محمد الديهاجي:

إذا كان الشعر، يعيش اليوم أشدّ الفترات غربة في تاريخه الطويل، حتى شاع الظن بأن حاجتنا للشعر مجرد وهم وأكذوبة، وأصبح بذلك، هذا الكائن المغترب، يعاني ما يكفي من الإهانة والتحقير، فإن صداقته، على ما يبدو، أصبحت موسمية، تُفتح صفحاتها فجر كل يوم 21 من شهر آذار/ مارس في كل سنة، وتُطوى في مساء اليوم ذاته.
والحق إن ثيمة الاغتراب في الشعر العربي، بوصفها أصلا تفرعت عنها كل المضايق الشعرية، قد شكلت منطلق القريض منذ العصر الجاهلي. الاغترابُ باعتباره حالة نفسية – وجودية خاصة، تجعلُ الشاعر المُغترب يطرح أسئلة وجودية وفنية، مُختلفة تماما عن السّائد والمُعطى الأنالوجي.
أفكّرُ هنا في الشُّعراء الصّعاليك، مثلما أفكر في الشاعر الأموي مالك بن الريب، وهو القائل في قصيدة مؤثّرة يشكو فيها غُربته وهو يحتضر وحيدا في الصحارى، بعيدا عن الأهل والأحباب:
فللّه درّي يوم أترُكُ طائعا
بنيّ بأعلى الرّقمتين وما ليا
تذكّرتُ من يبكي عليّ، فلم أجد
سوى السّيف والرُّمح الرُّديني باكيا
كما أفكر في الشاعر الأموي الفرزدق وقد شاقه عبق مكانه الأليف وأنشد يقول:
وليلةٍ بتنا دير حسان نبّهت
هُجودا وعيسا كالخسيان ضمرا
بكت ناقتي ليلا فهاج بكاؤها
فؤادا إلى أهل الوريعة أصورا
وحنّت حنينا منكرا هيجت به على ذي هوى من شوقه ما تنكرا
وفي بلاد الأندلس، قد نعرج بالتفكير، على الشاعر الملك المعتمد بن عباد، حين قال قصائد رائقة وريّقة، بعد نفيه إلى جنوب المغرب بأغمات، قصائد جعلت منه شاعرا كونيا بكُل ما في العبارة من دلالات. الحال هذا ينسحب على الشاعر الحديث محمود سامي البارودي، بعد نفيه إلى جزيرة سرنديب (قصيدة سوف يبين الحق كمثال)، مثلما ينسحب على شُعراء المهجر، وبعض شُعراء الحداثة، كبدر شاكر السياب وهو القائل:
وعلى الرمال، على الخليج
جلس الغريب، يسرح البصر المحير في الخليج
ويهد أعمدة الضياء بما يصعد من نشيج
أعلى من العباب يهدر رغوه ومن الضجيج
صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى: عراق
كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي: عراق
والموج يعول بي: عراق، ليس سوى عراق
البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون
وكذلك أدونيس وهو في منفاه الاختياري:
كنتُ مضطرا أن أتخيل نجوم قصابين وأن أهتدي بها،
فيما أطوع الشوارع، وأسمع أنين البشر يهدر
حول السِّين ولا مصب له.
كما ينبغي أن نفكر في الشاعرين عبد الوهاب البياتي ومحمود درويش، بوصف تجربتهما الشعرية، صادرة في مجملها عن إحساس فظيع بالغربة والضياع:
وأنا…
وأنت؟
أنا وحيد..
كقطرة المطر العقيم، أنا وحيد
وهؤلاء؟
مثلي ومثلك يحفرون قبورهم عبر الجدار
مثلي ومثلك مقبلون على انتظار
من لا يعود
لا شيء ينبض بالحياة (البياتي)

بلاد كلما عانقتها فرّت من الأضلاع
لكن كلما حاولت أن أنجو من النسيان فيها
طاردت روحي
فصارت روحي
فصارت كل أرض الشام منفى (درويش)
والاغترابُ، ككينونة مختلفة، قد يكون اختياريا أو إجباريا/قسريا. وفي كلتا الحالتين، فإن الشاعر المغترب يعيش غربة مُزدوجة، غربة وجودية بقلق ميتافيزيقي، وأخرى مكانية بذاتية الانتماء. هذا القلق والعذاب، هو ليس من شك، عذاب الانفصال عن الأصل بتعبير هيغل مرة أخرى، الأصل الثقافي والأصل المكاني نقصد.
والأكيد أن لهذا التّمزُّق المزدوج، انعكاسا قويا على المُمارسة الشعرية، بما يخدُم النص ويُقوّيه ويجعله يتمايز عن الأنا الشعري الصّرف، ويحضرُ من ثم، كأنا شعري آخر، بأسئلة أكثر كونية فنيا وأنطولوجيا.
الأنا الشعري الآخر، ها هنا، هو ذاك الذي يُقيم في البين – بين، بين الأنا والآخر، على برزخ اللاانتماء. إنها بإيجاز، الكتابة البرزخية، تلك التي تسعى أبدا للاختلاف عن الأنا، بوصفها صميما ثقافيا، بالقدر الذي تسعى فيه إلى الهوية الكونية. وإذن، ثيمة الاغتراب في الشعر العربي، ثيمة أصيلة تصدُرُ أساسا ،عن إحساس مُريب بالتيه والفقدان والتّمزُّق، حيث تتوالجُ لُغةُ الذات الشاعرة بقدر الكتابة، مُحوّلة هذه الذات من حالة الوجود المُزيّف، بلغة هايدغر، إلى الوجود الأصيل الممتلئ بالحرية والخلق، ذاك الذي يصطدم لا محالة بالموت. والحاصل أن الاغتراب حالة تُولّد، عند الشاعر، الرغبة القلقة في الامتلاء، مثلما تُولد لديه الإحساس بالألم، بسبب الوعي المعرفي الذي يُحدث شُعورا فظيعا بالتّشظّي والضّياع. ألم ليس سوى ألم الانفصال عن الأصل، ذاك الذي يحضُّ على الرغبة في البوح من أجل الخلاص، عبر الكتابة التي تتموّجُ «بتموُّج العالم والإنسان» (أدونيس)، إنها،لا شك، كتابةٌ «جاهدةٌ أبدا في الهروب من كُلّ أنواع الانحباس (يقول أدونيس دائما).
بعد كلّ هذا، ليس من شك، أن الاغتراب بما هو إحساسٌ بالفقدان، يتجلى في الشعر العربي، في حالة الانفصال الشعوري بين الشاعر والواقع المعيش، للتدقيق نقول، إحساس الشاعر بفقدان حقه في الحياة، ومن ثم فإنّ النظر إلى هذا الموضوع المُستعصي، لن يستقيم، في نظرنا، إلّا من خلال ثلاث زوايا، نعتبرها أساسية في تحديد هذا المفهوم. أولاها أن الاغتراب قد يكون بسبب الهجرة من مكان إلى آخر، طوعا أو كراهية، وآثرنا تسمية ذلك بالاغتراب المكاني، نمثل لها بالشاعرين العراقيين سركون بولص وعدنان الصائغ، ثاني هذه الزوايا، يَنظرُ إلى الاغتراب كنوع من الإحساس الفظيع لدى الشاعر بالقهر المادي والروحي (معيشيا وخُلقيا)، أستحضر هنا، بشكل أخص، تجربة الشاعر العراقي الصُّعلوك (بالمعنى النبيل) جان دمو، فيما تنظر الزاوية الثالثة لهذا الموضوع، من خلال إحساس الشاعر، بعدم قدرته على الاندماج الثقافي في مجتمعه، ومن ثم تتولّد لديه رغبة مُلحة في الانفصال عن النسق الثقافي الميتافيزيقي. نُسمي هذا الصنف من الاغتراب، بـ»الاغتراب الثقافي». ويمكن أن نمثل لذلك، بشاعرين مغربيين معاصرين، عاشا الكثير من النسيان، ألا وهما محمد السرغيني، وصلاح بوسريف.

٭ شاعر وكاتب مغربي

http://www.alquds.uk/index.php/archiv