الشاعرُ مُؤلفٌ صعبُ المِراسِ ، يبني عوالمَ مِن الكلِماتِ على مِساحةِ ضيِّقةٍ مِن الوَرقِ الجُغرافيِّ لِلنّفسِ ، مصحوبا بِتيّارِ تخيُّليِ جارِفٍ ، يستنِدُ على التّعابيرِ الخاصّة بِالمُكوِّناتِ الفنّيّة داخِلٌ كُلُّ مقطعِ شِعريٍّ . وهوَ مُديرُ تخطيطِ نفسهِ ، ومُدبّرُ التّطويرِ الخاصّ بِمراحِلِ تجارِبِهِ الكِتابيّةِ . لِذلِك عليه أنّ لا يُقدِّم نفسَهُ قُربانًا لِقاموسٍ بِعيْنه ، بل عليهِ الاِستِفرادُ بِأراضيِهِ ، والاِنخِراط بِموْجاتِ الفِقهِ التّصويريِ العميقِ لِلمُخيِّلةِ .

من هنا.. ندرك بأن الشاعر غير فطري .غير نمطي. غير رومانسي. غير واقعي. غير كلاسيكي. غير عشائري. غير صوفي. غير سريالي .غير تحنيطي، ولا ينتمي لمرجعية من المرجعات الشعرية المتوفرة على الطاولة النقدية .

الشاعرُ متوحشٌ بالانغماس في الجماليات اللغوية بكل المقاييس،طالما يفتحُ لنفسه طريقاً غير ترابية،ماضياً بالطيران فوق المناطق البركانية الأكثر زلزلة وتزلزلاً ،دون اكتراث لعوامل الطقس ولا لحوادث الطبيعيتين الجغرافية والبشرية.

لم يواجهُ الشعرُ انقلاباً على صعيد الانتشار أو التداخل مع الروحاني في أعماق القراءةِ المُثقلةِ بالوعي والمتعة والمصاحبة التي تصلُ إلى درجة النشوة مع النصوص.

فالقارئ ،ومهما بلغ به بعدُهُ الإنساني،لا يفترقُ عن الشعر،كونهُ الحطبُ الذي تفتقدهُ مدفأتهُ الذاتية في مختلف الأوقات ،وليس بأيام البرد أو التشتت وحدهما.

الشعرُ برأيي هو مدينةُ المخلوق الآدمي،وليس سوقهُ الاستهلاكي بالضبط. كان هذا منذ الزمن الرعوي الفارغ من التكنولوجيا ومشتقاتها الكهربائية النووية.وكلُّ استسلام بأن الشعر هامش لمدينة المخلوق الآدمي،يأتي نوعاً من الضغينة من قبل مؤلفي الفنون الأخرى،وفي طليعتهم الروائيون الذين ما برحوا يلوحون بالانتصار على الشعر،وكأن الرواية غزوة انتهت بفتح مدن الإنسان الروحانية،فحطمتْ عرش الشعر،وتم لها استلاب الصولجان منه،لينتقل من يد الشاعر المرتجفة الضعيفة المكسورة إلى يد الروائي ذو العضلات الضخمة الشقيّة الجسورة التي لا تحتمل وجود منافسين،عادةً ما يتم إسقاطهم بالضربات القاضية.

إن التحكم بسلوك المجتمعات وتطوراتها،لا يأتي إلا من الباب التخيّلي القائم على الاختراع والتنبؤ وإعادة إنتاج الأشياء عبر مركز المخيلة في الرأس.

ومن هنا،فالشعر هو نقطة ارتكاز الحداثة في تحديث العقل والمقومات الجمالية للشعوب.ولا يصحُ لنا التأسيس على مقولة لشاعر محافظ وضعيف الخيال مثل جوته ،بأن يرتب للشعر مكانة وجود في المجتمعات.فمن قال بأن على الشعر أن يؤسسَ منزلهُ أو منزلته في المجتمع الراقي وحده،ليتمكن من العيش هناك؟!!

تلك صفاقة بلا حدود.فالشاعر فلزّ الجوهر اللغوي الذي يخترقُ تراب الشعوب العارية المتألمة قبل أن يختار الذهاب إلى صالونات النخب الارستقراطية الباردة التي لا تملك في حواسّها ،ما يجعلها في شراكة ملتهبةٍ مع الشعر .

