«نيلس» بجانب زوجته كريستينا العازفة الأشهر في الدنمارك واسكندنافيا

 

حاوره- سطام الحقباني، نزار سرطاوي؛ ترجمة- محمد الضبع

عن الشاعر تحديدًا:

“نيلس هاو” شاعر وكاتب قصص قصيرة دنماركي، ترجمت أعماله إلى العديد من لغات العالم – الإنكليزية، الإسبانية، البرتغالية، التركية، الإيطالية- ومؤخراً إلى العربية. صدرت له خمسة دواوين شعرية وثلاث مجموعات قصصية، وقد فاز بالعديد من الجوائز. يعيش “نيلس” حاليًا في كوبنهاغن بجانب زوجته “كريستينا” عازفة البيانو الشهيرة في الدنمارك. يقبض “هاو” بقوة على تفاصيل الواقع الصغيرة والمهمشة ليصل إلى الحكمة الكامنة خلفها، وهو في دأب متواصل على رصد تفاعلات المجتمع الذي يعيش تغيرات بنيوية في العقود الأخيرة. يسكن منذ فترة في بيته المطل على بحيرات كوبنهاغن المندسة وسط منطقة “نوربرو” ذات العرقيات المختلطة والمتحابة بطريقة إنسانية رائعة.

مقتطف من قصيدته ( دفاعا عن الشعراء ):

“ماذا عسانا أن نفعل حيالَ الشعراء

الحياةُ تقسو عليهم

يبدون في حالٍ يرثى لها بملابسهم السوداء

جلودُهم زرقاءُ من أثر العاصفة الثلجية الداخلية

الشعر داءٌ مريع،

الذين تصيبهم العدوى يسيرون وهم يجأرون بالشكوى

صرخاتهم تلوّث الغلاف الجوي مثل التسربات

التي تحدث في محطات العقل الذرية.

إنها ذات طبيعةٍ ذهانيّة

الشعر طاغيةٌ

يُؤرّق الناس ليلاً ويدمّر الحيوات الزوجية

يجذب الناس إلى بيوتٍ مهجورةٍ في منتصف الشتاء

حيث يجلسون يعانون من الألم وهم يرتدون أغطيةً للأذنين وأوشحة سميكة.

لكم أن تتخيلوا العذاب.

الشعر آفة

ولكن انظروا إلى الشعراء:

إنه لَأمرٌ شاقّ بالنسبة لهم

تحمّلوهم!

يَصِرّون بأسنانهم أثناء النوم، يسفّون التراب

والعشب

يمكثون في العراء في مهبّ الريح المولولة لساعات طوالٍ

تحت تعذيب الاستعارات المدهشة!”.

