هندسة العلامات السيميائية في شعر اسعد الجبوري

 

كتب الناقد العراقي كريم القاسم : 


الجزء الأول

ـــــــــــــــــــ
في جلسة اختلط بها طعم عصير الليمون برذاذ النقد الأدبي ، الحضور هم أقلام ذَوو حضور رزين رصين وطلاب ماجستير لغة عربية ، الحديث تشضّى ملتهباً حتى تناول أطراف الحداثة في الشعر والشعراء ، وفي مثل هذا الاشتعال لابد من ولوج اسم الشاعر الروائي العراقي الكبير اسعد الجبوري فكان الحضور بين مشاكس ومتوافق ومتجانس ومتخالف ومعارض ، مما حدا بي الى ان اعرض للجميع نصاً بعنوان (اليوم اللانهائي للشعر) بقلم الشاعر اسعد الجبوري ، مع تعليقي النقدي له ــ منشور سابقأً وسأنشره قريباً ــ تشابكتْ الآراء وكانت النتيجة هي الخروج بمجموعة أسئلة :

س1- لماذا يحاول الجبوري مشاكسة المدارس الأدبية العريقة ؟

س2- هل غربة الجبوري هي التي أعطته النجومية العالمية في الأدب الحداثوي؟

س3- ما هي سِمة أدب الجبوري ؟

س4- لماذا يُكثِر الشعراء ومنهم الأستاذ اسعد الجبوري ، من عرض مفردات غريبة اللفظ وكأنها من عالم آخر ، تجعل القارئ يضيع بين بلاغة وجمال القصيد وبين هذه الألفاظ ؟

ــ هذه الأسئلة والتساؤلات ، دفعتني الى الإبحار في عالم الجبوري وقراءة الكثير من نتاجاته الأدبية ، وبما يسمح به الوقت والحال الصحي . وسأكتب بلغة مفهومة جداً ، مبتعداً ــ كعادتي ــ عن زخرف القول وغريب الألفاظ ، الا إذا استوجب الأمر لبعض المسميات التي تخدم النص .لذا أسرجتُ راحلتي وأنا احمل زادي ، حتى توقفتُ بين واحات ومحطات غاية في الجمال والإبداع ، مما تثير في النفس مَلَكَة التأليف والإشارة النقدية لهكذا أدب وتأليف وسحر في الرمزية والدلالة .لَملَمتُ أوراقي للتجوال في هذا الفضاء الأدبي المُزهِر، أروم ُ كتابة مشروعاً نقدياً حول الصور الجمالية والرمزية في شعر الأستاذ اسعد الجبوري ، أبحرت بعيدا بعيدا ، حتى فوجئتُ بأنني أمام إبداع آخر ، والتزام أدبي قد ابتعد عنه الكثير من الشعراء الذي يحملون عنوان الحداثة ، هذا الإبداع هو (علامات الترقيم) ولم أجد شاعراً يعتني بهكذا نوع من الرسم والإشارة سوى أستاذي الكبير الشاعر (محمود البريكان) رحمه الله ــ والقلة من الشعراء المحترفين وبتردد وتذبذب ــ ويشاركه في هذا الإبداع والالتزام هو الشاعر الروائي الرائع (اسعد الجبوري) والذي أضاف الإبداع والحداثة لهذه العلامات . وأتى بما لم يأتِ به الآخرون .
ــ من خلال معايشتي للنصوص التي نشرها الجبوري ، وأنا أتفحصها في زوايا الزمن المتأخر من ليالي تموز وآب اللاهبين ، كي اجني ثماراً علَّها تجيب على الأسئلة الأربع ، وأخيرا كان الحاصل مِلء السلال وبما يريح الذوق والحال .

ــ انطلاقا من السؤال الأول ، وجدت مفردة ( مشاكس ) لا تناسب ادب الجبوري كون المفردة خارجة عن صحة التفاعل الأدبي بين الشاعر وما يروم اليه . حيث ان المستوى الفكري الإبداعي الذي اختزنه الشاعر لم يأت ِ عن طريق رغبة شخصية غير خاضعة الى تصور وحدود رؤية ثاقبة ، انما هو حاصل تحصيل لثروة لغوية هائلة ، ووفرة اشراقات لمدارس وفنون الأدب العربي وامتزاجات ثقافية لمدارس الأدب العالمي ، كل هذه التجاذبات الفكرية ، والتجارب الأدبية الشخصية للشاعر ، أوجدت ْ لدى شاعرنا عصارة فكرية غاية في التركيز والاكتناز ، دعا الجبوري من خلالها الى تأسيس مدرسة أدبية حداثوية عالمية تستند الى الإبداع والتركيز والتكثيف، وتفجير الذات بكل طاقاتها ضمن نظام هندسي راقي لبناء مفردات تتفجر معنى ورمزية وجمال ، مبتعدة عن كل ما هو عشوائي دخيل ، وعن كل ما يقيد المفردة من عوامل العبودية القديمة والاسترقاق للحرف واللفظ .

ــ هذه الأفكار الرائدة ، جَعلتْ الجبوري متحدياً أقلاما كثيرة ، معترضة ومخالفة ومعاندة ، لما يعرضُ ويستعرضُ من إبداع فني ذاتي . ومازال يدفع ضريبة النجاح هذه حتى اللحظة ، وهذا ديدن عالم النجاح والنبوغ .

ــ ولوفرة النصوص بنوعيها الروائي والشعري والتي تَشبعَّتْ وتَشعَّبَتْ بأفكاره ورؤاه الإبداعية ، أنضَجَتْ لدى القاريء المحترف ، والمتذوق المحايد ، والناقد الخبير ، صورة أدبية تجبره على الاعتراف بها ، لما تحمله من أسس وأفكار والتزام وانضباط أدبي باهر ، سأتناولها في دراستي النقدية القادمة ان شاء الله ، حتى تَجَسَدتْ بصمة ٌ واضحة ، وسِمة ثابتة رصينة لأدب اسعد الجبوري ، لا يختلف عليها اثنان نابهان .

ــ لذا ، فكبريت الغربة المصحوب بحرارة الشوق الى جذور وخارطة الطفولة ، وعنفوان الشباب الذي لم ينجُ من قيد الحروف ومشابك الحرية ، التي امتزجت بفورة التطور والحداثة والوضوح للوجه الآخر للأرض ، جعل أدب الجبوري يسير بخطى ثابتة نحو مداخلات لصور ٍشعرية سريالية إبداعية تعيش في عوالم الخيال النابض بالرمزية والإيحاء ، ضمن تجربة فريدة من العمق الرؤيوي ، وابتكار في معايشة الذات المختلفة للزمكان الذي تنتمي اليه ، فدخل عالمية الأدب ، لاعَنْ صدفة ومصادفة ، بل عن جدٍ ودأب ٍودرايةٍ بكيفية رسم الفكرة ورصف الكلمة ونسج العبارة ، حتى أَلهَبَ مشاعر القاريء الحصيف ، بهذا الفيض الأدبي ،رواية ً كان ام شعراً ، كل هذه الفيوضات الأدبية الناصعة ، جَعلَتْ لنا وقفة لابد من الإفصاح عنها ، والإسهاب بوصفها ، في هذا المشروع الكبير( هندسة السيمياء في شعر اسعد الجبوري )asaad 8
الجزء الثاني
ـــــــــــــــــــــــ

الذي دعاني الى كتابة هذه الدراسة النقدية ضمن أجزاء المشروع ، هو العلامة الفارقة التي يتصف بها شعر Asaad Al-Jabbouri ، وهي الالتزام في استخدام (علامات الترقيم) . وهذه السِمة هي ذاتها كانت ملاصقة لشعر أستاذي الكبير الشاعر (محمود البريكان) رحمه الله . لقد رافقتُ البريكان أكثر من ثلاثة أعوام ، كنت فيها كظله ، أودَعَني الكثير من الملاحظات التي لم تُطرَح حتى الساعة على مستوى الاعلام الأدبي

ــ لرغبةٍ كانت في داخله ، وللظروف الخاصة في تلك المرحلة ــ لذا سأضع بين يدي القاريء الكريم ( سَبَق أدبي وإعلامي) عن الأسلوب النقدي الذي كان يستخدمه البريكان ذاتيا في دراسته لشعره ولشعر الآخرين من خلال محطات (علامات الترقيم ) . حيث كان البريكان يتعامل نقدياً مع نصوصه قبل نشرها ، لتحصينها بطلاءٍ أدبي واقٍ . وأجد من الجميل والمناسب ، ان تكون هذه الدراسة وهذا الأسلوب النقدي مقترن بشعر الأستاذ (اسعد الجبوري) لاشتراكهما في بؤرة سيميائية واحدة . إلا إن الجبوري أضاف إبداعا كبيرا فيها دون المساس بقواعدها.

ــ البريكان يرى ، بأن النص الأدبي من هكذا نوع ــ يتفجر حداثوية ــ لا يمكن ان يخضع للعملية النقدية المعتادة ، والتي تخضع لضوابط وسياقات النظم القريض ، وما يتضمنها من أبواب الافتتاحات والمقاطع والاختتامات . ويرى البريكان ان من الواجب تطور العملية النقدية والنص النقدي بما يناسب تطور وحداثة الجسد الشعري ، هندسةً وبناءً ، وان عملية رصف ألفاظ الجزل والبلاغة والجمال ضمن خيال حداثوي ، دون رعاية علامات الترقيم ، لَهيَّ أشبه بعملية (البناء بلا أساس) أو (السير بلا نظام) .ويرى كذلك ان المنظومة الشعرية الحداثوية ، تتحرك ضمن ( محطة وجدانية كونية) يتحرك بها خيال الشاعر او الروائي ، بمساحات وآفاق تنسجم مع مساحة إبداعه وحرفيته .

ــ هذه المحطة الذهنية الوجدانية ، تتألف من عناصر ثلاث هي (المكان ــ الزمان ــ الذات ) ولا يمكن ضبط هذه العناصر إلا بعلامات الترقيم ، فهي نقاط الدلالة للمتلقي ، وعلامات الإرشاد للقاريء ، و(إشارات) تفاهم بين الشاعر(المرسِل ) والمتلقي (المُرسَل إليه ) والتي تضيف رصانة للنص ، ليظهر بكامل أناقته ولياقته الأدبية .

ــ الشاعر (اسعد الجبوري) ، لم يبخل على نصوصه الحداثوية بعلامات الترقيم ، فهو ذو فطنة وانتباه لتوزيع هذه الإشارات والدلالات . فهكذا نوع من الشعر ، لا تُفهَم أو تُعرَف كيفية التنقل بين ألفاظه ومعانيه ، إلا بهذه العلامات ، والتي غَفلَ عنها الكثير من الشعراء للأسف ، إلاّ البعض من محترفي الصنعة روائيا ً وشعرياً والذين خَبِروا معاني العلامات. وتمكنوا من مكامنها وإفصاح جوهرها

ــ هنا ، اخترتُ نصاً شعرياً والذي نسخته من صفحته (الفيسبوكية) الخاصة ، كي احصل على علامات الترقيم كما هي في النص الأصلي ــ لان الكثير من العلامات تُفقَدُ في طباعة الدواوين ــ ننطلق من خلاله لدراسة نقدية تختص بـ (سيميائية شعر اسعد الجبوري)، وسأخرج عن المألوف . حيث جرتْ العادة ،أن يُكتَبْ (النص المنقود) بعد (الدراسة النقدية) او (المقال النقدي) .
لكن البريكان ــ رحمه الله ــ وجد بأن (النص) يجب ان يُعرَض أولا على القاريء ،ثم تأتي بعده (الدراسة النقدية) ، كي يفهم القارئ طبيعة وحبكة ومعاني النص أولا ، وبعدها يتفاعل القاريء ذاتياً مع ما يريد الناقد في تحليله للنص .

(النص)

يقضي الزمنُ نهارهُ بصحبة زمزم ساعاتٍ،
ويتركُ لي الليلَ قبراً للتأمل بالعينين النائمتين .
كأن الترابَ زجاجٌ.
ونحن أخوةُ الماءِ،
وفي آبارنا تنضجُ الآلامُ عناقيد غير مأمونة
العَواقب.
موتٌ بمنتهى الدّقةِ .
وتلك التي لنا،
ليست سوى أرواحٍ من ورق الجدران.
موتٌ لا إعراب له.
وحزنٌ مشى على أربَع ما بين الدنمرك وبغداد.
الأرضُ
ضريحُ زمزم في نهاية المطاف.
ونحن مجموعةُ مَساكِنَ من لحوم،
ستنهارُ يوماً،
وربما لن يمتلئ بها اُخدُودُ الأبد.

(اسعد الجبوري)

…………………………………………

ــ هنا نعتبر النص محطة وجدانية كونية أدبية ، لأنه يمثل فكرة معينة نُسِجَتْ ضمن هذا الفضاء الكوني بإبعاده الدنيوية والأخروية ، وما بينهما من التحولات الصورية والمادية عبر فضاء العقل . حيث ان فكرة النص ، تُجَسِدْ واقعاً ملموساً او خيالاً ممزوجاً بآلام الذات .

ــ لنبحث في العناصر الثلاثة لهذه المحطة وهي : (الزمان ــ المكان ــ الذات ) حيث ان كل عنصر من هذه العناصر، يتألف من ساحلين ، محسوس ومجرد ، فلربما يكون الزمن وقتاً محسوساً ، ولربما يكون الزمن مدمج بالخيال الشاسع ، وكذلك (المكان) و(الذات) .

ــ لقد استعرض الشاعر مفردات تمثل الساحل الزمني لبحر النص مثل :

( الزمن ـ نهاره ـ ساعات ـ الليل ـ يوماً ). وهي جزئيات تقع ضمن مفهوم ومصطلح (الزمن) . ويختلف استخدام كل مفردة من هذه المفردات ، بما ينسجم وفحوى العبارة أو معنى اللفظ . والزمن هو من المصطلحات التي يصعب وضع تعريف محدد له ، كونه يتمدد أميبيا مع فكرة الشاعر واتساع مساحة خياله التي يرسمها على شكل صورة أدبية شعرية أو روائية .

ــ ثم يستعرض الشاعر الجبوري المفردات التي تحدد المكان وترمز له مثل :

(قبراً ـ تراب ـ آبارنا ـ الدنمرك ـ بغداد ـ ضريح ـ الأرض ـ مساكن ـ أخدود).

وقد تنوعت هذه الجزئيات المكانية بتنوع مراتبها التأليفية ، والتي عددها (تسع مفردات ) يكاد ان يكون (ضعف) عدد مفردات الزمن ، مما يعطي إشارة تحليلية الى القاريء الحصيف ، بأن الشاعر قد اهتم في تفكيره الوجداني بالمساحات التصويرية للساحل المكاني وصوره الشعرية المتعددة ، وجعله بؤرة محطته الكونية في هذا النص ، وجعل الساحل الزمني وسيلة للتعريف وتحديد الأسس الهندسية البنائية ، عكس ما يتبادر الى الذهن ، بأن الشاعر أراد ان يشير الى الزمن ، وخاصة في الشطر الأول للنص (يقضي الزمنُ نهارهُ بصحبة زمزم ساعاتٍ) .

ــ إما العنصر الثالث (الذات) ، فيختص بمجموع الأفكار الملموسة والمحسوسة ، او الصور وقوة الخيال التي يوظفها الشاعر للممازجة والإدماج مع عنصري الزمان والمكان ليخرج النص بنسجٍ لغوي وحبكة شعرية ذات سبك متين ورصين ومُتَّزِن ، مُشبَّع بالحداثوية التي ينهجها صاحب النص . فمثلاً يقول :

1- ” ويتركُ لي الليلَ قبراً للتأمل بالعينين النائمتين . “

2- ” ونحن مجموعةُ مَساكِنَ من لحوم،
ستنهارُ يوماً، “

ــ نلاحظ في الفقرتين أعلاه ، بأن عنصر (الذات) قد زاوج بين عنصري الزمان والمكان ( الليل ـ قبراً ) و ( مساكن ـ يوماً ) لتظهر العبارات بحلّةٍ بَرّاقة بعد ان استطاع الجبوري ان يُؤنّقها بالجماليات الرمزية واستعارات وألفاظ رشيقة ، ولا أريد الحديث عن الصور الجمالية كي لا يخرج البحث عن المراد ، وهو (السيميائية) في شعر الجبوري .

ــ فلو تأملنا هذا النص مجددا ، لوجدنا فيه تسع (نقط) ، كل نقطة (.) تقع في نهاية جملة أو عبارة تامة المعنى ، وخمس (فاصلات) (،) تتخلل هذه العبارات ، لتمثل محطات استراحة صغرى لفترة قصيرة من الزمن لا يحسن معها التنفس الطويل . والنقطة (.) من علامات التوقف التام مع استراحة للتنفس ، والتي لا يتعدى زمن وقوفها الثانية والنصف . اما الفاصلة (،) فإنها تعتبر من علامات التوقف القصير، لا يتعدى زمن وقوفها النصف من الثانية ــ حسب بعض الدراسات الحديثة ــ التي تعطي فكرة واضحة لقوة العلاقة بين علامات الترقيم وتنغيم الأصوات حسب الحروف الصائتة وما يناسبها من توقف زمني . حيث أصبح النص الحداثوي ، لا يُحَدَدْ بالبلاغيات والجزل وجمال الصور الشعرية فقط ، بل بأواصر تساهمية منسجمة بين اللغة والصوت ، وما يتبعها من تفرعات .

ــ هذه (النقط) تعني ، إن هنالك في جسد النص تسع محطات فكرية انتهت بحواجز دائرية ثابتة ، ومَصدَات تجبر الفكرة بالتوقف والثبات في حدودها الزمكانية والأيديولوجيّة . وقد عنيَ الشاعر في تجسيد صوراً شعرية خاصة لكل محطة . فلنأخذ أمثلة لمحطاتٍ كبيرة من النص تنتهي بنقطة (.) ، ودراسة

علاقتها بمضمون ما قبلها :

1- يقضي الزمنُ نهارهُ بصحبة زمزم ساعاتٍ،
ويتركُ لي الليلَ قبراً للتأمل بالعينين النائمتين .
2- ونحن أخوةُ الماءِ،
وفي آبارنا تنضجُ الآلامُ عناقيد غير مأمونة
العَواقب.
3- وتلك التي لنا،
ليست سوى أرواحٍ من ورق الجدران.
4- ونحن مجموعةُ مَساكِنَ من لحوم،
ستنهارُ يوماً،
وربما لن يمتلئ بها اُخدُودُ الأبد.asaad 6

ــ نلاحظ هذه المحطات الأربع الكبيرة ، قد تخللها توقف زمني قصير بالفاصلة (،) وهذا التوقف الزمني القصير، قد فصل بين محطات فكرية إبداعية متنوعة ،استطاع الشاعر أن يبنيها بكل دقة وجمال . فلو استمر القاريء ، باللفظ والقراءة الشفاهية دون التوقف القصير، لأدركه التعب والإعياء النفسي والبيولوجي ، ويتيه عنه تفصيل المعنى . ولا يريد الشاعر الحذق ان يجعل من أفكاره مجرد رصف كلمات دون رعاية او عناية . إنما اختتم كل محطة ــ والتي تمثل الفكرة ــ بـ (نقطة) (.) .

ــ الذي جعلني أغوص في دراسة نصوص الجبوري ، هو هندسته الفائقة في الجمال والدقة في رعاية علامات الترقيم . فلو تتبعنا كل (نقطة) و(المفردة) التي قبلها ، سنجدهما متناغمتين مع بعضهما في الموقع والمعنى . فلو تأملنا العبارات الأربع السابقة ، لوجدناها تنتهي بكلمات :

(النائمتين .) ، ( العواقب .) ، (الجدران .) ، ( الأبد . ) .
ــ ففي الأولى خُتِمَتْ العبارة بـ (النائمتين) ، والنوم هو نوع من الموت المؤقت ، تتوقف خلاله بعض الوظائف الاحساسية البدنية ، وتختفي فيه إرادة الوعي الكلي أو الجزئي .

ــ وفي الثانية خًتِمَتْ العبارة بـ (العواقب) والتي تعني أواخر الشيء وخواتيمه.

ــ وفي الثالثة خُتِمَت العبارة بـ (الجدران) وتعني نهاية حدود الحيّز الهندسي .

ــ وفي الرابعة خُتِمَت العبارة بـ (الأبد) وهو الفترة الزمنية الطويلة جدا أو المقاربة من اللانهاية .

ــ هذه المفردات والكلمات كلها ، وضع الشاعر بعدها نقطة (.) التوقف الاستراحي ليغلق فضاء الفكرة ، وبما يتناغم وينسجم ويتوافق تماما مع المعنى الذي قبلها .فلو وضع الشاعر الشطر الأخير (وربما لن يمتلئ بها اُخدُودُ الأبد.) مكان الذي قبله (ستنهارُ يوماً) فهو لا يؤثر على المعنى ، لكنه لا يتوافق مع المعنى الجمالي ، ولضاعتْ فائدة (النقطة) ومغزاها، لان مفردة (يوماً) لا تعني الفضاء المعدوم او المتوقف . لكن الشاعر وضع علامة التوقف النقطة (.) ليضع حداً لاحتمالية (امتلاء اخدود الأبد بمساكن اللحوم) والتي لا يتمناها الشاعر .

ــ نلاحظ مما سبق ، ان توظيف (النقطة) جاء متناسقاً مع معاني الألفاظ التي تسبقها ، مما أحدثتْ حقلاً تفاعلياً بين المتلقي الفَطِن والشاعر الذكي .

ــ إن سيمياء النص ترسم لنا محطة كونية فكرية كبيرة الاتساع حُدِدَتْ بين مكانين (بغداد والدنمارك) ، و بين هاتين المحطتين مسافات شاسعة من المديات الفكرية واللهيب الوجداني وفيض من الآلام والذكريات تَجَسَدَتْ (بتسع) محطات كبرى وجدانيا ، تخللتها محاطات قصيرة الاستراحة .

ــ إذاً نحن أمام نص كبير المحتوى مكتنز المعنى ، وهذه من سِمات شعر الجبوري . وتدل هذه المحطات (التسع) ،على الأفكار المركزة وتنويعاتها في النص الواحد .

ــ فمرة تأتي المحطة الواحدة وهي قليلة المفردات وقصيرة نسبيا ، لكنها مكتظَّة بالزاد والعَتاد الادبي الجمالي والبلاغي ، وتنتهي بنقطة توقف (.)

للدلالة على اكتمال المعنى ، كقوله :

1- كأن الترابَ زجاجٌ.
2- موتٌ بمنتهى الدّقةِ .
3- موتٌ لا إعراب له.
4- الأرضُ
ضريحُ زمزم في نهاية المطاف.

ــ أتت النقطة (.) في هذه المحطات ، للدلالة على توقف المعنى الكلي للجملة وانتهائه تماماً .فتفسير العبارات الأربع ( تشبيه التراب بالزجاج ، وعملية الموت الجسدي الدقيق التوقيت ، والموت مهمل لا محل له من الإعراب ، والأرض كأنها قبر لماء زمزم المبارك وتمثل خاتمة المآل ) كلها معاني تناسب التوقف التام

بـ (النقطة) (.) ، ولا نحتاج الى الإيغال أكثر لوضوح المعنى والسياق.

ــ حقاً إنه الإبداع المدروس بدقة .

