ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

 

د. قيس كاظم الجنابي

ــ 1 ــ
لقد حاول الكثير من الباحثين دراسة مفهوم الأخر الأوربي، وموقف الإنسان العربي منذ محمد مفيد الشوباشي في كتابه (العرب والحضارة الأوربية) الذي ابرز فيه أثر العرب في الحضارة الإنسانية،

واستعرض علاقة الآخر الغربي بالحروب الاستعمارية، بدءا من نابليون، وحرب الاستعمار الذي حاول (نشر حضارة الرجل الأبيض في البلاد المختلفة)(1). ثم تلاه فيصل السامر في كتابه (العرب والحضارة الأوربية) محاولا ان يتقصى هذه العلاقة.. وان يستعرض معها تطور الفكر الغربي، لإيجاد صلة حية بين تطور الغرب الحضاري المدني وبين تخلف العرب الحضاري التقني، مشيرا الى موقف الجيل العربي الجديد من الاندماج بالواقع الغربي، والذي ما زال يعيش أزمته التي تنبع من طبيعة أخرى، عبر محاولات التوفيق بين القيم القومية والوطنية وبين الآمال المضمرة لإقامة مجتمع إنساني عالمي تسود فيه المساواة والعدالة ليس بين الأفراد، حسب، بل وبين الشعوب(2).
وفي موضوع العلاقة بين الرواية العربية والغرب كان جهد الدكتور شجاع العاني واضحا في ان الرواية العربية الناشئة مع نشوء الرأسمالية المصرية، قد اقتصرت على الجانب الرأسمالي والحضارة الأوربية، في مناقشتها لموضوع اللقاء بين الحضارة الأوربية الوافدة بشكل تدخل استعماري مباشر ــ والمجتمع العربي(3) فانفتحت الأفاق نحو تمثل الآخر سلبا وايجابيا بينما يخلص ناقد أخر إلى ان (صورة الغرب قد وصلتنا متعددة الجوانب، فإننا نميل أكثر، وبما نراه اقرب الى الدقة من جهة وأكثر تعبيرا عن واقع الغرب كما استقبله العرب الى ان نقول إنها وصلت ثنائية الجوانب(4).
لقد عبر السرد العربي المعاصر عن رؤية واضحة عن علاقة العربي بالمجتمع الغربي، وخصوصا بالنسبة للكاتب الروائي الذي اتصل بالغرب، فقد حاول عبد الرحمن منيف استخدام اللعبة الرواية وسيلة لإبراز العلاقة بين العربي والآخر الغربي، من خلال استخدام أساليب اليوميات والرسائل، وتفكيك السرد الملحمي للنفاذ من خلاله الى إبراز صوت الذات، وتعددها من اجل ان يحض بتعدد الأفكار والنزوع نحو الطابع الحواري الذي يرسخ الصراع الفكري(5).
ــ 2 ــ
في روايته (الحمى المسلحة) يبدأ أسعد الجبوري روايته هذه بالسرد عبر ضمير الغائب، محاولاً الإفادة من الأساليب الأخرى من اجل الدخول إلى ميدان تنافذ الفنون بين السرد والمسرح والرسم والموسيقى من اجل خلق حالة من الارتقاء المعرفي الذي يمكن ان يرفع مستوى الرواية من مسارها السائد الى مسار أكثر عمقا وتوهجا، محاولا رفع مستوى الجانب المباشر على مستوى الجانب الأعمق الذي يحتمل الخوض في التأويل عبر استدعاء الجانب الحلمي؛ ذلك باستخدام الرؤيا وسيلة لإسناد السرد الواقعي ورفع مستواه بما ينسجم وأسلوب السرد السحري، او الفانتازيا، للقفز على الثوابت الزمائية والمكانية والأخلاقية في علاقة الكاتب بالآخر، والإفادة من أسلوب الشخصية الملتبسة التي تحذر فيها الخوف والوهم وأحالها الى مجموعة رؤى بعيدة الظلال تحاول ان تكشف نزعة الإنسان الآخر البعيد، وذلك باستخدام المعادل الرمزي الذي اتخذ له أسماء تجريبية وصور غرائبية للتعبير عن إحساس الإنسان بالاضطهاد. إذا كانت صورة الإنسان في الغرب معادلا رمزيا لسلطة الأب / الحكم المستبد في الشرق؛ وبهذا أصبح الغرب وسيلة من وسائل التعمية والتغريب، والتعبير عن واقع مكاني مرير، محكوم بايدولوجيا الاضطهاد والعنف. وإذا كانت الرواية تبدأ بداية غرائبية تحيل الى الرواية السحرية التي شاعت كتابتها في أمريكا اللاتينية في إبراز شخصية الملاك حين يقول:
(سحب الملاك كرسي القش وجلس الى جانب النائم في ذلك السرير، لمراقبة الأحداث الصامتة التي كانت تدور في عموم جسد الرجل الأعزل (6) في محاول لعقد مقاربة بين جانبين، الأول اعتيادي، مباشر، والآخر حلمي/ سحري/ فنتازي:
لإقناع المتلقي بان ما يحدث هو حقيقة واقعية لكنها مغلفة بالخيال من خلال حوار الإنسان مع الملاك، وهو حوار يؤدي دور السرد، ويعوض عنه مما يجعل البنى السردية التي تقوم عليها الرواية ذات طابع مقلق، مثير، متعرج في حركة التواصل بين الذات والأخر حتى ان الملاك يطلعه على ما في (مقبرة الأحلام ) ثم يشير عليه بان الارتباط بالسلام يعني الارتباط بالنصر وان الحلم مثل الماء يفتش دائما عن مجرى ليذهب إليه ويختفي (……) وبان الطفولة أكثر الأزمنة خصبا للأحلام فمساحة البراءة فيها أكثر اتساعا وكلما كبر المرء وكلما ازدادت خيانات الأحلام له ،ولذلك تشعر بان رأسك ليس غير مقبرة شاسعة لأحلام متوفاة منذ وقت مبكر(7) في أحالة واضحة من الواقع الى الفنتازيا ذلك ان الفانتازيا تختصر في بعض الأحيان التوهم، ولكنها تشير الى مسالة لاواعية ولا يمكن التحكم بها وهي تقترن بحلم اليقظة، وهي في الأدب تنجم عن تصورات غير واقعية تهدف الى إشباع الرغبات اللاواعية. علاوة على ذلك ان أدب الفانتازيا من خلال تسليطه الضوء على خصائص الأحلام الذي يكون عرضة للتفسيرات والتحليلات النفسية الخاصة بالأحلام(8) وما يسهم في مساعدة الكاتب على إثارة الدهشة في الرواية الغرائبية بوصف السرد الروائي عنصرا مهما في الكتابة إذ يشير البطل الى العلاقة بالآخر عبر وصف ما يعيش فيه بلده أولا ليقول:
ــ وها قد جئت لبلاد الغرب مع فرق الصليب الأحمر لإنقاذه لتصبح لاجئا تجلس الى طاولة وتشعر بالنشوة من كونك مخلوقاً ما زال حيا وبعيدا عن النزاعات العرقية وحروب القبائل وغياب الديمقراطيات. إنها فضائل الغرب عليك ياتوتميتو(9) والكاتب يخترع شخصية توتميتو اختراعا ويضعه بصفته الغرائبية السحرية فهو مريض نفسيا ويشعر بنوع من الانفصام بيه وبين واقعه ثم يحاول ان يسرد بعض التصورات التي تكشف كوامن الشخصية وملاحمها الداخلية عبر ضمير المتكلم بأسلوب اللصق الكولاج أو التداعي لكشف الرؤى الباطنية التي تتمحور فيه، وهذا ما يسمح باستخدام (ازدواجية الصوت الواحد) حينما ينتقل من السرد عبر ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، بوصف الأول الأسلوب السردي السائد في سرد الرواية وذلك بلصق بعض المشاهد الداخلية التي تتحدث عن تداعيات خاصة بحياة البطل الشخصية الغرائبية فيصف شخصية توتميتو من الخارج بان كان يوزع الرسائل تحت وغياب الديمقراطيات . إنها فضائل الغرب عليك يا توتميتو . والكاتب يخترع شخصية ( توتميتو ) ويضعه بصفته الغرائبية السحرية ، فهو مريض نفسيا ويشعر بنوع من الانفصام بينه وبين واقعه ، ثم يحاول أن يسرد بعض التصورات التي تكشف كوامن الشخصية وملامحها الداخلية عبر ضمير المتكلم بأسلوب اللصق( الكولاج ) أو تداعي لكشف الرؤى الباطنية التي تتمحور فيها ، وهذا ما يسمح باستخدام ازدواجية الصوت الواحد عندما ينتقل من السرد عبر ضمير الغائب الى ضمير المتكلم بوصف الأول الأسلوب السردي السائد في سرد الرواية وذلك بلصق بعض المشاهد الداخلية التي تتحدث عن تداعيات خاصة بحياة البطل / الشخصية الغرائبية ، فيصف شخصية ( توتميتو ) من الخارج بأنه كان يوزع الرسائل تحت المطر والريح والبرق والصقيع والعواصف الرملية الشديدة التي تبعث على الكفر بمزاج الطبيعة وجنونها، فان أرشيف رأسه، قد تقلب بأوراقه في سخط على الشخصية التي يحملها في داخله.
يبدو ان الكاتب يعيش في عزلة عن تطور تقنيات الرواية العربية الجديدة فهو يصنع لنفسه واقعا مفترضا يقوم على شيء من الفانتازيا السحرية الغامضة، محاولا كسب انتباه المتلقي الغربي الذي لا يقرأ الرواية العربية حتى تتحول هذه الرواية من رواية عربية بكل أبعادها الواقعية وشخصياتها وأساليب بنائها يرصد بها حركة الرواية عربيا من اجل رسم لمسة خاصة تعمل على النهوض بالبناء السردي لروايته، لهذا تبدو الغرائبية متوازنة شكلا ومضمونا بعد ان قطعت الرواية العربية الجديدة مرحلة متميزة في البناء حيث أصبح الكاتب العربي يعمل على تدوين الكتابة الذاتية، أي إضفاء سمات ذاتية على كتابته وذلك من خلال ربط النص بالحياة والتجربة الشخصية وجعل صوت الذات الكاتبة، حاضرا بين الأصوات الروائية لتمييز محتوى النص عن الخطابات الأخرى التي تعطي الأسبقية للقيم والأفكار الغيرية. والحرص على تذويب الكتابة يقترن بتوفير رؤية للعالم تحصل بصمات الذات الكاتبة(10) والكاتب اسعد الجبوري يحاول جاهدا ان يخلق نزعة حوارية في هذه الرواية من خلال حركة الأحداث والشخصيات والانتقال من السرد الملحمي (ضمير الغائب) الى ضمير المتكلم ذي النزعة الذاتية، باستعمال أسلوب اللصق (الكولاج) عبر الانثيالات الداخلية التي تتوسع بالتدريج لتصبح سردا موازيا للسرد الملحمي اي ان الحوار بين الذات والأخر شكل منطلقا فنيا واضحا في بناء الرواية..
ولصعوبة الخروج من صيرورة سردية واضحة المعالم، لجأ الكاتب الى العناوين الداخلية والقطوع كما يفعل كتاب قصيدة النثر والأقصوصة ،مما دفع الرواية الى نوع من التأزم في العلاقات الداخلية بين الأنا والأخر. وبين البناء السردي، وحركة التفاعلات العميقة التي تغلي على نار هادئة من الخوف المضمر والشعور بالقلق من المستقبل؛ حتى بدت بعض المقاطع ذات التوجه الشاعري الذي يحتضن في داخله نزعة ذاتية غير قادرة على الذوبان بالآخر.
تشكل شخصية (توتميتو) الغرائبية السحرية المعادل الرمزي لشخصية المستبد في الوطن محورا مهما في بناء الرواية وفي العلاقة بين السرد وبناء الشخصية، وفي حركة التواصل بين الأنا والآخر، وهذا بدوره جعل هذه الشخصية تنمو وتتضخم على حساب شخصيات الرواية والسرد المتعلق بها يتضخم على حساب السرد الروائي، في محاولة للتعبير عن الأزمة الذاتية التي يعيشها الكاتب في البحث عن حريته التي كانت مسورة بأسوار متعالية، فضلا عما تحمله من لمسات غرائبية تربك تصور القارئ العربي في العلاقة المفترضة بين الأنا والأخر، ثم ينتقل الى شخصية (التمساح الأسود) الحاكم العسكري للبلاد في الغايات المختنقة والذي يشكل الند لشخصية (توتميتو ) الذي سمي بـ(المومس الذكري) وبهذا خلق حركة صراع مريرة بين سلطتين مختلفتين وهنا يدخل الجسد محورا مهما في هذه العلاقة الإنسانية لإدارة التسلط السياسي وحياة الالتباس التي تعيشها الشخصيات..
ــ 3 ــ
في روايته الثانية (ديسكولاند) الصادرة عام 2010م ثمة عودة الى السرد السحري حتى ان السارد الذي يروي الفصل الأول منها على لسانه وعبر ضمير المتكلم (أنا) يبدأ بقوله (لا اعرف كيف وصلت الى حوض بناء السفن… شعرت بنفسي كما لو أنني لوح من الألواح السومرية (…) لذلك أخذت بفكرة اعتباري جسد كمنجة)(11) في تداخل السردي بالموسيقي وفي تداخل الخيال السحري بالخيال الواقعي .لقد عبر الراوي/ الكاتب عن حضوره الذاتي وأعلن عن شخصيته عبر نوع من الهاجس الذي دفعه للتعبير عن ذاتها من اجل التعبير عن صورة الآخر، ولأنه يعبر عن المكان في سرد الرواية، فان الزمن بدأ مغايرا للواقع في وقت يعبر فيه عن مكان اخترعه لنفسه يحاول ان يربط بينه وبين ألواح سومر في رسم علاقة مضمرة بين الماضي لأناه والأخر الذي سماه بلاد الديسكولاند وقد اقترن المكان هنا بالزمان عبر حيل النجاة الذي تحمله السفينة التي ربما تشير إلى سفينة نوح، والتي وصفها دوران بقوله ان الرغبة في ركوب سفينة، تعكس لذة العزلة التامة ومحبة السفينة هي محبة للبيت المقفل ، البيت المقفل على الدوام.. السفينة هي سكن قبل ان تكون وسيلة للنقل(12) فضلا عن كونها رمزا شيعيا يمثل صوت الشهيد أو معادله الرمزي ومن هنا أصبحت (بلاد الديسكو لاند) هي السفينة أو المنقذ التي يريد منها ان تنقذه من المأزق.
وفي الفصل الثاني يستمر في سرد الأحداث عبر ضمير المتكلم ليرسم صورة العلاقة بينه وبين الماضي الذي يمثل جذره الحقيقي الذي سيواجه به الآخر حين يقول: وشعرت بان الماضي في تلك اللحظات كان يشاركني تلك الثمالة ، التاريخ فتح في ذهني سجلاته القديمة(13) .
