العرب/خلود الفلاح

علاقة القارئ العربي بالشعر الإسباني علاقة وطيدة، فقد تعرف القراء من خلال الترجمات المختلفة على أشعار غارثيا لوركا ورامون خمينث ورافائيل ألبيرتي وغيرهم، وقد أثر هؤلاء حتى في ما يكتب من شعر عربي حديث، خاصة في قصائد النثر العربية المنفتحة على الكوني. لكن يبقى جانب من الشعر الإسباني خفيّا عن القراء العرب ألا وهو الأشعار التي كتبتها نساء، حيث اقتصرت القراءات العربية على أشعار الشعراء مغفلة ما كتبته شاعرات إسبانيات عريقات بمعزل عن التصنيف الجنسي.

في الأنطولوجيا الشعرية “رقة ماء يتبدد بين الأصابع”، للمترجم العراقي عبدالهادي سعدون، نقرأ نصوصا شعرية لـ 66 شاعرة، بواقع 3 قصائد لكل شاعرة ليصل إجمالي القصائد إلى 198 قصيدة لشاعرات إسبانيات من أجيال مختلفة، وُلِدن في بداية القرن العشرين وينتمين إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

ليست حلبة منافسة
يكشف المترجم عبدالهادي سعدون في كتابه، الصادر ضمن منشورات مجلة الفيصل، “أن هذه الأصوات كونت نفسها بشكل صلب ومتماسك، وعلى معرفة واعية بشعريتها وهدفها. هنا نجد تداخلا بين أصوات معمرة شكلت عصب السبق الشعري النسوي في زمن صعب، بدأ بانهيار الإمبراطورية الإسبانية عام 1898، مروراً بنزاعات وتحولات سياسية واجتماعية تنتهي بحرب أهلية طاحنة عام 1936، لم تنته حتى وصول الحقبة المعاصرة الممثلة بالشرعية والدستور لبلد عريق بتاريخه ومنجزاته مثل إسبانيا”.

يرفض سعدون طرح السؤال: لماذا الشاعرات؟ هذه الأنطولوجيا لا تهدف إلى خلق حلبة منافسة بين الأصوات النسوية ونظيرتها الذكورية، فكما يقول المترجم “الشعر في عمومه لا يتكئ على جنس أو هوية، بقدر اتكائه على الأصالة والتجديد والبقاء. إنما قصدنا أن نمنح القارئ العربي الفرصة ليطلع على ماهية شعريتهن، وما يقمن بكتابته، ومدى تقاربه أو تباعده عن ذائقتنا وكتاباتنا بصورة عامة والنسوية منها تحديداً، ومدى اختلافهن وتلاقيهن معه في الرؤية والذائقة والتعبير الشعري للصوت الذكوري”.

وأوضح سعدون أنه على الرغم من الزخم الهائل في الأصوات الشعرية الإسبانية ما زال صوت المرأة حتى اليوم يعاني الإقصاء وعدم الترويج الحقيقي له، وأضاف “إذا كانت النماذج النسوية الأولى منذ القرون الوسطى حتى نهاية القرن التاسع عشر، تكتب تحت ضغوط مجتمعية وكنسية معينة، فاليوم تقع تحت الضغوط نفسها، وإن اتخذت مسميات ومواقف مختلفة”.
هنا تقول الشاعرة كونشا منديت:

أرغب ولا أستطيع! أن أكون مثل الآخرين

أولئك الذين يملأون العالم ويسمون البشر

بقبلة على الشفتين بشكل دائم، مخبئين الأفعال

وفي الختام، غسل اليدين بكل هدوء.

وفي هذا المقطع تعلن الشاعرة إرنستينا شامبورسين:

عندما يحل المغيب،

هل تخبرني، ماذا يتبقى لنا؟

عصير الذكرى

والابتسامة الجديدة لشيء لم يمض بعد

ويسلمنا إياه هذا اليوم.

ذائقة العرب
يشير سعدون إلى أن ذائقة القارئ العربي ليست بغريبة عن الشعر الإسباني فقد قرأ لـ أنطونيو ماتشادو، وخوان رامون خمينث، وغارثيا لوركا، ولكن الأنطولوجيا تطرح أسماء شعرية معاصرة، وهي تصل إلينا وتنشر عندنا بشكل متأخر ومقتضب أو مشوه في أغلب الأحيان. الصوت النسوي بينه يكاد يكون مندثراً أو لا يمنح تلك الأهمية التي تستحقها قيمته الشعرية بحق، ولأسباب عدة، لعل أبسطها هيمنة العنصر الذكوري على خارطة الشعر الإسباني. ويلفت المترجم كذلك إلى أن الشعر الإسباني المعاصر لم ينتشر ويخرج عالميا سوى في ظرف العقود الأربعة الأخيرة، وبالأخص بعد انتهاء حكم فرانكو، ويضيف “المتتبع لحركة الشعر الإسباني المعاصر، يلمس تنوعا تجريبيا وتداخلاً ضمنياً بين الأساليب والرؤى الشعرية وطرائق نقلها وتفصيلها، حتى أن الجيل الأدبي الواحد يربط تنوع الأصوات واختلافها بالتجربة الشخصية والاطلاع والتأثر سواء الداخلي أو الخارجي”.

وفي السياق نفسه، يوضح سعدون أن أغلب الشعراء الإسبانيين كانت تحدوهم رغبة في اللحاق والتواصل مع الشعر الأميركي (لغوياً وتاريخياً)، وكذلك محاولة التفرد والتميز عن النموذج الأوروبي الآخر (وجوداً جغرافياً)، الذي شكل بتنوعه ونماذجه الرئيسة بؤرة جذب تقليدي أحياناً، ومتابعة وتداخلاً في أحيان أخرى.

في هذا المقطع من نص سيرة ذاتية تقول الشاعرة غلوريا فويرتس:
في الثالثة من عمري تعلمت القراءة،

وفي السادسة عرفت كل واجباتي.

كنت طيبة وضعيفة!

طويلة، مريضة في العادة.

في التاسعة من عمري دهستني عربة

في الرابعة عشرة من عمري طالتني الحرب

في الخامسة عشرة ماتت أمي

مضت عندما كنت أتوسل حضورها.

ويشير سعدون إلى أن التحول الحقيقي في الشعرية الإسبانية المعاصرة بدأ من القرن العشرين، وجاء به ما سمي بجيل الـ98 وجيل الـ27، لتعيش إسبانيا بعدهما في مستنقع الركود والصراعات الاجتماعية والسياسية بعد انتصار الفاشية الفرانكوية في الحرب الأهلية الإسبانية 1936، ويستمر حال النفي والتهجير لجيل من الأدباء، وصولا إلى جيل الثمانينات من القرن الماضي، وهو الجيل الذي شرّع ضمن عدته الثقافية أن على الشعراء مسؤولية وحيدة لا غير هي النص نفسه وكل محاولاتهم بالبحث عن تميزهم ضمن الحركات الشعرية العالمية، والتواصل معها، وترجمتها إلى الإسبانية، والخوض في غمار المسائل الوجودية والتحرر الإنساني. من هنا حصلت الانعطافة الحقيقية للخروج بالشعر الإسباني من تقوقعه المحلي وظهور ما سمي بالحساسية الشعرية الجديدة، والمطالبة بالانحياز إلى جمالية الكتابة.

يبقى أن نشير إلى أهمية هذا الكتاب للتعرف على التجارب الشعرية المختلفة والبعيدة ربما جغرافيا، ولكن الترجمة المميزة ألغت فكرة البعد.