ــ ومرة تأتي محطة كبيرة تحوي الكثير من المفردات ، لحاجة خيال الشاعر الخصب والمعنى المكتنز الى رسم الصورة الشعرية بمعاني مختلفة وامتدادات ذهنية تستدعي الى التوقف القصير ثم الاسترسال ، ليكتمل جمال العبارة ، وهذا الذي يجيده شاعرنا اسعد الجبوري ، ويجيد رسمه بسوريالية رائعة ، لا تخلو من الرمزية ، كقوله :

1- ” ونحن أخوةُ الماءِ،
وفي آبارنا تنضجُ الآلامُ عناقيد غير مأمونة
العَواقب. “

2- ” ونحن مجموعةُ مَساكِنَ من لحوم،
ستنهارُ يوماً،
وربما لن يمتلئ بها اُخدُودُ الأبد. “

ـ هاتان الفقرتان تمثلان محطتان فكريتان ناضجتان كبيرتان ، حيث يمكن للقارئ ان يستمر بقراءته للنص ومتابعته للفكرة الكبيرة الواحدة دون التوقف والتمَعّن بما قرأ ، لذا فقد أودع الشاعر هذه العلامات التوقفية والتي تأمر السائح بالتنفس القصير ليستدرك معنى ومساحة الفكر الذي إطَّلَعَ عليه حتى الوصول الى نهاية الفضاء والفكرة ، ثم التوقف التام بالنقطة (.) .

ــ فلو تتبعنا المحطة الكبيرة الأولى ، لوجدنا عبارة صغيرة أولى (ونحن أخوةُ الماءِ،) تختلف تماما في المعنى والسبك عن التي تليها :

(وفي آبارنا تنضجُ الآلامُ عناقيد غير مأمونة العَواقب.) ولا يمكن الاستمرار في القراءة دون التوقف القصير ، لان ذالك سيربك المعنى ويجهد الذوق والنفس . والجميل ، إن الشاعر جعل لفظة ( العواقب . ) مستقلة الشطر، ووضع بعدها النقطة (.) ليجعل القارئ يحس ويستشعر بهذا التوقف المقصود عند هذه المفردة بالذات ، ولو جاءت المفردة ضمن السياق ، لكان التوقف اقل حدة
وأضعف بلاغة عما هو عليه الحال .

ــ وفي الفقرة الثانية ، وظَّفَ الشاعر (الفواصل) بين المحطات بالشكل الرائع ، حيث قسَّمَ الفكرة الى التوضيح أولا عبر استعارة هائلة (ونحن مجموعةُ مَساكِنَ من لحوم،) ثم فصلها عما سيتوقعه مستقبلا (ستنهارُ يوماً،) وفصلها أخيراً عَمّا يُحتَمَل (وربما لن يمتلئ بها اُخدُودُ الأبد. ) وجعله نهاية المطاف في الرؤى والإيحاءات الفكرية الجادة وأغلق الفضاء بالنقطة (.) .

ــ النقطة (.) في هذا النص عَنَتْ بالتوقف بما يناسب معنى اللفظ ، وفي مكان آخر جعل ــ الشاعر اسعد الجبوري ــ النقطة تمثل لحظة تنفس والتقاط أنفاس ، فهو يتلاعب بها بما ينسجم مع وظيفتها دون المساس بالقواعد والأصول .

ــ مما تقدم ، يتأكد لنا بأن الشاعر (اسعد الجبوري) لا يقدم نصاً شعرياً مجرداً من الإحساس المركب (الشعوري واللاشعوري) فقط ، بل يقدم مشروعاً شعرياً مدروساً متكاملاً ، يوائم فيه بين شعور المتلقي وفكرة (المرسِل) وهو المؤلف ، ولا يمكن لهذا التواصل ان يتم إلا من خلال فهم وإدراك (المتلقي) لما يرسمه (المُرسِل) من (إشارات) ، والتي تعتبر هي الوسيط الأثيري بين الاثنين ، ولا يتم هذا الإدراك والاستدراك إلا بعلامات الترقيم ، والتي أسعدنا الجبوري في تمكنه من عرض استخدامها بالشكل الإبداعي المدروس ، وبحنكةٍ وحرفية واضحة للعيان مما زاد النص عذوبة وأناقة وبهاء . وجعل النص يتفاعل بحداثة غير معهودة لدى الكثير .
الجزء الثالث 
ــــــــــــــــــــــ
عَودٌ على بدء … وكما نثرنا فوائدنا النقدية ، السابقة حول سيميائية علامات الترقيم . إلاّ ان هذه الظاهرة الملفتة للنظر في شعر اسعد الجبوري لم تصل حد الإشباع النقدي وبما ينسجم او يتوافق مع عدد الاستخدامات لعلامات الترقيم ، وَصِلَتها بالمضمون الوجداني للشاعر ، والكَم والنَتاج الزاخر له ، كوننا اخترنا نموذجاً واحداً فقط لإضاءة بؤرة الاشتراك بين ظاهرتي (البريكان والجبوري) .لذا وجدنا من المفيد ، بل ومن المهم ، ان نكمل ما وصل إليه الحال النقدي لهذه السِمة الواضحة في أدب الجبوري . ولرب سائل يسأل : ما فائدة الإسهاب في هذا الشأن … ؟؟؟
نقول : إن التعامل مع علامات الترقيم يقع ضمن الحدود الذوقية والوجدانية للكاتب أو الشاعر ، كي يجعل من المتلقي شريكاً في التحسس والإحساس الشعوري لإفراز عصارات العاطفة التي تؤدي الى الفهم المشترك ، وجلاء المعنى للقصيدة أو النص الأدبي في ذهن القاريء الحصيف .

ــ خلال تفحصي لنصوص الشاعر اسعد الجبوري الشعرية . وجدتها تكتنز بعلامات الوقف النقطة (.) والفاصلة (،) والكثير الكثير منهما ، وهذا بيان واضح لمدى المعانات التي يعانيها الشاعر في بناء ونسج النص ، ورحلة البوح الشعري التي تحوى محطات استراحة وتنفس . وهي تؤكد بأن الرحلة الشعرية التأليفية لنصوص الجبوري ، فيها من الجهد ما يستوجب التوقف وتَفحّص خطوات نَسْجها ، للوصول الى خط النهاية بسلامة فكرية تأملية إبداعية .

ــ وسنستعمل لفظتي الـ (سيميوطيقيا) و الـ ( السيمياء) وهما لفظتان لمسمى واحد وهو العلم الذي يعنى بدراسة علامات الترقيم والإشارات في الحياة الاجتماعية وفي أنظمتها اللغوية . ونحن نأتي باللفظتين لغرض أعمام الفائدة بأن شأنهما واحد وينتميان الى ذات العِلم .وعلامات الترقيم قَسَّمها أهل الشأن والاختصاص الى ثلاثة أنواع ،علامات النبرات الصوتية ( : .. … ! ؟ = ) وعلامات الوقف ( . ، ؛ / )

وعلامات الحصر ( « » ــ ــ ( ) [ ] ) وهنالك علامات ترقيم أخرى تستخدم في البرمجة . وإن هذه الدلالات والعلامات السيميائية تتحرك ضمن أبعاد ثلاثة :

– البعد الأول ( علاقة الدّوالّ والمدلولات) أي الألفاظ والمفردات بفحواها ومعناها وصورها الذهنية التي تدل عليها .

– البعد الثاني (علاقة العلامات فيما بيْنَها)

– البعد الثالث (علاقات العلامات بمستعمليها)

لذا سنستعرض هذه العلامات والدلالات بأبعادها الثلاثة ، ضمن البحث النقدي هذا ، واختيار العلامات السيميائية التي تهم القصد وما نروم إليه في البحث .

ــ إن علامات الوقف مثلا النقطة (.) والفاصلة (،) و علامات النبرات الصوتية مثلاً النقطتان العموديتان (:) ونقاط الحذف الثلاث (…) والنقطتان

الأفقيتان (..) ، نجدها موفورة كذلك في نصوص الشاعر وظاهرة بشكل مميز . فهي المسؤولة عن (اللّافظ) ، الذي أعتبره علماء الأصوات (وحدة) أساسية في دراسة أية لغة في الكون . وقد وجدنا علامات الحصر منها القوسين الهلاليين () ، أتى بهما الشاعر بما يناسب الحاجة التوضيحية والإعلامية للمتلقي ، وقد استخدمها بحرفية تامة . هذه علامات (النبرات الصوتية) والعلامات (الوقفية) وعلامات الحصر ــ التي لا يستخدمها الجبوري إلاّ للضرورة ــ هي المسؤولة عن ديناميكية الحروف والألفاظ المتحركة
بحركة تفاعلية في نص الشاعر ، والذي استطاع وبنجاح كبير من توظيف هذه العلامات من خلال تجويد التوقف تارة ،والاسترسال في المتابعة البصرية تارة أخرى ، وتقسيم الأفكار وتوزيعها .

ــ فعندما نقرأ نصاً شعرياً للجبوري ، نجد أنفسنا نرتبط بسياق النص ذهنيا وحركيا ووجدانيا . فحينما نتعامل مع علامة التوقف أو النبرات الصوتية أو التأثر أو التعجب، فإننا نتفاعل مع العبارات وسياقها تعبيرا وانفعالا وحركة، يؤدي في النهاية الى خروج كل ما لدينا من طاقة تعبيرية لأداء الجملة أداءً وظيفياً رائعاً منسجماً .

ــ لقد استطاع الشاعر في نصوصه من جعل علامات الترقيم كالقنطرة الرابطة بين عقلين ووجدانين (المرسلِ والمستقبِل) . حيث اتفق علماء سيمياء الدلالات وعلماء اللسانيات وغيرهم ممن يعنيهم الأمر ، بان هذه العلامات والدلالات لا تعني كونها مجرد محطات تنفسية بالمعنى البيولوجي للتنفس ، وإنما هي وقفات معنوية وجدانية . فالعبرة من الناحية اللغوية ليست بأن يستعيد القارىء نفَسَهُ، بل كيف يتعاطى القارىء مع (السكتة) بمقادير زمنية معلومة وبنبرة ونغمة توافقية ، وحسب ما محدد من قبل الشاعر في العبارات المنطوقة ، رَفعاً للالتباس ، وصَوناً لِمَقصَدِ الشاعر عن تبدّل وتغير القَصد .

ولكي لا يقول قائل بأن توزيع هذه ( العلامات والدلائل ) في شعر الجبوري ، يخضع الى عامل الصدفة والعشوائية ، كما يستخدمها الكثير ــ للأسف الشديد

ــ وكأن الأمر مجرد وضع علامات لغرض الزخرفة والجمالية والتزويق للنص . فقد عكفنا على دراسة نصوص الجبوري بدقة وعناية عالية ، أخَذَتْ مِنّا جهدا غير قليل ، كي نخضعها لرعاية التحليل والنقد والتقييم والتقويم ، وليخرج هذا المشروع بما يوصِل المستقبِل والمتابع الى حد القناعة والاقتناع .

حيث اعتمدنا الحداثوية كذلك في الأسلوب النقدي والابتعاد عن الأسلوب القديم المُقَيد .

ــ من خلال هذه الرحلة التحليلية النقدية ، وجدتُ ان الأستاذ اسعد الجبوري ، يحسب لكل علامة حسابها الخاص بل اخضعها للحداثوية ، دون المِساس بفاعليتها وقواعد إرسائها . وسنبين ذلك في الأتي من الاستعراض النقدي .

ــ تعمَّد الشاعر أسعد الجبوري ، أن يتعامل مع علامات الترقيم السيميائية بحداثوية مشبعة ، كي تتناسب وما ينتجه خياله الشاسع من حداثوية شعرية ، وتأليف يَـقُدُّ سلاسل التقييد ، لينطلق حراً محلِّقاً يتغنى بسيمفونية الأدب الحر موازياً للتطور الذهني للمجتمع لا الأدب المنفلت أو المشاكس ،كما يتصوره البعض . هذا التناسق بين حداثة النص وحداثة السيميائية للجبوري ، يجعل من النص وكأنه قطعة أو سبيكة متينة القوام طاردة لعوامل الرين والصدأ .