  • في البدء؛ كيف تصف لنا واقع الحياة الأدبية الدنماركية في الحاضر؛ ما الذي ينقصها؟.
  • الأدب الدنماركي هو فرع صغير من الأدب الغربي. لدينا بيئة أدبية مزدهرة، الكثير من الكتب يتم نشرها بشكل يفوق أي مرحلة مضت، والناشرون يقومون بعملهم بشكل جيد، برغم شكواهم المعتادة بالطبع. في الشعر والنثر كان “للجيل الغاضب” بظهور جينسبيرغ ، كيرواك، وبوروز، أكبر الأثر على اتجاه الأدب في النصف الثاني من القرن الماضي. بإمكاننا تسمية هذه المدرسة بالاعترافيّة، ولطالما اهتمت بلحظات التجارب الشخصيّة. وأكثر الكلمات التي تستخدم في هذه المدرسة هي “أنا”. ربما كان هذا الاستخدام يعطي حريّة أكبر في السابق، ولكن يبدو أن الاعترافيّة استهلكت خياراتها، وأصبح خلفاؤها الآن في مأزق انغماسهم في ملذاتهم. ربما كان على كلمة “أنا” أن تكون محجوزة لاستخدام خاص لفترة من الزمن. علينا أن نكون حذرين مع استخدامها في الأدب. “أنا” يجب أن تكون رمزية تتضمن داخلها “أنت” بطريقة أو بأخرى. “أنا” يجب أن تتطهر من رغبة الاعتراف، وتتصل ب”أنت” لتشمل كل من يستحق التعاطف والرأفة. ما الذي ينقص الحياة الأدبيّة؟ ربما كانت المشكلة الأساسية تكمن في التجاهل والتعالي. ما ينقص الحياة الأدبية في الدنمارك هو أفق واسع الحدود. لا يتعرّف المشهد الأدبي هنا على الكتّاب المحليين إلا بعد أن تصل أعمالهم إلى أميركا. إنه تضييق خطير لوجهات النظر. أسوأ ما في الجهل ليس عدم معرفتنا بالأشياء – الأمر المصيري هو عدم معرفتنا بأننا نجهلها – حيث نصبح كمن يعيش في جهل وسعادة داخل جهله.
  • بعد “يوهانس ينسن” الذي حصل على نوبل عام 1944 خلت القائمة من أي أديب دنماركي حتى عصرنا الحالي؛ إلى ماذا يعزو نيلس هذا الغياب الطويل عن الجائزة؟ ومن يستحقها الآن من أدباء عصره من وجهة نظره؟
  • قد يكون السبب الرئيسي هو وجود العديد من الكتّاب الممتازين في بلدان أخرى حول العالم. خذ مثلاً التشيلي، فهناك العظيم نيكانور بارا، الذي ما يزال على قيد الحياة واحتفل بعيد ميلاده المئة في سبتمبر. أو أدونيس الذي بلغ من العمر أربعة وثمانين عامًا ومازال يتقدّم بقوّة. أو انظر إلى قارة كأستراليا، لم يحصل أيّ كاتب فيها على جائزة نوبل منذ باتريك وايت قبل أربعين عامًا؛ إلى جانب ليس موريه، الذي يمكن اعتباره كاتبًا متفردًا في تلك المنطقة. أو إفريقيا، تلك القارة التي تغلي بالطاقات الشابّة. التحدي أمام الأكاديمية في ستوكهولم هو أن تتحرر من السجن العقلي الذي تؤطّره الأبجدية اللاتينية. ولكن كي أجيب على سؤالك، إن كان عليّ أن أسمّي شاعرًا دنماركيًا واحدًا يستحق أن يتم التفكير فيه كمرشح للجائزة، قد يكون الشاعر “هينريك نوردبراندت”، فهو مازال يتحدّى نفسه في كل كتاب جديد. لكن دعنا نتذكر: الأدب ليس رياضة أولمبية؛ بعض أفضل كتّاب العالم يعملون الآن في عزلة غامضة، والأساتذة القدماء، في رغبة ملحة وربما يائسة للتعبير عن حزن اليوم، عن ألمه وسعادته. وعلينا أن لا ننسى في عرف أصيل أن مجموعة من أفضل الكتّاب على الإطلاق لم يحصلوا على جائزة نوبل؛ ونعرف جميعًا العديد من الأسماء المفضلة للعمالقة الموتى الذين لم يفوزوا بها قط!
