كتب حسين سرمك حسن : 

2 بتاريخ : 2012/01/08

# ذات المرأة الديسكولاندية تتفتح في الشرق :

لقد بدأت سوني تفهم ذاتها جسدا ونفسا، وفق اضواء جديدة وفّرتها البيئة الاجتماعية المغايرة لبيئتها القديمة. البيئة الجديدة جعلتها تتصالح مع نفسها وجسدها، بعد أن كانت تعيش اغترابا حقيقيا عنهما في مجتمعها السابق. لقد “تشيّأت” العلاقات الإنسانية مثل كل مكونات الحياة الأخرى في الديسكولاند. وهذا التشيؤ هو نتاج طبيعي للفلسفة المادية الحاكمة ومنهجها في “التسوية”؛ تسوية الإنسان بالأشياء واعتباره جزءا “طبيعيا” من الطبيعة. لقد عاشت سوني العملية المروعة التي سُحب الإنسان في مجتمعها من ذاته، ليوضع في عالم الأشياء/الطبيعة في الوقت الذي وجدت فيه أن الإنسان في المجتمعات “الجديدة” التي هاجرت إليها، وبرغم كل المساويء التي تحيط به، يُنظر إليه كـ “ثغرة” في نظام الطبيعة:

(أدركت سوني بأن الحياة التي بدأتها في “المغرب” آخذة بالإتساع بفعل ما تخلفه من آثار إيجابية لتكوين شخصية جديدة لها، تختلف كثيرا عما مضى. سحرتها الطقوس بعوالمها، بدءا من الطبيعة وانتهاء بالتشكيلات الاجتماعية والثقافية والفولكلورية في تلك البلاد. فبعد شهور ستة من إقامتها في تلك البلاد، كونت سوني لنفسها فكرة واضحة لمعنى وجودها البيولوجي. حسمت الوضع لصالح نفسها. كأن تكون امرأة أخرى تنفض الغبار عن ذاتها المحكمة، لتنهض بها فتخرج من القمقم القديم نحو المنابع التي وجدت فيها الخيال ممزوجا بالوقائع اليومية – ص 144).

لم ينبذها أحد في المجتمعات الشرقية التي لجأت إليها .. لم يستغلها رب عمل .. لم يعدها الآخرون طفيلية تريد استنزاف ثروات بلدهم أو تمزيق النسيج الاجتماعي لمجتمعهم كما فعل الديسكولانديون مع الغرباء الذين لجأوا إليهم من ضيم وبطش ولاعدالة أنظمة الجنوب.

وقد امتدت يد التغيير التراكمية في البيئة الجديدة لتشمل أفكار لونا – حبيبة سوني السابقة – أيضا، وطبيعة نظرتها إلى الحياة ومتغيراتها. ويتجلى هذا التغيير لدى الصديقتين الديسكولانديتين في الرسالتين اللتين تبادلتاهما من مكانيهما – وطني اللجوء الجديدين -: تلك (لونا) في المغرب، وهذه (سوني) في المشرق (لبنان). وكل منهما خلق (منظورا) متفرّدا في النظر إلى الحياة الجديدة وعواملها الإنسانية الفاعلة في تجربته وبنيته الإنسانية التي شكلها المجتمع السابق فكرا وسلوكا. تقول لونا في رسالتها بعد أن تؤكد رسوخ ميولها المثلية، وعشقها الملتهب لهديلو الغجرية:

(عزيزتي سوني..

….. أعرف بأن الشرق ليس قفصا جنسيا حسب، بقدر ما هو عوالم متعددة الأقفاص، كل من يغرق بمعرفته أو باكتشافه، لا يتخلص من طقوسه بسهولة. لقد أدركت أنني ابتعدت عن الموت بضع خطوات. أقصد الموت البطيء الذي كنا نمارسه في بلادنا العظيمة تلك من قبل.                                                         فالغرب هو الآخر، يا سوني، ليس ثلجا وتكنولوجيا فقط، بل للأسف، هو شيخوخة مبكرة للمشاعر والحب والمال والشهرة والروح والرفاه. لقد أدركت أن الفقراء والمعدمين هنا أكثر معرفة منا بدواخلهم وبالحياة. فعلى سبيل الافتراض، لو عشنا نحن في الغرب ظروفا مشابهة لظروفهم القاسية هنا ، بالقليل من المال والقليل من الجنس وبالقليل من الحريات وبالقليل من الطعام، لحدث الطلاق بيننا وبين الحياة منذ زمن بعيد مبكر. ألا تعتقدين بأننا أنتجنا لهم جزءا مهما من ذلك الحرمان؟

على ما يبدو يا عزيزتي سوني ، لسنا نحن إلا مسودة لتاريخ الموت المبكر. ومع ذلك، مانزال نحمل كبرياء ذلك التاريخ، ونواجه الشرق بالاحتقار والدونية وقلة الأدب، معلنين براءتنا التامة عن تحمل الجزء الأعظم من خرابه.

تذكري بأننا وصلنا إلى هنا بشكل متأخر، وهذا ما يجعلني أكثر حرصا بعدم تضييع الوقت. الشوق لبلادي يتفجر في داخلي. ولكن ليس في كل الأوقات. تذكري بأن استبداد الملك طوروس، ربما هو النقطة البيضاء الوحيدة في تاريخه الأسود. فقد هبط ذلك الديكتاتور على بلادنا كملاك يحاول اجتثاثنا من العزلة التي كنا فيها – ص 253 و254).

وفي رسالة سوني الجوابية لصديقتها لونا، يظهر منظور مغاير، يتمثل أولا في المدخل اللاجنسي الذي لا يرى أية “مركزية” من أي نوع في صالح الحياة البشرية .. لا الغرب ولا الشرق مركز مقدس تتوفر فيه كل سمات الأنموذج اليوتوبي. ولا أحد منهما خال من الفساد والعقم والانحطاط والخوف من الآخر – على الأقل هذا ما كشفته مناقشاتها مع حبيبها الجديد (بيرم) اللبناني، وخفايا علاقات ثلته (الوزير قيصر فريد وزوجته هالة قيس وعيسى المعشوق وسهاد فواز وسعيد وجدي والدكتور ممتاز الشرقي وصولانج الجوزي .. إلخ.. من تجار وإعلاميين وفنانين وفنانات ). والحل يكمن في أن يتقاسم الشرق والغرب رسم لوحة الحياة الإنسانية، وفي جمالية الحوار ما بين العناصر التي تقوم بتشكيل اللوحة من كلا الطرفين في نهاية المطاف (ص 255).

لقد أتاح المنظور الجديد لسوني، مقتربا جديدا للتعاطي مع حاجاتها الجسدية، بنزعات طبيعية مغايرة لجنسها، وبعيدا عن مصيدة الاتجاهات المثلية، التي أصرّت عليها لونا :

(لقد وجدت في بيروت ما كنت أفتقده في حياتي تماما… كل شيء في الشرق يملك حماسه الخاص. بما في ذلك الفقر واليأس والحب والطقس والعشب. فأنتِ لو قابلتِ رجلا، لأدركت بأنك تقابلين جبلا من العواطف. فالعواطف هنا تتقدم وجوه الجميع . بعبارة أوضح أنها واجهات الناس. والإنسان قليل العواطف، يكون فارسا بلا جواد أو سيف. لا تظني بأن العواطف وحدها على هذه الأرض، فهناك عقول تدرك عالمنا إدراكا خلاقا وكاملا. هنا أسمع أنين الشرق ينبعث كالحجر المطحون. لكل رجل حشرجته. وفي الكثير من الأحايين أرى آلام الناس تمشي كظلال لهم – ص 255).

لقد اتسعت نافذة الرؤية لتتجاوز الإطار الجسدي الشهواني الذي العابر والضيق الذي كانت تعيشه سابقا، وتشمل المعاني العميقة للوجود البشري من آلام وتساؤلات مؤرقة. ويظهر هذا التغيّر أيضا في حوار سوني مع قرينها النفسي الذي ظهر لها في جو الغرفة من العدم وبدأ ياستجوابها :

(-أنا شبيهك يا سوني، وأريد محاورتك عن فانتازيا الخيبة والذنوب. فما رأيك؟

-رأيي؟! ها .. تقتحم علي خلوتي وتسألني عن رأيي؟

-أأنت حيّة أيتها المرأة؟ أم أصبحت تمثال شمع جميل، تخافين الاقتراب من النار، كي لا يتبدد هيكلك؟

-النار أولى أفعال التغيير للتعبير.