ــ فلو تأملنا في نصوص الشاعر ، لوجدنا تفاعلاً محسوساً بين علامة الترقيم وكل حدث مرافق. حيث وجدتُ ان للنقطة (.) مفعولها السحري عند الجبوري،وهذا من دواعي ذكاءه الإبداعي . وتعتبر النقطة اصغر وحدة خطية في عملية الكتابة ، وهي علامة دلالة سيميائية بصرية ، تدل على انتهاء الفكرة ، وتؤدي بخيال المؤلف الى التوقف والانتهاء والفضاء المغلق ضمن سياق العبارة
المكتملة الواحدة . بمعنى أن الجمل تنتهي وتموت حين تصل إلى النقطة. وبعد ذلك ، تنبعث من جديد لتستمر في مسار تسلسلي خطي عبر جمل أخرى متنوعة الإيحاء والدلالة .والذي جعلنا نؤشر على الإبداع في تعامل الشاعر مع النقطة ، هو إن مهمتها هي غلق الفضاء وكفى مع الاستراحة التنفسية ، أي ختم نهاية الجملة التامة المعنى بالتوقف . لكن الجبوري أضاف إبداعا عندما جعل عملها يوافق معنى ما قبلها ، وكما أسلفنا سابقاً ، حيث ان النقطة الخطابية تختلف دلالاتها عبر اختلاف السياق الزمكاني ، واختلاف الإيقاع الشعري وامتداده التصويري .

ــ والآن نؤشر على إبداع آخر في استخدام النقطة (.) من خلال التجوال في نصوص متفرقة وليس نص واحد.

ــ وجدتُ أمامي ـ مثلا ـ جملة او عبارة واحدة متكاملة ، تحتاج الى أن يتخللها توقف بعلامة النقطة (.) أو استراحة زمنية قصيرة بالفاصلة (،) ، لكن الشاعر لا يضعها ، لأنه أراد بذلك أن يتفاعل المعنى والمغزى للعبارة في بوتقة لغوية جمالية إبداعية واحدة.
فمثلاً ، عندما يعيش زهواً بصورة شعرية رائعة ، كما في هذين الشطرين من قصيدة تُمجِّد تاريخ العراق وآثاره البيئية ( أهوار العراق على ذمة اليونسكو ) :

” تغصُ بمشاحيف شمسٍ على ظهورها البردي
للتأليف على ورق التاريخ. “

ــ نراه ينسج عبارة غاية في الروعة والذكاء ، وبما يناسب استمرار حركة (المشاحيف) على سطح ماء (الهور) ، ورافضا توقفها بعلامة معينة من علامات الوقف ، لأنه أراد من (المشاحيف) ــ وهي زوارق منتشرة في هذه المسطحات المائية ــ أن تحتفظ باستمرارية الحركة ، الى ان يكتمل المعنى مندمجاً مع الشطر الذي يليه وهو علاقة نبات (البردي) ــ الذي يصنع منه الورق ــ بتاريخ العراق ، كونه عنصر التدوين والكتابة.

ــ القاريء هنا يضطر للاسترسال بالقراءة دون توقف حتى نهاية المطاف ، فلا استراحة أو راحة عند الشاعر حتى اكتمال المعنى وتوقف (المشحوف) عند ورق التاريخ . وهذه محطة إبداعية كبيرة تناسب حداثة شعر الجبوري ، لابد من الإشارة إليها وتحليلها بعناية ودقة . وقد يتقول قائل بأن هذه المحطة هي محض صدفة أو نسيان من قبل الشاعر لوضع علامة التوقف الزمني النقطة (.) أو الفاصلة (،) داخل العبارة . وللبرهنة على عدم صحة ما سبق من فرض ، نأخذ شطراً آخر من زاوية أخرى بعيدة من ناحية الزمن التأليفي ، لكي نأتي بالحجة والبيّنة . فنجد مثلاً في هذه الأشطر :

” وأن الحبّ رسالةٌ مُهملةٌ تغطيها الأعشابُ
على ظهر القبر الماشي معنا إلى مقهى
الاضطراب العظيم. “

ــ نلاحظ ان هذا المقطع يحتاج خلاله الى توقف زمنى قصير فاصلة (،) حتى يضمن إثارة الانتباه الى الأحداث في العبارة ، او استراحة زمنية معينة ، لكنه يرفض المثول لقانونها ، لا نافرا ً للقواعد ، بل جاعلاً المتلقي ينساب عاطفة ً وإحساسا مع المعنى ، متحسساً كل الصور الشعرية والاستعارات اللفظية الرائعة ، بما يخالجها من انفعالات للذات ، و(حركة الحب الماشي والمستمر
في الحركة على ظهر القبر حتى وصوله الى مقهى الاضطراب العظيم) ، وبعد ان تحسس الشاعر باكتمال المعنى ووضوح الفكرة ، توقف عند (مقهى الاضطراب العظيم) ووضع نقطة (.) التوقف ليغلق هذا الفضاء .

ــ ولو تأملنا المقطع التالي :

” هكذا باعَ بضاعته القديمة من الظلام صارخاً:
العقلُ في الحَيْض .
الدبابةُ في اللحم.
النشيدُ في المقهى. “

ــ في المقطع أعلاه ، توجد ثلاثة اشطر ، كل شطر يمثل فكرة بذاتها تختلف عن الفكرة التي في الشطر الآخر ، وزادها الشاعر جمالا ابداعياً حين جعل الاشطر متشابهة في البناء اللغوي ، وتساوي عدد المفردات ، واشتراكها بحرف الجر (في) ، لكنها مختلفة الفكرة ، إبعاداً للملل . فكل شطر عبارة عن جملة تتكون من مبتدأ وخبر ، وجعل الخبر فيها شبه جملة ــ جار ومجرور ــ وهذا النسق في النسج اللغوي ، يناسب ما قبله من حَدَث ( هكذا باعَ بضاعته القديمة من الظلام صارخاً: ) ، ولان (البائع) حين يصرخ لبيع البضاعة ،يأتي بأكثر من جملة متشابهة ومتناظرة مع الأخرى في اللحن والسبك والنسج لجلب الانتباه ، ولابد ان تكون كل جملة مستقلة الفكرة . لذا فإن النقطة (.) هنا عملَتْ على غلق فضاء الفكرة الواحدة فقط ، للسماح بإبراز فكرة جديدة أخرى بعد استراحة زمنية مناسبة ، لتكون شطراً جديداً .

ــ ولو تتبعنا هذا المقطع من نصٍ شعري آخر :

” أسعد …
أيها الطفلُ الآشوري المُشبع برائحة
البحر . النخيل . الانتفاضات . زنج الجنس الشرقي . “

ــ نجد في المقطع أعلاه وفي الشطر الأخير ، ثلاث مفردات ( البحر. ـ النخيل. ـ الانتفاضات. ) وكلها مفردات معرفة وليست نكرة ــ ليعطيها بُعداً إعلاميا ومعنويا ومعرفياً ــ ثم عبارة متكاملة (زنج الجنس الشرقي.) . اعتبر الشاعر كل مفردة ، عبارة عن فكرة متكاملة ، وغلق فضائها بالنقطة (.) لأنه يعتبر البحر عالم كبير، وكذلك النخيل والانتفاضات . ثم جعل عبارة (زنج الجنس الشرقي.) عبارة عن فكرة متكاملة أيضا ، وغلق فضائها بالنقطة (.) أيضا . لكن الملفت للنظر ، نجده هذه المرة جعل الفضاءات المغلقة الأربع عبارة عن شطر واحد فقط ، ولم يوزعها على أربعة اشطر كالمقطع السابق ، علماً إن كل فكرة من هذه الأفكار الأربع تعني للشاعر اسعد الجبوري الشيء الكثير والكثير ، فهو يخاطب ذاته شخصياً وباسمه الصريح .

ــ هنا لابد للمحلل ان يرحل الى ما قبل هذه الفضاءات لعمل المقارنة النقدية .

في المقطع السابق جاءت الاشطر الثلاثة بعد (هتاف البائع) ، لذلك ارتأى الشاعر ضرورة تسلسل الفضاءات بالشكل المرسوم ليناسب حدث (هتاف البائع) :

” العقلُ في الحَيْض .
الدبابةُ في اللحم.
النشيدُ في المقهى. “

أما في هذا المقطع فما قبل الفضاءات الأربعة هنالك (تخاطب) مع الطفل اسعد:
” أسعد …
أيها الطفلُ الآشوري المُشبع برائحة “

ــ لو نظرنا الى هذا الفضاء المفتوح تماما لوجدنا عبارة (أيها الطفلُ الآشوري المشبع برائحة ) أتت بعدها الفضاءات (البحر. النخيل. الانتفاضات. زنج الجنس الشرقي.) وهي تشكل شطراً كاملاً مُرَكَّب من عدة فضاءات ، كلها تمثل (الرائحة) المشبع بها (الطفل الأشوري أسعد) . فلو جعل الشاعر فضاءات الرائحة (متسلسلة) لكانَ المعنى يوحي بعدة روائح ، لكن احتوائها بشطر واحد ، أكَّدَ على ان هذه الفضاءات كلها تعني لهُ جسد معنوي واحد ، وذكرى واحدة لا فرق عنده بين فضاء وآخر ، الكل مترابط بالفضاء الذي قبله وبعده . وهذا إبداع هندسي في رصف الفضاءات من خلال التعامل مع سيميائية النقطة (.) بذكاء واحتراف . وتعريف القارئ بالبعد الأول ( علاقة الدّوالّ والمدلولات).

ــ وللدلالة أكثر ، وللبرهنة بأن الشاعر يحتضن سيميائية علامات الترقيم ، بدفء أدبي وعنفوان شعري مهيب ، وما وجدناه من فعاليات سيميائية ، مقصودة من لَدُن الشاعر وليست من باب الصدفة ، نراه يحتضن النقطة (.) بقوة حتى في نسجه الشعري ، وهذا دليل بأن النقطة تعني له الشيء الكثير ، فهي بالنسبة له الاستراحة والسكون . ولان الشعر هو انعكاس لذات الشاعر ووجدانه الخصب ، فقد نَسجَ الآتي :

” وذاهبةً بالشياطين إلى غرفةِ الجنون الأعظم.
ومن ثم السيلُ
ومن ثم النقاط ُ
ومن ثم السكونُ.
ومن ثم ينتهي الليلُ من تصاميمهِ لحطامِ الأجساد . “

ــ فما الذي يوقف فكرة (سيل) الوجدان وعالم الخيال ؟ أليست النقاط هي التي توقف هذه الفضاءات ، ليأتي بعدها الفضاء الساكن !!

ــ نقول : وهل بعد هذا البرهان من شكوك …؟؟

ــ وفي قصيدة أخرى يأتي بالنقطة المدورة الكبيرة (•) ، وهي الأكبر حجماً من نقطة التوقف (.) ، وهذه العلامة منزلها السيميائي هو في بداية كل فقرة أو فكرة أو فضاء من الفضاءات المفهرسة او المتسلسلة لان طبيعة سياق النص يستوجب حضور هذه العلامة بهذه الكيفية . كما في الأتي :

” 1- • وأنا وحشٌ دون عظام. تذكر ذلك على الدوام.
2- • يا للحزين يدخلُ غرفته في الزوال؟
3- • ويا للسرير ، عندما يكون جرساً عميقاً بحجم الهاوية.
4- • ها أنا ذا أرى المراوغةَ ظلاً لكل نفس !!
5- • لماذا تطلق هكذا نداء ؟
لأن السريرَ مرضٌ يحتاج إلى اللقاح.
6- • والعاشق . أليس مستودع بكتريا ، وما من شمس كنزواته ؟!
7- • أبصم لك بقدرك في التفتن الاستراتيجي.
فالنمورُ في الحبّ أسلحةٌ . “

ــ انظر أخي القارئ الى الإبداع الظاهر أمام كل نقطة كبيرة (•) في هذا المقطع ، أليس كل كلام مُرسَل أمام كل نقطة يمثل عالماً وفكرة متكاملة ؟

ــ ففي الشطر الأول (وضع النقطة الكبيرة أمام فكرتين متكاملتين منفصلتين يمثلان شطر واحد)

ــ وفي الثانية (وضع النقطة الكبيرة أمام فضاء استفهامي بالعلامة الاستفهامية (؟) )

ــ وفي الثالثة (وضع النقطة الكبيرة أمام فضاء واحد وفكرة مكتملة واحدة تتخللها استراحة قصيرة الفاصلة (،) أمام مفردة (السرير) لأنه دليل الراحة والاسترخاء )

ــ وفي الرابعة (وضع النقطة الكبيرة أمام فضاء واحد تعجبي شديد وبقوة ، حيث وضع علامتي تعجب (!!) )

ــ وفي الخامسة (وضع النقطة الكبيرة أمام فضائين منفصلين كل منهما يمثل شطراً مستقلا ً . الفضاء الأول استفهامي يحتاج الى إجابة ، فجعل الشاعر الفضاء الثاني إجابة للسؤال على شكل فضاء متكامل وأغلقه بنقطة التوقف(.) )

ــ وفي السادسة (وضع النقطة الكبيرة أمام ثلاثة فضاءات ، الأول (والعشق.) مفردة تعني فضاء كامل مغلق والفضاء الثاني استفهامي بالهمزة (أ) وأُغلِقَ بالفاصلة (،) لاستراحة قصيرة ، ثم الفضاء الثالث . ليجعل من هذه الفضاءات الثلاثة شطرا واحدة ينتهي بعلامة منزلتها السيميائية هي الاستفهام التعجبي (؟!) ) .
ــ وفي السابعة (وضع النقطة الكبيرة أمام فضائين مستقلين بفكرتين مستقلتين تماما ، على شكل شطرين ، لكنه يجعل الشطر الثاني دلالة للأول وعلى شكل (مَثَل) يفيد العِبرَة والحذَر .