في أماكن كثيرة من جغرافية العالم.وعند شعوب متعددة المجموعات البشرية،قدم الشعرُ نفسه كفلز روحي قابل للانفجار في حال التمكن من تصنيعه بالطريقة التي تجعلهُ فاعلاً وأكثر حيوية وبعداً في الذات والتاريخ.

لذلك تمكن هذا الفلز الخام من التسرب إلى مجرى معظم الفنون والآداب ،حتى تمكن من اختراق السرد ،فجاء بروايات لم يكن لها من سرد الماضي شيئاً. بعبارة أدق،عندما انتقل الشعرُ للرواية،حقق انجازات على صعيد التقنيات والبناء الجمالي وحرارة الجملة وسطوع المتخيلات التي أنقذت الرواية من الاستغراق بالتراث والتشبث بقيم العالم السلفي .

ولا أدري كيف يمكن تفسير فكرة((فشل الشعر في إعادة إنتاج السرديات التاريخية الكبرى)) التي وضعت هنا ؟

فليس من مهمة الشعر إعادة إنتاج شئ،بقدر ضرورة خلق ما لم يتم خلقه من قبل صورةً وصوتاً،ما دامت فكرة الشعر ،لا تقومُ على تنظيف السرد من الشوائب،بقدر ما يجب العمل على نسف الأنساق السردية المتهالكة المتهرئة ،وتطهير الرواية من أمراض جمة،يقف في مقدمتها:حقيقة الاستعانة بوقائع الواقع الممتلئ بقوارض الماضي وحديد سيوفه التي ما تزال تتلذذ بقالب كاتو التراث المعمول بالرمل والدم.

أما (لماذا لم يسهم الشاعر العربي والشعر معه في إنجاز الثورة المجتمعية؟ ) فتلك فكرةٌ فكاهيةٌ بحق،لأن شعراء العرب،ومنهم الجاهليون أيضاً،هم أول من استحدثوا الثقوب في جدار المجتمعات القبلية الصخرية،عندما فتحوا قرائح البوح بالحب والحرية والعشق والعدالة والجنس ومعارضة القمع السلطاني والديني،كمحاولة أولى لكسر القمقم الذي وضعتْ فيه القبائلُ العربية .

والشاعرُ كان وما زال هو رأس الرمح في كسر الجمود وتحرير الوعي من جميع المستلبات القديمة منها والمعاصرة. لأن الشعرَ قيمة جوهرية في حياة الكائن البشري،فيما لو اعتبر ذلك الكائن نفسه من نسل الأوادم طبعاً.

ولا ندري كيف تحوّل الشاعر إلى مدافع عن اللا مساواة واحتقار التطور كقيمة إنسانية.أليست هذا بالأمر الغريب والعجيب ؟!!

لا أعرف مصادر هذا الكلام المر والمرير.

لا أعرف ما هي الوصفة السحرية التي على الشاعر المضي على خطوطها.فالكتابة الشعرية تناغمٌ سرّي مع اللغة الداخلية غير الظاهرة للعيان ،لا على الورق كما في الكتب،ولا على اللسان كما يجري الحكي عنها في المؤتمرات ودور النقد الأعمى.الشاعرُ تربةٌ تجهزّ نفسها بفلزات الخلق والتنمية تلقائياً.وطالما تتضرر بفعل وجود الأسمدة، وبخاصة النصائح المُهَرمنة منها ،تلك التي عادةً ما يدّسها في النصوص صناعُ السموم ،ليستمروا أساتذة بالتعالي والهرطقة وجمع المريدين وتحويل الغبار الشعري إلى فاكهة لغوية.

وعندما يتم الانعطاف نحو الأسئلة المتعلقة بالتجاوز والتنوع،فأن الشعر كرّس جلّ قواه من أجل خوض المزيد من التجارب التي استهدفت السكون والانغلاق والقمقمية والسكون الشعري،فكانت حركة الشعر الحر وشعر التفعيلة وقصيدة النثر ونصوص نانو خيرُ مثال ونموذج مضادّ لانحطاط الشعر وتراجعه الذي سبق وأن مرّ به في بعض العهود أو المراحل الزمنية.