وفي الفصل الثالث ينتقل الى السرد عبر ضمير الغائب مما يعني انه افرغ ما تضخم من نزوعه الذاتي في هذين الفصلين ويشعر بحراجة الموقف من الأخر، فاثر ان يسرد الفصول الأخرى عبر ضمير الغائب ، فقد كان يصور الأخر من شخصية المرأة (جينفرس) عبر مشاهد حسية تعبر عن انفتاح الحياة الإنسانية هنالك بموازاة انغلاق الحياة الإنسانية في الشعر؛ لذا كانت السفينة المكان الموازي للبيت والانغلاق عبر وجع الشرقي وحياته المنغلقة والذاتية، والتي انتقلت به الى الآخر المتمثل بشخصية (جينفرس) التي ولدت من اللقاء بالأخر الغربي في عام 1995 م مع الأب مالك، فولدت الابن المثنى ، مما ولد إشكالية مركبة جديدة، لذا كان اسم المثنى يحيل ربما تيمنا بثنائية فصيلتين من الجينات التي اتحدت ذات يوم تحت تأثير طغيان من الشهوات المشتركة ليتشكل من اتونها المولود(14) لكن هذا اللقاء بين الأب مالك الممثل بالضمير (انا) والأخر المتمثل بالضمير (هي) او (جينفرس) ينتهي الى الانفصال بهدوء ،ولكن المثنى الوليد يرفض التعامل مع الآخرين بعد وفاة أبيه حتى أطلقوا عليه اسم (الخنزير الأسود) أو الزبالة الأجنبية، والخنزير كلمة منبوذة عند اليهود والمسلمين فهو بالتالي تشكيل غريب يحمل معه موقفه المختلف الذي يتراوح بين الأنا والأخر حتى أصبح له مشهدا ثلاثي الأبعاد، (يتنسم به رائحة اللغة التهكمية الازدرائية في البلاد، حيث الأجنبي مضغوطا كالكبسولة. بعد ما تحولت إقامة الغرباء في البلاد الى سكن على سيوف حادة طويلة(15).
ثم يختفي صوت أنا السارد بالتعبير المباشر من نهاية الفصل الثاني ليعود في الفصل (21) الى الظهور مجددا بقوله (عضلاتي منهارة) ثم يعود للظهور عبر رسالة (لورنا) الى (سوني)مرة أخرى والتي تصف بها الأخر الغربي بقولها، فالغرب هو الآخر يا (سوني) ليس ثلجا وتكنولوجيا فقط بل للأسف هو شيخوخة مبكرة للمشاعر والحب والمال والشهرة والروح والرفاه (16) وكذلك الحرية المطلقة في الجسد والأفيون والملذات.. وقد وصف الكاتب الآخر بطريقة كشفت شعور الأخر بالعداء، وإحساسه بعدم التوافق، حتى ان إحدى العجائز ارتكبت جريمة قتل طفلة تركية اسمها (سنداش) ولفقت تهمة قتلها على رجل بوسني اسمه (سلمان) وقد فعلت ذلك العجوز (بدافع الواجب الوطني ضد الأجانب الذين لا يستحقون بنظرها إلا القتل لتنظيف البلاد من روائح جلودهم النتنة (17) مما يشير الى ان موقف الأخر الذي كان يوصف بالبراءة والمحبة وشهوانية الجسد تحول الى جانب مضاد لا يتمكن من تقبل الأخر، وهذا بدوره خلق حركة صراع عالية ضد التعايش السلمي بين الجانبين حتى ان عصابات دموية مسعورة إذا ما استولت على بلد أوربي صغير وقليل السكان مثل (ديسكولاند) يكون ثقلها التدميري شاملا .
لم يكن معروفا لدى هتلر أو السوفيت أو الانجليز سابقا(18) وتتصاعد هذه المشاعر حتى تتحول الى رغبة تسلطية عارمة تفوق استبدادية الشرق في عصوره الآفلة، ويصف طبيعة انتقال السلطة بطريقة دموية بان الذي يقوم بها خنزير قذر اسود، وهو من الجنس الثالث (المثنى) والذي يمارس أبشع أنواع الاضطهاد. كما كانت حركة الثيران الفولاذية تتلقى دروسا في فنون التعذيب وانتزاع الاعترافات. وقد شكل الانقلاب محاولة لتمزيق النسيج الديمقراطي وقتل الروح الحضارية لتعلن نهاية بلد صغير، وتحويله إلى بؤرة إرهاب لتخريب أوربا وجعلها مستنقعات من الدم والعنف والعرقية (19) مما يعني ان صورة الأنا التي وصفها الكاتب، تتماشى مع التصور الغربي الأوربي المتطرف في وصف الشرقي بأنه سفاك دماء مع ان الكاتب حاول ان يعبر عن بلده (العراق) من خلال سنوات التسعينيات عبر المعادل الرمزي لعرض صورة أخرى من خلال العلاقة الحية بين الأنا والأخر.. وقد مثلتها شخصية (طوروس) الوصولية الخطيرة، والتي استحوذت على المملكة بصفقة مفادها الزواج شبه القسري من الملكة لهذا وصفت محاولات (لوزانا) بسحق رأس الأفعى العنصرية المتمثلة بزوجها (جوكريس) عبر رؤية (طوروس) بأنها رمز للخلاص.
افرد الكاتب الفصل (36) لسرد بعض الأحداث عبر ضمير المتكلم على لسان بعض شخصياته، ولكنه في حقيقة الأمور هو نوع من الولوج إلى عالم ما وراء السرد.
ــ 4 ــ

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
يعد السرد في رواية (ديسكولاند) العنصر المهم في البناء الروائي لأنه هو الحمالة التي تحمل من خلالها الأفكار في علاقة الأنا بالآخر فقد قرن (لانكسن) العلاقة مع الأخر من خلال العلاقة مع الكلاب التي يعدها العرب المسلمون حيوانات نجسة ،
لهذا تتحرك عملية الصراع بينه وبين الآخر عبر سلسلة حكايات صغيرة تحتويها الحكاية السردية الكبرى أو المكان الأكبر، ذلك هو (ديسكولاند) لكن بناء الرواية بقي متذبذبا بسبب الاهتمام بالعناصر الضاغطة عليه، وجعل الرواية تصطدم بعثرات مختلفة لإحساس الكاتب بإيصال اكبر حجم من أساليب القمع، مما جعل الرواية خاضعة لجملة من المتغيرات التي كان لها أثرها السلبي في البناء السردي للرواية، فافترض وجود شخصية مثل (آدم السومري) من اجل إيجاد علاقة بينه وبين الماضي والأخر، ووصفه بانه هو الذي سيقوم بكتابة الرواية وهو نوع من المعادل الرمزي للكاتب، فادم هو اسم يعني جميع البشر، ونسبته الى (سومر) يعني أولى الحضارات في العراق، لان في رحم كل ثقافة تتولد صورة الذات أو الأنا في مقابل صورة الآخر، وتقوم صورة الذات على مستوى تجريدي أو مثالي أي مصعد الى قيم ومعايير أعلى فأعلى، فهي ضرب من النمط المثالي المصنوع من مفاهيم مختزلة مجردة ولا يكتمل إلا في ثنايا عمليات من الاستبعاد والاستبقاء لبعض الخصائص العامة، لممارسات اليومية التي يتسامى بها وعي زائف الى مرتبة المثل العليا(20) وقد خلق هذا الانتداب لهذه الشخصية إشكالية واضحة تتمثل في جملة اتجاهات..
منها الخروج من الواقع الى ما فوق الواقع (أي السحرية/ الغرائبية/ الفنتازيا) وهو استحضار لما كان بورخس يفعله في استخدام موضوع الحلم للتشويش على الشخصية(21) في محاولة لخلق أجواء حلمية تنفصل عن الواقع وهو ما أبرزه الكاتب في أكثر من موقف ، كما في الإحالة الى شرود شخصية (مالك) وهي إحالة الى نوع من الالتباس المضمر، والذي جعله يقترن بعض الشيء مع شخصية ادم السومري وهو منهمك في تأليف الرواية، ووصف الكاتب له بطريقة سحرية غرائبية بقوله:
ــ وهو ما حدث لأدم السومري نفسه، داهمه النعاس في غرفة التأليف التي خضعت لشحن أفكاره فسقط منه رأس على تلك الطاولة لتبدأ الصور والمتخيلات بمداهمة على الفور(22) كما وصف (هالة) بأنها تجدد نفسها بالفانتازية في كل حفلة(23) وهو ما يتكرر في حلم الاغتصاب، كما انه أطلق على الفصل (31) عنوان (وزارة الحواس) في إشارة الى ان سينمائية طوروس قادرة على إخراج الميلو دراما والخيال العلمي والفنتازيا والسوريالية والكوميديا والاكشن بشكل يومي(24) فضلا عن الأجواء الشرقية التي تستقي صورها من (ألف ليلة وليلة) رمز للشرقي والموقف من الطاغية وقد شكلت ملامح بناء الرواية والإحالات المستمرة الى كتابة الرواية ضمن ما يعرف بـ(ما وراء الرواية) حتى ان الوزير الذي قد يحيل الى شخصية الوزير في الليالي العربية ظهر صوته المتهدج ليقول:
ــ لقد جئت لأعطي إشارة البدء بكتابة الرواية وما عليك يا ادم إلا ان تكون مبتهجا(25) مما يشير الى العلاقة الفوقية بين الأنا والأخر. فآدم هنا شخصية مقموعة تحاول ان تستخدم القلم وسيلة للخلاص، مثلما استخدمت (شهرزاد) الحكاية وسيلة للنجاة من الموت، فكان الفصل (36) المعنون (ملاحق للرواية) بمثابة الانفتاح على أسلوب ما وراء السرد بشكل واضح، للخروج من مأزق التعبير عن الذوات الإنسانية المتعددة ورغبة كل شخصية في التعبير عن ذاتها والأحداث التي ترويها. اذ يظهر المؤلف/ الكاتب المنتدب (ادم السومري) ليواجه المتلقي بقوله أنا آدم السومري نزيل مستشفى المجانين . صورة ذلك الرجل المسكين الذي شكل حياته بكتابة الروايات البوليسية . انتدبت لاستكمال الفصول الناقصة من رواية ديسكولاند مع أنني غير مختص بالنقد والتشريع. وجدت في قراءتي لرواية الكاتب المرحوم ستيفاني الأحداث محبوكة بشكل مثير ومعقول(26).
الجانب الآخر في الخروج من الواقع الى ما فوق الواقع الاهتمام بالشخصية الملتبسة/ السحرية/ والفنتازيا في علاقتها بالأخر كقوله: (كنت اكتب وارى الكلمات حيوانات مقصوصة الذيول تتلوى من شدة ما كانت تعانيه من آلام فادحة. كتبت آلاف الصفحات دون ان ينتابني شعور بالذنب أو الندم إزاء تلامذة المدارس والجامعات بفعل استهلاكي الضخم والكثير للأقلام والورق(27).
ويستحضر الكاتب المخطوطة في كتابة الرواية محاولا إيجاد الصلة بين شخصيته ادم السومري ذي الملامح الشرقية وبين الآخر، والذي جرى تعيينه كمؤلف لرواية (قيامة الديناصور) حتى اصيب بالهذيان وهو يشم روائح الموت/العنف، وبدون طقوس الإرهاب وأحداثه ،فأصبح آدم صورة من صور الشخصية الملتبسة التي حاولت عرض العناصر السلبية في ذاتها من اجل مواجهة الآخر، بيد ان الكاتب غالى في وصف هذه الشخصية وأهمل الكثير من مواصفات الأخر القابع في ذهنه وذهن شخصياته والذي كان صورة لصورة الغربي المشبع بالحشيش والدم والرعب من خلال الإشارة الى شخصية الشرقي والغجري الذي وصفه بـ(ديكتاتورية العراب) حتى جاء السرد الروائي ليشكل الفضاء البصري الذي تنتقل عليه الشخصيات في علاقتها مع الآخر حتى أصبحت الكتابة صورة من صور سردية عن تلك العلاقة حتى ان وزير الحواس (كلاوسين) قام بكتابة رواية يكشف فيها لأول مرة عن اسمه الحقيقي بسبب خشيته من الأخر مصورا (أنا) أهالي (ديسولاند) حتى ان زوجته تيناس حينما رأت الرواية ورأت اسم زوجها مطبوعا على (الغلاف لم تنبهر أو تقتحم دماغها عاصفة من عواصف الاستغراب أو الدهشة)(28) لان الدهشة ــ هنا هي عنوان العلاقة المرتبكة بالآخر، وهكذا حاول الكاتب التعبير عن حركة الصراع الندية والمضطربة بالأخر، وهي تعبر عن عصر مضطرب عاشه لما له أثره في طبيعة الاضطرابات التي عاشتها العلاقة الحيوية بين (انا) الكاتب و(انا)الأبطال من جهة والآخر من جهة.
وقد حاول ان يصنع له أجواءه الخاصة التي لها صلة حية بالرواية السحرية، وبطبيعة الأجواء السائدة وحيوات الناس الملتبسة والخوف والقطيعة والصعود إلى ما فوق الواقع.

هوامش
1ـ العرب والحضارة الأوروبية: محمد مفيد الشوباشي كتاب الجيب (القاهرة) ص12ـ
2ـ العرب والحضارة الأوربية: فيصل السامر وزارة الإعلام بغداد 1977 م ص 70 ـ 71ـ
3ـ الرواية العربية والحضارة الأوربية: شجاع العاني الموسوعة الصغيرة 31 وزارة الثقافة والفنون بغداد 1979 م ص4ـ
4ـ الأخر في الشعر العربي الحديث تمثل وتوظيف وتأثير نجم عبد الله كاظم المؤسسة العربية للدراسات والنشر عمان ــ بيروت 2010 م ص 32ـ
5ـ النزعة الحوارية في الرواية العربية قيس كاظم الجنابي الموسوعة الثقافية 96 دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 2011 م ص 82.
6ـ الحمى المسلحة اسعد الجبوري الشركة العربية الاوربية للصحافة والاداب كوبنهاكن ص5.
7ـ نفسه 6
8ـ أدب الفنتازيا مدخل الى الواقع ابتر ترجمة صبار سعدون دار المأمون بغداد 1990 ص 15 ـ 7ـ
9ـ الحمى المسلحة ص 22ـ
10ـ الرواية العربية ورهان التجديد محمد برادة كتاب دبي الثقافية ع 49 دبي مايو 2011 ص 67ـ
11ـ ديسكو لاند: اسعد الجبوري دار فضاءات عمان 2010 م ص5ـ
12ـ الانثروبولوجيا رموزها أساطير أنساقها جيلبير دوران ترجمة مصباح الصمد المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر بيروت 1411 هـ/ 1991 م ص 228 ــ 229ـ
13ـ ديسكولاند ص17
14ـ نفسه ص31
15ـ نفسه 32
16ـ نفسه 253 ـ 254
17ـ نفسه 43
18ـ نفسه 44
19ـ نفسه 69ـ
20ـ تمارين في النقد الثقافي صلاح قنصوة الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2007 م ص 52ـ
21ـ أدب الفنتازيا ص 218ـ
22ـ ديسكولاند 289ـ
23ـ نفسه 169ـ
24ـ نفسه 269
25ـ نفسه ص310
26ـ نفسه ص 331
27ـ نفسه ص333
28ـ نفسه ص 342.

http://www.alitthad.com/paper.php…