ــ الفائدة المرجوة من هذا الاستعراض النقدي هي :

إن النقطة الكبير(•) هذه تفيد التسلسل في الأفكار وفهرسة الفضاءات . رسم الشاعر أمام كل نقطة فضاء أو أكثر ، لكنه استطاع بإبداعه أن يرفع ويزيح الملل عن المتلقي . حيث استطاع من رسم صورا شعرية سوريالية ، لكل فضاء امام كل نقطة ، بحيث لو إنك بحثت في هذه الفضاءات لم تجد تشابهاً بين فضاء وآخر . بل إن كل فضاء احتفظ بخصوصيته الجمالية والنسجية والتأليفية ، علماً بأنه يتعامل مع ذات النقطة الكبيرة (•) .

ــ من كل هذا ، لابد للناقد المنصف ان يتساءل :كيف استطاع الجبوري التوليف بين هذه المعطيات المختلفة في جسد نصي
واحد متوافق ومنسجم …؟
وكيف استطاع من الإتيان بهذه النقطة لرسم صورة تسلسلية بارعة الجمال بين هذه المحطات والعوالم الشعرية وصبغها بصبغة التسلسل الفكري والوجداني؟
ــ أنا لم أجد مثل هذا الإبداع أبدا في النتاجات الحديثة إلا بما يُمَثِل تجارب خائفة مترددة متذبذبة ، كونها لم تأتِ من دراسة وبحثٍ جدّي .
ــ وكتحليل نقدي سيميائي ممتزج بعلم النفس البشري ، أقول :هل مازال الشاعر اسعد الجبوري يبحث في حياته عن نقطة (.) لتوقف هذا الفضاء الهائل الذي يحمله ، كي يصل الى عتبة الاستراحة والسكون ؟
أم مازال فضاء الوجد وخيال اللغة يأخذ منه مأخذاً كبيرا ؟
ــ لستُ أدري ….
ــ الفاصلة (،) في هندسة الجسد النصي للجبوري تعني الكثير ، فهي العلامة السيميوطيقية التي تفصل بين الذوات والمجسمات والعناصر والمواضيع المجردة والمحسوسة . كما تدل على التنوع و التعدد والاختلاف. فهو يعتبرها فضاء شبه مفتوح ، وليس مغلقا تماما كما هو الحال في فضاء النقطة المغلق .
فعند دراستنا للمقطع الأتي من أحد قصائده :

” نيرانٌ في اللغة،
تزحفُ على مباني الكلمات،
فلا تبقي من سيرة البلد الذاتية غير بلاغة
لهلاكٍ
تأخذُ معهُ الشعوبُ لقطات سيلفي . “

ــ يعتبر بعض علماء سيميوطيقية علامات الترقيم ، بأن الفاصلة لا قيمة لها إلا في الجملة الطويلة . وهذا ما نجده في المقطع الماثل ، حيث يحتاج الشاعر الى التوقف الوجداني التتابعي ، او تقطيعه الى وقفات مفاجئة ، لراحة التأليف المتعاقب أو المتسلسل منطقياً أو زمنياً . ولا يتصور من يتصور بأن هذه التوقفات عشوائية أو لمجرد التنفس الاستراحي ، أنما هو تجزئة اللفظ الكبير والطويل ، إلى مجموعات لفظية جزئية متناسقة ومنسجمة ، ويجب مصاحبتها بنغمة ــ من قبل القارئ ــ تناسب الوقفة ومعنى اللفظ الذي قبلها . وقد حددها الجبوري بما يتوافق مع مراحل تطور الفكرة .

ــ الشاعر يركِّز في المقطع الشعري السابق ،على فكرة واحدة وهي الاهتمام باللغة ، ويُنذِر ــ من خلال التأليف والبوح ــ بأن هنالك جسد طفيلي غريب يحرق ويهلك كل شيء ، قد دخل في جسد اللغة ، وحذّرَ الجبوري من التبعات ، وهذه الفكرة جَسَّدها الشاعر بخمسة أشطر ذكية ــ وكعادته لا يدخل بالمقدمات ــ فقد أوضح بالمباشر (نيران في اللغة) ، ووضع بعدها الفاصلة (،) فقد دخلت النار وتهيأت للفعل الالتهامي . ويقود الشاعر حملة إعلامية وصفية رائعة، ببوح جديد يختلف جوهريا عما سبق ، فيأتي بعبارات وصفية لهذا الجسد الغريب (النار) ، وقد جعل الشطر الرابع كله عبارة عن جار ومجرور (لهلاكٍ) ، وهذا الإبداع الراقي الذي نبحث عنه ، فقد أفرد (الهلاك) وهو الاحتمالية النهائية لهكذا خطر ولهكذا التهام ، لكي يوقظ ضمير المتلقي الحصيف الذكي لخطورة النتيجة ، ولم يوقف العبارة هنا بعد مفردة (هلاك) بفاصلة (،) أو نقطة (.) أو أية علامة ، بل أردفها بعبارة طويلة أخرى حتى النهاية ، لأنه أراد الإيضاح والتبيان للقاريء بأن (النار) لا تسمح بالتوقف ولن تتوقف ، فهي تلتهم كل شيء حتى تهفت. ثم ينهي شعره ــ الممزوج بالأقصوصة ــ بشطر ساخر يصرخ حداثوية ،عندما يختمه بلفظة (سيلفي).

وبعد لقطة (السيلفي) يضع علامة التوقف الزمني الكبير وهي النقطة (.)حيث أغلق الفضاء بعد هلاك الأمة والبلد، وهو الذي يعني نهاية فضاء الفكرة.

ــ أنا أقف مندهشاً لهذه الهندسة المنسجمة في شعر الجبوري (فكرة ـ لفظاً ـ سيميائياً) ، وبودي ان أسهب بنماذج شعرية أخرى ، لولا الخوف من تسرب الملل الى النفوس بسبب الإطالة . لذا سأكتفي بهذا الاستعراض النقدي لهذه العلامات السيميوطيقية ، ليتوالى استعراضنا في الأجزاء القادمة ، للإطلاع على كثير من إبداعات الشاعر اسعد الجبوري في هندسة هذه العلامات وكيفية تطويعها بما يخدم النسج الشعري دون المساس بقواعدها ومنازلها السيميائية .lohat asaad

الجزء الرابع
ــــــــــــــــــــــ

إن السيميائية تمتد جذورها حتى تصل الى تخوم العلوم الأخرى ، كالفلسفة والمنطق وعلم النفس والعلوم المعرفية . وهذا يوضح مدى فاعلية هذا العلم وتشعباته الكثيرة والمتنوعة . ولمعرفة بعض من هذه التداخلات السيميائية ، والتي تخص هذا الفَن الأدبي
(الشعر) ، تَوَجَبَ إكمال الرحلة السيميائية بين علامات الترقيم في بستان الشعر الإبداعي للشاعر اسعد الجبوري ، لغرض إكمال الفائدة والقصد ، ولإشباع المشروع النقدي هذا بركائز الحجة والبرهان والدليل ، لتتضح الاشراقات الإبداعية في هذه البراعة الهندسية السيميائية .

ــ في الكثير من قصائد الشاعر اسعد الجبوري ، تتوافر علامة النقطتين الأفقيتين (..) وبمراتب ومنازل متعددة :

1- فمرة تأتي بعد حرف مشبه بالفعل كما في :

” لكن ..
مهما تقطعتْ الطرقُ بلحظات ساعتي
المربوط معصمي بعقاربها. “

2- ومرة تأتي بعد كلمة واحدة كما في :

” تخومٌ ..
تلك صورتهُ الغرقى بمواد الرحيل،
وكلّهُ أراهُ تعتق ليلاً ،
ومنتشراً على الأسلاك..
نقاط اغتراب . “

3- ومرة بعد عبارة قليلة المفردات كما في :

” ليت للنهارِ ليلاً ..
نتلمس فيه شموسنا الخاصة،
تلك التي انطفأت تحت الجفون من البكاء. “

4- ومرة بعد عبارة طويلة كما في :

” أجسادُنا رسائلٌ بحبرٍ أحمر دون طوابعٍ..

قد تصل الله ،

أو قد يجرفها طوفانُ الشياطين الكوني ،

فتختفي مع الأسماء وأجنة الكلمات والتفاح

وغبار الأسبرين المعدل وراثياً من أجل صداع الجبال

ومعالجة ما في اللغة من مجاز..

وما في الغابات من ظلام متحجر. “

5- ومرة يأتي بهذه العلامة وهي تلتهم معظم النص كما في قصيدته الى

صديقه الأستاذ (محمد الماغوط) :

” خذ الأوطانَ هديةً منا إليكَ .
1- فما حاجتنا للتراب.. ونحن قبورُ لحمٍ ملتحية.
2- ما حاجتنا للتراث.. ونحن أعيادٌ من خزف وذئاب.
3- ما حاجتنا للأحزاب.. ونحن مؤتمرات متقاطعة في جرائد.
4- ما حاجتنا للسفن.. ونحن غرقي داخل أرحام من الصفيح.
5- ما حاجتنا للسيوف.. ونحن مواليدٌ مكتومةٌ بلا أكف.
6- ما حاجتنا للنفط.. ونحن فلاسفةٌ من جهنم وزمهرير.
7- ما حاجتنا لقصيدة النثر.. وقد أغلقنا باب الدماغ بطوب الهايكو اللعين.
8- ما حاجتنا للنباح..وهم الكلابُ وقطاع الطرق والبنوك والعروش والكتب.
9- وما حاجتنا للسياط.. وجلودنا مدبوغة على كل بسطة من الوطن الفلكي.

ــ هذه العلامة (..) هي علامة سيميوطيقية جديدة في عالم علامات الترقيم ، وقد أُدخِلَتْ حديثاً . وقد استعملها المبدعون وأصحاب الخيال الخصب، للتوقف بوقفة قصيرة وبزمنٍ يختلف عن زمن الفاصلة (،) ، وبفضاء يأتي بعدها يختلف عن الفضاء الذي يأتي بعد الفاصلة ، وهي لا تفيد الحذف كما يظن البعض . بل أحيانا توضع مكان الفاصلة للدلالة على إعطاء القاريء وقتا إضافيا للتخيل والاستمتاع بجمال النص وسحره رغم القواعد والضوابط التي تُراعى لوضعها بين فعل الشرط وجزائه أو بين ركني الجملة ، وما الى ذلك من فعاليات ، وقد سمّاها البعض بعلامة (التخيل والإبداع الجمالي) ، لِما يتوالى بعدها من فضاءات التلفظ وتوالي الأفكار الإبداعية المفتوحة المتفجرة بالمهارة والاختراع الأدبي .