ولا يصح هنا أن نضع جميع التجارب الشعرية والحركات المرتبطة بالشعر والحداثة أسيرةً لنظرة إحسان عباس النقدية ،لأن الأخير كان غير متجاوب لأغلب الحركات الشعرية الحديثة التي اقتحمت العالم العربي،ومن مختلف التيارات الرمزية والاشتراكية والسريالية والعدمية والدادائية ،كون عباس ناقد محافظ حاول تحجيم القصيدة بالأطر والأنظمة ،وإبعاده عن الخيال والاستعارة وكل أشكال التأليف الحر الذي لا تتحكمُ به القوانين النقدية الصارمة.

عندما نضع الكتابة من ضمن الأعمال الجدّية كالهندسة والعمارة والزراعة والتصنيع العسكري،فإننا نتجهُ إلى صناعة نصوص ذيليه.بينما كل عمل خلاق أو إبداعي،هو مدمنٌ على الخيال، ليكون في نفسه أو لجسده بطلاً مختلفاً ،وليس من النصوص المرتبطة بعصا مُعلّمٍ ،يحاولُ فرض المعنى على تلامذة بالقوة أو بالإرهاب.

تدريسُ النصوص في المدارس أو النقابات أو الجامعات ،يعني تجميع مؤلفيها من حالات الشتات والتوحد والانقلابات والأحلام والطقوس السيكولوجية المختلفة،لاستخلاص قيمها الجمالية الأدبية.

كما ليس بالضرورة البحث عن الجدّية داخل تلك الأعمال.فالآداب ما كانت يوماً مهندسة لمثل تلك الصيغ القصدية ،كالالتزام والهوية والجدية.الكاتب العظيم،هو من يؤلف عوالمه فوق حطام المصطلحات.فكل عمل أدبي ،هو مبنى نفسي قبل أن يكون خاضعاً لهندسة العمارة.

لم أكن صديقاً للمناهج الأدبية التي صيغتْ كخرائط عمل للمبصرين والعميان.أنا استنهضتُ الشعر من الباطن الحيويّ لكاميرات الخيال ،وذلك عندما أدخلتني إلى جهاز الرنين المغناطيسي لأتعرفَ إلى اللغة ،فأعيش الكلمة بكل أبعدها طولا وعرضاً وعمقاُ وارتفاعاً.

لا يمكنُ لشاعر اليوم ،أن يشغل نفسه بالمفاتيح فقط.فالشعر بالمقام الأول،هو فعل صحيح يقوم على كسر القفل ورمي المفتاح بالنهر،لأجل أن لا تكون ثمة خرائط واضحة ،تدلُ الشاعر على معماريات الشعر .الشاعرُ مشاكسةٌ دائمة،وهو مفتاح نفسه القابلة للانشطار .فليس أهم من الشيزوفرينيا الشعرية،لأنها تمنح النصّ الشعري قابلية التعدد في كل زمن ومكان.

إن الشعر الذي يناضل الشعراء من أجله، وهم على تخوم مرحلة ما بعد الحداثة،يتجاوز النظرة الضيقة للكلمة والنظريات السّامة للغة بشكل عام،بعدما قتل الشاعرُ السكون داخل النصوص،ولم يعد يحسب للنقد العزرائيلي حساباً يذكر. فالانقلاب على الواقع،هو النبض المكمل لصيرورة الإبداع المتمرد على جميع مفردات النقد والقوانين القديمة:الأعمدة .الأوزان. الإرهاص .الوقائع اليومية.ديمومة الصورة المثالية. البطش بمخلوقات الخيال وطردها من الذهن.ففي الشعر واقع آخر ،لا يصنعه الواقع التربوي للشاعر،بقدر ما هناك رغبة صارمة بامتلاك القوة الكهرومغنطيسية،وجعلها من مولّدات اللغة ضمن تربة النص.

الشاعر غير متوفر عند أحد سوى نفسه.وكذلك فهو روائي شبه شبحي. ،لأنه مُدرك لقوة شعره فرادةً ولذةً وسحراً مبنى ومعنى فيما لو دخل السرد،وبات من الرواة البنائين.

بعبارة أدق:هو عرّاف لغوي،بجملته الشعرية التصويرية بثقل سور الصين.لا تتفكك بسهولة،وإنما تدفع القارئ إلى العمق الأشدّ ربوبية وتعلقاً بالأساطير التي هي الجزء الغرامي الهام من مكونات الشاعر،أو من التكوين البلاغي للشعر المُقلِق كمنتج بركاني ناجم عن حرائق مخلوقات الباطن السرّية وحواسهم المنحرفة نحو الخلق الجديد.

مجلة الهلال المصرية

العدد

فبراير 2016