بقلم:عمار المأمون 
تحول الإنسان في المجتمعات الرأسمالية والرأسمالية المتأخرة إلى آلة عضوية، ما يشبه سايبورغ (مزيجا من إنسان وآلة) محكوما بتشكيلات اقتصادية وسياسية تقيس فعاليته على أساس الربح ومدى الإنتاج، فكل ما حوله محكوم بالأرقام وبمدى موافقته للمواصفات القياسيّة، أنفاسه وحركاته وعمله، بل حتى رغبته وتقنيات اللذة التي يمارسها، كلها تخدم رأس المال، بحيث يتحول وجوده ونشاطه الجسدي إلى نشاط اقتصادي أشبه بمسنن ضمن آلة ضخمة، وجوده مرتبط بكم يستهلك وكم ينتج، هو فاعل فقط لطالما يقوم بدوره المصمم مسبقاً.
العرب عمار المأمون

في حوالي 80 صفحة من رواية “هيا نشتر شاعراً” للبرتغالي أفونسو كروش نتعرف على حكاية فتاة يشتري أهلها لها شاعراً، بوصفه أقل نزقا وأنظف من الرسام النحات.
الشاعر المُشترى يتغلغل في تفاصيل الأسرة اليومية المحكومة بالأرقام والحسابات، أشبه بماكينات ذات عدادات تسجل كل سُعرة حرارية تهدر وكل عاطفة تتولد من التقبيل حتى الصفع، كل تحرّك مُحكم ومدروس وذو قيمة، حتى العلاقات بينهم أساسها الرياضيات، يجب ألّا تزيد ولا تنقص، أما لغتهم فهي تواصلية بحتة، فهم يتحدثون لتبادل المعلومات فقط، أشبه بالتعليمات الإلكترونيّة، هي فقط شيفرات وظيفيّة لا تحمل سوى معنى واحد.
يعتبر دولوز أن الجسد البشري في مجتمعات الاستهلاك والرأسمالية قد تحول إلى “جسد بلا أعضاء”، هو مجرد آلات إنتاجية واقتصاديّة، هذا الجسد هو مجرد لحم ميكانيكي، أعضاؤه لا تحمل داخلها إلا التعليمات الآلية لخدمة رأس المال، إلا أن شراء الشاعر خلخل هذه الماكينات التي كانت دائماً تنفيه بوصفه خطأً دوريا، باعتبار الشاعر/الفنان لااقتصاديّ، هو يولد المتعة، هو انحرافات في الليبيدو نحو اللذة اللاتناسلية، فتلغيه وتهمّشه بوصفه لا يخدم أهدافها ولا ينتج، لنرى الشاعر يتحول إلى ما يشبه الغرض المتحفي أو الحيوان الأليف، يمكن شراؤه وترويضه، لكن وكأي لعنة أو لوثة نراه يتفشى في الآلة/الجسد، هو يساعد الطفل المكبوت على إغواء صديقته، والأم على طلب الطلاق، هو اللوثة البشرية في الآلة، الاحتمال الذي تستثنيه الآلة بوصفه يتضاءل حتى يقترب من الصفر، هو لا ينتفي، لكنه ضئيل حد التلاشي، هذا الاحتمال هو الشعر، هو الاستثناء المتخيّل الذي يثبت أنه يمكن لمتلعثم ساذج أن يفوز بقلب حسناء.

تحوي الرواية، الصادرة هذا العام عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع بترجمة عبدالجليل العربي، موقفاً ساخراً من رقمنة العالم، النزعة نحو الرياضيات والاقتصاد، التي نراها تُطبق حتى على الأسماء التي تحولت إلى أرقام وفواصل عشريّة، تقيس أيضاً نظام التفاعل البشري بأرقام تعكس الفعاليّة والكلفة ومقدار “حرق الحريرات”.

الجدوى الاقتصادية هي التي تتحكم في مصير الأسرة، فالأب يعمل محاسباً، يحكم العنان على أسرته واستهلاكها، بل حتى أنهم حين زيادة النفقات اضطروا إلى التخلي عن الشاعر وتركه في الغابة، هو خلخل حياتهم، إذ فتح لهم نافذة على البحر، وأدخل المجاز إلى فضائهم الخاص، همساته ووشوشاته هزّت البنية الصارمة لجداول حسابات الأسرة، حتى أن بيت شعر واحدا قاله أنقذ عمل الأب، فالشعر لا يسأل عن الهزيمة أو الانتصار، هو حضور مجازيّ للحلول المتخيّلة.

تحضر في الرواية شخصية الشاعر الشاب والمتلعثم المخبول، كلاهما يتحدثان بلغة غريبة نوعا ما، الأول يبني المجاز وينال تقدير الجميع إثر جهلهم بما يقول، كلماته تبدو لهم أصواتا دون معان، في حين أن الشاب الذي أيضاً ابتكر لغته الخاصة يثير الضحك وينفر الآخرين منه، لربما كان شاعراً أيضًاً، لكنه محط السخرية.

فالاختلاف بين الاثنين نابع من قيمة اقتصادية بحتة، الشاعر موسوم بأنه شاعر، إذ دُفع ثمنه ويتم إطعامه وإيواؤه، فهو ينتج للأسرة فقط، هو سلعة مخصصة للشعر، في حين أن الشاب هو خلل في بنية الأسرة ذاتها، دونيته تنشأ من وصفه لا ينصاع لقوانينها، هو خطأ في الحسابات، وحضور الشاعر جعله أقل غرابة، فهو يحاكي السلعة الآن، هو مشروع شاعر مستقبلي، ولا ندري إن كان سينتهي به الأمر في دكان لبيع الشعراء أم لا.

يصف ميلان كونديرا الكاتب التشيكي فرانز كافكا بأنه تمكن من إيجاد الشعرية في البيروقراطية، وفي الأنظمة التي تهيمن على الفرد وتضعه في خانة المُتهم، لكن ما مصير الشخوص الآخرين؟ أولئك الذين ليسوا في خانة الاتهام كما في المحاكمة مثلاً.

رواية “هيا نشتر شاعراً” ترسم لنا صورة لذات النظام لكن بعد أن اشتدت قوته، نظام هيمنة اقتصادي واستهلاكي، لا متهمين فيه هذه المرة، بل مجرد أدوات للإنتاج وسلع في الوقت ذاته.

هؤلاء الذين تخلو حياتهم من الشعر، أوقات فراغهم محسوبة ومصممة لتكون أوقات استراحات جسدية من الإنتاج لا أوقات للتسلية، وبما أن الشعر “لااقتصادي” فهو منفي منها، حيوات رمادية خالية من الشعر، أشبه بأوجه دون ملامح، تثرثر دون مجاز أو مخيلة، الحيوات الخالية من الشعر مبتذلة، مهمّشة دوماً، أصحابها أشبه بالأرقام التي تتكرر، هم ضحايا من جهة ومذنبون من جهة أخرى، ضحايا نظام يخلق رغباتهم واندفاعاتهم من جهة، ومذنبون لصمتهم، لا بد من شعر كسرطان، يطهر الحياة اليومية من تفاهاتها، أو كما يقول أوزفالد دي اندراد نحن نحتاج شعرا “ضد مستوردي الوعي المعلّب”.

((العرب اللندنية))