ــ ولو نظرنا للفضاءات الإبداعية التي تأتي بعدها ، نجد إن الشاعر ينطلق بعد هذه العلامة (..) نحو فعل الكتابة والبوح والجهر والإبانة عن الوعي واللاوعي . بشكل هادر ومتفجر . على خلاف ما يأتي به بعد الفاصلة .

ــ هذه العلامة تأمر بالتوقف المؤقت للتفكير من قبل المتلقي ، ثم الاسترسال بالقراءة والكلام ، لأخذ النَفَس الإبداعي بعد وقفة تأملية شعورية ولاشعورية ، وبعد لحظة تأهب لتفجير طاقات ابداعية جديدة .

ــ لو تأملنا كل الفضاءات التي جاءت بعد النقطتين الأفقيتين (..) في المسالك الخمسة ، لوجدناها فضاءات تحمل من الإبداع الوصفي لصورٍ شعرية متعددة ، لا يمكن ان تأتي مثلها بعد الفاصلة (،) . وخاصة في المسلك الخامس عندما يتحدث الشاعر الى صديقه (محمد الماغوط) في الاشطر الشعرية التسعة ، لوجدنا الحاجة الى (السكتة) والتوقف الزمني المناسب بعد النقطتين
(..) ، كي ينساب المعنى بنبرة متمازجة مع نوع الحدث التفاعلي من قبل القاريء.

ــ حيث ابتدأ خطابه بـ (ما حاجتنا ) وقد كررها بتسعة أشطر ، كل شطر تتخلله هذه العلامة السيميائية (..) ليأتي الشاعر بعدها بفضاءات مختلفة العناوين والمآرب ، وكأنك تحصل على قصة شعب من خلال خلاصة معاناة قد صيغتْ بإتقان وإبداع ، وصورَتْ ملحمة شَجَن وجوى ، وهذا ما لم يكن يحصل بعد الفاصلة (،) .
إذاً علامة النقطتين الأفقيتين (..) لا تدل على التوقف النهائي ، بل هو توقف زمني عابر، بغية الانطلاق من قبل الشاعر نحو فعل التأليف والإفصاح عن الإبداع في فضاء جديد متمدد ، ضمن دليل تفاعلي بين المتلقي والشاعر.

ــ والآن نكمل رحلتنا النقدية ونتأمل هذا المقطع :

” أرضٌ
مثقلةٌ
بالحِداد…
وقلوبٌ كمنازل مهجورةٍ. “

ــ جملة واحدة (” أرضٌ مثقلةٌ بالحِداد…) وُزِّعَتْ بثلاث مفردات ، كل مفردة احتلتْ شطراً كاملاً مرتبط بمعنى الذي يليه . هذا التوزيع ليس مقصدنا الحالي ، الذي يهمنا هنا ، الثلاث نقط (…) بعد (بالحِداد)، وهل جاءت هذه العلامة لغرض الزينة وزخرفة النص ، أم لغاية أخرى يقصدها الشاعر؟

ــ تُسمى النقاط الأفقية الثلاث (…) بعلامة الحذف ، وهي عالم سيميائي بصري متكامل ، لافتاً الانتباه المتلقي بأن هنالك فضاء محذوف بعيد المدى وغير مُحَدَدْ ، حين تطفو العبارة فوق صفحة النص بانسيابية خطية مستمرة.
وقد بَرَعَ الشاعر في تصوير انسيابيتها (نزولاً) وهو يصف الأرض المثقلة بالحِداد ، وكأن ثقل (الحِداد) أستعبده قانون الجاذبية نحو الأسفل ، حتى يقف عند هذه العلامة (…) والتي تحدد الفراغ القولي المحذوف للشاعر، أو الفضاء الأدبي الممتد ، الذي يختزل القول والحوار والحقائق ، ليؤدي الى وقفة في الكلام . وتحيل هذه العلامة ذهن المتلقي ، على الفضاء المحذوف أو الفضاء الفارغ أو الفضاء الصفري أو الفضاء الممتد الذي يختزل الكلام والحوار والحقائق. حيث إنها تعبير عن عالم الصمت والفراغ . ويقابل هذا الفراغ ، الهتاف والصداح المخفي الذي يجعل المتلقي ينسجم ذوقاً ووجداناً مع اللفظ والفكرة .وهذا الإبداع الشعري ، هو الذي يجعل الشاعر متفنن في تحقيق الهدف التفاعلي بينه وبين القاري من خلال هذه العلامات ، لتنشيط مخيلته وذهنه لملء الفراغات المرسومة في النص . لان شاعرنا الجبوري بطبيعته يجيد الإيجاز والاختصار والإدغام والتكثيف في الأفكار، كي لا يصبح النص
جسداً محشواً بالمفردات المتشابهة والمتناظرة التي لا داعي لها . لذا فهو يعتمد هذه العلامة (…) في نصوصه .

ــ فالقارئ الذكي الذي يتفحص المقطع الشعري السابق، ويتابع فكرة الأرض التي لم تكن مثقلة (بالحداد) فقط وختمها الشاعر بعلامة (…) ، سيفهم صفة هذه (الأرض) ، وسيبتكر المتلقي بعض الصفات الأخرى لملء الفراغ ، حيث اراد الشاعر الاكتفاء ببعض المطلوب من الصفات وهو (الحداد)، ولعدم الإكثار منها ، لأنها مفهومة من خلال سياق الكلام أو من المفروض أن تكون قد
أصبحت معروفة لدى القارئ وإدراكها تلقائيًّا، وهذه من فعاليات تواجد هذه النقاط الثلاث (…) .

ــ وإذا كانت النقطة (.) والفاصلة (،) تعبران عن فضاء أدبي وخيال يوحي بعالم متوقف بصريا ولفظياً ودلالياً ، فإن نقط الحذف الثلاثة (…) توحي بعالم وخيال مازال غير مكتمل ، وهو في طور الامتداد والتشكل . وهكذا ينتهي البوح الشعري بفضاء خيالي أدبي مفتوح . وبعد ملء الفضاء المحذوف من قبل المتلقي بما يشاء من خيال ، يضع الشاعر نهاية وخاتمة صادمة للمتلقي عندما يختم الشاعر بعبارة (وقلوبٌ كمنازل مهجورةٍ.) . حيث أتى بالشطر وأغلق فضاءه بالنقطة (.) للاستراحة بعد هجرة المنازل ، ولان مفردة (مهجورة) تعني الكثير في خيال اسعد الجبوري ، حيث انه عانى من هذه المفردة ، وعاش معنى الهجرة الجسدية والروحية ، فهو ما يزال يعيشها ، وهو الأقرب لمعناها ، لذا فهو يهتم بالفضاء المغلق بنقطة التوقف .

ــ عندما أَبحَرتُ في المحيط الشعري للأستاذ أسعد الجبوري وتوقفتُ في محطاته السيميائية ، وجدته يستخدم علامات الترقيم ضمن إطار دقيق وحِرَفي متمكن ، ووجدته يحترس ويتناغم في نفس الوقت بالتفاعل مع هذه العلامات .

ــ ففي مثال شعري آخر ، من قصيدة (الرغبة) :

” تلك شهوةٌ ساقطةٌ كصخرة سيزيف
في الغيبوبة.


هكذا سريعاً..
من تحت قميصي ناداني. “

ـ نلاحظ هنا بأن الشاعر رسم شطرين منفصلين ، كل شطر تمثله نقط ثلاث (…) لم يأتِ قبلها ولا بعدها شيء من الكلام .

فهل هذا من دواعي التزويق والزخرفة والجميل لشكل النص ؟بالتأكيد لا ، لأن الاشطر التي قبلها ما قبلها تدل عليها . فهو يصف الشهوة الساقطة في الغيبوبة ، كـ (سقوط الصخرة من قبل (سيزيف) وهو شخصية معروفة في الأساطير الإغريقية حيث عوقب بأن يحمل الصخرة الى أعلى الجبل لكنها تسقط منه كل مرة إلى الأسفل فيحملها مرة أخرى وهكذا…) .

هذه الصورة الشعرية وحركة السقوط في (الغيبوبة) أتت بعدها النقط الثلاث (…) على شكل شطرين منفصلين متتاليين وليس شطر واحد ، وكل واحد يمثل فضاء محذوف يملأه المتلقي بخياله الخصب ، لأن ما بعد الوصف الشعري ، هنالك امتداد تأملي ممتد ،وهذا أيضا إبداع من قبل الشاعر.

ــ وعند مروري في قصيدة يصف فيها حالاً ممزوجاً بذكرى يقصدها في سوريا :

” كم ذبُلتَ في (جبلةَ) شريداً.
وكم جالستَ جبال اللاذقية وحيداً
في مقهى البستان أو السويس.
أهو زمانُ انفراط حديد الندامى هنا
وهناك.
ولا سرير بعدها.
ولا باص بعدها.
الزجاجاتُ قاحلاتٌ،
والخمورُ في العنقاء. “

ــ الذي أدهشني إنه تعامل مع المسميات والمناطق المتعارف عليها ثقافياً واجتماعياً والتي تبدو من الأسماء التي لا يشوبها الاستفسار كـ (جبال اللاذقية ـ ــ مقهى البستان والسويس ) ، حيث تعامل معها كلها دون الحصر بين القوسين الهلاليين ( ) لكن عندما يصل الى مدينة (جبلةَ) نجدهُ يحصرها بالقوسين اللذين يفيدان الحصر والتفسير والتوضيح ، لأنه استدرك بأن المتلقي والقاريء قد يذهب بعيداً في تفسير مفردة (جبلةَ)، كونها حمّالة وجوه . فسياق الجملة ممكن ان يفسر المفردة (بالأرض الصلبة أو القوم أو الجماعة) ، لكن القوسين قاما بالغرض المنشود ، ليستدرك القاريء انها مدينة او منطقة ــ سورية تطل على البحر المتوسط ــ وحسب سياق
الحدث والوصف .

ــ وفي قصيدة أخرى يقول :

” كلما لامسَتُ بيدي باباً من ((طوق الحمامة))
سرعان ما وجدتُ قلبي كمنجةً،
تجمعُ فتافيتَ أخشابها من نساءِ الريح ِوالفلفلِ
الأحمر. “

ــ ونتأمل جملة ((طوق الحمامة)) حيث حصرها بين قوسين مكررين ، ليشدد على التاكيد بأن هذه العبارة ليست استعارة جمالية أو صفة لشيءٍ ما يتعلق بالحمامة فهو يعني شيء آخر يخص (الحب ) ، مما يجعل القاريء يبحث عن المعنى ، ليجده كتاب (ابن حزم الأندلسي وهو من كتب دراسة الحب وبيان مظاهره وأسبابه معتمدا التحليل النفسي ) وهذا ما يناسب السياق العام للنص ، ويجعل القاريء والناقد أمام فيض مكثف من الثقافة المتنوعة والرائعة التي يتسلح بها الشاعر والمتلقي في ذات الوقت . كما ويؤشران هذان القوسان على دلالة التركيز والتضمين .

ــ في دراستي النقدية هذه ، ركزّتُ فيها على علامات الترقيم التي تنتشر وبكثافة في شعر اسعد الجبوري والتي تجعل منه سمة واضحة جَليّة لا تقبل النقاش و التسويف.

ــ فعلامة النقطتين المتعامدتين (:) نجدها تتحرك بحرية منضبطة ، وتنطلق بطاقة كامنة لتعطي للمتأمل والمتطلع انطباع ، بأن الشاعر يجيد فن التخاطب الشعوري واللاشعوري ، لان الشاعر هو نفسه طاقة كامنة هائلة ، متبركن ذاتياً ،وما ان تصل طاقته مرحلة الذروة ، حتى نجد ثوران بركاني هائل يمتد أثره الى غايات أدبية بعيدة المدى ، ويتمدد أميبيا ، ليجعل من هذه العلامة
البارزة ، فضاء مفتوح ومباشر وبلا حدود ، وهذه العلامة تفتح أبواب الحوار التخاطبي والشرحي والتفسيري والتعليقي ، فهي تمثل الفضاء الموازي لفضاء الشاعر المُشرَع .