  • يبدو جلياً لأي مطّلع على الوجه الأدبي الدنماركي أن الاهتمام منصبٌّ على الرواية كفنّ أساسي ويدل على ذلك ما جاء في آخر دراسة ذكرت أنه في عام 2010 فقط نشرت في الدنمارك 1717 رواية. هذه الإحصائية تجعلني اسأل عن الشعر والحالة التي يمر بها الآن؟.
  • نعم، الروايات تحتل الرف الأول في متاجر الكتب هنا. القرّاء يحبون الروايات، خاصةً الملحمية العظيمة منها التي ترينا صورة أكبر لشغب الحياة. النموذج الكلاسيكي هو: طفولة في الوطن، ثم يسافر البطل الشاب حول العالم لمواجهة المشاكل، ويعود أخيرًا لوطنه. أظن أن هذا النموذج ثابت لا يتغير، لأنه يتوافق مع تراكيب وجوديّة عديدة. المثير للاهتمام هو أنه في رواية معاصرة، عند اتباع الكاتب لهذا المسار يصل في الغالب إلى مرحلة من الارتباك؛ لأن السؤال هذه الأيام هو… أين الوطن؟ في غالب الأحيان يكون من الصعب أن تعود إلى المكان الذي ولدت فيه، لذا عليك أن تخلق وتؤسس وطنًا جديدًا في مكان آخر. الرواية المعاصرة تساعدنا على إعادة التفكير في هذه الأشياء. أما كتب الشعر فتطبع عادةً بأعداد أقل. يبدو أن الله اختار بضعة آلاف في كل أمّة لشراء الشعر الجديد. والشعر ينمو بشكل جيد، إنه يتبع قنواته الخاصة للاتصال بالقرّاء. القراءات العامة والأمسيات تجمع عددًا من المتحمسين الذين يستمتعون بالحضور ويشترون كتابًا أو اثنين في الوقت نفسه. هذا منطقي تمامًا. لقد نشأ الشعر في الأسواق والدكاكين، حيث كان الشعراء يلقون قصائدهم منذ أقدم العصور. والكثير من الناس يحملون عددًا من القصائد معهم في ذاكرتهم خلال حياتهم كنزاً سِريًّا. هذا ما يجب أن يكون عليه الأمر مع الشعر. وبالإضافة إلى ذلك يزدهر الشعر على الانترنت، ذلك الدكّان الحديث.
  • عند اطلاعي على الأدب الدنماركي الحديث وجدت أن الاتجاه الأغلب وتحديدا في الرواية هو نحو المواضيع البوليسية كتابة وقراءة ؛ هل النزعة السينمائية في السرد الروائي أوجدت هذا الاهتمام؟ أم أمور أخرى تراها؟
  • كتابة أدب الجريمة في الدول الإسكندنافية شائع جدًا، ربما كان مردّ ذلك إلى أن هذه الروايات تظهر احتمالية وجود مشاكل في هذه المنطقة المسالمة من العالم التي تتميز بالتنظيم، والتي تشبه إحدى ضواحي الفردوس. لقد عبر شكسبير عن وعيه لهذه المسألة في مسرحية “هاملت” بقوله: ” “ثمة شيء فاسد في الدنمارك،” وحتى اليوم لا نستطيع الحكم عليها بالكمال. ومن الأمور التقليدية في الروايات البوليسية الدنماركية أنها تكشف عن التركيب الخفي لقوى المجتمع، وتكشف الفساد الذي يربط بين النخبة السياسية والاقتصادي الرأسمالي. ولطالما كانت رواية الجريمة الإسكندنافية في جوهرها، رواية سياسية. ففي روايات الرعب الأميركية الكلاسيكية، يبدو الشر مشكلة فرديّة المصدر، أما رواية الجريمة الإسكندنافية، فتشير إلى النظام السياسي باعتباره مركزاً أساسياً للشر. إنها تواجه السلطة وتتهم الحكومة. وهذا النوع يعتبر الآن صناعةً أكثر من كونه مُشبعًا للاهتمامات الفنيّة أو الطموحات الأدبيّة لمن يكتبه. ولو أننا قمنا بمقارنة الروايات الحالية بأعمال روبرتو بولانيو، فسيظهر أن الأغلبية الساحقة تعبر عن التسلية التي لا ضرر فيها، فهي مثل ذباب مايو، سرعان ما تُنسى. ولكن عندما نفكر في مشاكل المناخ وتحديات الاقتصاد العالمي المخيفة والمثيرة للاهتمام، ربما نجد بعض الفرص الحاسمة.