-مازلت قاصرا عن معرفة التغيير. هكذا الواضح.

-لا أعرف ما يدور في خلدي. بالأمس كنت قاصرا عن معرفة أوروبا. واليوم أقع في النسق الإنشائي للتذمر، فلا صمود عندك أمام إغراء الشرق وثرثرته عن نفسه. أسمعهم يقولون “إن الله خص الشرق بقابلية الإشراق الدائم على ظلمات الآخرين”! لا أريد أن أشغل نفسي بالردود. إنها توجع الرأس. ولكن هل ثمة جناية فيما لو تركنا الشرق يخصب نفسه بقوة ما، قد لا نؤمن نحن بها؟ لنترك الأمر للحب . فهو ملقط يجمع ما بين السماء والأرض.

-أنت تحاولين أن تؤلفي من هروبك أخلاقا. لقد أعطيت ظهرك لوطنك، ودخلت مشافي الشرق طواعية، وكأن هذا المكان فردوس مقدس. ألا تجدين الغثيان يملأ نفسك من جراء هذا الوهم الراقي؟ – راجع تكملة الحوار المهم على الصفحات 257 و258و259 ).

# نسيان (3) :

—————

في رسالتها إلى سوني، قالت لونا بوضوح، وفي استهلال الرسالة، بأنها مازالت مصرة على توجهاتها المثلية برغم خذلان سوني لها :

(عزيزتي سوني ..

لا تخرج الكلمات الدافئة إلا من الجسد الدافىء. هذا ما عهدته فيك منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه في هواك. لكن حذلانك كان النتيجة المذلة المريرة. لقد أطلقت عليّ رصاصة الرحمة وهربت لعالم الرجال…. إن نظرة من (هديلو) تضخ في أعماقي بئرا من البترول. كأن كل ملامسة منها لجسدي، تُشعل تلك البئر ليستمر الحريق دون نهاية – ص 253) .

ولكن الغريب، وأمام هذا الإعتراف الصارخ، هو أن الكاتب جعل سوني تسأل لونا في ختام رسالتها :

(أسألك الآن: هل مازلت غارقة في بئر ساحرتك الغجرية “هديلو” في تلك الصحارى ؟ – ص 256 ).

المرأة الديسكولاندية لم تُستغل في الشرق جنسياً :

————————————————

.. في أثناء المدّة التي أمضتها سوني مهاجرة في مراكش .. وفي خيام الغجر .. لم تتعرض لأي استغلال أو تحرّش جنسي، بل كانت تُعامل كأنثى باحترام من قبل الرجال المحيطين بها، وكانت تختار نمط الحياة الجنسية الشخصية التي تعيشها من دون اي حواجز أو مخاوف أو “عبودية جنسية”. وكان هذا حالها أيضا في بيروت التي سافرت إليها بعد ذلك، وأمضت فيها سنوات طويلة. قارن هذا بالاستغلال الجنسي المأساوي الذي تعرض له الرجل الزنجي البائس “كورنيك”، الذي جلبته من الكاميرون عجوز ديسكولاندية اسمها “بيهين”، ابتاعته بمئة دولار فقط، لإشباع هوسها الجنسي. ولكن الحال لم يستمر أكثر من عامين، فقد فرّ الأفريقي المسكين من “نزل الموت” كما كان يسمّيه كي يتفادى الهلاك جنسيا كما قال في المحكمة. لكن المشكلة أن هذه المرأة شكلت حزبا سياسيا بين ليلة وضحاها، يرفع شعارات عنصرية ويدعو إلى رحيل الأجانب من البلاد. ثم أقامت دعوى قضائية على الرجل، ولكن المحكمة برأته، ليس لرفض هذا السلوك اللاإنساني الإستغلالي، ولكن خوفا من تدويخ المحكمة بقضايا أخرى مماثلة ترفعها النساء الديسكولانديات لمقاضاة الرجال الأجانب الذين يُجلبون من أجل غايات جنسية (ص 266-268).

# استطرادات فائضة :

———————-

في كتابه “عشر روايات خالدة” يرى سومرست موم أن قيمة بعض الأعمال الروائية، تتمثل في بعض الأحيان بعدد الصفحات التي يطويها القاريء منها، للوصول إلى ما يثير اهتمامه، أو يعيد إثارته من خلال الإرتباط بحلقات الوقائع السردية السابقة. وفي رواية اسعد الجبوري هذه، هناك – من وجهة نظري الغير متواضعة – وخصوصا في نصفها الثاني، الكثير من الصفحات، التي من الممكن أن يطويها القاريء، من دون أن يلحق تسلسل الأحداث الأصلي أو حبكة الرواية المركزية أي خلل. من ذلك القسم المعنون بـ “المطاردة الساخنة”، والذي امتد لعشر صفحات (بين الصفحتين 153 و163)، وتحدث فيه الكاتب عن الشاعر البدوي “ورد الكعبي” المتيم بلونا المثلية التي ترضعه الرضاب، وهو مدفون في التراب، وتمارس معه الجنس والحرس وقائدهم ينظرون من النافذة ويستمنون.. إلخ من تفصيلات لا تحمل ضرورات فنية أو فكرية. ثم ما هو مصيره؟ لقد هرب واختفى من الرواية إلى الأبد!! وحتى لو كان الروائي يبغي رصد تحولا حدث في حياة لونا في نظرتها إلى الحياة ودور الجنس ومعنى الحياة .. فهذه الحادثة مستفيضة وزائدة.

ومن ذلك أيضا : حكاية ابنة عم السارد “إخلاص” (ص 244-246) ، وحكايته مع ابنة عمه الثانية التي قصها آدم السومري على مدير شعبة النطق ( من ص 300 إلى ص 306)، والتي ملّ منها حتى المدير. ومنها مناقشات طوروس مع زوجاته في مواضع مختلفة.

# مقاربات مع رواية “1984” لجورج أورويل :

————————————————

لقد كان للروائي النبوئي جورج أورويل في روايته الشهيرة “1984”، الريادة في معالجة موضوعة الطغيان القائم على القمع الفائق بالأساليب العلمية المدروسة الموصلة إلى اشد درجات “الحرمان الحسّي – sensory deprivation”، الغير محسوسة، والتي تتراكم تاثيراتها الغاسلة للدماغ ومحتويات الذاكرة والمربكة لسلسلة العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. هو طغيان يقوم على اساس التدخل التفصيلي المرعب في أدق جوانب حياة الإنسان اليومية. ومن المحتم أن يكون أي طغيان عنصريا، وهو ما يوصل إليه السلوك الديكتاتوري الشمولي لـ “الأخ الأكبر” الذي يحكم دولة “أوقيانيا”. ولأن رواية أسعد الجبوري تعالج بين ما تعالج موضوعة الطغيان والسلوك الديكتاتوري الشمولي، ولأن “الأسد عبارة عن مجموعة من الخراف المهضومة” حسب مقولة الأخ “بول فاليري”، بالرغم من أنني لا أوافق على هذه الأطروحة، التي لو كانت صحيحة لكان من المنطقي أن يكون الأسد خروفا ضخما !!، فإن من المتوقع أن تحصل مقاربات بين العملين – السبق فيها لأورويل طبعا – بسبب السياق من جانب، وبفعل المخزون المعرفي للكاتب أسعد الجبوري من جانب آخر :

– هناك وزارة الحقيقة لدى أورويل ، وهنا وزارة نقل الكلام ووزارة الحواس لدى اسعد.

– هناك فودكا يلتسين وهنا جن الإنتصار.

-هناك أوقيانيا مفترضة ومتخيلة معززة بواقعية بتاريخ لندن ، وهنا ديسكولاند مفترضة ومتخيلة معززة بحاضر واقعية بحر الشمال وألمانيا والمغرب .. إلخ.

– هناك يكتب ونستون سمث يومياته/ روايته، وهنا يكتب آدم السومري رواية الطاغية طوروس/ “قيامة الديناصور”

– هناك الأخ الأكبر وهنا أخ أكبر هو طوروس

– هناك ونستون سمث الذي يُغسل دماغه في السجن وهنا آدم السومري الذي “يُدرّب على الكتابة” في “الغرفة الشاقولية”.

– هناك وهنا حفلات إعدام عامة

– هناك “مباديء الكلام الحديث” وهنا “اللغة الشرسة”

– هناك حفلات شنق الأسرى وهنا حفلات إعدام المتهمين

– هناك “أَخَويّة” .. وهنا “أَخَويّة” ..