ويؤكد علماء السيموطيقيا بأن الاستخدامات المتعددة لهذه العلامة تعطي انطباعاً لدى المتلقي بان الشاعر يتعاطى خيالا ووجدانا صارما وجريئا ًمع الحدث التفاعلي ، فهي الرمز لعالمين علوي وسفلي ، وما بعده يفيض به الشاعر لكشف مابين العالمين من حيثيات الحياة الخاصة والكونية العامة .

ــ بعد هذه الفائدة المعلوماتية ننتقل الى روح الإبداع في عالم الجبوري للفضاء الرحب الموازي لهذه العلامة. ففي قصيدته الرائعة (النفي) نجد الأتي :

” لكنهُ استدار لا مرئياً نحوي.
وهو يهتف :
أنا قاطف الحدود لا الورد .. “

ــ هنا انفتح الفضاء الخطابي بالهتاف بعد النقطتين المتعامدتين (:)
” أنا قاطف الحدود لا الورد .. “

ــ وفي قصيدة (الزمن) :

” سألتهُ :
وأين منكَ نوحُ مدير الإسعاف ومخرجه
فردّ علىّ مُسرعاً :
السيدَ في شباك التذاكر ،
يَقطعُ
الغرامات
لنزلاء
الطوفان . “

ــ وفي هذا النص جاء الفضاء متسائلا ً ومستفسراً ، حيث استطاع الشاعر ان يجسد فضاء السؤال بـ ( وأين ) واتى بالواو هنا وكأن هنالك أكثر من سؤال في هذا الفضاء . ثم يأتي الفضاء الإعلاني والإعلامي التوضيحي بعد النقطتين المتعامدتين (:) ليقول :

” السيد في شباك التذاكر ، “

ــ ويكملها بفضاء توضيحي آخر:

” يقطع الغرامات لنزلاء الطوفان. “

ــ وفي قصيدة (الماء) :

” فاستدارت نحوي شاشةُ رأسه
وأشار :
لا نصرّ إلا الماء “

ــ الكثير من المؤلفين يضعون النقطتان المتعامدتان للدلالة على قول قائل، لكن الإبداع هو في استخداماتها البعيدة ضمن فضاءات موازية تمتزج بالخيال الذكي ، ففي قصيدة (الماء) ، أتى الفضاء التخاطبي بالتصوير الإيمائي ، فاستخدم الشاعر كلمة (وأشار) . أَليس من المفترض ان يسبق العلامة بـ (وقال) ؟ لكنه لم يأتِ بها ، وإنما عوضها بمفردة إيمائية ،دلَّتْ على التخاطب ، وهذا من جوهر الإبداع .

ــ وفي قصيدة أخرى :

” فيدخلُ الممثلون والممثلات بنّصوص
النيران المقدسة ،
تائهين ما بين الكاميرات وخزائن الشهوات.
كأنها الحربُ ولا تنتهي.
بعد تلك اللقطة:
ليس من اللَّياقة عدم التلويح بالمناديل
لصحون اللحوم الطائرة. “

ــ هنا برز الفضاء التخاطبي والتوضيحي ما بعد العلامة ، وما قبلها هو الإبداع بعينه ، فبعد الوصف الرائع للممثلين وحالة التيه بين الكاميرات وخزائن الشهوات وكأنها الحرب الغير منتهية ، يأتي الشاعر بعبارة (بعد تلك اللقطة:) ، حيث اعتبر الحدث السابق بكل هيجانه عبارة عن (لقطة) وهذا ما يناسب فكرة النص ، ثم يضع العلامة (:) و يأتي بعدها بفضائه التوضيحي الشخصي ، وكأنه يتخاطب ذاتيا ً ، ولم أجد شخصياً استخداماً مماثلا ً في هذه الأيام كالذي أراه في شعر الأستاذ اسعد .

ــ وأمامنا الآن هذا النص الرائع الذي اضطرني لنشره كاملا لروعة هندسته :

” قل يا يُوسفُ:ما أفظعَ دولة البئر.
ونريد المغادرة.
قل يا يسوعُ :
ما أجملَ الصليب الأحمر،
حين يصير مأوى الملايين.
قل يا يونسُ :
لا أريد وطناً مُغَيباً في مبنى حوت.
قلْ يا محمدُ:
سيلغي اللهُ الحروبَ بعد هذا المؤتمر
الصُحفي.
قلْ يا حبُ :
أنتَ حارسُ أرواحنا في اليمِ والنوم
والتعبير. “

ــ في هذا النص استخدم الشاعر هذه العلامة(:) بكثافة وكأنما هي روح النص. وهذا ذكاء في التأليف ، لان روح الفكرة وجوهرها هو الخطاب والتخاطب ، لكنه لم يجعلها مُمِلّة بتوفر عنصر (التكرار)، بل ان تكرارها زاد النص جمالا، فهي وان اتصفت بالخطاب لكن الشاعر نوَّع في الأسلوب التخاطبي ، ونَسجَ الأجزاء بحرفية عجيبة .

ــ وفي نصٍّ آخر :

” يَصرخُ بالهواء صائحاً:
لا تحملْ على كتفيكَ القذائفَ وتُسرعْ بنا
لملاجئ العدم.
أول البارحة كانت النار في مجرى الكتاب.
أول أمس جاءت الكارثةُ بفستانها الأحمر المُخرّم
بالرصاص.
أول اليوم لَوْحةُ عَدّادات الموتى تَوَقفتْ.
وغداً
سيصلحها اللهُ لتقومَ بواجبِ العدّ والتعازي.
بينما العبادُ باللحوم المَفرومة،
فَتزخرفُ حائطَ الليل الذي لا ينجلي. “

ــ الجميل هنا ، إن الفضاء الموازي للعلامة ، قد استخدمه الشاعر بانفتاح كبير وتحرك مابين العالَمَين العلوي والسفلي ، فكل النص جاء بعد العلامة ، حيث ما قبل العلامة هو الصوت العالي (الصراخ) المتفاعل مع (الهواء) ، هذا التفاعل والوصف الراقي ، لابد ان تكون فضاءاته المقابلة بسعة الهواء وامتداده ، فجاء كل النص وهو يحمل مفردات عالمين ، علوي وسفلي لتمثل الصورة السيميوطيقية للعلامة بدقة وروعة وجمال.

ــ بعد هذا الإبحار في العمق الوجداني للأستاذ الروائي والشاعر أسعد الجبوري أجد نفسي مرغماً على التوقف النقدي ضمن هذه السيميائية الرائعة ، والتي جنَّدها الشاعر فأحسن تطويعها وأحسن إنزالها مراتب الدلالة والإبداع.وقد استعرضنا في دراستنا النقدية لعلامات الترقيم ، التي تنتشر في الفضاء الوجداني للشاعر، والتي تشكّل سِمَة واضحة وبارزة في أدب الجبوري ، حيث اعتمدنا أسلوب التحليل والتفكيك مُحاطاً بالفوائد المعلوماتية ــ مبتعدين عن المفردات التزويقية والألفاظ الخادعة التي لا تخدم الهدف الرصين ــ لرفد البرهان بالأدلة الثابتة ، وليزداد المتلقي معرفةً ويقيناً ، لأن النقد بلا دليل ،هدمٌ لليقين .

وعِشقُ الجبوري للعلامات النقطية الأفقية بأنواعها ، يعطي دلالة على انسياق الشاعر وراء فضاءات الامتدادات ، واحتضان فضاء التأمل والتخيل والإبداع ، والبحث الدءوب عن التجديد على المستوى الايقوني والخطي والبصري .ووجدتُ الجبوري قد تمكَّن من عرض مجموعة من الفضاءات السيميائية المتولدة من علامات الترقيم المختلفة ،مثل (الفضاء المفتوح و الفضاء المغلق والفضاء الممتد والفضاء المحدد والفضاء المنغم وفضاء الدهشة والتفسير وفضاء التخاطب والإيماء والتأويل …. وغيرها ) .

وهذا يعكس مدى اهتمام واحترام الجبوري بالنظرة التفاعلية بين ذات (المرسِل) وذات (المتلقي) ، والذي يظهر من خلال حرصه واهتمامه بسيميائية الدلالات والعلامات والالتزام بحدودها ، وتوظيفها في مختلف المنازل والمراتب الفكرية والشجية الممتدة عبر عوالم الخيال وعوالم المحسوس ، من أجل بناء نص تخيلي يشع جمالا ومهارة وإبداعا.

ــ اهتم الشاعر أسعد الجبوري في صياغة الإبداع بريشة فنان محترف ومُتمكّن ، حيث جّسَّدَ البعد الثالث (علاقات العلامات بمستعمليها) بأروع حالاتها ، وهذا ما سنبينه جَلياً في بحثنا النقدي للجزء القادم بعونه تعالى .asaad loha 3
الجزء الخامس 
ـــــــــــــــــــــــــــ

تناولنا في دراسات نقدية سابقة ، سيميائية الدلالات وعلامات الترقيم في شعر الروائي الشاعر أسعد الجبوري . وخلال إبحارنا النقدي في هذا المجال ، بَرزَ أمامنا نص زاهٍ بَرّاق ، يصدحُ عذوبة لفظ ، وبراعة هندسة سيميائية مُلفتة للنظر النقدي المتفحص .

ــ هذا النص جاء وكأنه متوالية عددية ، وغاية في الذكاء الممنهج المدروس.

(النص)

بغدادُ.
وليس الدمُ على السطرِ نقطةً.
بغدادُ..
أجسادكِ لن تكون من الأثاث القديم .
بغدادُ…
الطابقُ العلوي للأرواحِ مرتفعة بقبائل
الطير والنار.
بغدادُ….
الأحزانُ على أبوابكِ مُحْدَوْدَبةٌ .
وأنتِ أمُ آلامنا الماضية بالعمر على العكاكيز.
بغدادُ
وإنهُ الموتُ بملابس مُفَصّلةٍ على زمنِ
الدين القادم من الكهوف.

(اسعد الجبوري)
…………………………

ــ الآن نبدأ بالدخول في الجسد الوجداني لخيال الجبوري من خلال النص الماثل أمامنا ، ولنتفحص هذه الصورة الشعرية التلقائية النفسية الخالصة ،والتي أَسقطَ الشاعر فيها المسميات الواقعية ، على جسد النص كرموز معبرة عن التحليق والارتقاء الى ما فوق المرئي .

ــ النص يتغنى بمدينة عربية ، تشكل بالنسبة للجبوري مفصلا تفاعلياً ذاتياً ، لا يقبل الانفصال أو الانزلاق والإفلات . كونها (بغداد) عاصمة وطن تنتمي إليه نقطة دم الشاعر وذرات جسده المتلبسة بتلك الروح المهاجرة المشتاقة .

ــ لو أحصينا مفردة (بغداد) في هذا النص، لوجدناها ذُكِرَتْ خمس مرات فقط. وكما عَهِدنا الجبوري في اهتمامه الإبداعي المرافق للنسج اللغوي ، نجده قد رَسمَ لوحة فنية شعرية رائعة ، اظهر براعته السيميوطيقية في توزيع علامات الترقيم والمفردة ، وقد لوَّنها بالإبداع الذي يظهر للوهلة الأولى وكأنه نوع من الزخرفة، لكن المتفحص والمتفهم لسيميائية العلامات والدلالات سيجد غير ذلك:

ــ إن النقطة (.) والنقطتان (..) والثلاث (…) والأربع (….) ولكل لون من هذه الألوان السيميائية، دلالة يعنيها الشاعر ويقصدها. حيث نؤكد مرة أخرى الابتعاد عن عامل الصدفة والعشوائية.

ــ ينطلق الشاعر في توزيع مفردة (بغداد) بمنازلها الخمس ، بما يتناغم وعدد حروفها الخمس ( ب ـ غ ـ د ـ ا ـ د ) .ولا أعتقد إن هذا التوزيع المتناظر بين عدد منازل المفردة وعدد حروفها ، جاء من باب الصدفة ، بل جاءت هذه الهندسة من باب القصد والعزم .

