منصورة عز الدين

في روايتها”أصوات المساء‮” ‬تأخذنا الكاتبة الإيطالية نتاليا جينزبورج في رحلة خاطفة داخل حيوات شخصيات تعيش في بلدة إيطالية صغيرة،‮ ‬ورغم أن السرد مقتصد إلي أبعد حد ويركز علي أكثر الأشياء هامشية في حيوات هذه الشخصيات،‮ ‬نشعر أننا نعرفهم تمام المعرفة ومررنا بما مروا به؛ عانينا ويلات الفاشية وأثرّت أهوال الحرب العالمية الثانية علينا وعلي أقدارنا وغيرت عالماً‮ ‬كان مألوفاً‮ ‬لنا حتي وقت قريب‮.‬
لا‮ ‬يعني هذا أن جينزبورج تكتب عن الحرب بشكل مباشر أو تهتم برصد مجرياتها،‮ ‬بل فقط تقترب منها عبر آثارها المخاتلة وظلالها التي تكاد تكون خفية وغير ملموسة علي نفسيات الأشخاص العاديين وحيواتهم‮.‬
نحن هنا أمام كاتبة بارعة شديدة الذكاء والمكر،‮ ‬تتقن المواربة والإخفاء والتلميح باعتبارها الأبواب المشرعة علي الفن‮.‬
يلعب الحوار دوراً‮ ‬رئيسياً‮ ‬في العمل،‮ ‬فهو طريقة جينزبورج في قول الكثير بأقل الكلمات الممكنة،‮ ‬من خلاله نعرف دواخل الشخصيات وخواء حياتهم،‮ ‬وميل بعضهم إلي ثرثرات لا نهائية تُقابَل‮ ‬غالباً‮ ‬بصمت الطرف الآخر،‮ ‬فالحوار هنا ليس أداة تواصل وتحاور بقدر ما هو آلية لإعلان القطيعة النفسية بين الذات والآخر‮.‬
معظم‮ “‬الحوارات‮” ‬تنقلها البطلة والراوية إلسا لنا كمونولوج متقطع لشخصية ما دون ردود من الآخرين،‮ ‬في الصفحات الأولي من العمل مثلاً،‮ ‬تنقل لنا ثرثرات أمها علي النحو التالي‮: “‬قالت أمي‮:…‬،‮ ‬قالت‮:…..‬،‮ ‬ثم قالت‮:…..” ‬تتكلم الأم وترد علي نفسها كأن إلسا لا وجود لها أو ليست مطالبَة بالرد،‮ ‬وحتي إن ردت فردها لا أهمية له ولا‮ ‬يستحق التدوين‮. ‬باختصار تبدو إلسا تحديداً‮ ‬صامتة صمتاً‮ ‬أبدياً‮ ‬في مواجهة ثرثرات الآخرين‮.‬
تتكرر حالة‮ “‬اللاحوار‮” ‬هذه بين شخصيات أخري علي امتداد الرواية،‮ ‬وفي الحالات القليلة التي‮ ‬يحدث أن ترد شخصية ما علي أسئلة شخصية أخري‮ ‬يأتي هذا في مقام الزجر أو الشجار أو عدم الفهم،‮ ‬كأن الأصل في العلاقات الإنسانية هو انعدام التواصل‮.‬
وفي سياق متصل،‮ ‬تبدو كل علاقات الرواية تقريباً‮ ‬محكومة بالفشل،‮ ‬فحب جيمينا لنيبيا من طرف واحد،‮ ‬وزواج ماريو بزينيا‮ ‬ينتهي بموته وزواجها لاحقاً‮ ‬بالطبيب المعالج له خلال مرضه الأخير،‮ ‬ويطلق فينتشينزينو زوجته كاتي بعد خياناتها المتكررة له أثناء علاقة مسكونة بالصمت والضجر‮. ‬ولا تشذ علاقة إلسا وتومازينو عن هذه القاعدة‮.‬
اللافت للنظر أن معظم هذه‮ “‬الحوارات‮” ‬تحدث بعد الغروب،‮ ‬من هنا‮ ‬يمكن فهم عنوان الرواية،‮ ‬غير أن وصف ما‮ ‬يقال بحوارات‮ ‬ينطوي علي عدم دقة،‮ ‬فالكلمات المنطوقة‮ -‬كما سبق وذكرت‮ – ‬ليست لغة مفتوحة علي التحاور بقدر ما هي أصوات ضائعة ومتناثرة في صمت المساء ووحشته‮.‬
من السمات المميزة للرواية سخرية نتاليا جينزبورج الخفيفة التي تكاد تكون متجهمة،‮ ‬ورغم هذا التجهم أو ربما بسببه،‮ ‬أراها تتسم بالذكاء والفرادة‮.‬
من أمثلة هذه السخرية المتجهمة والمبطنة،‮ ‬حين تقول زوجة بالوتا المسن له‮:‬
‮”- ‬يعيش المرء ما دام الرب‮ ‬يسمح بذلك‮.”‬
فيرد عليها‮:‬
‮ – “‬رب ماذا؟ لا‮ ‬ينقصنا إلّا وجود رب أيضًا‮!”‬
عبر هاتين الجملتين الموجزتين،‮ ‬يمكننا تلمس شخصية كل منهما وملامح العلاقة بينهما‮.‬
أيضا حين تخبر إلسا تومازينو أنها منذ أحبته وقلبها‮ ‬يدق بسرعة من فرط الانفعال إذا رأت سيارته مركونة أو صادفت أحد أفراد عائلته،‮ ‬يقول لها‮:‬
‮”- ‬لا أفهم،‮ ‬هل‮ ‬يبدو لكِ‮ ‬شيئاً‮ ‬مثيراً‮ ‬للانفعال رؤية‮ “‬مانيا ماريا”؟
قلت‮: – ‬عندما أري مانيا ماريا‮ ‬يبدأ قلبي‮ ‬يدق بسرعة‮.‬
قال‮: – ‬لا أفهم‮! ‬أنا عندما أقابل أباكِ‮ ‬في ممر المصنع،‮ ‬لا أشعر علي الإطلاق بأن قلبي‮ ‬يدق‮.”‬
وفي معرض وصفها لشخصية جيمينا بإيجاز مثير للإعجاب تكتب جينزبورج‮:‬
‮”‬عندما عادت من سويسرا قالت‮: – ‬لن‮ ‬يأخذ مني أحد‮ “‬الكازيتا‮”.‬
أراد إخوتها أن‮ ‬يذهبوا ليعيشوا معها،‮ ‬بعد أن عادوا إلي البلدة،‮ ‬ولكن أصرت هي علي أن تردد‮: – “‬الكازيتا‮” ‬كان منزل أبي وأمي،‮ ‬ولن‮ ‬يأخذه أحد مني‮.‬
باءت بالفشل محاولة أن‮ ‬يشرح لها أحد أن والديها،‮ ‬هما أيضاً‮ ‬والدا إخوتها الآخرين،‮ ‬لا والداها هي فقط‮.”‬
في الأمثلة السابقة،‮ ‬وعلي امتداد صفحات الرواية،‮ ‬سخرية جينزبورج لا تكاد تُحس،‮ ‬وهذا تحديداً‮ ‬ما‮ ‬يجعلها عصية علي النسيان‮.‬
تبدأ الرواية بإلسا وهي في طريق عودتها مع أمها إلي البلدة بعد زيارة الطبيب،‮ ‬الأم منغمسة في ثرثرات من طرف واحد،‮ ‬وعلي وقع هذه الثرثرات تعرفنا إلسا بأسرتها،‮ ‬ثم بعائلة‮ “‬بالوتا المسن‮” ‬أصحاب مصنع القماش الذي تتمحور حوله حياة سكان البلدة،‮ ‬تحكي إلسا قصة كل فرد من أفراد عائلة بالوتا المسن حتي تصل إلي الابن الأصغر تومازينو الذي نعرف لاحقاً‮ ‬أنه حبيبها السري الذي تقابله مرتين أسبوعياً‮ ‬في شقة بالمدينة المجاورة‮.‬
ما أن تظهر علاقة تومازينو بإلسا حتي نشعر أنها قلب الرواية ومركزها،‮ ‬وأن الشخصيات والأحداث السابقة،‮ ‬علي أهميتها،‮ ‬مقدمة الغرض منها مساعدتنا علي فهم خلفيات حب إلسا وتومازينو بدرجة أعمق‮. ‬وما‮ ‬يميز قصة الحب هذه أنها خافتة،‮ ‬ومع هذا أراها واحدة من أعذب قصص الحب المكتوبة‮. ‬يخبر تومازينو إلسا المرة تلو الأخري أنه لن‮ ‬يتزوجها،‮ ‬ولأنها تحبه،‮ ‬تستمر معه علي أمل أن‮ ‬يغير رأيه‮. ‬ورغم إصراره هو علي الإيحاء بأنه لا‮ ‬يحبها حباً‮ ‬متأججاً،‮ ‬فإنه بالتدريج‮ ‬يفعل كل ما بوسعه لإسعادها‮: ‬يزورها في منزلها ويجالس أهلها رغم كرهه لهذا النوع من التواصل،‮ ‬ثم‮ ‬يتقدم لخطبتها‮. ‬لكن لأن البشر في عالم نتاليا جينزبورج الإبداعي جُزر منعزلة والعلاقات الإنسانية محكومة بالاخفاق،‮ ‬يفترق تومازينو وإلسا‮. ‬وكما بدأت الرواية بإلسا وأمها عائدتين إلي البلدة من عند الطبيب،‮ ‬تنتهي بعودتهما في أكتوبر أيضاً‮ ‬من بستان الكروم المملوك للأسرة‮. ‬حلَّ‮ ‬الليل وأُضيئت مصابيح الشوارع بينما تسير إلسا علي وقع ثرثرات أمها بعد أن اكتملت الدائرة وتفرقت السُبل بمعظم شخصيات الرواية‮.‬
‮”‬أصوات المساء‮” ‬صادرة عن دار الكرمة،‮ ‬بترجمة متميزة‮ ‬أنجزتها عن الإيطالية مباشرة المترجمة أماني فوزي حبشي‮.‬

((أخبار الأدب))