– لهجة وطبيعة الخطاب التهديدي لـ “اوبرين” ضد “ونستون سمث”، مطابقة تقريبا للهجة الخطاب الذي وجهه وزير الحواس إلى “آدم السومري”

–  هناك الغرفة (101) المخيفة وهنا الهول ديزني وكلتاهما مخصتان للتعذيب

– هناك وزارة الصدق ووزارة الحب .. وهنا وزارة الكلام ووزارة الحواس.. وغيرها الكثير.

لكن أسعد الجبوري يجترح آلية مراقبة جديدة قد تحمل سمة استشرافية/ نبوئية (!!)، وتشير كل تأملاتنا لما يجري من منجزات علمية – أميركية خصوصا – مخصصة للرقابة والإتصالات، وملاحقة ما ينتجه الفن الهوليودي الباهر الذي يسبق العلم عادة في تخيّل أبشع طرق ووسائل الرقابة والقمع وغسل الدماغ وقتله وتنظيف الذاكرة ليلحقه العلم في “التنفيذ”، أن اختراع النظام الآلي الرقابي الذي تخيّله أسعد ليس أمرا مستحيلا ، بل ليس بعيدا عن التحقق زمنيا. إنها “المسلّة الالكترونية” التي صُمّمت على شكل قيثار سومري، وقد دارت الشائعات حول الهدف منها. ولكنها لم تكن أكثر من تصميم افتراضي يغطي جهازا إلكترونيا آخر، يقوم بقراءة ما في رؤوس المواطنين، وأخذ صورة عنها على غرار بصمات الأصابع، والهدف منها معرفة مشاعر المخلوقات الآدمية، وتحليلها وتخزينها على اسطوانات ممغنطة موصولة بأجهزة خاصة لتحليل ما تدّخره رؤوس العابرين من أفكا رونوايا ومشاريع. وعلى المواطن أن يزور المسلة (يُفحص في الواقع) يوم الأحد الأخير من كل شهر (ص 254).

وفي عام 1994 نشرت صحيفة العرب اللندنية تحقيقا، يشير إلى سعي الولايات المتحدة الأميركية إلى اختراع وسيلة جديدة لغسل ذاكرة الأسرى، وإعادة تشكيل عقولهم، وذلك عن طريق “قنبلة صوتية”، تُفجر على الأسير في زنزانة مغلقة وخلال جلسة واحدة. وفي القاعة الشاقولية التي يلقى فيها آدم السومري لغرض “غسل دماغه السردي” تبدأ ما سمّيها اسعد بـ “تمارين الكتابة”. وكان التمرين الأول يُسمّى بـ “نزهة البراءة” حيث (المطر الأسود يتساقط، وما أن يتوقف، حتى تُلقى على المؤلف من الفتحة العليا كتل صغيرة من الإسفنج المشتعل، تعقبها قنبلة صوتية تنفجر لإطفاء ذلك الإشتعال- ص 280).

حيادية المصطلحات و “براءتها” :

———————————

.. تستخدم آلة الطغيان والإبادة فلسفة لغوية تقوم على أساس تحييد المصطلحات، واستخدام تعابير بريئة وأحيانا مناقضة لطبيعة العمليات البشعة التي تُستخدم في تطويع إرادة الإنسان وسحق شخصيته .. وأخيرا قتله. فالمصطلحات – وبتأثير الفلسفة المادية التي تحيّد العلم وتفصله عن أي قيمة مهما كانت – يجب أن تكون محايدة لا تحمل أي معنى إنساني أو عاطفة بشرية أو بعد اجتماعي أو نفسي. هذا ما حصل في اللحظة النازية التي أنتجتها الفلسفة الغربية، حيث كان النازيون يستعملون مصطلحات “باردة” ومحايدة، فهم يسمون عمليات الإبادة “الإخلاء” و”النقل” و”إعادة التوطين” و”الحل النهائي” و”التطهير”. وكانت المؤسسات التي تُشرف على الإبادة وتنفذها لها أسماء محايدة أو إيجابية مثل “جمعية نقل المرضى” و”المؤسسة الخيرية للعناية المؤسسية”. وليس عجيباً أن تستخدم الولايات المتحدة – أبشع أراضي الديسكولاند عنصرية – تسميات مثل “إعادة الأمل” و”توفير الراحة” على عمليات عسكرية هدفها تمزيق البلدان وتحطيمها. ومن المجالات التي استعيرت منها بعض التسميات هو الفن الأميركي (موسيقى وأفلام). فعملية اللكمة الجانبية (Side Winder) مأخوذة من اسم فرقة موسيقية أميركية اشتهرت بألبوم عنوانه انتقم سبع مرات. وكذلك عملية ثندر كات (Thunder Cat) وهو اسم مسلسل كرتوني أميركي، ونفس الشيء بالنسبة للعملية أوكي كورال (O.K. Corral)، فالعبارة اسم لفيلم أميركي أنتج سنة 1957. وعملية ميفيلد الثالث (Mayfield III) مأخوذة من اسم مؤلف أسطوانات أميركي من أصل أفريقي (13) .

والشيء الذي يجب أن ننبه عليه هو أن لا يظنن أحد أن اختيار هذه التسميات هو شيء عشوائي، فهناك لجنة متخصصة في البنتاغون من كبار المختصين تقوم بهذا، ولديها تقويم بالمناسبات الوطنية والدينية للشعوب، تحدد وفقها مواعيد الهجمات. هذا ما ذكره عالم النفس “بيتر واطسون” في كتابه الخطير “حرب على العقل – war on the mind “، وهو غير مترجم إلى العربية.

وفي أرض الديسكولاند، وبعد استيلاء طوروس على الحكم انتشرت التسميات المحايدة التي تربك الاستلام الدلالي لدى الفرد فهي محايدة أو حتى جميلة شكلا، ولاإنسانية بشعة مضموزناً. فتسمية “مكبس الحرير” يطلق على “تمرين كتابي” خلاصته انضغاط المواطن (آدم السومري هنا) بين بين أرضية الموقع وكتلة ساخنة من السقف حتى يصبح أشبه بالحرير الساخن.. أما “همس الملائكة” فهو “التدريب” الذي تقوم فيه (سماعات صغيرة في جدران الغرفة الشاقولية، ببث ألف ياء اللغة الشرسة، بمختلف اصوات الحيوانات، يجمع بينها إيقاع مرعب – ص 280).

# مفهوم جديد للجنون : هل العنصرية جنون؟!:

————————————————

بعد أن أحرق “لانكسن” – زوج سوني – بيته في لحظة “جنونية” سببها الإحباط الشديد الناجم عن فرار زوجته وضياع طفلته مونو، اقتيد إلى مشفى المجانين. وهناك وجد العديد من المعارضين وقد ألقى بهم طوروس في المشفى باعتبارهم مجانين أو ليجهز على قواهم العقلية بالعقاقير أو الصدمات الاختلاجية الكهربائية. ومن الشائع والموثق تاريخيا أن الكثير من الطغاة، كانوا يقومون بحجز قسم من معارضيهم في مستشفيات الأمراض العقلية، بزعم إصابتهم بالجنون. ويتساوى في ذلك طغاة الشرق والغرب. وقد تكون هذه التهمة – في احتمال غير مُفكر فيه – ناجمة عن أوالية “إسقاط – projection ” يقوم فيها الطاغية بإبعاد شبح جنونه الشخصي عن ذاته و (شخصنته) في الخارج عبر أفراد غرباء عنه. إذ ما الداعي لإلقاء هؤلاء المعارضين في مشفى للمجانين – الطب النفسي الحديث يرفض، طبعا، هذه المفردة “الجنون” لأنها وصمة ويستخدم بدلا منها مصطلح الذهان – psychosis –  مادام قادرا على إفنائهم بشتى الطرق؟.                                       إن من بين معاني فعله هو أنه أشبه برقية سحرية ذات مضمون عقلي طفلي، فطالما بقي هؤلاء “المجانين” محتجزين “بعيدا” عنه، فإنه سيكون بمنجى من لعنة الجنون. لكن الروائي يستثمر اجتماع المعارضين “المجانين” ليمرّر معضلة نفسية وفلسفية كبرى تتمثل في “معنى” الجنون ذاته. فهو يهز أركان التعريف التقليدي لهذا المصطلح الطبنفسي الراسخ منذ عقود طويلة. فوسط تندرهم المأساوي على حالهم المزري وحال بلدهم الذي آلت مقاليد السلطة فيه إلى يد طوروس الطاغية يقول “روبرت ستين” لصديقته “روني بينك” إنه لا يشك لحظة واحدة في أن طوروس قد تخرج من هذا المشفى. فترد عليه بأن الملك سوف يأتي إلى هذا المكان يوما ما ليختار مستشاريه، ولذلك فهي تهيء نفسها من أجل تلك اللحظة (ص 139). إنها طرفة (وشر البلية ما يضحك) لكنها ذات مغاز معرفية عميقة جدا. ويكمل أسعد المعضلة/التساؤل من خلال استمرار الحوار بين المعارضين “المجانين” :

(-كلا . فإذا جاء الملك إلينا ، سنقنعه برفع رتبته إلى مقام آخر، ننصبه امبراطورا علينا. أليس ذلك ما يليق به؟

سأل الكاتب “هيس ثروب” الضيف الجديد “لانكسن” وهو يتأمل في وجهه فاحصا.

-الملك طوروس يحتاج إلى قارة كي يتوسع ويتنفس بالقدر الكافي.

أجابه لانكسن مكفهرا

-لا تكن تافها. فما دمت من سكان هذه المستشفى. عليك توخي الحذر من السخرية، أفهمت ؟

ردّ عليه مصلّح العجلات “فرانك جون” وهو شبه ثائر.

-خذ حذرك يا لانكسن من هذا الوغد – وأشار إلى فرانك- فهو يعمل في سلك القذارة؛ المخابرات.

صاح به القبطان “بيرن سكوت” وهو ينهض رافعا قبضته المليئة بقنينة البيرة الفارغة، استعدادا منه لتهشيم رأس فرانك.

-على مهلك يا بيرن. فقد يسكن نصف الشعب هنا في غضون سنة من الزمن. فليس أسهل من أن يكون المرء مجنونا أو معاقا في هذه الأيام. ولكن قل لي بحق السماء: هل تقل العنصرية كمرض عن الجنون في أوروبا الحديثة ؟ – ص 139 و140 ).

إن العقل الإنساني يقف حائرا أمام أفعال طوروس العجيبة الغريبة التي تنافي كل منطق وكل عرف. لقد أصدر قوانين وقام بإجراءات لا يمكن أن تصدر إلا عن عقل “جنوني”! . وهذه المحاكمة لا تصح إلا إذا وسّعنا مفهوم الجنون ليتعدى الأطر التقليدية المستقرة. إذ كيف “نعقلن” إجراء يقضي بتخصيص كلب لكل مواطن ؟ ما معنى أن يشن جلاد حملة إيمانية (أمر طوروس “المسلم” بمنع الخمور والعودة إلى منابع المسيحية!!)؟ ما معنى أن يلقي حاكم بشخص عاقل في مشفى للمجانين كعقاب له على عقله الانتقادي؟ ما معنى أن يقوم حاكم بقتل أشخاص يمنعهم من الهروب ويدين الدول التي تؤويهم؟ ما معنى أن يقود شخص كل نواحي الحياة في بلد ما، هل كون الشخص قائدا يعني أنه يفهم في كل الاختصاصات؟ ثم ما معنى أن تعتبر عرقك أهم الأعراق، وتحتقر ونصفي الأعراق الأخرى؟

إن الحضارة الحديثة – وحسب عالم النفس الشهير ” إريك فروم ” هي حضارة ” الجنون السويّ ” حيث يقول :

سيكون من دواعي دهشتي ألّا يقدَّم إنسان علم التحكم أحاديّ التفكير صورة لسير فصام الحد الأدنى المزمن ؛ “الشكيزوفرينيا – schizophrenia ” – باستخدام المصطلح من أجل التبسيط . فهو يعيش في جوّ لا يقل إلّا كمّياً عمّا يجري في الأسر الفصامية ( المُحدثة للفصام ) .

وأعتقد أن من المعقول ان نتحدث عن ” المجتمع غير السوي ” ومشكلة ما يحدث للإنسان السوي في مثل هذا المجتمع . فإذا أنتج مجتمع من المجتمعات أكثرية تعاني من الفصام الشديد ، فإن ذلك سوف يضعضع وجوده . والشخص مكتمل الفصام يتصف بأنه قد قطع كل العلاقات بالعالم الخارجي ، إنه منسحب إلى عالمه الخاص ، وأهم سبب يجعله يُعدّ مريضا بشدة هو سبب اجتماعي ؛ فهو لا يؤدي وظيفته اجتماعياً ، ولا يستطيع أن يُعنى بنفسه كما ينبغي ، ويحتاج إلى مساعدة الآخرين بطريقة أو بأخرى …. والمجتمع ، إذا لم نتحدث عن مجتمع ضخم ومعقد ، لا يمكن أن يديره أشخاص فصاميون . ومع ذلك يمكن أن يديره على ما يُرام أشخاص يعانون من فصام الحدّ الأدنى ، وهم أشخاص قادرون تماماً على إدارة الأمور التي تُدار إذا كان المجتمع يؤدي وظيفته . وهؤلاء الناس لم يفقدوا القدرة على النظر إلى العالم ” واقعياً ” ، شريطة أن نعني بذلك تصوّر الأمور عقلياً كما هم بحاجة إلى أن يتصورهم الآخرون ليتعاملوا معهم عاطيا . وقد لا يكونون قد فقدوا كليّاً قدرتهم على خبرة الأشياء شخصيا ، أي ذاتيا ، ومن قلوبهم . ويمكن للشخص مكتمل النمو أن يرى وردة ، مثلا ، ويَخْبرُها على أنها ناشرة للدفء أو ملتهبة ( وإذا صاغ هذه الخبرة في كلمات فقد ندعوه شاعراً ) ، ولكنه يعلم كذلك أن الوردة – في مجال الواقع الفيزيائي – لا تُدفىء كما تُدفىء النار . والإنسان الحديث لا يخبُر العالم إلّا من حيث غاياته العملية . ولكن نقصه ليس أقل من نقص من يسمّى الشخص المريض الذي لا يستطيع أن يخبُر العالم ” موضوعياً ” ، ولكنه احتفظ بالمقدرة الإنسانية الأخرى عن الخبرة الشخصية ، الذاتية ، الرمزية .

وأعتقد أن ” سبينوزا ” في كتابه ” فلسفة الأخلاق ” أول من عبر عن مفهوم ” الجنون الطبيعي ” :

تستحوذ على الكثيرين من الناس العاطفة نفسها باتساق شديد . فتكون حواسّه كلّها شديدة التأثر بشيء إلى حدّ أنه يعتقد أن الشيء موجود ولو لم يكن موجودا . وإذا حدث هذا الأمر عندما يكون الشخص مستيقظاً ، يُعتقد أن الشخص مجنون .. ولكن إذا لم يفكر الشخص الجشع إلّا في المال والممتلكات ، ولم يفكر الطامح إلا في الشهرة ، فلايعتقد المرء أنهما مجنونان ، ويكون لدى المرء احتقار لهما عموما . ولكن الجشع والطموح وما إلى ذلك ؛ هي بالفعل من أشكال الجنون ، على الرغم من أن المرء لا يعتقد في العادة أنه ” مرض ” .

ويغدو التحوّل من القرن السابع عشر إلى عصرنا واضحاً في أن الموقف الذي يقول سبينوزا إنه ” يكون لدى المرء احتقار … [ له ] عموماً ، لا يُعدّ اليوم محتقراً بل جديراً بالثناء .

وعلينا ن نتخذ خطوة أخرى ، إن ” أمراض الحالة السويّة ” نادراً ما تتدهور إلى الأشكال الخطيرة من المرض الذهني لأن المجتمع يُنتج الترياق المضاد لهذا التدهور . وعندما تُصبح السيرورات المرضية محتذاة اجتماعيا ، تفقد خصيصتها الفردية . بل على العكس ، فإن الفرد المريض يجد نفسه في بيته مع كل الأفراد الآخرين المُصابين بأمراض تشبه مرضه . والثقافة الكلية مرتصفة مع هذا النوع من الأحوال المرضية وتدبّر الوسائل لتقديم الإشباعات التي تلائم الأحوال المرضيّة . والنتيجة أن الفرد العادي لا يعيش تجربة الإنفصال والإنعزال التي يشعر بها الشخص الفصامي تماما . وهو يستأنس بالذين يقاسون من التشوّه ذاته ؛ وفي الواقع ، فإن الشخص السوي تماما هو الذي يشعر بالعزلة في المجتمع غير السوي – وقد يعاني كثيراً من العجز عن التواصل بحيث هو الذي قد يصبح ذهانيا – ص 130 و131 ) (14).