ــ إن المتأمل للمفردة الأولى (بغداد) ، يجد ان الشاعر قد وضع بعدها نقطة واحدة (بغداد.) وبعد الثانية نقطتان (بغداد..) وبعد الثالثة ثلاث نقاط (بغداد…)
وبعد الرابعة أربع نقاط (بغداد….) وبعد الخامسة فضاء خالي من النقاط (بغداد) ، وقد قَصَدَ الشاعر هذا التوجه الإبداعي ، الذي سنبينه في مبحثنا هذا .

ــ رُبَّ سائل يتساءل : وما نفع هذه الصور في توزيع النقط بشكل متوالية عددية بعد مفردة (بغداد) ؟؟

نقول : ان ما تطرقنا إليه في دراستنا النقدية السابقة لعلامات الترقيم وقواعد توظيفها ، هي ذاتها المستخدمة هنا ، لكنها جاءت بشكل بنائي هندسي إبداعي من لّدُن الشاعر .

ــ فقد ابتدأ النص بكلمة (بغداد) وجعلها شطراً كاملاً ولفظاً متكاملاً وقد أغلق هذا الفضاء بالنقطة (.) ليعطي انطباعاً للمتلقي ، ان بغداد كبيرة في خيال الشاعر بقدر كل ما يحمله الشطر الشعري من بوح ومشاعر وشَجَن ، فهي تعني الكثير ، لذا فهي وحدها تنافس الكل وهي وحدها عبارة كاملة ، ولابد من غلق الفضاء وختمه فلا داعي للزيادة . وبعد استراحة ووقفة زمنية مناسبة ، يتوجه الشاعر الى مخاطبة بغداد بنباهة وإبداع لا يخلو من الحزن والوجد ، وبشطر آخر يمثل هالة من الإبداع تستدعي التوقف الذهني للقاريء للاستنباط والتصور لهذا الخيال الساحق .فيقول :

” وليس الدمُ على السطرِ نقطة “

ــ أي خيال هذا يا أستاذ اسعد !؟

ــ لأن الشاعر يدرك تماما بأن النقطة (.) هي علامة التوقف والاستراحة . لكن قطرة الدم النازفة على سطر الحياة أو الأرض ، لا تعني نقطة ، فنزيف الدم لا يعني التوقف والاستراحة ، بل الفناء أو الخلود .

ــ اُقسِم لو كان هذا الشطر وحده لكفى .

ــ ثم يأتي بشطر جديد يحوي كلمة (بغداد..) وحدها فقط مرة أخرى ، لكنه اتبعها هذه المرة بنقطتين (..) وهي علامة (الإبداع المفتوح) التي ذكرناها في الجزء السابق ، وعلى الشاعر ان يستثمر هذا الفضاء المفتوح بلا حدود، فيأتي بعبارة مكثفة الخيال زاخرة الاستقراء متفجرة المعنى ، وبأسلوب التخاطب المخفي (أجسادكِ لن تكون من الأثاث القديم .) وهذه العبارة فيها من التخيل الممتد اللانهائي من التصاوير الشعرية ، والتي تناسب فضاء النقطتين (..) وجعل لفظة (أجسادك) بصيغة الجمع ، وهي التي تمثل العالم (السفلي) ، لأنه يعني المغزى الكبير الذي يتبع بغداد وما ينضوي تحتها من شعب وتاريخ وحضارة وغير ذلك من المعاني.

وكما قلنا بأن الشاعر يجيد التكثيف في المعنى، وقد يأتي بفضاء هائل يتكون من كلمتين أو ثلاث . ولا نعني بالفضاء الكبير هو كثرة المفردات ، بل بتركيز المعنى وسعته وشموله الإبداعي ، وتحريك خيال المتلقي الى أكثر من عالم ، وخاصة ان شاعرنا يجهد نفسه بالمشروع النانوي للغةٍ مكثفة .

ــ ثم يأتي بمفردة (بغداد…) مرة ثالثة ليجعلها شطراً متكاملاً أيضا ، ويضع بعدها الثلاث نقط الأفقية (…)التي تعني الفضاء الواسع المحذوف، والمسموح للمتلقي بملء هذا الفضاء بما يشاء وبما يناسب الفكرة والسياق الشعري .

وبما ان الجبوري هنا لا يخاطب المتلقي فقط في هذا النص ، فهو يخاطب (بغداد) ، لذا نجده هو مَنْ يقوم بمهمة ملء الفراغ ولا يدعها للقاريء ، وبهذا فإنه يرسل إشارة سيميوطيقية الى المتلقي بان (بغداد) هنا تخصه فقط في هذا النص ، وللقاريء ما يشاء من الاملاءات.ومن اجلها نسج هذه القُماشة الأنيقة الزاهية ، وجعل المتلقي بمرتبة المتفاعل المشارك والمتفرج والمستمع والمتطلع الى شجون الشاعر. وهنا يكمن الإبداع والروعة. فيملاْ الفراغ بعبارة جَزَّئها إلى شطرين :

” الطابقُ العلوي للأرواحِ مرتفعة بقبائل
الطير والنار. “

ــ فبعد ان ملاْ الفضاء السابق بالعالم السفلي (الأجساد) ، نجده هنا يملاْ الفضاء المحذوف بالعالم العلوي (الأرواح) وهو الفضاء الممتد الواسع الرحِب .

ــ هنا توجد إشارة ، وعلامة سيميوطيقية (مستترة) وهي النقطتان المتعامدتان (:) وهذه العلامة يعتبرها بعض علماء السيمياء دلالة على فضائين (علوي) و(سفلي) . وبما ان سياق النص يوحي بمخاطبة الشاعر للعاصمة (بغداد) ،لكنه لم يستخدم هذه العلامة (:) فجاء بشطرين ،احدهما يخاطب الفضاء السفلي (الأجساد) والآخر يخاطب الفضاء العلوي (الأرواح) .

ــ هل هذا من دواعي الصدفة في السبك والحبك واستخدام السيمياء …؟؟

ــ فقط المتلقي العاجز هو الذي يظن ذلك .

ــ وهذه النقط الأفقية الثلاث (…) إذا أضيفت لها نقطة رابعة (….) ستصبح علامة سيميائية لفضاء أوسع وأكثر امتدادا للفراغات المحذوفة، فجاء الجبوري بهذه النقاط في المرة الرابعة لمنزلة (بغداد ….) وجعلها أيضا شطرا متكاملا ً .

ــ هنا ينزف الشاعر بكل شجنه ووجده وآلامه ليملاْ هذا الفضاء السحيق ،فيطلق ألفاظا تتسابق معانيها الى ذهن القارئ (الأحزانُ – مُحْدَوْدَبةٌ – أمُ آلامنا – الماضية بالعمر – عكاكيز) فيجسدها كعادته بالسبك المكثف الرصين وكأنها ومضة تنتظر التفَجّر والتنوير ، فيقول :

” الأحزانُ على أبوابكِ مُحْدَوْدَبةٌ .
وأنتِ أمُ آلامنا الماضية بالعمر على العكاكيز. “

ــ المتتبع لهذه الصور الشعرية ، يتساءل : لماذا لم يضع الشاعر خمس نقاط بعد (بغداد) الخامسة او اية علامة أخرى …؟ ولماذا جعل الفضاء بعد (بغداد) الخامسة مبهم خالي من العلامات السيميائية …؟؟

ــ ونحن نتساءل أيضا : هل يصح التساؤل بعد هذه الدلائل والبراهين …؟ ولأجل إكمال الدراسة النقدية لهذا النص الرائع نكمل للآتي :

ــ بعد كل الوصف والتخاطب الممزوج بالألم واعتصار الحزن من الذات ، ولبعد الأمل فيما يحيط بالمفردة من صور متلاطمة وخطوط سريالية متشابكة ، نجد الشاعر يخلي مفردة (بغداد) الخامسة من أية علامة دالة . فهل جاء هذا الفضاء المفتوح على المجهول بعامل الصدفة كذلك …؟

الجواب نستنتجه من البوح الكبير الآتي :

” وإنهُ الموتُ بملابس مُفَصّلةٍ على زمنِ
الدين القادم من الكهوف. “

ــ نعم قصدَ الشاعر ذلك ــ لله درك يا أسعد ــ نعم انه الموت ، وأي موت ..؟
الموت المفصَّل على قدر الأجساد والقادم من دين الكهوف . وهل في عالم الكهوف علامات دلالة سيميوطيقية او علم سيمياء …!!؟؟
بالتأكيد : لا وألف لا .
انه الظلام وعدم وضوح الرؤية ، وعالم الجهل والمجهول . فلا تنفع معه علامات ترقيم ودلالة ، ولا علامات السيمياء .

ــ وما بعد صورة بغداد ، يبقى الروائي الشاعر اسعد الجبوري رمزاً وفخراً للأدب العالمي ، وعالِماً بذاته ينظوي تحت جناحيه عالم الرواية والشعر الحداثوي لينزف مداداً ساحراً جلياً ، قد كلله بالثقافة والعلم والدراية والمعرفة.
واستطاع تطويع المفردات الحديثة والتي دخلت عالم اللفظ في المجتمع المعاصر.

مثلاَ :

1- ” الأمطارُ على الشاشتين المعلقتين على الوجه

اختفتْ من شدّة الجفافِ. “

2- ” هل يتناهي إليكِ صوتي بأنين ذبذبات هاتفٍ

نَّقَّال موشك على الانفجار . “

3- ” يُعيد طباعة عزلته وما على أوراقهِ من بواخرَ وأثاثٍ وقوارض. “

4- ” وأنا ترابُ اللغةِ الهائمِ بمحبرةٍ الزمان. “

5- ” يحكى أن أجساداً لأقوام من الله،
فُرّغت من محتوياتها تباعاً ،
ورميتْ قطعَ غيار سكرّابٍ في هاوية الظلام. “
ــ وغير ذلك من الألفاظ التي استطاع الشاعر بذرها في بستان لغته الشعرية وأنتج لوناً خاصاً به يختلف عمّا أتى به غيره من الشعراء المحدثين. واستطاع كذلك من توليف هذه الصورة الحداثوية مع علامات الترقيم ، ضمن عالم سيميائي ذكي إبداعي جميل .

ــ إن هذا المشروع النقدي بأجزائه الخمسة، والذي اختصَّ بتحليل ونقد سيميائية علامات الترقيم ، التي تفننَ بها الجبوري ، واستطاع توظيفها بعناية فائقة مدروسة ومهذبة ، مضيفاً إليها لَمستهُ الإبداعية الماهرة والتي جاءت منسجمة تماماً مع متطلبات النص ومتوافقة مع خياله الخصب.
كل ذلك جعل من أقلامنا تنسج ريعاً أدبياً نقدياً . وهي تتفحص الطريق قبل الولوغ فيه ، وتنقب عن اليقين قبل الارتشاف منه ، حتى وجدنا جمالاً محاطاُ بالخضرةِ والنظارة والبهاء ، جعل الناقد يترجل من راحلته ليجد بستاناً وارف الظلال ، وهو مطمئن للذيذ الزاد والماء الزلال. فيطيب لنقدهِ ان يسبح ، في روضة فردوسها فسيح ، يتيهُ فيها الوافدون ، ويعشق زهرها العاشقون ، ارتدت من الجمال حُلَلا ، وارتَقَتْ الى النجوم منزلا ، تحوي من الكلام رقيقهُ ، ومن المُحسّنات بديعهُ ، ومن الرموز ألطفها ، ومن المعاني
أشَفَّها ، قِطَعٌ قِصار ، وأخريات كُثار ، تباعدَ عنها المَلل ، وتداخل فيها الزَجل،قد كُتِبَتْ وهي في الوجد ، ونُحِتَتْ وهي في الصَّلْـد ، فتراقَصَتْ من غير مِداد،وترادَفتْ من غير عَتاد .
* ناقد من العراق

((آفاق نقدية))

((الناقد العراقي))

No Comments Yet

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *