نتيجة بحث الصور عن باتريك زوسكيند

جمال جبران

كتب باتريك زوسكيند‮ “‬العطر‮” ‬من رأسه،‮ ‬اخترع الجريمة وقاتلها ليقدّم لنا روايته الفاتنة‮. ‬لم يشتغل علي واقعة تاريخية حصلت فعلاً‮ ‬وسار عليها‮. ‬لقد أخرج كل شيء من جيب موهبته وأجري كل تلك التفاصيل التي منحته مجداً‮ ‬من رواية واحدة‮. ‬لقد كتب بعدها عملاً‮ ‬أو عملين لكن بقيت رائحة‮ “‬العطر‮” ‬هي العنوان الأكبر لصاحبها‮. ‬
لكن كيف الحال مع أصحاب أقلام دخلوا الرواية من باب أخبار جرائم وقعت فعلاً‮ ‬ويعلم الناس نهاياتها علي نحو مُسبق‮! ‬وكل واحد من هؤلاء ألّف روايته لسبب يخصه وحده في المقام الأول‮. ‬فهناك من كتب روايته من أجل عثوره علي نجاة من جنون مُحتمل وقريب بعد أن وقع بصره علي خبر صحافي يقول بجريمة متفوقة علي مستوي الكلام العادي‮ ‬ليتملكه الخوف الذي يصيب الآباء والأمهات حين يقرؤون خبراً‮ ‬عن جريمة راح ضحيتها ولد أو فتاة في ظروف مقززة تدفع الصحافة للجري خلفها وإذاعتها علي الناس.في حين كتب آخرون من أجل العثور علي إجابات تخص أخبار الجرائم تلك في محاولة لفهم لماذا حدث ما حدث وهل كان بالإمكان منع حدوثه‮! ‬يعني،في كل ذلك،‮ ‬أن القصة قد حدثت فعلاً‮ ‬وانتهت ولن يكون علي الروائي سوي اختيار القالب المناسب الذي سينقلها عبره إلينا كي يتخلّص هو من خوفه وهواجسه والأسئلة الباحثة عن إجابات‮. ‬لكن أين يقيم الأدب في سياق كل ذلك؟
‮”‬أغنية هادئة‮” ‬
قرأت ليلي سليماني‮ (‬35‮ ‬عاماً‮) ‬خبراً‮ ‬عن مربيّة أمريكية قامت بارتكاب جريمة قتل في حق طفلين تحت رعايتها في العام‮ ‬2012‮ . ‬كان للخبر أن يضع الرعب بأشكاله المفتوحة في قلب الكاتبة المغربية التي كانت وقتها قد صارت أُماً‮ ‬لطفل لم يُكمل السادسة من عُمره وعليه أن يبقي‮ ‬،‮ ‬بسبب انشغالات والدته‮ ‬،‮ ‬تحت رعاية مربيّة مُعظم أوقات النهار ما يعني دخول سليماني في‮ ‬غابة من أسئلة الشك الرهيبة وحسابات لانهاية لها حول حجم الاحتمالات الممكنة لوقوع الأمر نفسه مع وليدها فلم تجد‮ ‬غير الكتابة منفذاً‮ ‬ونجاة‮ “‬لو لم أكتب‮ “‬أغنية هادئة‮ ” ‬لكان الجنون قد أصابني‮.” ‬قالت سليماني بعد إنجاز روايتها التي نالت في الخريف الماضي جائزة الغونكور كأول مغربية تحصل عليها وكانت صادرة عن دار‮ ‬غاليمار‮ . ‬وقد ناقشت سليماني،‮ ‬وهي صحافية سابقة في مجلة‮ “‬جون أفريك‮” ‬في عملها أمر المُربيّات من وجهات نظر مُغايرة للسائد قابضة علي الجهة الأخري المسكوت عنها وغير الخاضعة للنقاش العام بخصوص أحوال العاملات في البيوت ووقوعهن تحت ضغط المعاملة القاسية من طرف أصحاب البيوتوما يُنتج بسببهامن ذهاب بعضهن لاختيار طريق الانتقام من الطرف الأضعف في دائرة العائلة وكأنهن بهذا يقمن بترطيب أرواحهن المُهانة‮. ‬تنتقل الكتابة هنا من قاعدة المتعة الشخصية المُنتجة لصاحبها إلي مساحة النقاش الاجتماعي المطلوب حصوله بنبرة جماعية مُشتركة عالية من شأنها أن تضع الخطوات الأولي لعثور الناس علي مفاتيح للخروج من أزماتهم وإشكاليات حياتهم التي لا يريدون فتح باب النقاش عليها‮. ‬هذا علي الرغم من الأصوات المُعارضة لمسألة وضع العمل الأدبي في مقام الاختصاص الاجتماعي الواقعة علي ظهره مهام إصلاح أحوال الناس‮. ‬
وقد كانت سليماني أيضاً‮ ‬قد بدأت حياتها الروائية عن طريق استثمار خبر صحافي يخص‮ ” ‬دومينيك شتروس كان‮” ‬مدير صندوق البنك الدولي الذي استقال من منصبه بعد ذيوع أخبار تحرشاته الجنسية في حق العاملات لتخرج روايتها الأولي‮ “‬في حديقة الغول‮” ( ‬2014‮- ‬دار‮ ‬غاليمار‮ )‬،‮ ‬لكنها هنا عمدت لقلب أركان الواقعة واضعة الحالة في سياق اجتماعي مختلف حيث تظهر شخصية امرأة مُصابة بإدمان جنسي وتذهب باحثة عن حلول لدي الآخرين‮. ‬لكن في عمليها معاً‮ ‬قامت هذه المغربية بتقديم نصها علي نحو أدبي فاتن نجح في خروجه من بوابة التقريرية ليدخل أرض الأدب‮. ‬
ليتيسيا أو نهاية عالم الرجال
من جهته لم يكن الفرنسي إيفان جابلونكا قد كتب رواية في حياته،‮ ‬وهو الباحث والأكاديمي المختص بمجال شغله التاريخي والمعروف عبره من خلال إصدارات بحثية‮ ‬غير قليلة‮. ‬لكن الأمر تغيّر معه حين قرأ خبراً‮ ‬يقول بغياب فتاة في الثامنة عشرة من عمرها وتدعي ليتيسيا بيريه عن بيتها وبقي يتابع الواقعة حتي لحظة العثور علي جثتها مقتولة بطريقة مفرطة في بشاعتها حيث فُصلت الأعضاء وتم تقطيعها وتجميعها في أكياس بلاستيكية‮. ‬ولم يكن العثور سهلاً‮ ‬فقد بحثوافي أماكن شتي إلي أن وصلوا بحيرة وهناك وجدوا ما وجدوا‮. ‬
خلال ذلك استمر جابلونكا،‮ ‬وهو أب لثلاث فتيات،‮ ‬متابعاً‮ ‬للخبر لحين العثور علي الجاني وإعلان اسمه ولم يتوقف عند هذا بل راح يبحث عن ما وراء الخبر والجريمة مدفوعاً‮ ‬بغريزة الأب المُطارد بهواجس احتمال تكرار الجريمة نفسها مع بناته‮. ‬
كانت البداية لافتة حين الوصول لحقيقة أن الجاني خال من سوابق إجرامية وهي فعلته الأولي وحالة الارتباك التي تصيب الخاليين من صحيفة سوابق هي من أوقعت به‮. ‬من هنا بدأ ظهور مفارقات أخري أبرزها أن الفتاة الضحية لم تكن مختطفة بل ذهبت إلي مقتلها برجليها راضية وراغبة في شيء آخر وحدث أمر قتلها لاحقاً‮. ‬هناك سر لن يعرفه أحد وهو الذي أدّي لمقتلها‮. ‬لكن وعلي الرغم من انكشاف هوية الفاعل ظهرت أسئلة تخص الضحية نفسها والدوافع التي يمكن أن تأخذ فتاة في مثل عمرها للموت‮. ‬لا أحد يفعل هذا من‮ ‬غير سلوك خفي كان يجري خلف حياته الظاهرة أمام الناس وهذا ما سيفتح الباب لبيان نقاط أُخري‮. ‬
نقطة أخري ستنكشف وتقول بأن ليتيسيا وشقيقتها الصغري نشأتا في دار للرعاية الاجتماعية‮. ‬انفصال الأب المدمن عن الأم المضطربة أدي لذهاب الفتاتين لتلك الدار‮. ‬هذا يحدث علي نحو دائم مع أطفال كُثر وليس نادراً‮ ‬لكن المصائب ستأتي لاحقة‮.‬
مسموحة هي حالات التبني وتكفل للعائلات المحرومة اللجوء لدور الرعاية والتعهد بأولاد من هناك‮. ‬لكن نصيب ليتيسيا واختها لم يكن عادلاً‮ ‬حين وقعتا بين يديّ‮ ‬رجل عائلة امتهن لسنوات عادة الاعتداء الجنسي عليهما‮. ‬لم يكن أحد يعلم سر الدافع الذي كان يجعل بطلة القصة لأن تبالغ‮ ‬في اختيار ملابسها ووضع الزينة علي وجهها لتبدو في سنّ‮ ‬أكبر من عمرها الحقيقي‮. ‬لقد كانت امرأة كاملة خلف جدران البيت الذي ستلقي فيه حظها من الاعتداء اليومي ولا أحد يعلم بذلك‮. ‬الذهاب بعد ذلك لتقديم جسدها للعابرين ولو لم يطلبوا‮. ‬نوع من الانتقام تقوم الضحية ضد نفسها حين تصل لحقيقة أن الاعتداء عليها لن يتوقف بأي حال من الأحوال‮. ‬ولا يبدو أمر تعمدها اختيار دراسة الخدمات الفندقية عابراً‮ ‬وهي في وعيها الحاضر تختار أسهل الطرق التي قد تمكنها من تحقيق فكرة الانتقام من جسدها فإقامتها شبه الدائمة في فندق،‮ ‬محل التدريب والعمل بعد ذلك،‮ ‬لن يفضح أمر بقائها خارج البيت لفترات طويلة ويجعله واضحاً‮. ‬كما أن مسألة الاعتداء قائمة سواء في الفندق أو في البيت‮. ‬لا شيء كي تخسره كما ولا أحد يهتم من الأساس كي يظهر مُنتبهاً‮ ‬لأي تغيّرات قد تحصل في حركة سيرها اليومية‮. ‬إنها فتاة متروكة طوال الوقت ومن الجميع‮. ‬
من كل هذا يخرج جابلونكا في عمله الحاصل علي جائزة‮ “‬جريدة اللوموند‮” ‬السنوية لأفضل رواية وجائزة‮ “‬ميديسيس‮ “‬،‮ ‬بأسئلة حول مفهوم الرعاية الاجتماعية وحقيقة أن القائمين عليها إنما يتعاملون مع الأطفال الذين يأتون إليهم بوصفهم بضاعة ومادة خالية من لحم ودم وليس عليهم سوي التخلص منها بأسرع وقت ممكن في انتظارهم لاستقبال بضاعة جديدة‮ ‬غيرهم‮ . ‬لقد ظهر ذلك واقعاً‮ ‬في حالة ليتيسيا وشقيقتها‮ ‬،‮ ‬تسليم الرعايا لمن يطلبهم ولا تبذل تلك القيادات الاجتماعية في المؤسسات الواقعة تحت إدارتها مجهوداً‮ ‬يُذكر من أجل التأكد من سلامة البيئة الاجتماعية في البيوت التي ستذهب‮ ‬إليها تلك العناصر البشرية الباحثة عن رعاية واهتمام ومتابعة سلوك الأوصياء الجدد عبر السؤال عنهم عند الأقارب والجيران ورفاق العمل‮.‬
من هنا لا يتردد كاتبنا في إعلان إدانة واضحة لنظرة النظام تجاه الأطفال الذين حُرموا من آبائهم ووقوعهم تحت سطوة ظاهرة تسليع الكائن البشري ووضعه في منطقة تسمح بوضعه في مساحة تبادل‮ ‬غير آمنة قد تودي بمستقبله وحياته بعد ذلك‮. ‬هكذا ينتقل الكاتب بوظيفة السرد من فعل يمنح متعة لقارئه إلي إنجاز يسعي لتحريك مياه راكدة تحت أرضية مجتمع لم تعد مشاغله تمنحه فرصة التفكير في معني آدميته وآدمية الآخرين‮.‬
وبكل هذا نجح الأكاديمي والباحث الفرنسي جابلونكا في إنجاز رواية أسماها‮ “‬ليتيسيا أو نهاية عالم الرجال‮” (‬دار سوي‮- ‬باريس‮) ‬ومعه ليلي سليماني في تحقيق فكرة‮ : ‬كيف يمكن لخوف الآباء علي أولادهم أن يدفع لإنجاز رواية أخذت مادتها من الحياة وخرجت لقارئها قابضة علي أدوات سحر الكتابة وجمالها‮.‬

 

 

 

 

 

 

 

http://adab.akhbarelyom.com/newdetails.