الشاعر والمترجم رفعت سلام

الشاعر والمترجم رفعت سلام

 

في رحلة طويلة تقارب نحو نصف قرن من الزمن، مثّل رفعت سلام صوتاً إبداعياً متفرداً باذخ الإنجاز في مسيرة الحداثة العربية، بإنتاج ثريٍّ تنوع بين الشعر (ثمانية دواوين) والترجمات الشعرية لكبار الشعراء العالميين، فضلاً عن التجارب النقدية حول التراث العربي والمسرح الشعري والترجمة والشعر.

في الدورة الثامنة والأربعين من معرض القاهرة الدولي للكتاب؛ كان القراء العرب على موعد مع صدور ترجمته للأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الأمريكي، والت ويتمان، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ليُعتبر واحداً من أهم الإصدارات التي أُضيفت للمكتبة العربية بأخرى، والذي أكمل به “سلّام” رباعيته للترجمات الشعرية الكاملة لأربعة من رواد الحداثة في العالم، هم اليوناني كفافيس والفرنسيان آرثر رامبو وشارل بودلير، وأخيراً الأمريكي والت ويتمان.. وهو الإنجاز الاستثنائي الذي لم يُسبق إليه رفعت سلام من قبل في مسيرة الترجمة العربية.

بوابة العين الإخبارية التقته وكان لها معه هذا الحوار:

– رفعت سلام شاعر ومترجم وصحفي وناقد.. أوجه كثيرة تتشابك وتتداخل وتسير في خطوط متوازية ومتقاطعة، لكنها تسلم بالنهاية إلى رفعت سلام مبدعاً.. ترى أين تجد راحتك الحقيقة؟ وأي الوجوه أقرب إليك وأحب؟

هو الشعر. فهو مفتاح العالم بالنسبة لي. وهو لي البوابة إلى أي طريق آخر. بسببه، التحقت بقسم الصحافة بكلية الآداب، جامعة القاهرة، لظني آنذاك أن الصحافة تعني الكتابة، والكتابة هي الأقرب إلى الشعر. وبسببه، دخلت إلى الترجمة، لأتعرف على مَن أريد من شعراء العالم الكبار غير المترجمين إلى العربية. وبسببه، اقتصرت- في الترجمة- على الشعر. فهو لا يشبه سواه، ولا شبيه له.

-للتجريب رحلة مع رفعت سلام.. فكل عمل يكاد يكون كياناً فنياً مخترعاً على غير سابقة وعلى غير مثال.. وهكذا أصبح سلام بنجوة من الوقوع في أسر التكرار الذي يترصد تجارب الأدباء وينهي مسيرتهم على حد تعبير صلاح عبدالصبور.. كيف كان ذلك؟

منذ بداياتي الأولى، في المرحلة الثانوية، نشأ داخلي وتربى برعايتي ناقد صارم، ينظر بغضب وترصد لما أكتب. كان يأكل طعامي المعرفي (المتزايد)، فتتزايد صرامته وحنكته في كشف مثالب القصيدة والنص الشعري، بأكثر من أي ناقد عرفته في حياتي الثقافية؛ خاصةً أنه يطلع معي على كل حرف أقرأه، وكل مصدر أتمعن فيه، بلا إمكانية لخداع. فهو ناقد لا ينام ولا يغفو ولا يسهو، لا يتواطأ ولا يجامل. لا يكل ولا يمل. لا يتكاسل أو يؤجل عمل اليوم إلى الغد. ولم يحدث أن زجرته أو تشاجرت معه، بل كنت دائماً أنصت له بإمعان وتأمل لما يقول. وقد بسط نفوذه- بفعل رحابة صدري معه- من الشعر إلى الترجمة إلى الكتابة النقدية.

هذا الناقد هو من يترصد لأي تكرار في الكتابة، منذ بداية النص. فهو يوقف استمرار الكتابة، ويعجزني عن مواصلتها. وكلما بدت البداية تكراراً لما سبق، أعجزني- بما لا أدري من طريقة- عن الاستمرار؛ إلى أن تبدو البداية الجديدة.. جديدة فعلاً، فيطلق سراحها.

-الجمهور العربي استقبل “أوراق العشب” لوالت ويتمان بحفاوة كبيرة، لاسيما أن موعد طرحه بسوق القراءة تزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب الدورة الـ48.. وهو العمل الإبداعي الأخير الذي قدمته للمكتبة العربية في قرابة 1000 صفحة من القطع الكبير.. كيف استقبلت هذا الأمر؟

لم يكن هناك بالطبع من هو أسعد مني، بعد سنوات من العكوف الشاق على هذا العمل. فلم يكن الأمر حفاوة فحسب، بل لمستُ لدى أصدقاء كثيرين سعادة وابتهاجاً بصدور الكتاب، إلى حد أن بعضهم كان يتصل بي بمجرد الحصول على نسخته من المعرض. وعلمت بوصول الكتاب إلى المعرض- في اليوم الخامس- من خلال اتصال تليفوني من أحد الأصدقاء: إنهم يصفون الكتاب الآن بجناح العرض. واتصل بي الشاعر الصديق فريد أبو سعدة من هناك يبلغني بحصوله على أول نسخة من الكتاب.

هذه الحالة غير المسبوقة- بالنسبة لي- هي ما أسعدتني وأبهجتني. فتلك هي مكافأة الكاتب والمترجم الحقيقية. تلك هي فرحة صدور الكتاب بعد عناء طويل وأشغال شاقة معقدة، تحملتها على انفراد، في صمت، في انتظار هذه اللحظة. “لقد شِختُ من أجل هذه اللحظة والحالة”.

-لماذا ويتمان؟ وأي شيء أغراك به؟

منذ بداياتي الشعرية والثقافية، أعرف القيمة الشعرية لوالت ويتمان، كصوتٍ فريد، مؤسس، في الحداثة الشعرية للعالم، بقيمة بودلير في الشعر الفرنسي والأوروبي. صوتٌ يحول العادي اليومي الأرضي إلى شعري وفانتازي بما لم تعرفه أشعار العالم من قبل، بلا ذهنية أو تجريدية. واللغة شبه اليومية هي عماد تجربته الشعرية، والأفق الإنساني الرحيب هو أفق تجربته المترامية. صوت شعري شاهق يؤسس لحلم إنساني بالعدالة والمساواة والإخاء والمحبة، بلا تمييز بين الأفراد وبين الشعوب والأمم، بعرفان عميق لمنجزات وتعاليم الحضارات القديمة، المصرية والصينية والهندية، باعتبارها جذر الحضارة الحديثة، التي كانت تنبني عليها أمريكا آنذاك.

وهو أول مَن فكرت في ترجمة أعماله الشعرية الكاملة، في بداية التسعينيات. وقمت بالفعل ببعض الخطوات التمهيدية: محاولة تجميع طبعات مختلفة من “أوراق العشب”، وتصوير “أوراق العشب” على نحو مُكبَّر لتسهيل القراءة والعمل.. لكن الحصول على المصادر- وأنا في القاهرة، بلا حيلة- كان صعباً وعسيراً؛ فيما تراكمت عندي -بلا مجهود يُذكر- أعمال قسطنطين كفافيس، شاعر الإسكندرية اليوناني، كحصاد لمشاركتي الفعالة في “مهرجان كفافيس” الدولي السنوي، الذي كان يقام آنذاك.

وكانت النتيجة المنطقية أن تراجع مشروع ترجمة “أوراق العشب” لصالح مشروع ترجمة “الأعمال الشعرية الكاملة” لكفافيس. وبعد كفافيس، جاء بودلير، فرامبو.. ثم عدت إلى “أوراق العشب”.

-كيف كان تماسُّكم الأول، معه ورحلة المعاناة التي صحبتكم خلال ترجمة أعماله؟

لقد خُدعت في “أوراق العشب”، ولم أنتبه إلى الخديعة إلا متأخراً، بعد أن كنت قد قطعت شوطاً في ترجمته. فالغالبية العظمى من الطبعات تعتمد القطع الصغير، قطع “كتاب الجيب”. والطبعة الأولى التي وقعت في يدي من هذا القطع كانت تقع في نحو 300 صفحة. ثم عثرت- وأنا أتمشى في شارع “النبي دانيال” بالإسكندرية، في نهاية التسعينيات- على طبعة أخرى، اشتريتها بستين قرشاً، وتقع في نحو 430 صفحة. ولم أتحقق من الفارق بين الطبعتين آنذاك، لأني كنت مشغولاً ما أزال بكفافيس.

وحين قررت- بعد الانتهاء من كفافيس وبودلير ورامبو- العودة إلى “أوراق العشب”، اكتشفت أن الطبعة الأولى ليست كاملة، والثانية هي الكاملة. لكن إمكانية توفر طبعات ورقية متعددة- أكثر من ذلك- لم تكن متاحة، على عكس ما حدث أثناء العمل على بودلير ورامبو، بل حتى على كفافيس.

وبعد انطلاقي في الترجمة، اكتشفت أن عدد سطور الصفحة الواحدة الصغيرة يصل إلى أربعة وأربعين سطراً.. والخط طبعاً صغير.. وذلك سر عدم تضخم عدد الصفحات.. وتلك هي خديعتي في “أوراق العشب”.

أما المعاناة، فيعرفها المترجمون الجادون. ففي ترجمة الشعر، ليس هناك تأويل نهائي، بما أن الشعر “حمَّال أوجه”. وعليك وحدك- بلا معين (لا قواميس لائقة، لا موسوعات، لا أدوات مساعدة)- حل الإشكاليات التي لا تنتهي إزاء شاعر شاهق يؤسس للغة شعرية جديدة وعالماً جديداً مغايراً لما تعرفه عن الشعر العربي والفرنسي، وسواهما، خاصةً مع الحرص البالغ على الالتزام بسماته الأسلوبية واللغوية الفريدة.

-على ذكر السمات الأسلوبية؛ ترجمتك لكفافيس ورامبو وبودلير وليرمونتوف وبوشكين كلها تمت عبر وسيط لغوي هو الإنجليزية.. فكيف تحققت إذاً من كون النسخة التي تترجم عنها هي الأقرب والأدق تعبيراً عن الشاعر وسماته الأسلوبية وذاتيته الشعرية الخاصة؟

ليس صحيحاً.. فترجمتي لرامبو وبودلير تمت عن الأصل الفرنسي، ومصادر ومراجع الترجمة الفرنسية للعملين مرصودة بالكتابين.. أما الشعر الروسي واليوناني فترجمته من الإنجليزية والفرنسية.. وفي هذه الحالة يكون عليّ اختيار ترجمة إنجليزية أو فرنسية موثوقة أنطلق منها، والاستعانة بترجمات أخرى لنفس العمل –من اللغتين- لضبط الدقائق الأسلوبية والظلال غير المباشرة للنص الشعري.. فضلاً عن توسيع دائرة المراجع التي تتعلق بأبعاد وملامح تجربيته الشعرية وخصائصها الفنية، لضمان عدم إفلات أحد الخيوط أو الملامح الهامة في النص الشعري.

-ترجم الدكتور ماهر البطوطي لوالت ويتمان”ذكرى الرئيس لنكولن وقصائد أخرى، من ديوان أوراق العشب”، وأيضاً هناك ترجمة الشاعر العراقي سعدي يوسف التي طبعت مراراً، آخرها في القاهرة ضمن سلسلة “المائة كتاب” التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وتشرف عليها أنت بنفسك.. ما الجديد الذي قدمه سلام إذاً في ترجمته الجديدة لويتمان؟

ما سبق هو “مختارات شعرية”، محكومة- في الكم والكيف- بالمترجم. فقد اختار كل منهما زاوية معينة لتقديم ويتمان إلى القارئ العربي. وكل منهما غير كافية- في ذاتها- للإحاطة بتجربة ويتمان الشعرية، رغم أنها تقدم ملمحاً بالغ الأهمية فيها. وكان علي أن أختار ما تحاشياه- رغم صعوبته البالغة: الأعمال الشعرية الكاملة. فلم يكن هناك مبرر لإضافة “مختارات” جديدة من أعماله.

أما التمايز في نهج الترجمة بيني وبينهما، فهو متروك للمهتمين بالدراسات المقارنة، ولا يليق بي الخوض فيه، درءاً لشبهة الانحياز الذاتي.

-إذاً.. فإن ويتمان ويتمان حالة خاصة لك كما يبدو؟

نعم؛ فهو أول شاعر فكرت في العكوف على ترجمة أعماله الشعرية الكاملة، في النصف الأول من التسعينيات. لكنه آخر شاعر قدمت له أعماله الشعرية الكاملة فعلياً، في يناير/ كانون الثاني الماضي (2017). وعلى مدى تلك السنوات الطوال، بين النية والتحقق، ظل حضوره راسخاً في ذهني، لأحقق “النية” بعد عشرين عاماً من التأجيل. وبعده، فلا “أعمال شعرية كاملة” لأحد آخر. فيكفي ما “جنَت” يداي، حتى الآن: كفافيس، بودلير، رامبو، ويتمان.

والمفارقة الثانية، أنه أول شاعر ينتمي إلى الثقافة الإنجليزية أترجم له، بعد ترجماتي- عن الإنجليزية- لشعراء ينتمون إلى الثقافات الروسية واليونانية والكرواتية؛ بما أعاد التوازن “اللغوي” و”الشعري” إلى رصيدي في الترجمة الشعرية. فلم يكن ممكناً التغاضي عن تأسيسه الحداثي في الشعر المكتوب بالإنجليزية، بعد تقديمي لبودلير ورامبو وكفافيس، مؤسسي الحداثة في الشعرين الفرنسي واليوناني.

فهو “الضلع” الذي أكمل رباعية “الأعمال الشعرية الكاملة” التي صدرت لي في السنوات الخمس الأخيرة.

-لكل مترجم منهجية يلتزمها في تقديم العمل الأجنبي من حيث اللغة وعرض الفكرة والشكل الذي يتم به هذا العرض.. ترى ما منهجية رفعت سلام في تقديم ويتمان للقارئ العربي؟

المسألة بسيطة ومعقدة، في آن: أن أقدم ويتمان، لا رفعت سلام. فذلك ما يريده القارئ الذي سيشتري الكتاب، ويدفع فيه نقوداً. أما كيفية تحقيق ذلك، فتلك هي المشكلة المعقدة.

فاحترام “الآخر”- الذي أترجم له- يقتضي التجرد من “الذاتية”، والرغبة الدفينة دائماً في “إثبات الذات” على حساب “الآخر”، وضبط العلاقة بين “الذات” و”النص”، بحيث يظل “النص” دائماً هو الحاضر  دون أن تجور عليه الذات بالوعي أو اللاوعي.

وبالتالي، فعليَّ أن أحتفظ بأسلوبي لنفسي، لكتاباتي الشخصية التي تحمل اسمي منفرداً. وعليَّ أن أتحرى خصوصيات “الآخر”، بالتعرف على ملامحها المختلفة، لمراعاة تحققها في الترجمة. فمن غير المعقول أن أترجم هيمنجواي مثلاً بلغة المنفلوطي، أو أن أضع على لسان كفافيس مأثورات إسلامية عتيقة، أو أدس في “الإلياذة” و”الأوديسة” آيات قرآنية وأحاديث نبوية، أو أدعي أنني “أجمل” النص، فأبدد خصوصية أسلوب المؤلف.. وذلك كله حادث- ويحدث دائماً- في ترجمات معاصرة على أيدي مترجمين مرموقين وآخرين مبتدئين.

ولم يحدث أن قدمت ترجمة “عامة” لأي شاعر، على نحو ما يفعل الكثيرون، فلا تكاد تلحظ- في الترجمات العربية للشعر الأجنبي- تمايز السمات الأسلوبية واللغوية بين بودلير مثلاً وأونجاريتي، أو بين بودلير ورامبو، أو بين ويتمان وإليوت.. لأنهم يقدمون- بلا وعي- تلك الترجمة “العامة” الخاوية من فرادة الأسلوب الإبداعي للشاعر. ولهذا، فما أكثر نصوص الترجمة الشعرية الخاوية من وهج الشعر، والخالية من خصوصيات مبدعيها.

-كيف تفصل بين ذاتك الشاعرة وذات المترجَم عنه؟ ألا يمكن أن تتدخل شياتٌ منك في الترجمة؟

تلك هي أصعب مهمة بالنسبة لي. لكن انتباهي لها- منذ بداية عكوفي على الترجمة، أواخر السبعينيات- خلق بداخلي آليات لهذا الفصل المعقد: أن تستخدم كل قواك وطاقاتك الثقافية، بل الإبداعية، لصالح “الآخر”، دون أن تفرض عليه وصايتك الثقافية واللغوية، بالوعي أو اللاوعي. وهي ليست “وصفة” عملية، لأنها أعمق بكثير من ذلك؛ فهي تبدأ من احترامك- “الفعلي” لا “الكلامي”- للآخر الذي تترجم له، بما يفرض احترام استقلاليته وخصوصياته الفكرية والتعبيرية كاملة. فتاريخ الترجمة العربية متخم بالمقاطع المحذوفة، حتى من كبار المترجمين للأعمال الكبرى (حذف ثروت عكاشة من كتاب “فن الهوى” لأوفيد، وحذف حسن عثمان من “الكوميديا الإلهية”، إلخ)، وبالتحريفات والتشويهات المتفاوتة هرباً من هذه الجملة أو الفقرة. وهناك قاعدة رائجة بين المترجمين: إنني أفهم ما يريد الكاتب قوله، فأعبر عنه بطريقتي وأسلوبي. أما “طريقة” الكاتب وأسلوبه، فيتم- ببساطة- إلغاؤهما، كأنهما بلا ضرورة للتعبير عن فكر الكاتب.

-من المعروف أن عملية الاختيار لدى المترجم -المبدع- تتعرض لاختبارات قاسية.. فعلى أي أساس تختار الأعمال التي تترجمها؟!

ليس هناك أساس واحد، بل متعدد. في البداية اخترت ترجمة بوشكين وليرمونتوف لأتعرف على تجربتهما الشعرية، كشاعر، لافتقار المكتبة العربية إلى أعمالهما الشعرية (ما كان متاحاً أعمالهما النثرية، القصصية والروائية! وهما مؤسسا الحداثة الشعرية الروسية). بعدها، فاجأتني تجربة ماياكوفسكي الشعرية، بل أذهلتني؛ فقررت إشهاد الجميع على فرادتها.

أما أعمال ريتسوس، فترجمتها تعبيراً عن إعجابي بخصوصية الأفق الشعري الذي يؤسس منه تجربته. وبعده، كان الاختيار شعرياً ثقافياً في آن، على أساس دعم التجربة الحداثية في الشعر العربي الراهن، بتجارب تكشف عن الوجه التعددي لحداثة الشعر العالمي، بالعكوف على مؤسسي هذه الحداثة في الثقافات المختلفة.

فلا عودة إلى الوراء، إلى التقليدي. والأفق يكمن في الحداثة. والحداثة متعددة، لا أحادية، ولا نمطية.

منذ البداية، هو انحياز لا شك فيه إلى الجدة، والحداثة، والتعددية، والخروج عن السياق والنمطية. وذلك ما يتوافق مع توجهاتي الشعرية.

-هل تعتقد أن حركة الترجمة قامت بدورها المنوط بها في الوطن العربي بعامة، وفي مصر على وجه الخصوص؟

ما أفقرنا- في مصر والبلدان العربية- في الترجمة، كماً وكيفاً. والمقارنة غير ممكنة مثلاً مع إسرائيل. فنحن نعاني- أصلاً- من ازدراء السلطات الحاكمة للثقافة، وتهميشها إلى الحد الأقصى، كديكور للزينة، لا أكثر. فإذا كانوا يخططون لوضع استراتيجيات سياسية وعسكرية، وخطط اجتماعية معينة، فإنهم يتركون الثقافة للعشوائية، وبؤس المنهج. وفضلاً عن ذلك، فجميع المؤسسات العربية- العاملة بمجال الترجمة- تعمل بمنطق دور النشر الصغيرة، لا بمنطق المؤسسات الثقافية المسؤولة عن ثقافة شعب وأمة. وتكون النتيجة فادحة، من تجهيل إلى تنامي التيارات الظلامية، إلى ترعرع الأفكار الخرافية التي تليق بالعصور الوسطى. وربما كان ذلك ما يريدونه.

-كرئيس تحرير لسلسلة المائة كتاب.. هل ترى أنها حققت المأمول منها؟

بالطبع، لا. فحين عُرضت عليَّ رئاسة تحرير سلسلة “آفاق عالمية”، كنت أظن أنني سأكون قادراً على إصدار عمل جديد كل شهر. وبالتراكم، سيمكنني تقديم ما أعتقد أن الساحة الثقافية والأدبية بحاجة ماسة إليه. وهو ما جعلني أعكف- على مدى ستة شهور- على صياغة مشروع “سلسلة المائة كتاب”، ضمن السلسلة الأم “آفاق عالمية”. وها هم- منذ نحو عام- يعطلون أعمال السلسلة، فلا تصدر- في العام الأخير- سوى ثلاثة أعمال فقط. وتتراكم الأعمال- نتاج جهد المترجمين- عندي، بلا أفق..

ويبدو لي أن هناك قراراً غير معلن بوقف مشروع النشر بهيئة قصور الثقافة، التي تصدر عنها سلسلة “المائة كتاب”، وهم يخنقون المشروع بالتدريج حالياً، ليسهل وأده، باستخدام بعض المثقفين الموظفين بالهيئة.

-الخطوة القادمة في مشروع رفعت سلام الإبداعي.. أين تكون؟!

لا أدري.. الآن. لكن المؤكد أن سلسلة “الأعمال الشعرية الكاملة” قد اختتمت بويتمان، وإن لم تختتم الترجمات الشعرية.. ولا الكتابة الشعرية.. لا خطة عندي الآن. فلننتظر ما سيسفر عنه عام 2017.