# الموقف من الكلب.. جنون أم عصاب؟ :

—————————————-

وقد يتصوّر القارىء العراقي والعربي أن الإشارات المتكررة التي نثرها اسعد في مواضع كثيرة من روايته، والتي تشير إلى الأهمية الإستثنائية لتعلق مواطني الديسكولاند بالكلاب ومنحها – كما هو الحال فعليا في الولايات المتحدة مثلا – كل حقوق الإنسان عدا حقي الإنتخاب والترشيح، هي إشارات هدفها إثراء المسار الدرامي للرواية وتصعيد وتائر وقائعها. لكن هذه الإشارات، وبعضها شديد الدلالات المضمونية، منسجمة تماما مع الإطار الفكري للرواية ومع رؤيا الكاتب . فقد كان واحد من أهم اسباب قيام “لوزانا” عشيقة “طوروس” بقتل زوجها “جو كريس” رئيس منظمة “عصابة الثيران الفولاذية” ثم الحاكم العسكري لاحقا – بالإضافة إلى إهماله وسوء معاملته وخيانته لها، وعدم إشباعه لحاجاتها الجسدية – هو قيامه بطرد كلابها المحببة إلى خارج البيت في الليل. وهناك الحوار المعبر بين سائق السيارة الذي كان مفترضا به أن ينقل عائلة هولم إلى المطار، والذي غيّر السعر المتفق عليه، بعد أن شاهد طفلة زائدة هي “مونو”، التي لجأت إلى عائلة الأخير بعد ضياعها :

هولم : أنت تحاول خداعي أيها الخبيث ، لتتركني عرضة لنهش الكلاب.

السائق : وهل أصبحت تكره الكلاب؟ لقد كانت تلك الحيوانات لديكم بالأمس أهم من الأرواح الآدمية. أقصد أهم من الأجانب الغرباء. فلم َ تنقلبون على مبادئكم بشكل فوري أيها السيّد ؟

– ولستم أفضل حالا منا. فأنتم تنامون مع الكلاب، وتهدرون عليها الكثير من الأموال .

– الأموال . الضرائب . ألا تنطق ألسنتكم غير هذه الكلمات المملة ؟

– إنها أحدث وسائل التذكير بالإذلال ليس إلا . والآن ماذا عن سعر نقل الطفلة ؟ – ص 115 ) .

ولعل أهم المواقف المعبّرة عن رؤيا الكاتب هو “قانون الكلاب” الذي أصدره طوروس بعد استيلائه على الحكم في ديسكولاند، والذي يقضي بأن (يقتني كل مواطن كلبا في منزله، حيث تتكفل الدولة بدفع نفقة شهرية تُقدر بخمسمائة (شبح) للكلب الواحد. ولم يعف القانون من أحكامه إلا الأجانب، كونهم لا يفقهون لغة الكلاب، ولا يعرفون سبل التعايش معها. بل لأن الكلاب ترتاب منهم أصلا ، ولا تطيق روائحهم، كما كان سكان البلاد يقولون عنهم فيما مضى – ص 134 ) .

وقد أتبع طوروس هذا القانون بقانون آخر يفرض على المواطنين استخدام حفاظات خاصة لكلابهم. والأدهى هو قانونه الذي يأمر بجمع فضلات الكلاب في البيوت وتسليمها إلى “شرطة الكلاب” يوم الأربعاء من كل أسبوع للإستفادة منها لدعم الإقتصاد الوطني (ص 138 ) .

وصحيح أن الكاتب بفعل معرفيّته العالية يضع على لسان الملك طوروس استنتاجا يرتبط بنتائج هذا النزوع “الكلبي” في تلك الحضارة؛ حضارة الديسكولاند، وهو نزوع يعبر عن خواء مفزع في الروح البشرية: (إن مجموعات بشرية تحب العزلة، وتفضل معاشرة الكلاب على الإختلاط بالشعوب الأخرى ، حريّ بها هذا المجد : تعيش في غابات نباح . فالحضارة مثل المخلوق الحي ، متى ما شعر بتخمة الإستعلاء ، يكون قد أجهز على نفسه بمصير مغلق أو غامض – ص 135)، إلا أن ما ينبغي علينا الإحالة إليه ، وهي إحالة متسقة مع افتراضنا الأساسي الذي يرى أن هذا التعلق النفسي المفرط بالكلاب خصوصا والحيوانات عموما ما هو إلا جزء من معطيات الفلسفة المادية الحاكمة التي سيطرت على الفكر الغربي والتي قدّمت تأويلات خطيرة لأهمية مساواة الإنسان بالحيوان ووضع لائحة بحقوق الأخير مشابهة للائحة حقوق الإنسان؛ إنه نتاج حضارة وفلسفة خاصة هي الفلسفة المادية العلمانية الغربية، والتي من أهم مرتكزاتها “التسوية” ، وإلغاء أي مرجعية ثنائية. تسوية الإنسان بالطبيعة وبالتالي بالحيوان، لإلغاء أي خصوصة له . (وتظهر هذه العنصرية الجديدة المعادية للإنسان، والتي تقوم بتسويته بالكائنات الأخرى وتصفّي كل الثنائيات وتنكر كل تجاوز (تجاوز بالمعنى الفلسفي طبعا) في أفكار العالم البريطاني ريتشارد دوكنز (أستاذ علم الأحياء في جامعة أكسفورد) الذي يبدأ منظومته بالقول بأن الإيمان بإله متجاوز للنظام الطبيعي إن هو إلا خلل في العقل يشبه القيروس الذي يصيب الكومبيوتر ، أي أن المرجعية النهائية هنا هي الطبيعة/ المادة التي تشبه الكومبيوتر المبرمج بدقة. وقد بدأ هذا الأستاذ حركة سياسية لمنح القرود (باعتبارهم أقلية مضطهدة) حقوقا متساوية مع البشر، على أساس الأطروحة الداروينية التي تذهب إلى أن الإنسان والقردة متساوون من الناحية الجوهرية.. وظهر ما يُسمى بمشروع القرد الأعظم الذي أصدر إعلان القردة العليا على غرار إعلان حقوق الإنسان ، ويبدأ الإعلان بما يلي: (نحن نطالب بتأسيس جماعة من القردة العليا من الأعضاء المتساوين في الحقوق تضم ما يلي: البشر والشمبانزي والغوريلا والأورنج تانج). وقد عرّفت عالمة الأنثروبولوجيا الهولندية بربارة نوسكي هدف هذا الإعلان بأنه “فك التمركز حول الإنسان” .. ) (15) .

إن إشاعة العناية بالكلاب إلى درجة مساواتها بالإنسان هو نتاج فلسفة عميقة تحكم الحياة الأوروبية عموما والأميركية خصوصا. وهي نتاج السعي لفك التمركز حول الإنسان ورفض الثنائيات وإلغاء المرجعيات ومفهوم التجاوز . وبفك التمركز حول الإنسان يصبح كل شيء مساوٍ لأي شيء (وهذا هو محور الفلسفة التي تقود العولمة). ويصبح أي مواطن في أي مكان مساوٍ لأي مواطن في أي مكان آخر ليس من ناحية حقوق الإنسان أبدا، ولكن من ناحية تسطيحه كسلعة وإلغاء مركزيته التي تتأسس في عائلة ووطن وأمة.

وقبل مدّة قام أحد القضاة الأميركيين بمعاقبة زوجين، بغرامة قدرها خمسمئة دولار، لأنهما تركا “قطة” تموء وحيدة وجائعة في البيت لعدة ساعات، في حين أن جزّاري ملجأ العامرية – وهم الكلاب الفعليون، بل هم أدنى من الكلاب – والذين أحرقوا أكثر من أربع مائة طفل وامرأة، وهم أحياء، لم يُحاسبوا حتى الآن، بل بالعكس فإن سفّاحهم “شوارزكوف” قد مُنح أوسمة ونياشين التكريم !!

# نظرية “الفاتحة” الإنسانية، مقابل نظرية العولمة العنصرية :

————————————————————-

قد يبدو غريبا – على القاريء العام خصوصا – أن نقول أن “الحداثة” الغربية، قد أنجبت للعالم الإستعمار الكولونيالي، بكل المآسي الدموية والعذابات الهائلة والخسارات الجسيمة التي سببّها للشعوب المتخلفة المسحوقة، التي نظر إليها كشعوب لا تستحق الحياة، وتنبغي إبادتها أو اجتثاثها بحدود معينة بما يخدم مصالح شعوب الرجل الأبيض الذي حمل عبء “الرسالة” التي طفحت بالمقت والتحامل والروح العنصرية التي سمّمت نفوس أبناء الشعوب المفتوحة. أما مرحلة “ما بعد الحداثة”، فإنها أنجبت لنا العولمة والنظام العالمي الجديد، الذي يقوم على مبدأ “القتل عن بعد” بعد أن تسلّح بأعظم مخترعات الموت العلمية. وليس غريبا على مفكر لامع ومشهور مثل “هيدجر”، بنزعته النيتشويه المعروفة، أن ينحاز إلى هتلر وإلى الحركة النازية، بعد أن رأى فيهما تجسيداً للنوى الأولية لأفكار مابعد الحداثة، فأيّدهما بلا تحفظ، وصار النازيون يعدونه فيلسوفهم.

وليس غريبا أيضا أن يأتي الإعلان عن “نهاية التاريخ” على لسان فوكوياما، وبمباركة من القيادات المرجعية الغربية مع تصاعد انطلاقة حركة العولمة، فهذا الإعلان هو في حقيقته دعوة عنصرية تعني ضمنا إنهاء “الآخر”، الذي لم يعد له أي تاريخ و هوية ولا مستقبل، إلا بالإنصهار في التصوّر الكوني الجديد، الذي يقوم على الفلسفة المادية الغربية التي تسحق كل الهويات والمرجعيات الأخرى. والغريب أن نهضة العولمة ودعوتها إلى عالم بلا حدود ونظام دولي جديد، جاءت “مسلّحة” بصورة أفظع من كل المراحل السابقة، بالرغم من أنها تعدّ الديمقراطية وحرية حركة الأفكار من مبادئها الأساسية. حالها، في هذا التناقض، حال أرض الديسكولاند الموعودة التي كانت ترفع شعارات الحرية والديموقراطية والمساواة في نفس الوقت الذي كانت تذيق فيه اللاجئين إليها مرارات التمييز والقمع والإستغلال. وقد عبّر الروائي بدقة، عن الموقف الرافض للآخر والساحق له، الذي وسم حركة العولمة، من خلال ما قاله “مدير شعبة النطق” وبطريقة منذرة لآدم السومري :

(سأقول لك كلاما قد يقنعك أيها السومري..لنفترض بأنك أنتجت أيديولوجية جديدة لحسابك الخاص، وأطلقت عليها اسم “الفاتحة” وكلها تتلخص بالفتح الإبجابي لا بفتوحات القوة أو الغزو أو استعمال السلاح، فماذا سينتج عن ذلك كلّه؟

سيكون لسانك مفقودا أو ثقيلا بالحديد أو مغطى بكثبان من الرمل… جوابي سيقضي على على مجمل ما تعاني منه بعد خروجك من غرفتك الشاقولية.

أجل يا آدم. فنظرية “الفاتحة” تريد من سكان العالم أجمع، ودون استثناء، أن يكونوا منفتحين على بعضهمليبس إلا؛ أن يأكلوا من صحن واحد. أن يعملوا في ورشات مشتركة. أن يتنفسوا هواء واحدا بمختلف الرئات. ستقول : وهل تتساوى الشعوب المنتجة مع الشعوب الكسولة؟ وهنا لابد من جواب يخرج عليك من فم تمساح، ليصرخ بوجهك مع بصقة بحجم كوكب المشتري (هنا تتدخل حفزات الكاتب لتضخم الشتيمة إلى حجم مفرط لا داعي له- الناقد) : لا توجد شعوب منتجة وشعوب كسولة على الأرض، هناك شعوب منهوبة فقط، ومجموعات بشرية مكرّسة لن تكون كسولة بهدف توسيع حلقات استهلاك ما تنتجه لهم الشعوب النشيطة المنتجة النظيفة الغنية- ص 296 و297).

وتحيلنا الإشارة الرمزية إلى “الفاتحة” إلى ما تستدعيه الذاكرة من مخزونها عن المفتتح القرآني التقليدي في إشارة ذكية وغير مباشرة إلى المشروع الإسلامي الروحي المساواتي الذي يتوقع مدير مشروع النطق الديسكولاندي أن آدم السومري يحمل تصوّره الجوهري في ذهنه. وهنا لا يمكن إلا أن نستعيد أيضا وبصورة شبه شرطية موقف الحضارة والفسلفة الغربية من الإسلام، ممثلة بمشروع “هنتنغتون” العنصري والدموي الداعي إلى صدام الحضارات والذي جعل الإسلام – ومعه الكونفوشيوسية – عدوّا للنهضة البشرية الحضارية الختامية ممثلة بحركة العولمة. ترى أليست هذه نظرية إرهابية ؟

(والنظام العالمي الجديد بهذا المعنى، نظام معاد للإنسان ومعاد للتأريخ، وهو عداء نابع من العداء الذي يحس به ذوو الاتجاه الطبيعي المادي نحو كل الظواهر المركبة بكل ما تحوي من قداسة أو أسرار، وهو أيضا نابع من رغبتهم العارمة في تسوية الإنسان بما حوله، حتى يذوب في الطبيعة/ المادة ويختفي ككيان مركب مستقل. ولابد من التصدي لهذه النزعات المعادية للإنسان وللتاريخ، ولا يمكن أن يتم هذا إلا عن طريق الجهاد ضد عمليات الترشيد المادي والمكدلة والكوكلة macdonalization & cocalization.

إن هذه الحضارة الغربية تشيع صورة للإنسان باعتباره كائنا طبيعيا جسمانياً، وتشيع نمطا استهلاكيا لا اساس له في الواقع المادي أو التاريخي. ولذا فالصور التي تشيعها هي أكبر دعوة للإرهاب، فمن يبيع صورة مستحيلة يدعو بشكل صريح للصراع والتقاتل والإرهاب.

والإسلام كرؤية للكون يرفض هذه الرؤية المادية ابروميثية الفاوستية، فهو يدعو للتوازن بين الإنسان والكون، وينمي في الإنسان إحساسه بذاته الإنسانية وبمنظوماته الأخلاقية التي تخلق مسافة بينه وبين الطبيعة والمادة وتزوده برؤية تمكنه من رفض هذه الاستهلاكية التافهة الشرسة. ولاتزال الشعوب الفقيرة في عالم السلام تجاهد ضد هذا النظام العالمي الجديد القديم.

وهذا هو سر عداء هذا النظام للإسلام. فلو أن الإسلام يدور حول بعض الشعائر ويركز اهتمامه على ختان الإناث (كما يدّعي البعض) لقام النظام العالمي الجديد بتشجيعه وتمويله. والعالم الغربي على أتم الاستعداد للتصالح والتعاون مع حكومات شمولية قاتلة ترفع لواء الشريعة الإسلامية علانية ولكنها تتبنى، بشكل واع أو غير واع، رؤية للإنسان باعتباره غاية داروينية مادية. ولكن النظام العالمي الجديد يعلم تمام العلم أن ثمة رؤية اسلامية إنسانية شاملة، اساسها الإيمان بالعدل، وأن هناك خطابا إسلاميا جديدا مركبا إلى أقصى حد يؤكد ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة، وبين أعضاء الأغلبية والأقلية، ويطرح رؤية مركبة للعدل الاجتماعي وللعلاقات الدولية، ويجند جماهيره ضد الاستهلاكية اللعينة.

يقول “سيرج لاتوش” في كتابه “تغريب العالم”: إن الغرب لم يعد بقعة جغرافية ولا حتى لحظة تاريخية وإنما أصبح كالآلة التي تدور وتدوس الجميع بما في ذلك صاحبها والقائمين عليها. والجهاد الأعظم هو محاولة الخروج من القفص الحديدي ومن هيمنة الآلة البسيطة التي تشبه في دورانها ورتابتها حالة الطبيعة، إلى عالم مركب مدهش، يقف فيه الإنسان كائنا نبيلا كريما، متعدّد الأبعاد، يحمل عبء وعيه التاريخي ومنظوماته الأخلاقية والمعرفية- ص 174 و175و176)(16).

وفي لمسات سريعة موحية يقدّم الروائي مقارنات ثرة في دائرة الفوارق العميقة بين هذين الموقفين الحضاريين : العنصري الديسكولاندي، والإنساني الشرقي الإسلامي. ويجب الإنتباه إلى أن اسعد قدّم التسميات الفعلية لمدن الشرق العربية والإسلامية: مراكش، وبيروت مثلا، ولم يضع لها مسميات رمزيّة، في حين أنه وضع للعالم الغربي تسمية رمزية هي الديسكولاند وهو موقف بالغ الدلالة. ومن تلك اللمسات السريعة والموحية هو الحوار الموجز الذي دار بين سوني، وقد استقرت لاجئة في بيروت، وعشيقها اللبناني بيرم، حيث سألته عن أخبار عيسى المعشوق – عضو ثلتهم التي يسهرون معها كل ليلة – .. فيلعنه بيرم، ولكنها تعاتبه محتجة :

(-ولمَ تلعنه؟ أنت مسيحي وهو مسيحي.

-لا .. صديقي عيسى المعشوق مسلم.

-وهل يسمّي المسلمون أولادهم بأسماء مسيحية ؟

-نعم. هم يسمون بأسماء موسى وعيسى وعمران ويونس … ألا يحدث لديكم في الغرب شيء من هذا القبيل، أن تُطلقوا إسم محمد أو فاطمة أو عمر أو علي على طفل من مواليدكم ؟

-لم تكن لدينا الشجاعة لنفعل ذلك بعد.

-الشجاعة فقط .. أم الـــ .. ؟

-العنصرية تقصد ؟ – ص 201 و202).

# طوروس نتاج تظافر عنصريتين :

———————————–

يقول المؤلف الأول “ستيفاني بروكسن” مؤلف رواية “ديسكولاند” والذي قتله الوزير بجرعة من الثاليوم في العصير الذي قدمه له وهو يشكره على جهوده، – ما علاقته باسعد؟- وهو يعلن ارتياحه في القبر الذي يعده فردوسه الأرضي بأنه كان شاهدا على “زمن العنصرية” في بلاده .. وما فعله بالغرباء المهاجرين الذي جاءوا أرض الديسكولاند هاربين من بطش سلطات الشرق التي (فعلت بهم ما نفعله نحن بالخنازير – ص 230) كما يقول.

وقفة : الضمير يصحو متأخرا عادة :

————————————-

.. ومشكلة الضمير البشري هو أنه يصحو دائما بصورة متأخرة أو على حافة بعد فوات الأوان إذا جاز الوصف حيث تكفي دفعة صغيرة لحدث اجتماعي بسيط جدا لأن يسقط في هاوية الخراب الماحق. وقد قدم الروائي هذه الصحوة المتأخرة في مواضع كثيرة كانت تجري على صورة حوارات تأنيبية وتكفيرية، ومراجعات تقرّع الذات بين شخوص الرواية من المواطنين الديسكولانديين الأصليين، خصوصا من الفارين منهم من جحيم طوروس إلى المنافي. لكن واحدة من بين أهم هذه المراجعات هي التي تمظهر فيها قرين نفسي يمثل الضمير للديسكولاندي (هولم)، رب الأسرة التي آوت (مونو)، وذلك في حلم قصير غرق فيه وهو في طريقه للفرار من وطنه بعد أن انقلب سحر العنصرية على الساحر إذا ساغ التعبير:

(لقد ضغطتم ضغطا هائلا على من تسمونهم بالأجانب، مما أخرج الرصاص من صدورهم، فولّد الإنفجار المروع ليطيح بكل ما كان جميلا لديكم دفعة واحدة. ساقتكم بعض رموزكم السياسية المعقدة إلى الجحيم بهدوء…. أفعالكم أدت لانقسام في المجتمع وفي الجيش وفي الفكر وفي النفس البشرية. لقد فتح الإنقلابيون الطريق أمام طوروس. عبّدو له الطريق بالحرير، فالتف على عصاباتكم وخرج منتصرا.

شيء يبعث على القرف والقذارة: الأجانب عاطلون ، الأجانب يعملون، الأجانب لا يتعلمون، الأجانب يملأون المدارس، الأجانب ينكحون بنات البلد، الأجانب يتوالدون كالأرانب… الأجانب الأجانب الأجانب، وكأن بلادكم فردوس خال من المشاكل إلا من مشكلة وجود بضعة ألوف من اللاجئين والغرباء.                                       كيف يكون المرء معرفيا وحضاريا وهو يحاول العيش داخل علبة من السردين ؟ أليست الشعوب التي تنتمي إلى نفسها تبقى شعوبا متحجرة، لأنها تمنع روحها عن التلاقح مع ثقافات الآخرين وحضاراتهم؟                                                   كل حضارة في هذا الكون تحمل أجوبتها الخاصة. وقد لا تجد شيئا من تلك الأجوبة إلا عند الحضارات الأخرى – ص 116 و117) .

عودة : رواية العصاب العنصري :

———————————

إن هذه العنصرية هي طبقة حديثة من طبقات العصاب “الجنوني” الذي خلخل بنية طوروس النفسية الداخلية وشوّه شخصيته. إنها طبقة تراكمت فوق طبقات مرضيّة أخرى جاء طوروس محمّلا بها أصلا من بلاده الشرقية؛ طبقات مرضيّة كانت تربة طفولته (طفولة تذكرنا بطفولة مالك ولكن من مقترب آخر)، المكان الملائم الذي استقبل بذور الإستعداد للحقد والعدوان والنقمة، التي كمنت طويلا ثم أنعشتها وأنهضتها زخات من أمطار عنصرية الديسكولاند السود. وهذه النظرة الثاقبة لأهمية التاريخ الشخصي في نشأة ونمو وترعرع الإستعداد لتقبل الأفكار والمواقف العنصرية، هي ما إستهل بها آدم السومري، روايته من خلال تقييم طفولة طوروس، كعامل حاسم في توفير نوى الشخصية الطغيانية، التي هي تشكيل عكسي ضخم لانمساخات وإحباطات طفولة معذّبة ومعادية (أعلن طوروس يوم قتله كلبا اسود وهو طفل عيدا وطنيا في الديسكولاند):

(ستعجز الأنثروبولوجيا عن تفسير طوروس، وما يمتليء به جسده من أشياء ميتة أو حيّة على حدّ سواء. لقد رضع الرجل من الغرب حليبا مازال يتسبب بعسر هضم الشقاء الإنساني والكراهية التعبيرية. لقد غسل الظلام وجه طوروس مبكرا. تصحّرت ذاته ؛ فأشبعت طفولته بآثار الخيبة وخيالاتها الإنتقامية منذ الزمن الأول. فأشدّ انتقام يواجه المرء، أن يتشبع بالخيال القمعي منذ صغره. آنذاك، لا يجد ذلك المخلوق فرصة لتطهير ذاته المكونة من طبقات قهر قديم، بل يمضي بالإتجاه المعاكس. يُغرق نفسه بالظلام ويتشكل في نسيجه. يبتكر عبقرية ظلامية، تشع بجنون جاد، بحيث لا يعود يعرف رأفة ولا يركن إلى سكون – ص 312) .

ولكن من الضروري التنبيه على أن تلك الطبقات فيها ما هو مرتبط بالطبقة الأخيرة الحديثة التي شكّلها النبذ والإحتقار الديسكولاندي له؛ إنها الطبقات التي صنعها التسيّد العنصري الإستعماري الذي مُرّر تحت غطاء رسالة الرجل الابيض، وكانت مغوية ايضا، لكنها عنصرية المضمون، وأذاقت شعوب طوروس علقم العبودية والمهانة والإذلال لقرون طويلة. فقد امتص الإستعمار الغربي (الذي كان عنصريا بطبيعته، وبطبيعة الفلسفة التي أنتجته) دمّ شعب طوروس، الذي جاء الآن ليعيش المأساة “الإستعمارية” من جديد، ولكن في ديسكولاند الديمقراطية حيث يُستغل في العمل بقسوة، ويُذل بالمعاملة العتصرية بلا رجمة. لقد تعلّم طوروس الدرس العنصري الأول، ولقرون على الأيدي الآثمة للمعلم العنصري الأكبر: الإستعمار. ثم جاء إلى الديسكولاند بحثا عن الخلاص من بطش بلاده في الشرق، ليواجه خدعة ممزوجة بالاستغلال وكأنه قد استُدرج إلى مصيدة السطو الاستعمارية العتصرية القديمة ولكن تحت غطاء ديموقراطي هذه المرّة.

إن التشخيص الذي يقدمه “بروكسن” لسلوك طوروس الطغياني وأفعاله الديكتاتورية دقيق جدا، فطوروس تعاون على تشكيله مرضيّا الشرق والغرب على حدّ سواء:

(كل تفكيك لقطعة من جسد طوروس، يعني تفكيكا للبنيان الفكري الذي تشكل منه ذلك الوحش. ويعني أيضا، توطينا للغات السياط والسجون والملاجيء والكراهية والإحتقار. حيث يلتقي الغرب بالشرق في مركز الزلزال، أي على نقطة واحدة تُسمّى: طوروس.

لا يمكن النظر إلى طوروس كمتقمص لنزعة التدمير والإنتقام في مواجهة خصومه التاريخيين. بل لأن تكوينه العنيف، هو نتاج تراكم تاريخي طويل من تأليف الإحتقار له ولجذوره، والتي من أقلها: الإستعباد الفظيع الذي مارسه المستعمرون القدامى، ممن يحاولون اليوم تكييف سلطاتهم بأنماط جديدة من الهيمنة.

فالإرهاب الطوروسي بكل ما يحمل من فانتازيا وخرافات ورعب مضادة للوعي الإنساني، امتد ليُطبق على شبكية التشكيل الروائي للنص، ليصبح الإنتقام المزمن إعلانا عن فتح الهاوية أمام الجميع – ص 330 و331).

وتعاون الغرب والشرق هذا في خلق حكاية طوروس المأساوية التي فاقت بشرورها نتائج العنصرية الغربية لأنها نتاج مضاعف من اجتماع ثقافتين دمويتين، خلق أسعد له “تعاونا” سرديا مقابلا في مسارات العملية السردية الداخلية – كتابة “رواية” طوروس- بصورة موازية من خلال تعاون “السارد” الغربي “ستيفاني بروكسن” مع “السارد” الشرقي “آدم السومري”، لإكمال رواية واحدة عن طاغية عنصري هو نتاج ثقافتين متعارضتين في الظاهر ومتفقتين في الباطن على تدمير إنسانية الإنسان، ومحق حضوره المرجعي في الكون والطبيعة. لم يستطع بروكسن الديسكولاندي أن “يكتب” رواية طوروس بالصورة الشافية التي تعكس هذه التركيبة ذات الطبقات المعصوبة إنسانيا وعنصريا التي تحدّث عنها ، بالرغم من أنه كان يعتقد بأنه قد أنجز العمل بصورة كافية، وبالرغم من أن طوروس نفسه قد أوصاه بأن يكون أكثر قذارة في تدوين حياته وأفعاله. لقد كانت اللوحة/ بورتريت الواقع النفسي المرضي لطوروس غير مكتملة الملامح فهو نتاج ثقافتين استطاع بروكسن الإلمام بالإفرازات السمّية للأولى، لكنه لم يكن قادرا على الغور عميقا في تربة تلك الطبقات التأسيسية التي شكلت القوائم الراكزة التي أشادت عليها العنصرية الديسكولاندية مراراتها الخانقة. وقد كانت هذه مهمة المؤلف الثاني “آدم السومري” الذي شهد “المراقبون الثلاثة” بقدرته الهائلة – خصوصا بعد أن انتهت مرحلة رفضه بمعالجته بـ “الغرفة الشاقولية” – على قدرته الهائلة على أن يسحب من أعمق أعماق طبقات التاريخ الآليات والوقائع التي شكّلت ديناصورا اسمه طوروس :

(فاجأنا آدم حقا، حينما بعث في الرواية ديناصورا مسخا ، كان يختبيء تحت طبقات الأرض. سحبه من كهوف الظلام السحيقة، وقدّمه لنا على طبق من ذهب. وبسبب ضخامة الحدث وثقله، أوصلنا إلى بلاغة فاسدة مرجوّة، فرض طوروس رائحتها على مناطق الرواية وأوردتها وثقوبها – ص 337).

وإذا كان بروكسن قد كوفيء بجرعة ثاليوم مميتة في كأس العصير التي قدمها إليه “غلاوسين” وزير الحواس، فقد كوفيء آدم السومري أيضا بقتل عقله من خلال رميه في مستشفى المجانين. وفوق ذلك فقد سلبه الوزير هذا حقه باستيلائه على جهد الروائي المرهق ووضع اسمه على غلافها كمؤلف لها، الأمر الذي اثار سخط طوروس الذي طلب منه إحضار المؤلفين حيين أمامه ، وبخلافه فإنه سيُلقى في “الهول ديزني” المعتقل السري الرهيب، الذي يعد من أساطير الجحيم، والمخصص لتعذيب القادة الذين يشك طوروس في ولائهم.

لكن أسعد الجبوري – وهذا امتياز مضاعف له – هو “السارد العليم” – طبعا ليس وفق المصطلح السردي المعروف – . هو المؤلف الخالق الذي صمم شخصيتي المؤلف الأول والمؤلف الثاني، كما صمّم – وهذا هو الأهم – شخصية طوروس التي مرّر من خلاله رؤاه المركزية التي اعتصر خلاصتها في المشهد الختامي حيث يشاهد آدم السومري/ المؤلف الثاني، ويكون شاهدا على عبثية محاولات الخلاص من خلال الفعل الإرادي العملي المتمثل بفتح ثقب في السور العظيم (سور العزلة والموت) ومحاولة الفرار من الديسكولاند حيث يُقبض عليه مع الرجل الذي حاول تكسير الحجارة ، لوضعهما أمام المسلة الإلكترونية/ المقصلة قارئة النوايا، وكان هدف آدم و “رؤية البحر” فقط للتطهر والخلاص . وبذلك نعود إلأى حلم مالك الطفل المُجهض في رؤية البحر وهو في أحضان جده/ أحضان الذكورة الخاصية التي أنجبت طوروس، أو – وهذه محاولة الخلاص الثانية – بتسجيل حكاية طوروس لتكون الحكاية الدرس التي يتسلح بها الناس في الديسكولاند لبناءعالم إنساني حرّ كريم ومتوازن.. فحتى للشيطان – بتحوير مقولة كافكا المعروفة – هناك أمل ، أما للإنسان .. فلا .. خصوصا إنسان الديسكولاند الذي سيسحق بفعل قيامة الديناصور العنصري المركّب :

(.. بعد ذلك وجدت نفسي على ظهر اليخت الملكي، أمام طوروس الذي كان مستلقيا كالديناصور في بانيو محاط بأجساد شبه عارية لمجموعة من المدلكات الفاتنات، وهو يتابع عبر الشاشة عمل المقصلة الأوتوماتيكية، فيما كان حرّاسه مشغولين برمي نُسخ روايتي إلى البحر – ص 356).

.. يبتلع البحر حكاية المؤلف الثاني .. لكنه لن يستطيع ابتلاع حكاية المؤلف الخالق الشاهد .. أسعد الجبوري الذي دق، بشجاعة وكفاية سردية عالية – رغم الهنات والعثرات – ناقوس الخطر المنذر من بحر العنصرية الهائج في الديسكولاند، والذي سيصبح طوفانا، يبتلع أول ما يبتلع، الديسكولاند نفسها… فتحية له ..

هوامش :

———-

(1)    ديسكولاند – أسعد الجبوري – رواية – دار فضاءات- عمان – 2010

(2)    مهزلة العقل البشري – د. علي الوردي –

(3)    و(4) و(7) و(9) و(10) و(15) و(16)الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – الدكتور عبد الوهاب المسيري – دار الفكر – دمشق – الطبعة الرابعة – 2010.

(5)و(6) القوة والإرهاب جذورهما في عمق الثقافة الأمير كية – نعوم تشومسكي – ترجمة – إبراهيم يحيى الشهابي – دار الفكر – دمشق – 2003 .

(8)1984 – جورج أورويل – ترجمة أحمد عجيل – رواية – المكتبة العالمية – بغداد – 1990 .

(11) و(12) أيديولوجيا الإسلام السياسي والشيوعية – د. سامح محمد اسماعيل – دار الساقي بالإشتراك مع مؤسسة الدراسات الفكرية – بيروت – الطبعة الأولى – 2010

(13) مقالة بعنوان: فعل التسمية بين العمليات العسكرية ومقاصد السياسة للدكتور والباحث التونسي عبد السلام المسدي من خلال الرابط: http ://www w.afkaronline.org/arabic/archives/Juill-aout2006/mseddi.html

(14) تشريح التدميرية البشرية – إريك فروم – ترجمة د. محمود منقذ الهاشمي – الجزء الأول – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2010.