سعد محمد رحيم

   صناعة الكتاب كأية صناعة عصرية بحاجة، إلى إدارة فعّالة وستراتيجية في العمل، وأخرى لفعاليات الترويج والتسويق، إلى جانب عاملين مختصين أكفاء. وفي ضمن هذا الإطار يبرز دور المحرر الأدبي ووظيفته عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه.

تتطلب هذه الوظيفة موهبة خاصة. فعلى المحرر الأدبي امتلاك وعي حاد وحساسية فائقة بما يتعلق بالكتابة الأدبية إلى جانب خبرة متراكمة من خلال القراءة الواسعة في مجال كتابي معين، في الأقل، كي ينبّه المؤلفين إلى نقاط الضعف في نتاجاتهم، أو ما يقتضي منهم أن يحسِّنوه أو يغيّروه. كما أن دور المحرر الأدبي لا يقتصر على فحص الكتاب المقدّم للنشر وإجازة نشره أو رفضه أو اقتراح تحسينه، وإنما عليه أيضاً أن يكون على دراية بحاجات سوق الكتاب واتجاهات القراءة وأذواق القراء المستهلكين للكتاب، ومتى يجب على الدار أن تطرح كتاباً ما في المكتبات.. وهناك في تاريخ دور النشر العالمية محررون كبار تركوا بصماتهم في عالم النشر.
يصف البرتو مانغويل في كتابه (فن القراءة) المحرر الأدبي ماكسويل بيركنز بالأسطورة.. وبيركنز كان محرر دار نشر (أبناء تشارلز سكريبنر، في نيويورك) في عشرينيات القرن المنصرم، قام بتحرير أعمال روائيين كبار، منهم أرنست همنغواي وسكوت فيتزجيرالد وأرسكين كالدويل وتوماس وولف،.. يقول مانغويل:”كان بيركنز محرراً سخياً، متحمساً باحترام لما كان يعتقده مقاصد المؤلف… مع بيركنز، يكتسب المحرر احتراماً ومرتبة قديس حامٍ”. ومن ثم يقارنه بمن يسمّيه بالسلاّب الإغريقي بروكروستس”الذي كان يضع ضحاياه على سرير من حديد ويبسط أجسادهم عليه ويقطع الأجزاء المتدلية حتى يناسبوا بالضبط حجم السرير”. وهنا يستحضر روايات توماس وولف المملوءة بالحشو والزوائد حيث اختزلها بيركنز إلى أشكال قابلة للنشر.
العلاقة بين بيركنز ووولف كان موضوع فيلم (العبقري ـ إنتاج 2016) من إخراج مايكل كرانداج وتمثيل كولن فيرث ونيكول كيدمان وجود لو.
وجود المحرر الأدبي في دور النشر الغربية لا غنى عنه إطلاقاً.. لا يمكن أن تنبثق دار للنشر من غير أن يوظف محررين أدبيين يكونون بمثابة مستشارين للدار، يناقشون مضمون الكتاب وأسلوبه ولغته، ويطرحون على المؤلفين أفكارهم بصدد الكتاب وما يتصل بلغته وبنيته وشكله الجمالي. وتمضي هذه العلاقة بسلاسة في الغالب، على عكس ما يحصل عندنا. فكثير من دور النشر العربية، للأسف، لا يفكر أصحابها بتوظيف محررين أدبيين يتدخلون بإيجابية في تحسين نوع الكتاب ووسائل تسويقه.
لم تُطوِّر دور النشر العربية وظيفة المحرر الأدبي التي بقيت مقتصرة في الغالب على التصحيحات اللغوية وتأشير المقاطع المتجاوزة للمحرّمات باللون الأحمر ليجري حذفها فيما بعد وتغييرها.. كما لو أن ذلك المحرر قد تلبس روح الرقيب الأمني والديني ليس إلا.
لست أدعو إلى التطفل الزائد للمحررين، ولا أحسب أن المحرر من حقه أن يغيّر الأشياء الجوهرية في الكتاب. ولا أقول إن على المؤلف الخضوع لكل ما يقترحه المحرر الأدبي. وإنما ينبغي أن تتخلق بين الاثنين مساحة للتحاور وتبادل الآراء وإنضاج الأفكار التي تخدم في النهاية صناعة الكتاب تأليفاً وإخراجاً. فما يقوله المحرر بشأن الكتاب قد يجعله يخرج للقارئ وهو أكثر رشاقة ووضوحاً واستساغة للقراءة، وأقل أخطاءً ومواطن وهنٍ واختلال.
ففي الكتابة الروائية، في سبيل المثال، قد يقترح المحرر تبديل مسار حدث ما، أو التخلص من شخصية لا ضرورة لها، أو إغناء دور شخصية أخرى، أو حذف ما هو زائد من مقاطع ومشاهد.. فمهمته ها هنا هو جعل الكتاب قابلاً للقراءة والتسويق استناداً إلى معايير فنية وواقعية منتجة.
واليوم على الرغم من تقدم وسائل النشر الإلكترونية والانحسار النسبي لدور النشر الورقية، يبقى من الضروري، ترصين موقع المحرر الأدبي في إطار ما أسميناه بصناعة الكتاب. وتوسيع نطاق مهامه ليكون كما المرشّح الذي يمنع مرور ما هو غث ورديء، ويفتح السبل أمام الكتاب الجيد.
أحسب أن أحد أسباب تأخر صناعة نشر الكتب عندنا، هو غياب دور ووظيفة المحرر الأدبي أو ضعف ذلك الدور وتلك الوظيفة في الخريطة الإدارية لدور النشر العربية. كما أن كثراً من الكتّاب العرب لا يرضون المساس بما كتبوا، ويعدّون ملاحظات المحرر ومقترحاته تجاوزاً على حقوقهم، وتهديداً لكرامتهم ومكانتهم الأدبية. وكأن ما كتبوه يدخل في خانة المقدّسات التي لا يجب التشكيك بها. وهذا يمثّل عامل إعاقة كبير في دنيا النشر العربية.

((المدى))