    • قد نستطيع القول إن أغلب المغتربين العرب لدى الدنمارك هم عراقيون؛ ومنهم فنانون وأدباء ؛ فهل ترك ذلك أثراً في الحياة الثقافية الدنماركية؟ على نيلس تحديدا؟
  • الكتّاب العرب الذين أثروا الأدب الدنماركي لم يصلوا بعد لتأثيرهم الكامل الذي يستحقونه. عدد منهم، مثل شاكر الأنباري على سبيل المثال، يكتب بالعربية، ولم تتم ترجمة أعماله إلى الدنماركية، بل إلى الإنجليزية. أسعد الجبوري، كاتب دنماركي من أصول عراقيّة، نشر روايته مؤخرًا “اغتيال نوبل” بترجمتها الإنجليزية، وهذا عمل مذهل ورائع. ومن الجدير بالذكر أن الجبوري يحرر من مكتبه في روسكيلد المجلة الإلكترونية العربية التي تحمل عنوان (الإمبراطور)، وليس من الغريب أن هذه المجلة لها تأثير واسع ومهم. ثمّة كتّاب عرب آخرون يكتبون بالدنماركية، كصديقي العزيز سالم عبدلي، فهو يتحدث اللغتين بطلاقة وينشر أعماله بالعربية والدنماركية. وهو مترجم نشيط أيضًا، ترجم لأدونيس إلى الدنماركية. وبفضل كتّاب كهؤلاء يعودون إلى أصول عربية فإن الأدب الدنماركي ينمو خارج جذوره المحلية الضيقة. وبالنسبة لي تعني أعمالهم وصداقتهم الكثير من الإلهام.
  • يولد الشاعر من فم الفقر ويجابه الحياة وحيداً؛ كيف بدأ نيلس حياته وهل كان ذلك سبباً لأن يكون شاعراً وقاصّا؟.
  • أين أريكة فرويد؟ أسئلتك الجيدة والودودة تدعوني إلى تأملات جادّة، لقد ولدت وترعرعت في مزرعة بعيدة عن العاصمة؛ حياة ريفية تفتقر إلى الكثير من متع الحياة. ربما كنّا فقراء، ولكنّا لم نكن نعرف ذلك؛ لأن جميع العائلات من حولنا كانت فقيرة حينها. تركت المزرعة عندما كنت في السادسة عشرة من عمري لأصبح بحّارًا، ولم احقق نجاحاً كبيراً. عشت متشرداً لعدة أسابيع في أوسلو أتسكّع هنا وهناك وأحصد هزائمي. كان بابلو نيرودا أحد أوائل الشعراء الذين اهتممت بشعرهم. كان يدخن الغليون فاشتريت لنفسي غليونًا بسببه. هذا ما يحدث عندما تكون صبيًا. وفي الوقت نفسه تقريبًا التقيت بدوستويفسكي في كتاب مدرسي. يقوم بعض الناس بتدريب الخيول أو بناء طائرات الهليكوبتر – أما أنا فقد اخترت أن أعاني مع الكلمات. هذه الخيارات يتبناها المرء في مرحلة مبكرة من العمر، فهي تنتمي إلى مرحلة ما قبل الوعي تقريبًا. لا أريد أن ألوم نيرودا أو دوستويفسكي، ولكنهما أصاباني بالعدوى ببعض الأفكار، وبرغم أني لست صبيًا الآن، فما زلت أدخن الغليون.
  • كثيراً ما نكتب طبقاً لتصورات ذهنية مترسبة في خيالات عشناها؛ هل تنطوي كتابات نيلس على هذا النوع أم أنه يكتب مستقرئاً لمستقبل يمنّي النفس بحدوثه؟
  • أحيانًا أشعر بأن ما أكتبه لم يحدث بعد. أو أشعر أن ما يحدث الآن، هو أشبه ما يكون بحقول قمت بدراستها في السابق عند كتابتي. تحت هذه الظروف. قد يكون الكاتب متوترًا حيال وضعه القلم على الورقة؛ يتطلب الأمر الكثير من الحذر والتفكير فيما ستكتب عنه. ولكن القضية هي أن العقل والطبقات اللاواعية في الوعي حيث ينبثق الإلهام تختبر ما حدث في السابق وتربطه بما سيحدث، كما في الأحلام. الأدب حلم اللغة، أو حياة الحلم بالنسبة للغة، لذات السبب قلت في قصيدة بعنوان: “حدَثَ أمرٌ ما” :

نَوَدّ أن نترك وراءَنا أثاراً

من الكلمات

لكنّ اللغةَ ليست اختراعاً شخصياً

حتى نحبَها أو نهجرَها

أو نكتشفَ الساعةَ التي تعُدّ الثواني

داخل الجسم.

الألمُ الكامنُ في النور

السخط

الحزن الذي لا نقدر على تجاوزه

اللغة تعرف كلّ هذه الأشياء.

ما الذي أملكه إذن؟ أمن الممكن

أن أكتسبَ خبرةً شخصية

وأعلّق عليها كلمات

لا تكون مجرّدَ كلماتٍ تقليدية؟

أن أضيف شيئاً؟

لقد حدث أمرٌ ما، أمرٌ خطير،

غير أني لا أستطيع أن أفسر

ما هو

التأكيدات تفضح نفسها

عليّ أن أعترف بشعوري بالإحراج

وأنصِتَ إلى الكلمات

التي تتوالد مع الواقع

في كل مكان.

  • في قصيدتك المعنونة ( دفاعا عن الشعراء ) وصفت الشعراء بالفقراء الذين هم في حالة ضعف دائم وأن الحياة أصبحت تنهشهم دون اهتمام من الآخرين؟ ما الذي يحتاجه الشاعر هنا ليعيش بسلام وخير؟ ومن هم الذين تدعوهم في القصيدة ليهتموا بالشعراء؟.

-نعم، بالطبع هنالك الكثير من السخرية والفكاهة في هذه الصورة للشعراء. كتبت القصيدة بعد لقاء مع عدد من الشعراء والأصدقاء الذين كانوا يتذمرون من حياتهم التعيسة. بعض الشعراء يحتاجون إلى اهتمام خاص من الآخرين حولهم، ويطالبون بنوع من التفضيل الاجتماعي. لا أظن أن الشعراء لديهم نوع خاص من الحساسيّة. من واجبنا أن نذكر الوحوش وأن نكون صادقين بشأن الرعب والتعاسة التي تحيط ببعض الناس. النظرة الحاسمة للواقع تعني في الغالب أن يحس الشاعر بأنه لص منبوذ. وربما يكون هذا صحيحًا، إنه منبوذ حينما يكتب. وفي باقي الوقت يعود إلى كونه إنسانًا لديه مسؤوليات كباقي أفراد المجتمع. وسوف تظل هذه الثنائيّة دائمًا تمنع الشاعر من الاستقرار في نشيد مسالم، لأننا نعلم أن غياب التناقضات يعني أنك تتجاهل شيئًا ما.

  • تناولت موضوع “خلود القصائد”؛ والذي قرأته في أكثر من قصيدة لك؛ هذا التناول يجعلني أسألك: هل ترك أيٌّ من شعراء الدنمارك حديثا أو قديما خلودا ما زال مستمرا لقصيدة شعبية حتى وقتنا الحاضر؟ ومن هو هذا الشاعر؟.

-نعم، هنالك قصائد يعرفها جميع الدنماركيين، دون التفكير بأن وراءها كاتباً. غالبًا ما تكون هذه القصائد مغنّاة، عاشت وانتقلت بسبب الموسيقى، ولهذا يذهب بعض فضلها إلى الملحن. أذكر قصيدة “عفريت صغير مسافر”. كتب القصيدة جاي. سي. غيرسون (١٨١١-١٨٩٤)، الذي ترك عددًا كبير من الأعمال والروايات والقصائد. جميعها منسيّة الآن، عدا هذه الأغنية. حتى اسم الكاتب لم يعد أحد يتذكره، لا أحد يعلم من الذي كتبها، الجميع يفكر في كلماتها وكأنها سقطت من السماء. أحب هذه القصة لأنها تمثل النجاح الهائل للكاتب: فقد منح هدية للجميع – ليُنسى بعدها. هذا شيء مثالي. العفريت الصغير في القصيدة سافر من بلاد إلى أخرى، بحثًا عن “الرجل الأعظم” دون أن يصيبه الانبهار؛ حتى وصل إلى البحر وأطال التحديق في انعكاسه في الماء: الآن استطاع رؤية الرجل الأعظم. الخلود كلمة كبيرة، لا شيء خالد في هذا العالم المتقلب. ولكن ربما ظلت هذه الأغنية حيّةً لأن نصها يلتقط بسخرية جوهر فهمنا لأنفسنا: نحن الدنماركيين عفاريت صغيرة نسافر حول العالم بحثًا عن “الرجل الأعظم!”

  • ما الفن الذي جذب نيلس في بدايات حياته ؟ وما الفن الذي كان يتمنى لو أنه تعلمه؟.
  • زوجتي كريستينا عازفة بيانو، ولدينا بيانو ضخم في منزلنا. لم يسبق لي أن لمست أداة موسيقية لأنني لا أتقن التحكم في أصابعي ولم يسبق لي العزف. تتردد كريستينا على عدد من الملحنين، وترفع صوت تلك الكاتدرائيات العظيمة. هذا موسم بيتهوفن وموسيقاه. كم تمنيت لو ولدت تحت بيانو وتعلمت العزف. الشعر والموسيقى عشيقان، إنهما ينبتان من المصدر ذاته. الشعر دون موسيقى لا يساوي شيئًا، وما ينجح باعتباره شعراً هو موسيقى عظيمة في نهاية الأمر.
http://www.alriyadh.com/993083