آفاق.. ثعابين الخفايا

 

 د. صـلاح صـالح:

 

أخطر ما في آليات الرقابة أن يتقمّص المبدع نفسه شخصية الرقيب الذي يحلّ في دماغه، متحوّلاً عبر الحلول إلى رقابة ذاتية طاغية، تمارس قمعاً أخطر, وأكثر سطوة ممّا تمارسه الرقابة الخارجية. وأفترض أن انتصار المبدع الفنان على الرقيب الماثل في رأسه لا يحدث إلا بعد معركة ضارية يخوضها المبدع ضدّ نفسه، (ويخوضها أيضاً كل امرئ في مرحلة ما من عمره) وضدّ إرثه الثقافي الراكد المترسّب في ذاته الجوانية العميقة المتشكّلة ثقافياً, ومعتقدياً. فالانتصار على الذات المتشكلة عبر آلاف السنوات هو الانتصار الأهمّ الذي يمكن أن ينجزه المبدع المعني بتجاوز عطالته الذاتية الراهنة, من غير أن يغيب عن الأذهان اتّساق ما نسوقه مع الموروث الإسلامي الذاهب عبر الحديث الشريف إلى أنّ الجهاد الأعظم هو الجهاد الذي يخوضه المرء ضد نفسه وأهوائه. وأدّعي أنّ الذين أنجزوا مثل هذه الانتصارات الحاسمة على الذات قليلون عبر التاريخ إلى درجة الندرة, وأدعي أنّ إنجاز المادّة الإبداعية مرهون بإنجاز هذا الانتصار الذي يصعب إنجازه من غير شجاعة متأصّلة في الصميم، لأن الخوف من الذات أخطر أشكال الخوف.
وأدعي أنّ الرواية التي أنجزها العراقي أسعد الجبوري «ثعابين الأرشيف» بوصفها منجزاً نصّياً جليلاً يشكل  علامة فارقة في تاريخ الرواية العربية، ما كان لها أن تُنجز لو لم يستطع كاتبها أن ينجز انتصاره الحاسم على الرقيب القابع في دماغه، قبل خوض أي مواجهة مع بقية الأطراف القامعة، بغضّ النظر عن مدى قربها، وابتعادها عن الذات، وعن مدى خطورتها، وقدرتها على إحلال الأذى المتراوح بين اللوم، والتضييق، والمنع، والتهميش، والإلغاء الجسدي من الحياة، والنفي من رحابة المستقبل، بما فيه المستقبل الثقافي للمنطقة.
كانت «ثعابين الأرشيف» من جملة الروايات التي قرأتها في إطار تحكيم النصوص المرشحة لجائزة الرواية التي أطلقها اتحاد الكتاب العرب، وأعلن عن نتائجها أواخر آذار المنصرم. ويقتضي الحدّ الأدنى من الإنصاف إقراري المكتوب، والمحفوظ -كما أفترض- في أرشيف الاتحاد أنّها الرواية العربية الأفضل على مستويات عديدة, ولا أتطرّف حين أدّعي أنها في طليعة ما أنجزته المدوّنة الرواية العربية خلال مئتي عام, من غير أن يقاربها في مستواها الفني، وما تثيره من قضايا أي رواية موازية.
وبعض ما «أراحني» في هذا الشأن أنّ رأي رئيس لجنة التحكيم، وهو نفسه رئيس مؤسسة الاتحاد، يذهب هذا المذهب في عدّ «ثعابين الأرشيف» منتمية إلى خانة الاستثناء، ومتسامية على مستوى النسق الأفقي العريض الذي ينضوي فيه ما نعهده من نصوص تتخم المكتبة العربية بكثير من الغثّ المقيت، وقليل نادر من النفيس الثمين.
ما يعنيني إقرارُه في هذه الالتفاتة يتجاوز تنصّلي «الذي يمكن وسمه بأنه تنصّلٌ انتهازي غير مقبول» من استبعاد هذه الرواية عن أجواء جائزة الاتحاد، بحجّة أنها رواية خطيرة, لكي أثير نقطتين: تتعلّق الأولى بمدى الشأو الذي بلغته الرقابة الذاتية خلال عملية القراءة التي أجراها المحكمون الذين رأى بعضهم أن «الرواية» تعاني مشاكل فنية تمثّل أبرزها في كثرة المقبوسات النصية الطويلة ذات الطابع غير السردي، التي تنفّر القارئ من متابعة القراءة، وتنصرف بذهنه إلى ما يلي متعة قراءة الرواية بوصفها رواية. وتتعلّق الثانية بسلطة المؤسسة الثقافية التي يمثلها اتحاد الكتاب العرب في مثال «ثعابين الأرشيف» وخطورة ما تمارسه من وأد للإبداع، وتعقيم له، وتقليم لاستطالاته المتنافرة مع ما تراه المؤسسة متنافراً مع توجّهاتها العامة, وجريان إجراءاتها في ظلّ «حرية التعبير» التي يصونها الدستور السوري، الحرية التي أفترض أن تدافع عنها مؤسسة اتحاد الكتاب، بوصفها اتحاداً طوعيّاً للكتّاب المبدعين، ومدافعاً صلباً عن هذه الحرية التي تبدو متاحة في وطننا السوري خارج مؤسسة الاتحاد، أكثر مما هي متاحة داخلها، بعد أن مارست دورها القامع، بوصفها مؤسسة قبل أيّ اعتبار آخر، فلكلّ مؤسسة وظيفتها القامعة، بدءاً من مؤسسة الأسرة.

جريدة تشرين السورية

2017/04/12

http://tishreen.news.sy/?p=84203

No Comments Yet

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *