إعداد: باقر صاحب
أيها الشعر كم هم ضحاياك، هذا ما يتمثل بالشاعر الراحل عبد الأمير الحصيري، الذي حصد عديد ألقاب كلها تربط بين شاعريته وسلوكه الشخصي، مثلا الشاعر الشريد، شاعر التمرد، شاعر الصعاليك. اقترنت أولى خطوات التمرد، وهو مازال في الدراسة المتوسطة، في النجف الاشرف، اقترنت  بميله الى حضور المجالس الأدبية، وقراءة الشعر العربي، اللذين غذيا عنده مبكرا أن قدره سيرتبط بالشعر.
تلازم كتابة الشعر مع حياته البوهيمية في بغداد، متنقلا في اليوم الواحد بين مقاهٍ وحانات عديدة، هو بالتـأكيد، نتيجة رسوخ قناعة لديه، بأن الشاعر يجب أن يعيش حياة غير نمطية أو تقليدية، أكثر من مرة، مدت له يد المساعدة، كي يحصل على وظيفة لائقة، يستطيع بها بناء حياة مستقرة رخية، ولكنه ينقلب عليها، ليعود إلى الصعلكة والتشرد في الفنادق البائسة، التي وجد في أحدها جثة هامدة، في غرفة غاية في الرثاثة.
شاعريته كان يشار لها بالتميز، حاول الخروج بنمط العمود الكلاسيكي، من تقريريته وحشوه المفروض بسبب الالتزام بالعروض الخليلي والقافية إلى فضاء الصور الشعرية المبتكرة.
هو شاعر حقيقي ذو موهبة كبيرة، لو أحسن استثمارها، لو طال به العمر، لكان ذا شأن  في الشعر العراقي خاصة والعربي عامة، أكبر مما حققه من منجز  في سني عمره القصير، الذي أكل جرفه الادمان على الخمر والفاقة والحرمان.
قصر عمره مع طاقة ابداعية متميزة، يسجلانه في عداد المبدعين، الذين وضعوا بصماتهم في سجل الإبداع الانساني الخالد، سبقه في ذلك رائد الشعر العربي الحديث بدر شاكر السياب، الذي توفي في العام 1964 عن عمر يناهز 38 عاما، لسنا في موضع مقارنة الا لأجل أننا ينبغي إعادة الاعتبار للحصيري، بغض النظر عن الطريق الذي اختطه في حياته، التي خرج منها شاعرا كبيرا، لفت أنظار الدرس الأكاديمي، فكتبت عنه رسائل جامعية عدة.
إعادة الاعتبار تتمثل في طباعة أعماله الكاملة، متضمنة ماكتب عنه، وسيرة حياته. وإطلاق اسمه على ملتقى أدبي أو مرفق ثقافي، طالما انه من المبدعين الذين لم يلحقوا ضررا ما بالناس، وهذا جزء من الوفاء لهم، وإلفات نظر الاجيال الجديدة إليهم.

سيرة حياته
ولد شاعر الصعاليك عبد الأمير الحصيري في مدينة النجف الأشرف في العام 1942، وأكمل دراسته الابتدائية فيها، لكنه لم يستطع إكمال الدراسة المتوسطة فيها، ففيها بانت ملامح التمرد عنده، إذ انصرف في وقت مبكر من حياته إلى ارتياد المجالس الأدبية، منهمكا في قراءة دواوين الشعر العربي.
قدم إلى بغداد مدينة الشعر والشعراء في العام 1958، وعمل فيها بما يجعله قريبا من الأدب والوسط الثقافي آنذاك، بالتأكيد، إن العمل في الصحافة، هو ما يوفر له ذلك.
عمل محررا في صحيفة (المواطن)، ومن ثم في القسم الثقافي لمجلة (وعي العمال)، ومن ثم مصححا في دار الإذاعة والتلفزيون. لكن من يعد نفسه خليفة الشاعر الجواهري، لم يستقر على عمل ما، لذا لازم مقاهي بغداد الأدبية، لكتابة الشعر ولقاء الأدباء.
رغم تشرده وصعلكته، كان غزير الإنتاج فقد أصدر خلال سني عمره القصير، الذي ناهز  نحو 36عاما، أحد عشر ديوانا، منها:
معلقة بغداد 1962، أزهار الدماء 1963، سبات النار 1969، أنا الشريد 1970، مذكرات عروة بن الورد 1973 ، تموز يبتكر الشمس 1976.  رحل عنا  أواسط العام 1978 ، بعد رحيله المبكر، صدرت بقية أشعاره. حيث اهتم الكاتب الراحل عزيز السيد جاسم بجمع اشعاره .
من روائع شعره
أنا الشريد
قصيدة (أنا الشريد) تعد من عيون شعره، وهي من ضمن ديوانه (أناشيد الشريد) المنشور العام 1960
أجائع؟أي شيء ثم يا قلق؟
أَمنْ حطامي هذا يمطر العبق؟
إذا تصبيت روحي دونما تعب
يطغى تلظي هواك القائم الخفق؟
إنْ كنت تحلم في قلبي، فإن دمي
من جوعه بات فيه الجوع يحترق!
ألم يشردك تشريد يمزقني
عيناي أظفاره العمياء تأتلق
قلبي الجحيم… أثيمات الشرور به
معذبات!! فما أذنبت يا قلق؟!
أخشى عليك دمي الواري، وإن يك في
إحراقه حلمك الريان ينسحق
ما زلت طفلا غريرا، كيف تقربني
أنا التشرد والحرمان والأرق؟!
أنا الشريد!! لماذا الناس تذعر من
وجهي؟ وتهرب من قدامي الطرق؟!
وكنت أفزع للحانات، تشربني
واليوم!! لو لمحت عيني، تختنق!
قد بِت أمضغ أعراقي وأوردتي
وأرتوي من جراحاتي…. وأنسحق
شنقت قلبي على أحلامه.. فإذا
بها، وضحكتها الخضراء تنشنق
وجبت حتى زوايا الغيب، ليس صدى
فيها، يروي صدى نفسي، ولا ألق
زرعت حتى اصطخاب الموج في شفتي
ضحكا، ولم يبتسم خفاقي الأَرِق
العري… أذهله شأني، فجن على
شفاهه ألف سؤل، كيف ينطلق
أنا الإله وندماني ملائكة
والحانة… الكون والجلاس من خلقوا
عريان، يكسو الدنا بالنجم ألبسة
عطشان، في راحتيه الكوثر العبِق
فهل كسوت جفون الناسِ ألف دجى؟
أم هل تبسم في أحداقه الغسق؟
الدار تسكن أحلامي! وما اكتحلت
بالشمسِ …. والشمس من كفي تنبثق

معلقة بغداد
وهي قصيدة طويلة جدا صدرت في كتاب منفصل العام 1962، نقتطف هنا مقطعا منها:

بغداد قـلـبي في يديـك فعذبي
إن شئت، أو إن شئت شل العاطبُ
إما صببت سعير عتبي لم أكن
لسوى تضاريم الفؤاد أعاتبُ
وأنا ابـنك المغوار مسقط دجلة
ذا القلب والسعف الإهاب الشاحبُ
بالرغم  من أن الغري بأضلعي
لهب ولي حتى رباه حبائبُ
وتـوقد الرمل الشروب، سرابه
رئـتي وأوردني الفرات الساكبُ
فيراعتي سيف بريق صليله
شعري وخفق القلبِ غمد ضاربُ
أنا ذلك الـشــحرور دجلة أيكتي
ولئن توهم بي حزين ناحبُ
أطري حفيف غصون عزك أخضرا
حـتى يمزقني ارتعاش قاصبُ
والنار تخضع خافقي وتمجه
إذ لم يعد فيه اخضرار صايبُ
أتفيأ الـبسمات حيث مدامعي
في غاب لحيتي البهيم سواكبُ
فغسلت في  منديل صبحك أدمعي
نسجته من همس الحرير كواعبُ
لا تعتبي إما زفرت تألما
من نار أحـلامـي، فما أنا عاتبُ
أو إن زرعت  رؤاي في لجج السنا
عين مخصبة ووجه قاطبُ
أفتوقد الدرب الشموع؟،وفرقدُ
أكـلته من جـوع الظـلام مخالبُ
وعزيف ثورتك الوضيـئة تزدهي
حيث ازدهت بدمي اللفوح نوائبُ
أواه يا أعـشــــى لـو أنك عائد
ما طاوعتك بأن تقول مشاربُ
حسبي بأن أطأ النجوم وسلمي
حسد وبغض وانتقاص كاذبُ
وتكاد تعثر أرجلي فأزمها
مـلء الطريق ضفادع وجنادبُ
إن كنتم مـن صنع ليل دامس
فأنا من الفجـرالندي تلاهبُ
أو كنت في ثوب الـدجـى متدثرا
جهلت ضحاي أباعد وأقاربُ
ورسبت إذ طفح الحباب فإنما
بثمالة ثملا يعود الشاربُ

قالوا عنه
فاضل ثامر(ناقد):
عبد الأمير الحصيري يعد ظاهرة استثنائية من ظواهر الشعر في العراق، وهو يشبه إلى حد كبير شخصية حسين مردان التي برزت في الخمسينيات، لكنه واصل بإصرار سياسة الصعلكة في الحياة والشعر رافضا قواعد النظام التي انصاع إليها مردان وبقي متمردا . إن عملية الصعلكة كانت بالنسبة له موقفا وسلوكا، ومن خلالها يفتخر بانتمائه لسلالة عروة بن الورد في جوانب كثيرة كالغرور والاعتداد بالنفس وغيرها.

سعدي يوسف (شاعر):
ولد عبد الأمير في النجف، العام 1942 ، ورحل عنا في فندق الكوثر الشعبي بالكرخ في العام  1978 ، دخل اتحاد الأدباء فتى، وخرج منه نعشا محمولا إلى مقبرة وادي السلام بالنجف.  كنت مع مودعيه، بعد أن كنت استقبلته آن جاء إلى بغداد. ألقيت كلمة على قبره، مستشهدا بأشعاره
ومن فؤادي أصيحُ يا نجف
أنا من الذين ظلوا يراهنون على عبد الأمير، شاعرا، وإنسانا. وظللنا صديقين.

عبد الحسين شعبان (كاتب وباحث):
أصبح الحصيري بعد انتقاله إلى بغداد، حديث المجالس والندوات والمقاهي والحانات، بسرعة فائقة، من اتحاد الأدباء، إلى الصحافة، إلى النقاد، إلى محافل الدراسة والجامعات، وأخيرا وليس آخرا إلى مقاهي المثقفين اليساريين والوجوديين والقوميين حسب تصنيفات تلك الأيام!

د.محمد حسين آل ياسين (شاعر وأكاديمي):
الحديث عنه يتناول إدمانه ونومه في الحدائق والساحات والأرصفة متجاهلين أنه مثقف كبير أدمن القراءة والبحث منذ صغره كما أدمن الخمرة. الحصيري لا يختصر بهذه الطريقة فهو نبتة نجفية حقيقية في ثقافته واتصاله بالتراث وفي إحاطته بهذا الموروث الشعبي وتمسكه بالقصيدة العربية وبتمرده، ننسى أننا حين نحتفي بهذا التمرد ونعجب به ونتحدث عنه أنه تمرد على النجف فهذا الرجل هو ابن العمائم والحوزات لو كان ابن ذي قار او ابن واسط لما لفت انتباهنا تمرده.

عمار المسعودي (شاعر وأكاديمي):
الحصيري كان شخصا استعاريا حين استبدل النجف ببغداد لما فيها من أجواء منفتحة
وجد فيها غاياته، والاستعارة لديه متلاحمة بالدراما. الاستعارة هي الصورة لدى البلاغيين القدامى لأنها هي الإنسان والمجال الواسع. والاستعارة مع الصورة تبلغ وحدة كونية متصوفة،
ومن هنا كان الحصيري كائنا متصوفا بالطبيعة.

رزاق ابراهيم حسن (شاعر وناقد):
لم يمارس احد العبث بنفسه وبشعره كما فعل عبد الامير الحصيري، واتخذ هذا العبث نهجا للحياة والشعر ايضا، واغلب شعر الحصيري يهتم بالصورة الاستعارية، فهو لا يعتمد السياق السردي، ولا يعتمد البناء المقطعي او القصيدة القائمة على الرموز والأساطير، وانما يعتمد على البناء الذي يجمع بين الأبيات في اطار الصورة الاستعارية ويجعل اغلب الأبيات قائمة على الصورة ايضا، وهو من الشعراء المعنيين بقوة العلاقة مع الحداثة والتراث، والصورة الاستعارية تحقق له ذلك، لأنها تعد من العناصر المهمة في الشعر العربي القديم، وتعد ذات اهمية فنية في الشعر الحديث الذي يميل الى التشخيص والتجسيم والعلاقة بين العناصر المتناقضة والمتباعدة والمتنافرة.

عواد خضر الخزاعي (ناقد):
في فوضى مأساته حاول الشاعر أن ينتحر أكثر من مرة كما يقول المقربون منه بعد ان أتلفت روحه المدينة والفقدان، فقدان الأسرة والإحساس بالاستقرار والأمان، فقدان الانتماء لمدينة يشعر معها بالثقة، أنها لن تخونه، وكانت لحظات الصحو عند عبد الأمير أكثر إيلاما من لحظات السكر، ففيها ينتبه من غفلة السكر إلى وحشة المكان والوجوه، والعوز والفاقة.

http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=123194