائق مع الحاضر والتلاؤم مع مقتضيات العصر العلمية والتكنولوجية والثقافية العامة.

اللغة

إن الطبيعة المحورية والأساسية المكونة للنص الأدبي الشعري هي الطبيعة اللغوية فاللغة هي العنصر المكون للقصيدة أولا/ فهي ليست قصيدة لأنها ليست لغة/ هذا من وجهة نظر أدونيس أما مالا رميه فقد ارتأى هو أيضا/ بأننا لا نعمل شعرا بالأفكار بل بالألفاظ /من هنا كان لا بد من وقفة لنا سريعة على/ أهم عنصر من عناصر تكوين النص الشعري هذا حيث مع انهيار إيديولوجيات وتغيير أنظمة وبات من الطبيعي جدا أن تتغير البنية المكونة للقصيدة كأن تتخلص من حمولاتها الثقيلة القديمة/ كتغيير العالم والناس والمجتمعات/ لأن القصيدة وفق معطياتها الضيقة والوهن الذي أصابها على أكثر من صعيد ما كانت لتتناسب مع وتائر العصر وسرعته التحولية وتطوره ولعله من هنا بدأ الشعر يخرج من بوتقة ا لملزم الاجتماعي والسياسي ليصبح أكثر حرية وانعتاقا و تفتحا على عوالم وآفاق أكثر رحابة وتنوعا.

ارتكازا على ماسبق ذكره أرى أن الشعر إن لم يتمكن من المساهمة في عملية التغيير إلا أنه أنجع دواء للهزيمة التي تحاول إرغامنا على الصمت والانسحاب.

إنه إعلان وجود ينتزعنا من حالة الجمود والهدوء والمراوحة والتأمل الحزين والرضا المتكسر لينقلنا إلى رفض التوثن الفكري والأشكال الثابتة الداعية إلى التغييب والموات.

إنه مرمم للفراغ القسري إنه السهم الناري الموجه إلى سويداء الهاوية

اللغة

(في كل قصيدة عظيمة قصيدة ثانية هي اللغة) أدونيس
لأن الشاعر معني كغيره بتطوير لغته الشعرية كان لابد من متابعته لأهم القضايا التي تتعلق بتطويرها ولا أعتقد بأنه كان بالإمكان لوي العنق عن المقترحات العديدة التي نادت/ بتعديل اللغة العربية/ ونبذ الذابل من الكلمات والميت بفعل الزمن أو الاقتراحات التي تنادي/ باللغة العامية كسعيد عقل/ والتي أسفرت عن حقيقة أن قرار التعديل اللغوي لا يمكن أن يكون فرديا نظرا لعمق الموضوع وتفاعلاته على أكثر من صعيد ونظرا لامتداداته من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل.

ونظرا لحساسية المقترحات والتي جاءت في ظواهرها كدعوة لتطوير اللغة العربية كي تصبح لغة سهلة التداول يمكن الارتقاء بها إلى مصاف اللغات العالمية الأخرى إلا أنها حملت في بواطنها اختلافا في المواقف السياسية لا يمكن إغفاله في حال من الأحوال.

من هنا كان لا بد للشاعر من العمل على تطوير لغة نصه الشعري الخاصة لا كتقليد أعمى لمحاولات الشعراء الأوروبيين الذين قاموا بمثل هذه الدعوات مثل أراغون وما لارميه و و الخ بل حرصا من الشاعر على لغته ا الشعرية وحرصا على ذوق المتلقي هذا مع الأخذ بعين ا لاعتبار أن اللغة العربية تحمل في طياتها بذور تطورها انطلاقا من العمل على/ الاشتقاق الأكبر والاشتقاق الأصغر/ الأمرين اللذين يقدما للشاعر فرصة التجريب والتصرف والتجديد والإبداع دون اللجوء إلى استخدام كلمات دخيلة هذا بالإضافة إلى جرس الكلمات وما تتركه من آثار نفسية هامة وإيحاءات وتفاعلات ذهنية وذلك عبر ترتيب الحروف الصوتية وأهميته/ باسق على سبيل المثال/ الألف فيها توحي بالطول وكلمة/ فسيح /توحي الياء فيها بالعرض المساحي والموضوع هنا واسع ومتشعب لا يمكن الخوض به كاملا في هذه العجالة.

نستنتج مما سبق ضرورة إلمام الشاعر بالمدلولات الجديدة للكلمة القديمة/ فكلمة وسط باتت تستخدم بمعنى مغاير كأن نقول الوسط الثقافي بمعنى المناخ الثقافي أو السياسي الخ و الأمثلة في هذا المجال كثيرة إذن يمكن ان لا يستخدم الشاعر اللغة كوعاء للكلمات وحسب، بل أن يمنحها رؤاه الغنية المتنوعة ومعانيه أن يفجر مخزناتها ويلمع جواهرها فلا تأت لغة مجردة غامضة جامدة غير متجددة فارغة من أي معنى ذابلة وعرة وأعتقد أنني في تجاربي الشعرية ماضية في الطريق الصحيح و لعلي أوفق باستخدام اللغة الرشيقة العذبة السلسة القوية المقتحمة الحادة والتي تمتلك جاذبية وخصوصية المرأة لغة مغناطيسية تتوافق مع رؤاي وتتلاءم مع الإيقاعات الذهنية المتنوعة لغة زاخرة بالمعاني والإيحاءات متزاوجة مع المخزون المعرفي متضافرة مع ملكة الشعر لغة مقطرة غير مقعرة لغة مغربلة ومنتقاة متبلورة عفوية واثقة جميلة الجرس بعيدة عن التكلف والصنعة.

المرأة

هل وجدت المرأة العربية الأرضية المناسبة للانطلاق لمزيد من الإبداع في المجال الثقافي والأدبي أم هناك صعاب وعوائق تعترضها وأقول في هذا الشأن /كمثل شرير سفيه تهديه سيفا/

أو سكير تعطيه زجاجة خمر/ بمثل هذه الكلمات استقبل خير الدين نعمان بن أبي الثناء فعل الكتابة عند المرأة وهي التي كانت الصامتة قسرا لعصور ولكن والحق يقال بان توفر الكمبيوتر للرجل وللمرأة على حد سواء قد ساهم بقسط كبير في انطلاقتها في المجال الثقافي الأدبي والشعري ولكن ما زال هنا ك تعتيما وتغييبا يحدان من عطائها ويحدا من إمكانية التعرف على آفاقها الإبداعية بحيث يصح القول بان مجتمعنا عموما مازال يقيم الحوارات حول المرأة لا معها وما زالت هناك عوائق تمنع التعرف على آفاقها الفكرية فمنذ أن رمت عن كاهلها بردة الصمت وموروثات الوأد إلى يومنا هذا و نتاجها الأدبي لا يقيم إلا وفق مقاييس المنجز الإبداعي للرجال حتى في النقد الأكاديمي لا توجد بنودا تأخذ بعين الاعتبار خاصية المرأة بحيث كان يتردد على لألسن الأدب النسائي و أدب الرجال وكأن للأدب أعضاء تناسلية يعمل بهما أو عضلات يحتمي تحت ظلالها

هذا بالإضافة إلى دور الرقيب المجتمعي الذي لا يرعوي عن أن يقاضي المرأة قانونيا فيما لو استطال بها البوح العاطفي فحذت بالكتابة حذو الرجل وعملت ضمن الحرية المتاحة له.

كل ذلك جعل المرأة الكاتبة تستبطن خوفا حقيقيا الخوف من الخروج عن المألوف وعن سلطة الرقابة نستخلص من هذا كله أن المعوقات التي تعترض مسيرة عطاءاتها في المجال الثقافي الأدبي الشعري كثيرة وأن المسيرة في سبيل إزاحتها مسيرة طويلة صعبة وشاقة ولقد لخصت الأديبة مي زيادة بالأمس الموضوع حين قالت/ كيف يمكن للمرأة أن تتكلم وهي غير موجودة في ا لكلام/ وهذا يستدعي السؤال هل ثمة مساهمات جادة من قبل الرجل أو المرأة أو على مستوى المؤسسات للعمل على سد هذه الثغرة والقيام بردم الهاوية ا نتيجة صمتها الطويل هل بات بالإمكان العمل على ردم الفراغ الواسع في تاريخ الذاكرة حيث تم تغييبها هل يمكن لها أن تخلق ذاكرة أنثوية تسجل بها حضورا طبيعيا لا حضورا بالوكالة؟
هل ستعمل المرأة على ردم الفراغ اللغوي وهي التي لم تكن الحاضرة بزخمها و بصوتها وبخصوصيتها الأنثوية أسوة بالرجل هل يمكن أن يتحقق الحلم النسائي بردم الهاوية على صعيد الذاكرة واللغة؟ هل سيتحقق لها ذلك وهي ما زالت تعامل على أنها مخلوق بغيره لا بذاته وما زلنا نقول عن زوجته زوجه وما زال الاسم العربي المؤنث شانه شأن الاسم الأعجمي ممنوع من الصرف.

الموضوع في حقيقة الأمر شائك وحساس وكم من الأصوات الأدبية الهامة قد سقطت في غياهبه الأمر الذي حد من إمكانية تحقيقها قفزة نوعية أدبية.
ولأختم الحديث يكفي أن نذكر قول الشاعر الفرز دق/
إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها/