هدأتْ نفسي من القلق الذي كان يفترسها خوفاً من نتائج التقرير الذي كتبه أبو قعبرة بحقي، بعدما أعلن الشيخ فليفل أمام المصلين عن ترقية “أبو قعبرة” إلى رتبة “ملا” والتي تعني باللغة الدارجة رجل الدين الذي يقوم بتحفيظ القرآن للأطفال مع تفسيره وتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة؟
هذا بالإضافة إلى أن الرجل أبو قعبرة هو ماسك ملف القرية الأمني، الذي سبق للشيخ وإن وضعه في عهدته لضبط حدود قرية الطوف من الأعداء واللصوص والشياطين.
لا أدري ما هي الأسس أو القواعد التي يتم بموجبها منح الرتب والألقاب للرجال هنا؟!
كل تلك الأشياء كانت تحدث تحت الطاولة بين مختلف الشخصيات المعنية بالصفقات والاتفاقات السريّة التي عادة ما يتم التوقيع على بنودها بين هذا وذاك.
ومع ذلك. . فلم أستغرق بالبحث طويلاً لمعرفة تلك القواعد. فما اعتقدهُ أن الشيخ فليفل هو وحده المُخوّل بتوزيع الرتب والمراتب والرواتب في هذه القرية المعزولة عن العالم.
مسحتُ الغيوم عن رأسي فجأة. وأزحتُ عن صدري صخرة سيزيف، لأستريح من الشدّ والإرهاق، ليس لأنني نجحتُ كالبطل سيزيف بحمل صخرة “الطوف” إلى أعلى الجبل دفعة واحدة، بل لأنني قمت بتكسير تلك الصخرة والقيام بنقلها قطعةً قطعةً حتى أصبحت بكامل حجمها على قمة ذلك الجبل.
تعيين أبي قعبرة معلماً لي، كان اختباراً حاداً بالنسبة لي، خاصة وإنني لم أقتنع بحجم ثقافته ،ولا بما يملك من معلومات تصلح لأن تؤهله لمثل ذلك المقام المهم في التجربة التعليمية بشكل عام. قد تأخذني اللامبالاة بما يحدث هنا، فأن يُعيّن( أبو قعبرة) “ملا” على هذه القرية، فلا بأس بذلك، لأن المسألة لا تخصّ عابر سبيل مثلي، ولكن الخطير في الأمر، أن تُوكل إليه مهمة تطهيري من الأمية الدينية، والاهتمام بتعليمي وصياغة أفكار رأسي على طريقته.
عندما أمرني أبو قعبرة بالقفز لركوب الحمار، ومتابعته بالمسير، أدركت حقاً بأنني دخلت طوراً جديداً من العلاقة مع رجل يحمل رتبة “ملا”.
وهذا يضيف إلى ثقل الرحلة وحرارة الطقس ولاهوتيات الافتراس، ثقلاً آخر يُسمى تربية وتعليم العقارب!!
لا أعرف كيف قفز هذا المصطلح إلى رأسي فجأة.
ولكنني متيقنٌ بأن هذا الملا أو المعلم الابتدائي الذي أوكل إليه الشيخ فليفل مهمة تدريسي الفقه وقضايا الشريعة، سيقوم بصبّ الدين في مخي، صبّ سكك الحديد في تلك القوالب الملتهبة بالنيران العظمى.
ومن ناحية أخرى، سيقوم في أثناء تعليمي وتربيتي، بسحق أفكاري الشبيه المدنية، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
ضحكت لأكثر من دقيقتين بشيء من التهوّر، وأنا على ظهر الحمار.
قلت لا بد من أن يكون لهذا الحمار اسم. وعندما وصلت ضحكتي إلى الفضاء، سألني أبو قعبرة إن كان لضحكي معنى، فيكون ضحكاً حلالاً ومبرراً، وما عدا ذلك، فهو هرطقة وعبث دنيوي رخيص غير جائز ويستوجب التحريم والعقاب!!
لم أعلق على ما قالهُ أبو قعبرة.
اعتبرت كلامه تدخلاً. ولكنه سأل عن عدم ردّي على ما قاله، ومفصحاً في الوقت ذاته، بأن الضحك من شهوات الدنيا غير المستحبة.
“هل تريد الحق يا أبا قعبرة. أنا ابحث لهذا الحمار عن اسم. هذا كل ما في الأمر”.
كانت الشمس تنزل بحممها الملتهبة داخل رأسي الذي تصورته كآنية نحاس. ولم يكن الطريق لينتهي في نقطة باردة من الزمن.
كل ما كنت أفكر به آنذاك، أن أجد اسماً للحمار العقلاني الذي ما يزال يسايرنا ويلبّي رغباتنا ويحمل أثقالنا دون اعتراض أو تذمر.
( هل يمكن أن يرفض حمارٌ اسماً معيناً فيما لو قمت باختيار ذلك له؟)
قلت ذلك في نفسي. . وعاودني الضحك من جديد، الأمر الذي استشاط غضب أبي قعبرة ودفعه لأن يطلق صرخةً مدويةً بي وهو يصيح بحنق:
• بماذا تراك تفكر لتغرق نفسك بهكذا ضحك أيها الفتى الأحمق؟!!
• ليس من شيء مهم يا ملا. لا تكترث بالأمر. أنه سؤال فقط، وسألت به نفسي.
• وما وراء سؤال مثل ذاك يا فتى؟ أيكون الأمر متعلقاً بي أم بالشيخ؟
• لا بك ولا بالشيخ فليفل. إنه يتعلق بالحمار فقط.
• إن كان كذلك، فيكون عليك إفادتي بما تفكر به على الفور.
• كل ما في الأمر، هو أنني سألت نفسي سؤالاً: ماذا لو أعطينا لكل حمار اسماً؟
• أصبحتَ تفكرُ بالحمير يا فتى؟ يا للمصيبة. نحن في أول الطريق يا فتى. ولو فعلنا ذلك، ووزعنا الأسماء على الحمير هنا وهناك، لكنا عجزنا عن تلبية كل الطلبات. أجل ستنفق الأسماء في هذه القرية، مثلما ستصبح شحيحةً في المدن الكبرى.
“أجاب أبو قعبرة وهو يتصبب عرقاً له رائحة نافذة، قد لا يجد حصانهُ حرجاً ،فيما لو قام برمي الملا من على ظهره، خشية من أن تقتله تلك الرائحةُ العفنة”.
لم أجد الرغبة بالرد على ما قاله أبو قعبرة. بلعتُ لساني ومضيت بقطع التفكير وإغلاق منافذ رأسي كاملة. شعرت بموجة من البكاء تجتاحني بشكل مفاجئ، بعدما ارتفع بداخلي خيطٌ ساخنٌ من الحنين إلى أمي التي لم أرها، وإلى أبي الذي لا أعرفه.
اختلط علىّ الحابل بالنابل في تلك اللحظات من الإحساس القاتل بالوحدة التي وجدت فيها نفسي مثل ورقة في مهب الريح.
لم أعد أفرق ما بين الأب من الحمار وما بين الأم من الملا وما بين الشمس من تلك الأفكار التي كانت تتساقط في رأسي مثل مجموعة نيازك مراهقة، لا تستهويها غير الرغبة بالارتطام والتحطيم الذاتي لأجسامها ،ولكل ما يحيط بها من كائنات.
كان حصان الملا أبو قعبرة يمشي الهوينى على تلك الطريق الترابية التي أصبحت النباتات والحشائش على ضفتيها من الذكريات.
بل، وكل من يشاهد حصان الملا ذاك، لا بد وأن يظن بأنه شبح من الأشباح التي تتلمس الطريق بوصة بوصة في مسيرها جراء التعب والجوع وحرارة الطقس الناري.
كان صوت الملا أبو قعبرة، بمثابة الدليل الوحيد الذي يوجه الحصان ويحرضهُ على المسير في جميع رحلاته الطويلة الشاقة التي عادة ما يقوم بتنفيذها نزولاً عند أوامر شيخه فليفل كما علمت.
• هل قدرّ لي أن أكون رهينة لك وللشيخ في هذه القرية؟
“صرخت بالملا بعد أن شعرت بحالة من الاختناق تنتابني وأنا على ظهر الحمار”.
• لست أنت رهينة لأحد. . لا للشيخ فليفل ولا لي أنا، إنما أنت يا فتى رهينة للدين فقط.
• ومتى كان الدين قاطع طريق أو قرصاناً بنظركم. لم أفهم ما القصة بعد؟؟!
• لا مكان للجدل بالدين. ففهم المقدسات أمرٌ مؤجل على الدوام، لأن على المؤمن أن يطيع فقط.
• وما الفائدة من إطاعة الدّواب؟
• لا أظن بأنني مُخوّل بالرد عليك الآن، قبل أن أخذ رأي الشيخ فليفل حفظه الله.
• وهل تخشاه أنت. . أم تخشى الله يا ملا؟
• لكل مقام مقال. ألم تسمع بهذا من قبل يا فتى؟
• كلا. فيوم كنت في تلك السموات، لم أر عبيداً هناك. ليس عند الله غير مخلوقات محررّة وحرّة بقوته وإرادته.
• اتق الله يا أيها الفتى الأحمق. فوا لله لو سمعك الشيخ وأنت تتلفظ بكذا ملافظ، لكان قد أزاح رأسك من على عنقك بسيفه البتار، وانتهيتَ كالنفاية.
• وبأي حكم سيفعل بي ذلك يا ملا؟؟
• في السِنة ملايين من الأحكام التي تبيحُ له أن يفعل ذلك بكل رحابة صدر.
• دساتير للقتل كما تقصد يا ملا؟!!
• نعم. دساتير للقصاص الذي تسميه أنت قتلاً !
• نحن نستخلصُ من الشرائع ما يناسب كل وضع وكل حالة.
• لكن ذلك لا يصح مع تقادم الزمن. فعقوبة الجنحة التي وقعت قبل ألف عام من التاريخ الإسلامي، هي غيرها التي تحصل في هذه الأيام!
• اسمعني جيداً يا فتى. نحن نقترب من الدار الآن، وليس محبباً أن ندخلها متخاصمين على فكرة حادّة، قد لا نفقه شيئاً عنها ونحن بهذا المستوى من الثقافة أو بهذا الإدراك البسيط.
• وقد تتحمل الدارُ أوزار التاريخ وقصص أبطاله أكثر من منبر جامع (الطوف) الذي يخطب من عليه الشيخ فليفل، ويعطي الناس من عظاته التي عادة ما تكون ملتهبة مثل وقود الطائرات المسمى بالكيروسين.
• أحسنت. ها أنت قلتها بعظمة لسانك. فليس أفضل من الكظم والسكوت على كل ما يفعله الشيخ. فالقادة الذين ورثوا ما كان برؤوس الخلفاء الراشدين، هم هكذا على الدوام.
• وما لله لله وما لقيصر لقيصر. أليس كذلك يا ملا؟
• بالضبط. الآن بدأت تفهمني يا فتى. ولكن قل لي من أين استقيت كل معلوماتك، وأنتَ ما زلت فتى غضاً؟!
• قبل أن أنزل على الأرض عملوا على إعادة تحديثي، بعد أن زرعوا برأسي شريحة إلكترونية. ألا تعلم بذلك؟!!
• أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ها قد عدّت إلى التخريف ثانية! كم نصحناك بأن لا تدخلنا في باب الشِرك! أما حذرتك من ذلك سابقاً؟
• وما علاقة الشِرك بهذا يا ملا؟!!
• كفّ عن الكلام يا فتى وترجل من على هذا الحمار. فعوضاً عن هذه الثرثرة، علينا أن نعدّ الطعام، ونستعدّ للدرس.
• هل ستعطينني درساً يا ملا؟
قل دروساً يا فتى. دروساً ستفتح بوجهك آفاق الدنيا والآخرة على حد سواء.

**
من روايتي ((ثعابين الأرشيف))

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏نص‏‏‏