كتب معاذ قنبر في الأوان:
مقدمة

إنَّ تجارب العقل البشري (كوعي ناتج عن أسباب بيولوجيَّة وسيكولوجيّة) تشكّل الجزء الأهمّ والأبرز من تاريخ الفرد كوحدة متفردة سيكولوجياً، وجزء من منظومة متفردة بيولوجياً عبر التَّطور التّاريخي الاجتماعي، وكما يمثل الجسم البشري متحفاً كاملاً للأعضاء، لكلّ عضو فيه تاريخ تطوّري طويل يجره خلفه، كذلك علينا أن نتوقَّع أنَّ العقل مكون بطريقة مماثلة. إذ لا يمكن أن يكون ناتجاً بلا تاريخ إلاَّ إذا كان الجسم الذي يحتويه كذلك. والتّاريخ يقصد به هنا أن العقل يكوّن نفسه بالرُّجوع الواعي – أو اللاَّواعي- إلى الماضي من خلال اللغة والموروثات الثَّقافيَّة الأخرى، بالإضافة إلى التّطور البيولوجي واللاَّشعوري، وذلك التّطور ما قبل التَّاريخي الَّذي مر به الإنسان القديم ، والَّذي كانت نفسه ما تزال قريبة من نفس الحيوان. هذه النّفس الموغلة في القدم هي الَّتي تشكّل أساس لا يمكن إغفاله من عقلنا.[1]

ويبدو أن ما ندعوه بالوعي، قد حافظ على بعض الخصائص البدائيّة الَّتي شكلت جزء من العقل الأصلي. ولهذه الخصائص بالذَّات ترجع رموز الأحلام الفرديّة، والأساطير والحكايات الجمعيّة، وتشير باستمرار كما لو كان اللاَّوعي يسعى لاستعادة الأشياء القديمة كلها، تلك الّتي يتحرّر منها العقل أثناء تطوره – أي الأوهام والأخيلة، أشكال التّفكير القديمة، الغرائز الأساسيّة… وهلم جراً من العوالم الّتي تشكل المحتوى الأساسي لما يدعى (اللاّشعور).[2]

إنّ محتوى اللاّشعور هو في الوقت نفسه الأكثر إبهاماً والأكثر ألفة، الأكثر خفاءً والأكثر قسريّة وجبريّة وفردانيّة ومفاجأة، وهو الّذي يولد الحصر الأكثر وحشية كما يولد الأمل الأكبر. وهو غير محدد بزمان ومكان أو تتابع منطقي من الأحداث كما هو الحال في حياتنا الواعية. ودون أن ننتبه، يقودنا اللاّشعور إلى الأزمنة الأكثر قدماً في حياتنا، وهكذا يبدو التَّموضع الغريب أو البعيد جدّاً في الزّمان والمكان، والذي هو مع ذلك أليف جداً.[3] إنّه موضع يُعاد تأليفه باستمرار وإن كان الأمر يتمّ بلغة لم نعد نألفها، إنّها الرموز التي تحملنا إليها الحكايات الشَّعبيّة والأساطير ومن خلفهما الأحلام. إنّها رحلة للنفس في مهاوي مملكة اللاَّشعور. ذلك أنّه، وفقاً لـ”لاكان”، من المستحيل أن “نقول كلّ شيء” لأنّ الكلمات تعجز في النّهاية. ويتعرف رايموند ويليامز على جانب من هذا العجز، فيما يسمّيه الانزلاق باتّجاه الفعل الماضي في التَّحليل الثّقافي، وباتجاه ما يسميه ” الأشكال الثّابتة للفهم، فتعقيدات الحاضر تقاوم المقولات اّلتي نستخدمها لفهمها .[4] لذلك يبدو الرَّمز في الحلم كما الفكر الميتافيزيقي، تكثيف لعدّة معاني في صورة واحدة.

لغة غير مألوفة

بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، نشعر كلّ الشعور بأن الأحلام، كما الأساطير، سواء أكانت موضع تجاهل أو إزدراء أو احترام، تنتمي إلى عالم لا علاقة له إطلاقاً بفكرنا المنطقي. إذ نجد في الواقع أنّ بعض الأحلام تشبه الأساطير سواء من حيث شكلها أو من حيث محتواها، وإذا كنا نعتبر في حياة اليقظة أنّهما طائفتان متباعدتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى، فإنّ ذلك لا يحول بيننا وبين أن نبتدع، أثناء حياة النوم، مثل هذه النَّواتج الّتي تشبه الأساطير، ففي الأسطورة نجد أحداثاً دراماتيكّية لا يمكن أن تحصل في عالم يخضع لقوانين الزّمان والمكان، نجد بطلاً يموت ويحيًّا، وطائراً أسطورياً يحترق ويولد من رماده، وطبيعي أن تكون الشّعوب المختلفة قد ابتدعت أساطير مختلفة تعود إلى جذر سيكولوجي واحد، هو صدمة الوعي بالعالم وقلق التعامل مع أحداث مجهولة، مثلما أنّ الأشخاص المختلفين يبصرون أحلاماً مختلفة.[5] وإن كان هناك علاقة تجمع بين التّصورين، نجده في اللغة التي تعبر عنهما كليهما، اللّغة الرمزيَّة. والواقع أنّ الأحلام والأساطير تشكلان رسائل هامة ترسلها ذواتنا إلى ذواتنا. فإذا كنّا لا نفهم تلك اللغة الّتي كتبت بها، فلا بد أن تنشأ ثغرة هائلة و فاغرة في صلب عالم الأشياء التي نعرفها والّتي نتحدث عنها طيلة تلك الساعات الّتي نعلّق خلالها تعاملنا مع العالم الخارجي.[6]

ولتوضيح الأمر لا بدَّ أنّ نميز بين الإشارة والرمز. فالإشارة هي دائماً أقل من المفهوم الّذي تمثله، في حين أن الرمز يمثل دائماً ما هو أكثر من معناه الواضح والمباشر. كما أن الرموز هي نتاج الطبيعة والعفوية، إذ ما من عبقري وضع قلماً أو فرشاة في يده ثم قال ” الآن سأبتكر رمزاً ” وما من أحد يتوصل إلى فكرة عقلانية تقريباً عقب استنتاج منطقي أو نية مقصودة ثم يعطيها صيغة رمزية. فمهما تكن الأشراك الخيالية الّتي ينصبها المرء لفكرة من هذا النّوع فإنّها ستظل إشارة مرتبطة بالتفكير الواعي الكامن خلفها، لا رمزاً يلمح إلى ما هو مجهول حتّى تلك اللّحظة. إن الرمز الجامع (الشّامل) يضرب بجذوره في خصائص الجسد البشري بالذّات، في خصائص الحواس والفكر، وهي خصائص مشتركة بين الجميع، وبالتالي فهي لا تقتصر على الأفراد بما هم أفراد، ولا على فريق محدد منهم. والواقع أن كلام الرمز الجامع قد أتاح للجنس البشري أن يبلور اللّغة الوحيدة المشتركة بين سائر البشر. لكن البشرية ما لبثت وأن نسيت ذلك الكلام قبل أن تتمكن من الإرتقاء به إلى حيز الكلام الاصطلاحي الجامع .[7]

إنّ اتحاد الحقيقة العقلية وغير العقليّة لا نجده وفق يونغ في الفن بمقدار ما نجده في الرمز بحد ذاته، ذلك أن جوهر الرمز أن يحتوي على العقلي وغير العقلي كليهما. فهو دائماً يعبر عن أحدهما من خلال الآخر، لأنّه يشتمل عليهما كليهما من دون أن يكون أياً منهما،[8] وتكونه يعتبر من أهم وظائف اللاشعور الخفي بمعناه الجمعي. والرموز تنبع من اللاوعي، وإبداع الرموز هو الوظيفة الأهم للاوعي.[9]

وفي الأحلام، تحدث الرموز بشكل عفوي، ذلك أن الأحلام تأتي من تلقاء ذاتها ولا تخترع اختراعاً ، وهي لهذا السبب، المصدر الرئيسي لمعرفتنا كلها فيما يتعلق بالرموز الّتي قد ترجع بينا إلى الماضي.[10] وتشكل الأساطير بحر واسع لاكتشاف معنى الأحلام. كلّ أسطورة في كل ضمير لا وعي لشعب ما، تعكس ما يعرف بالمثال الجماعي اللاواعي، فهي تارة الدهاء (الشاطر حسن)، الخوف (الغول )، الحبّ (أساطير الحبّ)، القوّة (عنترة)، الجنس (الأمير المغتصب) …….

وهناك رموزاُ كثيرة (من بينها رموز بالغة الأهميّة) ليست ذات صفات فردية، بل جماعيّة في منشأها وطبيعتها. هذه الرموز هي صور دينية في الغالب، المؤمن يزعم أنها ذات منشأ مقدّس تجلى للإنسان، أمّا الريبي فيقول أنها مخترعة اختراعاً. وكلاهما على خطأ. فالصحيح كما يقول الريبي، أنّ الرّموز والمفاهيم الدينية ظلت لقرون طويلة موضوع تفكير وحبك دقيق وواعٍ تماماً، والصَّحيح أيضاً، كما يلاحظ المؤمن، أن منشأها موغل في القدم، ضارب جذوره في مجاهل الماضي حتّى يبدو وكأنّه غير نابع من البشر. لكن الحقيقة هي أن هذه الصور “تمثيلات جماعية” انبثقت من أحلام بدائيّة وخيالات مبدعة. وهذه الصور بحد ذاتها، تجليات عفويّة لا إراديّة، لا ابتكارات مقصودة على الإطلاق.[11] الرّمز هو بنية، واللّغة الرمزيَّة هي لغة يكون فيها العالم الخارجي رمزاً للعالم الدَّاخلي، رمزاً لروحنا وعقلنا، ومفارقات تلك الصُّورة، ليست سوى إنعكاس لمفارقات النّفس البشريّة، وتطوّرها الجدلي من الوعي البدئي إلى الوعي الاجتماعي.

فإذا ما حفظنا في بالنا أنّ اللاّشعور يحوي بغزارة كل ما ينقص الوعي، وأن له بالتالي منزعاً تعويضياً، فبإمكاننا حينئذ، استخلاص نتائج من الحلم، شريطة ألا ينبجس من طبقات نفسية عميقة بالغة العمق، أمّا إذا جاء بالعكس على هذا النحو الأخير، فإنّ الحلم يحوي كقاعدة عامّة، ما يسمى مواضيع أسطوريّة، أي تداعيات صور وتمثيلات أشبه بتلك التي يصادفها المرء في أساطير شعبه، أو أساطير الشّعوب الغريبة، ففي مثل هذه الحال، يحوي الحلم معنى جمعياً، أي معنى بشرياً عاماً.[12] إن النّفس البشريّة تبدع في الأحلام رموزاً، وتكون لها بصائر في طبيعة الحياة وشخصيتها الخاصة، وفيها يتجاوز الفرد الأبعاد الضيقة لمجتمعه، ويصبح إنساناً بشكل كامل. وهذا هو السبب في أن اكتشاف فرويد لتفسير الأحلام، رغم بحثه أساساً عن الغريزة الجنسيّة المكبوتة، قد مهد الطريق لفهم الإنسانية غير المستهجنة، والّتي هي فينا جميعاً.[13] إذ من المعروف دور فرويد الكبير باكتشاف أن تحليل الأحلام يمكن أن يشكل عاملاً رئيسياً لفهم العالم الأسطوري، و كذلك في إعطائه قيمة مهمة لدور الليبيدو المتوجه نحو البحث عن اللَّذة، كنوع من الطّاقة الّتي تشغل الإنسان، والضروريّة لتطوره الجنسي ونمائه العاطفي.[14]

ووفق، فروم، فإنّنا في أحلامنا لا نتخلى عن قسم من عقلانيتنا ووعينا فقط، بل إنّنا نبرهن فوق ذلك على مزيد من الذكاء ومزيد من الحكم ، بل ربّما كنّا قادرين أثناء النوم على إطلاق أحكام أفضل من تلك الّتي نطلقها أثناء اليقظة.[15] لذلك أعطى يونغ للحلم طابعه التنبؤي قائلاً ” يمكن أن يكون للأحلام جانب حدسي أو تكهني، وعلى كل من يحاول تفسيرها أن يأخذ هذا الأمر بالحسبان، خاصة حين لا يقدم حلم، من الواضح أنّه ذو مدلول، قرينة كافية لتفسيره، ذلك أن وعينا هو وحده الَّذي لا يكون على علم به، أمّا العقل الباطن، فيكون على ما يبدو، قد اطّلع من قبل، ثمّ توصل إلى الاستنتاج الّذي عبر عنه الحلم، والحقيقة، يبدو العقل الباطن وكأنّه قادر على تفحص الوقائع، ومن ثمّ استخلاص النّتائج منها، تماماً كما يفعل الوعي، بل إنّ باستطاعته أن يستخدم وقائع معينة، وأن يتكهن بنتائجها المحتملة ، تماماً لأنّنا لا نعيها “.[16] إنّ الإنسان إلى حد ما، ممثل عن البشرية قاطبة، وعن تاريخها، فما كان ممكناً بالجملة في تاريخ البشرية، يمكن له أن يظهر على مستوى الفرد، و هذا يكابد في ظروف معينة، الحاجات التي عذبت البشرية. و لذا ليس بالمدهش أنّ التعويضات الدينية، تؤدي دوراً كبيراً في الأحلام، وما هو كذلك وعلى نحو متزايد في زماننا هو نتيجة طبيعية للمادية السائدة في نظرتنا”. [17]

فإذا كان الوعي يفرق بين الناس ويركز على تمايز الأنا الفردي، فإنّنا في الأحلام، وفي الّلغة الأسطورية، نرتدي (أو نتماهى مع) شَبه ذلك الإنسان الأكثر عالمية، والأكثر حقيقية، والأكثر خلوداً، الإنسان القابع في ظلام الليل البدئي، هناك لا يزال هو الكلّ، والكلّ فيه، لا يمكن تمييزه عن الطبيعة، مجرّد في أناه.[18] لذلك لا عجب أن يعتبر الحلم، وهو الّذي أثر في جميع الحضارات القديمة، رسالة من الآلهة.

هذه الرمزيّة إذا، ليست خاصية من خاصيات الأحلام، بل هي من خاصيات التفكير اللاّشعوري، وتفكير الشّعب بنوع خاصّ. وإنّا لنجدها في أغاني الشّعب وأساطيره ورواياته المتوارثة وفي التّعابير الدّارجة والحكم المأثورة والنّكات الجارية أكثر ممّا نجدها في الحلم.[19] وبعض الباحثون المهتمون بالتحليل النفسي يلحون على المحاكاة التي لاحظوها بين الأحداث الخيالية للأساطير والحكايات الشعبية وأحلام اليقظة عند البالغ: إشباع الرّغبات، الانتصار على كلّ المنافسين، تدمير الأعداء، وخلصوا إلى أنّ إحدى متع هذا الأدب تنتج عن كونه التّعبير عن هذا الّذي يُمنع عادة من الوصول إلى الشّعور .[20]

وقد أوضح فرويد، أنّ أهمّ عناصر المضمون الحقيقي لحلم من الأحلام، أو أسطورة من الأساطير، كثيراً ما يُظهر مظهر الجزء غير المهم تقريباً، أو الجزء التّافه من الصيغة الصَّريحة، على حين يظهر الشّيء الّذي يهم حقاً، أنّه ليس له في ذلك إلاّ دور ثانوي ليس غير.[21] ومن هنا يسهل فهم الأساطير من خلال دراسة الحلم، وكما يقول رايك: ” في النّوم والحلم، نعاود القيام بعمل البشرية السّابق، يعيدنا الحلم إلى حالات قديمة جدّاً من الحضارة البشريّة، ويمنحنا وسيلة فهمها بشكل أفضل ” فالأساطير تتبع نفس قوانين الحلم، وهي تعبر عن نفس الرغبات التحريمية، أو نفس النزعات العدوانية (قتل الأب كما نجدها في الحلم وفي أغلب أساطير بابل واليونان والمصريين وغيرهم – زنا المحارم في الحلم كما في نفس الأساطير القديمة – القتل كما نجده في الحلم ونجده عند أرباب الانتقام والدّماء والحروب في الأساطير القديمة)، حيث انتقال الليبيدو إلى مواضيع ثانويّة، تكثيف الصُّور أو تقسيم الميول. الفارق الوحيد يكمن هنا، في أن الحلم يبرز الليبيدو الفردي، والأسطورة تبرز ليبيدو الجماعات، إذ أن الأساطير كما يرى كارل إبراهام: هي البقايا المشوهة لتخيلات ورغبات أمم برمتها. هي أحلام البشريّة الحديثة التي امتدت قروناً طويلة. كما يؤكّد يونغ أن الميثولوجيا الفلكية ليست سوى إسقاط السيكولوجيا اللاواعية في السّماء، فالأساطير لم ولن تُبتكر مطلقاً بشكل واع، و إذا ما كنا نريد التوغل في أعماق حضارة مّا، ومعرفة الدَّوافع الخفيّة الّتي تشكل بداية المؤسَّسات الاجتماعيّة، سيتوجب علينا تحليل أساطير هذه الحضارة.[22]

وفي هذه اللّغة الرمزيَّة للحلم فإنّ الرَّابطة السببيَّة بين فكرتين يمكن أن تكون محذوفة، كما يمكن أن تكون مستبدلة بتجاوز مقطعين طويلين متنافرين، وكثيراً ما يكون هذان المقطعان مقلوبين، فيمثل الأول النَّتيجة والثَّاني الفرضية، واعتقادنا أن كل تحول مباشر من شيء إلى آخر يمثل في الحلم علاقة علة بمعلول. والحلم لا يقبل التَّخيير بين أمرين، وحين تبرز فرضيتان، يدخلهما كلتيهما في الحلقة نفسها من تداعي الأفكار، وبعبارة أخرى، فإنّ حرف العطف “أو” في مضمون الحلم الكامن، يستبدل في المضمون الظاهر بحرف العطف “و”. كما تعبر التّصورات المتناقضة عن نفسها في الحلم في صورة عنصر واحد بصورة دائمة تقريباً، ويبدو أنّ الـ ” لا ” فيه مجهولة . فالتعارض بين فكرتين، تناحرهما، يجد في الحلم تعبيره المميّز، إذ يتّحول فيه عنصر آخر، كما لو بعد فوات الأوان، إلى نقيضه.[23] يقول فرويد أنّ: الطَّريقة الّتي يعبر بها الحلم عن مقولتي التّضاد والتّناقض لباعثة على الدَّهشة حقّاً، فهو لا يعبر عنهما، بل يبدو وكأنّه يجهل الـ “لا”، ولكم يجبر على الجمع بين الأضداد وتمثيلها في موضوع واحد، وكثيراً ما يمثل أيضاً عنصراً من العناصر بنقيضه، بحيث لا يسعنا أن نعرف إن كان عنصراً بعينه من الحلم، قابلاً لتأويل متناقض، يشي بمضمون إيجابي أو سلبي في فكرة الحلم”. ويبدو أنّ مفسري الأحلام في العصور القديمة قد استخدموا على أوسع نطاق، الفرضيّة الّتي مؤدّاها أنّ الشَّيء يمكن أن يدلّ في الحلم على نقيضه. [24] لذلك يمكن الافتراض بلا تردّد أنّ أسلافنا وأجدادنا قبل آلاف الأعوام كانوا يحلمون بمثل الطريقة التي نحلم بها اليوم، وقد عزت جميع الشّعوب القديمة، قيمة كبرى إلى الأحلام، وعدتّها قابلة للاستعمال العملي، فقد وجدت فيها دلائل لاستطلاع المستقبل، والتمست فيها فالاً وطيرة. ويعتبر المصريون أوّل من أوجد نظريّة التّفسير بالضدّ، أو التّفسير المعاكس لما يرد في الحلم، فالبكاء في الحلم يعني الفرح، والضحك يعني الحزن، والحلم بالموت يعني الحياة. وكذلك لم يكتف الصينيون بالنّظر إلى الأحلام على أنّها رسائل من عالم آخر، بل اعتقدوا أنّ الرّوح في عالم الأحلام تغادر الجسد وتتخاطب مع يقيّة الأرواح من عالم آخر سواء أرواح الموتى أو الآلهة، الأمر الّذي ينجم عنه تهذيب للرّوح وتعليم الشّخص درساً ليس بمقدوره أن يتعلّمها في عالمنا الَّذي نعيش فيه.كما اعتمد اليونانيون في تعاملهم مع الأحلام على ما قدمه المصريون والبابليون والآشوريون، لكنّهم فسّروا الرُّموز الخاصّة بالأحلام بطريقة مختلفة رغم أنّهم، كالمصريين، اعتقدوا أن الأحلام عبارة عن رسائل تصدر عن الآلهة، وقد أنشأوا الكثير من المعابد الَّتي كان يقصدها الزوّار ليتعرفوا على ما تنطوي عليه أحلامهم من أسرار ومضامين. و ما كان الاغريق والشّعوب الشّرقيّة ليتصوّروا حملة عسكريّة بلا مفسري أحلام .[25]

وما من شكّ في أنّ نظرة القدماء إلى الحلم كانت تتَّسق ومجمل نظرتهم إلى العالم بوجه عام أكمل اتّساق، وهي نظرة تسقط على العالم الخارجي –في صوة واقع– ما لا وقوع له إلا في باطن النّفس. ذلك أنّ مقارنة موضوعات الحلم النّموذجيّة بموضوعات الأساطير النّموذجيّة يوحي بفكرة مفادها أنّ التَّفكير الحلمي يجب أن يعدّ من ناحية النُّشوء النَّوعي، أقدم نمط فكري. ودلاً من تقديم الأمثلة المتعدّدة، يكفي أن نرجع إلى حلم نوعنا البشري، ويجب أن نتذكّر أنّ الحلم دخل في مشهد التُّفاحة بوصفه طريقة نموذجيّة في تمثيل الذَّنب الجنسي. والفكرة المستقاة منه مفاده أنّني “أرتكب خطأ بأكلي مثل هذه” ومن المعلوم أنّ الأحلام الّتي تعبّر عن ذاتها بهذه الطَّريقة الملغّزة، إنَّما تعبّر بلغة التّمثيل والتَّشبيه، وهذا معهود كذلك في اللّغات البدائيّة. وكما أنّ الجسم يحمل آثاراً من تطوّره النّوعي، فإنّ الذّهن البشري يحملها كذلك. ومن ثمّ ليس بالمدهش إمكانيّة أن تكون اللّغة المجازيّة للأحلام باقية من النَّمط الفكري الممعن في القدم.[26] إنَّ تحقيق الدَّوافع على عواهلها وبأكبر قدر ممكن من الحريّة كان ممكناً إلى حدّ مَّا، خلال طفولة الجماعة البشريَّة، حيث كان الأمر الأكثر طبيعية ، عندما كانت الأعراف لم تتخذ بعد شكلاً صلباً. ولكنّ بعد التَّطور الحضاري اللاَّحق، لم تلبث هذه الدوافع وأن كٌبتت بفعل سيرورة بوسعنا أن نقارنها بالكبت الفردي، لكن تلك الدوافع في الواقع لم تتلاشى كلياً، بل ظلت موجودة في ثنايا الأسطورة التي أصبحت حلم جماعي (كما أن الحلم هو أسطورة فرديّة)، أي عبارة عن مجموعة من الرموز الّتي تمرّ دون أن يفهم الشعب مغزاها الحقيقي أو الكامن المٌعبّر عن نوازع البشريّة المكبوتة بقوّة، فرغبات الهو الغريزيّة تعاود الظّهور والولادة مع كلّ طفل بشري، وثمَّة طبقة كاملة من الكائنات الإنسانيّة المصابة بالأمراض العصابيّة ترد على تلك الضروب من الحرمان، بالنّفور من الحياة الاجتماعية. ذلك أن الفترة الأولى من الطفولة لا تعرف الخجل، وهي نظرة تبدو كضرب من الفردوس، والفردوس نفسه ما هو إلا تخيل جماعي عن طفولة الفرد، لذلك كان الناس في الفردوس أيضاً عراة لا يخجلون حين يتواجهون، إلى أن جاء أوان فاستيقظ الخجل ودبّ الهلع وتبع ذلك الطرد من الفردوس، وأخذت الحياة الجنسيّة ومشاغل العمران في المسير. والحلم يستطيع أن يسرى بنا فيعيدنا إلى هذا الفردوس من جديد، إذ أن انطباعات الطفولة تسعى إلى التكرار من تلقاء ذاتها بغض النظر عن محتواها، وأن تكرارها هذا يحقق رغبة، بحيث تكون أحلام العري هي أحلام استعراض. [27]

وبالتّالي علينا أن ندرك أن رموز الأحلام هي في معظمها تجليات للنّفس الّتي تقع فيها وراء سيطرة العقل الواعي. لكن المعنى والغائية ليسا امتيازين خاصين بالعقل، بل هما موجودان في كامل الطبيعة الحية. وليس ثمة فارق من حيث المبدأ، بين النّمو العضوي والنّمو النّفسي. وكما تنتج النبتة الأزهار، كذلك تبدع النفس رموزها. وما الحلم إلاّ دليل عن هذه العملية.[28]

والمنطق بالنسبة لهذه اللغة الرمزيّة يختلف عن المنطق المعروف للكلام اليومي، إنّه منطق لا ينطلق من مقولتي المكان والزّمان، بل لاترابط والشّدة والشّحنة الانفعاليّة، إنّها لغة التجربة الذاتيّة الّتي تعتبر اللّغة الجامعة والوحيدة الّتي تجمع كلّ الحضارات والأفراد على مرّ التّاريخ. لذلك يقول يونغ: ” يمكن دون شكّ أن يُطرح سؤال: ما فائدة الحلم للحالم إذا كان لا يفهمه؟ علّي أن أعلّق على ذلك بأنّ الفهم ليس عمليّة عقليّة حصراً، لأنّ الإنسان كما تُظهر التجربة، قد يكون متأثّراً ومقتنعاً فعلياً وبأشدّ الطّرق نجاعة، بأمور لا تعد وليس لديه فهم عقلي لها. ولست أحتاج إلاّ إلى تذكير قرائي بفاعليّة الرّموز الدينيّة .[29]

***********

[1] كارل يونغ: الإنسان ورموزه . سيكولوجيا العقل الباطن –ترجمة: عبد الكريم ناصيف، دار التكوين، دمشق ط1 2012، ص 81- 82.

[2] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 121

[3] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية – ترجمة: طلال حرب، دار المروج، بيروت، 1985، ص 91

[4] الأجساد الثقافية , الإثنوغرافيا و النظرية: تحرير: هيلين توماس و جميلة أحمد – ترجمة: أسامة الغزولي، المركز القومي للترجمة، عدد 1595، ط1 2010، ص 80.

[5] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – ترجمة: حسن قبيسي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، ط1 1995، ص 12

[6] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – مرجع سابق، ص 15

[7] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات و الأساطير – مرجع سابق، ص 22

[8] كارل يونغ: دور اللاشعور ومعنى علم النفس للإنسان الحديث – ترجمة: نهاد خياطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت، ط1 1992، ص 25

[9] كارل يونغ: الكتاب الأحمر – ترجمة: متيم الضايع، رنا بشور – دار الحوار، ط1 2015، ص 78

[10] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 62

[11] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 63

[12] كارل يونغ: الإنسان يبحث عن نفسه – ترجمة: سامي علام، دميتري أفيرنيوس، دار الغربال ,، دمشق، ط1، 1993، ص 53

[13] إريك فروم: ثورة الأمل، نحو تكنولوجيا مؤنسنة – ترجمة: مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الكلمة، القاهرة، ط1، 2010، ص 118

[14] ميشال مسلان: علم الأديان , مساهمة في التأسيس – ترجمة مشروع كلمة، أبو ظبي، ط1، 2009، ص 141

[15] اريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير – مرجع سابق، ص 36

[16]كارل يونغ: الإنسان و رموزه – سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق، ص 94

[17]كارل يونغ: الأحلام – ترجمة: محمود منقذ الهاشمي، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 2013، ص 74

[18] كارل يونغ: دور اللاشعور ومعنى علم النفس للإنسان الحديث – مرجع سابق، ص 81

[19] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام – ترجمة: مصطفى صفوان، دار المعارف بمصر، ط2، 1969، ص 358

[20] برونو بتلهايم: التّحليل النفسي للحكايات الشعبيَّة – مرجع سابق، ص 58

[21] اريك فروم: الحكايات والأساطير والأحلام – ترجمة: صلاح حاتم، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1990، ص 157

[22] روجيه باستيد: السيسيولوجيا و التحليل النفسي – ترجمة: وجيه البعيني، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 55 – 56

[23] سيجموند فرويد: الحلم و تأويله – ترجمة : جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط5، 1993، ص 41

[24] سيجموند فرويد: إبليس في التحليل النفسي – ترجمة : جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت – ط3، 1999، ص 84

[25] سيجموند فرويد: نظرية الأحلام – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1982، ص 8

[26] كارل يونغ: الأحلام – مرجع سابق، ص 71

[27] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام – مرجع سابق، ص 262

[28] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن – مرجع سابق، ص 77

[29] كارل يونغ: الأحلام – ترجمة : محمود منقذ الهاشمي، دار الحوار، اللاذقية، ط1 2013، ص 68
وحدة السّياق

اللّغة الرمزيّة كما وردت في الأساطير والأحلام، موجودة في كل الحضارات، سواء الحضارات البدائية، أم الحضارات الأكثر تطوراً كالحضارة المصرية واليونانية، وفضلاً عن ذلك، فإن الرموز المستعملة في مختلف هذه الحضارات، شبيهة ببعضها شبهاً ملحوظاً، ذلك لأنها كلها تعود إلى نفس المحسوسات أو المدركات الحسية، و تعود إلى نفس التجارب الروحية التي تجمع أقوام هذه الحضارات كلهم، وتوحدهم .[1] ونحن نجد تماثل غالب على خصائص الرسومات الأسطورية الرمزية التي نراها في مختلف التجارب الدينية، إذ تتماثل مع أصناف النماذج الأصلية (اللاشعور الجمعي) الذي يرى يونغ أن أحلامنا تنبني عليها. إنها عبارة عن دراما خلق أسطورية رمزية، من أشكال الموت و البعث و الجنات الضائعة، والآمال والذكريات التي تبدو منغرسة في الروح الإنسانية.

ومع أن الأحلام تشير إلى موقف محدد للوعي و حالة نفسية محددة، فإن جذورها تمتد عميقاً في تجاويف مظلمة لا يُسبر غورها من الذهن الشعوري، ولعدم وجود مصطلح أكثر توصيفاً فإننا نطلق على هذه الخلفية المجهولة “اللاشعور”. ولا نعلم طبيعته بذاته ومن أجل ذاته، ولكننا نلاحظ بعض الآثار التي باستفادتنا من صفاتها نخاطر ببعض الاستنتاجات فيما يتعلق بطبيعة النفس اللاشعورية. وبما أن الأحلام هي التعبير الأعم والمعهود أكثر من غيره عن النفس اللاشعورية. فإنها توفر حجماً كبيراً من مادة البحث.[2] وفعل الحلم في جملته مثال على نكوص يعود فيه الحالم إلى أقدم أوضاعه، بعث جديد لطفولته، للدفعات التي كانت تسيطر على هذه الطفولة ولوسائل التعبير التي كانت إذ ذلك في متناوله. ومن وراء هذه الطفولة الفردية، وعد يعدنا بنظرة إلى طفولة النوع، إلى تطور الجنس البشري الذي لا يخرج تطور الفرد في الحقيقة على أن يكون ترجيعه المختصر المتأثر بملابسات حياته العارضة. إن أحلامنا، كقاعدة عامة، لا تكون معنية أساساً بتكيفنا مع الحياة الخارجية، ففي عالمنا المتحضر، يكون لمعظم الأحلام علاقة بتطوير الموقف الذاتي الداخلي الصحيح تجاه النفس الكلية، ذلك لأن هذه العلاقة داخلنا تشوشها أساليب التفكير والسلوك الحديثة أكثر بكثير مما هي الحالة عند البدائيين.[3]

إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يمتلك المقدرة الإرادية ليس فقط على قمع غرائزه والتحكم فيها، بل وتشويهها في بعض الأحيان، والحلم المألوف الذي يرى فيه الحالم أنه مطارد من حيوان يدل بصورة دائمة تقريباً على أن الغريزة انشطرت عن الوعي وينبغي أو تحاول أن تدخل من جديد إلى الحياة و تندمج بها. والإنسان، بنزعته الواضحة لصنع – الرموز، يحول الأشياء أو الأشكال باللاشعور إلى رموز، وبالتالي يضفي عليها أهمية سيكولوجية كبيرة، ثم يعبر عنها في طقوسه الدينية وفنونه البصرية. من هنا نجد أنه أثناء القسم الكبير من التاريخ الإنساني، ترتكز حياة الطفل العقلية – عدا تجاربه المباشرة في كنف أسرته – على الحكايات الخرافية والدينية والشعبية، هذا الأدب المألوف يغذي مخيلة الطفل ويحثها بالوقت نفسه، بما أنه يجيب عن الأسئلة الأكثر أهمية التي يستطيع الطفل أن يطرحها على نفسه، وهي تظهر كعامل أولي في عملية انخراطه الاجتماعي. الخرافات والأساطير الدينية القريبة منها، تقدم للطفل مادة تسمح له أن يكوّن مفاهيمه عن أصل العالم ونهايته، وعن الأفكار الاجتماعية التي يستطيع أن يلتزم بها .[4] ولكن لماذا يحدث ذلك؟

السبب هو أن الأسطورة تروي لنا، كما يروي الحلم، خبراً تم في زمان ومكان ما و لكن خارج حدود التحديد المنطقي السببي وقيوده . إنها ضرب من الحكاية التي تعبر بكلام رمزي عن أفكار دينية وفلسفية، عن خبرات معيوشة من قبل النفس تكمن فيها دلالة الأسطورة بمعناها الصحيح .[5] وهي تصنع صورة لكون حي لا يقوم على ميكانيكيات متبادلة التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. وهي في سعيها لخلق هذه الصورة تعتمد على خزان لا ينضب معينه من وسائل الترميز، وتفتح البوابات بين الوعي واللاوعي، لذلك فإن متلقي الأسطورة لا يشعر بأنه أضاف إلى معرفته شيئاً جديداً، وإنما غدا أكثر توافقاً مع نفسه ومع العالم، وهو نفس الدور الذي نراه غالب الأحيان في دور الحلم، لأن ما تنقله الأسطورة من معان لا يشبه الوقائع والمعلومات، إنه إيحاء لا إملاء، وإشارات لا تعليم وتلقين. وهي في سعيها هذا تلجأ إلى استخدام الظلال السحرية للكلمات أكثر من مدلولاتها المباشرة. [6]

ولنا أن نتوقع أن يقودنا تحليل الأحلام إلى معرفة التراث الأول للإنسان، بما هو مفطور عليه من الوجهة النفسية، فالأحلام، والأعصبة فيما يبدو ، قد أبقت على مخلفات نفسية قديمة تفوق ما كنا نستطيع تقديره، بحيث يحق للتحليل النفسي أن يطلب لنفسه مكانة عالية بين العلوم التي تشغل بتكوين صورة عن أقدم الفترات التي مر بها الجنس البشري في بداياته، وأكثرها غموضاً .[7]

ومبدأ هذا التصور يقوم على مفهوم التعويض كقانون أساسي في السلوك النفسي، حيث أن كل تفريط في أحد الجانبين (الشعوري و اللاشعوري) يؤدي إلى الإفراط في الجانب الآخر. فتغدو العلاقة بين الشعور واللاشعور تعويضية. وهذه القاعدة هي أحد أكثر القواعد ثبوتاً في تفسير الحلم الفردي – وفهم دور الأسطورة التعويضي الاجتماعي – . فعندما نبدأ في تفسير حلم، من المفيد على الدوام أن نسأل: أي موقف شعوري يعوض عنه الحلم – تماماً كما نسأل أي موقف لاشعوري أدى لنشوء الرموز الأسطورية الملغزة. وكما أن للعقد الشخصية تاريخها الفردي، كذلك هي العقد الاجتماعية ذات القوام المؤلف من النماذج الأصلية. لكن في حين أن العقد الشخصية لا تحدث أكثر من انحراف شخصي، فإن النماذج الأصلية تبدع الأساطير، الأديان، وكذلك الفلسفات التي تؤثر في أمم التاريخ وحقبه كلها. إننا ننظر للعقد الشخصية باعتبارها تعويضات عن مواقف للوعي أحادية الجانب أو خاطئة، وبالطريقة نفسها يمكن تفسير الأساطير ذات الطبيعة الدينية كنوع من العلاج العرضي الذهني للمعاناة والقلق الذي يقاسي منه الجنس البشري عامة كالجوع، الحرب، المرض، الشيخوخة، الموت.[8]

وهنا نحن نقابل بين لاشعور شخصي من جهة، ومن جهة أخرى نتحدث عن لاشعور جمعي يكمن في مستوى أعمق و أبعد عن الشعور. وتأتي الأحلام الكبيرة أو ذات المعنى، من هذا المستوى الأعمق، وهي تكشف عن أهميتها بصرف النظر تماماً عن الانطباع الذاتي الذي تخلقه، بشكلها المرن، الذي تكون له على الأغلب قوة شعرية وجمال، ولا تحدث هذه الأحلام عموماً إلا في المراحل الحرجة من الحياة، في الشباب الباكر، والبلوغ، وعند حلول منتصف العمر. وكثيراً ما يكتنف تفسيرها مصاعب جسيمة، لأن المادة التي في مقدور الحالم أن يُسهم بها جد ضئيلة، وآية ذلك أن النواتج النموذجية الأصلية لا تعود معنية بالتجارب الشخصية، بل بالأفكار العامة التي يكمن معناها الجوهري لا في أية تجربة شخصية وتداعياتها.[9] وذلك من خلال الرموز الثقافية التي أستخدمت للتعبير عن حقائق أبدية، وهي ما تزال تستخدم في كثير من الأديان، وقد مرت تلك الرموز بتحولات كثيرة بل وبعملية طويلة من التطور الواعي تقريباً. وبذلك أصبحت صوراً جماعية مقبولة لدى المجتمعات المتحضرة، ورغم ذلك، تحتفظ مثل تلك الرموز الثقافية بقدر كبير من قدسيتها الأصلية أو سحرها، فالمرء يمكن أن يدرك أنها تثير رداً عاطفياً عميق الجذور لدى بعض الأفراد صانعة بذلك شحنة نفسية، هذه الشحنة النفسية تجعلها تعمل بطريقة تشابه كثيراُ طريقة الأهواء و التعصب. إنها العناصر التي ينبغي على عالم النفس أن يحسب حسابها، ومن السخف البالغ إهمالها لأنها تشكل مكوناً هاماً في تركيبنا الذهني، وهي قوى بالغة الحيوية والأهمية في بناء المجتمع البشري. لذلك يؤكد يونغ على أن المعرفة بالأساطير من الأمور المهمة لأي شخص يعمل في مجال تفسير الأحلام، ولو درس الشخص هذه الأساطير دراسة متأنية فإنه سيفاجأ كيف يكون لها تأثير على شخصيته ومختلف جوانب حياته. ذلك أن الفضائل النفسية في الحكايات الشعبية و الأساطير تأتي من أن الشخص يجد حلوله الخاصة عبر تأمل ما تقدم القصة ومرمزاتها، حول ذاته و نزعاته الداخلية في فترة معينة من حياته. المادة التي تختارها الحكاية ليست بشكل عام ذات علاقة مع الحياة الخارجية للمريض، بل هي مرتبطة بشكل معين بمشكلاته الداخلية التي تبدو غير مفهومة، وبالتالي لا يمكن حلها. والطبيعة اللاواقعية لهذه الحكايات هي عنصر مهم يبرهن بوضوح أن الحكايات الشعبية ليس هدفها بذل المعلومات المفيدة عن العالم الخارجي، بل أن تجعل الفرد واعياً بسيرورته الداخلية.[10] وبالمقابل، لا تزال الأحلام تعمل و لها وظيفة ودور ذي قيمة عالية، لا سيما بسبب طبيعتها التاريخية. إنها تشكل جسراً بين الطرق التي نعبر بها، ونحن في وعينا الكامل، عن أفكارنا، وهي شكل من أشكال التعبير أكثر بدائية و أغنى لوناً وأزهى صوراً. إضافة إلى ذلك فإن هذا الشكل هو الذي يخاطب مباشرة الشعور والعاطفة، وهذه المترابطات التاريخية إنما هي الحلقة التي تصل بين عالم الوعي العقلاني، وعالم الغريزة.[11]

تمثيلات ووقائع

إذا ما تساءلنا عن الرموز في الأحلام، مثلاً هل صورة الحلم تحمل ذات الدلالة في كل مكان؟ نجد أن المحلل النفسي الأنثروبولوجي (سليغمان) يؤكد ذلك، وذلك من خلال بحثه على الحضارات المتنوعة، وفي رأيه، تكون العملة في كل مكان رمزاً للغائط (بابوس ميلانيزيا – آشنتي – سيام – آرابي – كيواي في غينية الجديدة) ويرمز الأب للحاكم، الطوطم، الوحوش الأسطورية، الأرواح آكلة لحوم البشر، الشمس. وإلى الأم بالكنيسة، المنارة، القمر كما عند الهنود الأميركيين الشماليين. وإلى الولادة بالماء، كما عند الداغومبيا في إفريقيا، والكوكيوكاتل في أميركا، والتيكوبيا في ميلانيزيا. وهلع الولادة بالمهبل المزود بأنياب في أميركا الشمالية، حيث يبدو لنا تمائل في عقدة أوديب عند أغلب الشعوب.[12] وهذا ينطبق حتى على المفاهيم التي أصبحت أكثر تجريداً، فمثلاً العدد ثلاثة في الحكايات الشعبية – والأساطير – نجده على علاقة وثيقة مع ما يعتبره التحليل النفسي مظاهر النفس الثلاثة: الهو – الأنا – الأنا الأعلى. وهو ما يعبر عنه جزئياً في الحكايات والأساطير والأديان.

إن الحكايات الشعبية – كما الأساطير و الأحلام – تصف الحالات الداخلية للنفس بواسطة الصور والأحداث. فعندما يكون على البطل مثلاً أن يواجه مسائل الحياة الداخلية التي يبدو أنها تتحدى كل حل، لا توصف لنا حالته النفسية، بل تظهره الحكاية لنا ضائعاً في غابة كثيفة لا يمكن اجتيازها، في مأزق مخيف لا يعرف كيف يخرج منه. وهي صور لا تكاد تنسى .[13] وهذا ما نراه في كل صورة مرئية في حلم (كما في الأسطورة) التي هي رمز لشيء أحسسناه، وربما رغبناه. فنجد من الحيوانات التي تتخذ رموزا إلى أعضاء التناسل في الأساطير والقصص الشعبية، يلقى الكثير منها ذات الاستخدام في الحلم: السمك والقواقع والقطط والفئران (شعر العانة)، ثم بنوع خاص ذلك الحيوان الذي هو أهم الرموز إلى قضيب الرجل (الثعبان)، كما تمثل الديدان والحيوانات الصغيرة صغر الأطفال كالأخوة والأخوات غير المرغوب فيهم ….[14] .كذلك نجد في الرسومات الأسطورية الرمزية التي نراها في مختلف التجارب الدينية، تماثل غالب على خصائصها، إذ تتماثل مع أصناف النماذج الأصلية (اللاشعور الجمعي) الذي يرى يونغ أن أحلامنا تنبني عليها. إنها عبارة عن دراما خلق أسطورية رمزية، من أشكال الموت والبعث والجنات الضائعة، والآمال والذكريات التي تبدو منغرسة في الروح الإنسانية. فعبر العالم القديم، تظهر (الحية) حيواناً غريباً مرعباً يتعذر الإمساك به، عينه تشل، وسمه مُهلك، حيوان يعيش في الأرض، يتحول تلقائياً إلى آلهة جهنمية مالكة لقوى التجدد الجنسي، فالهرمسات الإغريقية القديمة، تظهر معاً حيات متشابكة في وضع جماع، وقضيب في حالة إنتصاب، يشهد ذلك على التواصل الجنسي والخصوبة (الأفعى في الحلم قد ترمز لرمز جنسي ذكري، أو إغواء جنسي، ورمز للخصوبة و الخلود) كإحدى الخاصيات المميزة لذلك الحيوان الرمزي. بالمثل، نجد في الثقافات الآسيوية والميثولوجيا المكسيكية، تلك الحية سيدة النساء، التي توحي هيئتها و خاصيتها بقوة الذكر، كذلك تشارك في الإيحاء بشهوة جنسية عارمة ينسبها يونغ للرمزية الحيوانية. ولعل الحية تعبر أيضاً عن أبرز رموز التسامي، كما يمثلها الرمز العلاجي لإله الطب الروماني (إيسكو لابيوس) وهو الرمز الذي بقي حتى الوقت الحاضر كعلامة لمهنة الطب، تلك الأفعى هي بالأصل، أفعى شجر غير سامة، تلتف حول عصا إله الشفاء، وتبدو وكأنها تمثل توسط بين الأرض والسماء، ورمز التسامي الأكثر عمقاً هو صورة الثعابين الملتفين، إنها ثعبانا الفيدا الشهيرة في الهند القديمة، كما نجدهما عند الإغريق على شكل ثعبانين ملتفين على طرف عصا تخص الإله هرمز . وأحد النصب الإغريقية القديمة هو عمود حجري يتكون أعلاه من تمثال نصفي للإله. على أحد جانبه ثعبانان ملتفان، وعلى الآخر قضيب منتصب، وبما أن الثعبانبن يُرسمان و يقومان بعملية الإتحاد الجنسي كما أن القضيب المنتصب هو رمز جنسي بلا مراء، فإن بإمكاننا أن نستخلص بعض النتائج حول دور النصب كرمز جنسي [15]، والذي له اسقاطاته الأكيدة على قصة حواء وآدم والثعبان. ولأنها كانت غالباً وراء إخراج الإنسان من طهارته الأصلية، إذ سببت سقوطه الأصلي الناتج عن الخاصية الفيزيولوجية المميزة للمرأة، بحسب الأسطورة التوراتية، فالحية هي رمز مرتبط بالمجموعة القمرية، كما الأمر بأوضاع الأنوثة كأصل للخصوبة، ولأن الحية تنسلخ وتتغير (جلدها) مع بقائها على حالتها، فهي حارس الخلود للأسلاف .[16]

ومن الرموز الحيوانية نذكر البقرة التي ترمز في أغلب الحضارات للأم وما تمثله من غرائز و صفات للأمومة. وترمز لدى الهندوس للأم بصفاتها العظيمة العليا باعتبارها حيوان مقدس، كما ترمز أيضاً للخصوبة والعطاء. وعموماً فظهورها في الحلم يرمز للأم بشكل أو بآخر كما تشير أغلب الأساطير. وظهور العجل في حلم المرأة يرمز للأمومة أيضاً أو أنها في طريقها للولادة، أما ظهور البقرة الحلوب، فقد تكون إشارة للحنان الإنساني وغريزة الأمومة أيضاً .[17] أما الحرباء، فقد وصفتها بعض الأساطير بالشيطان لقدرتها على التنكر والتلون والخداع، وقد يعني ذلك وجود تلك الصفة في اللاشعور. والسلاحف من الحيوانات المقدسة عند الصينيين، وبسبب قشرتها القوية الصلبة ترمز في المسيحية للمرأة العفيفة المحتشمة، وترمز لدى الهنود إلى الأنوثة. أما الكبش فيرمز للقوة والتجدد والانبعاث، والربيع، وتشير أغلب الأساطير إلى القدرة الجنسية للكبش.

وإذا تغاضينا عن الرموز الاصطلاحية التي تربط بين الكلمة ودلالاتها، نجد أن هناك بعض الرموز الجامعة التي تتصف بوجود صفة جوّانية بين الرمز وما يمثله، لنأخذ كمثال رمز النار، فنحن تستهوينا بعض خصائص النار التي تشتعل في المدفأة، فنؤخذ قبل كل شيء بحيوية حركتها، فهي لا تنفك تتحرك وتتغير، إنها توحي لنا بالمقدرة والحيوية والطمأنينة والخفة، وتبدو لنا متراقصة وكأنها تنطوي على طاقة لا نفاذ لها. فنحن عندما نستخدم رمز النار، إنما نصف تجربة حميمة ذاتية تمتاز بالمواصفات نفسها التي نلاحظها عند اختبارنا البصري أو اللمسي للنار، إذ يتولد لدينا انطباع بالحيوية والخفة والحركة والطمأنينة. والحرارة والإثارة وهي رمز جنسي لا يخفى في الحلم، وتستخدم في الكثير من الحضارات للرمز على الحياة والتغير والموت والرغبة والغضب والشهوات، كذلك ترمز في الأساطير إلى المعرفة، والطهارة والنقاء.

وقل مثل ذلك في الماء مع فارق أنه رمز يرتبط بالهدوء والبطء والسكينة، والترقب والتوقع الهادئ أكثر من العاطفة المتقدة، وقد يكون رمز أمومي في الحلم . وتعتبر الماء من أكثر الرموز أهمية من حيث تناولته جميع الثقافات والحضارات، يعتبر مصدر للحياة، وله أهمية في تصور مصير الإنسان كما يشير إلى الأم (الرحم و الولادة والتجديد)، والغوص فيه يرمز للعودة للبدء واللاشعور والبحث عن معنى الحياة، كما يشير إلى العبور والتجاوز. ففي حين أن النار تأخذ صفات الفاعلية، الجنس، الصعود، والانفعالات المتوقدة، والغضب. فإن رموز الماء تأخذ صفات السلب، الأنثى، الرحم، الأرض. أما الجسر كما ورد في الأساطير فهو واسطة بين الجنة والنار، أو الجسر الذي يربط هذا العالم بالعالم الآخر. وقد يعبر عن خيارات ذات طابع جنسي في الحلم، كما يرمز بالتالي إلى عالمين اثنين قد تمثلهما حالة الطموح عند الإنسان للعبور إلى عالم آخر، وبالتالي الانتقال من حالة لأخرى . وهو أمر نراه كثيراً في أساطير التحول أو الانتقال أو الرغبة بالانتقال. جلجامش. الصراط، أساطير العبور.

كذلك نجد الشجرة ترمز للحياة سواء أكانت مادية أم روحية، كما ترمز للخلود، والاتجاه للسماء، والصعود إلى الجنة من خلالها تناولتها جميع الحضارات السومرية والصينية والهندية واليابانية والمسيحية. وتعبر عن مضمون جنسي ذكري يعبر عن زرع البذور أي الولادة والانتصاب. كما يجب ملاحظة أن صورة الحبل والعريشة والسلّم (كذلك الشجرة والطيران) هي صورة كثيراً ما تستعمل للتعبير عن الانتقال من نمط الكينونة والوجود، إلى نمط آخر. أي من العالم الدنيوي الفاني، إلى العالم المقدس الخالد.[18]

وكثيراً ما يمثل جسم الإنسان رمز البيت (في الحلم قد يعبّر عن الرحم)، وتندرج في إطار هذا الرمز النوافذ والأبواب التي ترمز إلى منافذ التجاويف في الجسم البشري. هذه الرمزية نجدها في لغتنا الدارجة، فنحيي مثلاً صديقاً قديما بوصفنا إياه كـ “البيت العتيق”، ونقول عن شخص آخر أن “طابقه العلوي ليس على ما يرام” كتعبر عمن فقد عقله.

ولا يدهشنا أن نعرف أن الوالدان في الأحلام كثيراً ما يمثلان صورة الملك والملكة، كما كثيراً ما يداعب الأولاد بوصفهم كأمراء ويلقب كبيرهم بولي العهد، ثم أن الملك نفسه يسمى بالأب، كما يسمى الأطفال على سبيل المزاح بأسماء صغار الحيوانات كالديدان الصغير، وهو ما يميز رمزيتهم في الأحلام.[19] ويشير الحلم بالأب إلى شعورك نحوه ونظرتك لبعض القضايا بينكما، وربما لا يعني الحلم بالأب شخص الأب نفسه، وإنما النموذج باعتباره يمثل السلطة والنظام والقوة. بينما تمثل الأم المشاعر والعواطف. الخروج على طاعة الوالدين في الحلم تعني محاولة التمرد والعصيان ضد المجتمع بأسره، أو حتى التمرد على الآلهة أو الدولة أو الأب كأب. ومن رموز الأب الشمس، وقد تمثل المعرفة باعتبارها عكس الظلام الذي يمثل الجهل، وترتبط بالقوة والطاقة ومصدر الحياة، رمز أبوي مثالي، وتعبير عن إله كلي القدرة في أغلب الأساطير. كذلك يرتبط بالأسد الذي يعرف بملك الغابة لشجاعته وقدرته الجنسية، وقد كان و لا يزال من الرموز المهمة لدى الإنسان فهو يرمز في المسيحية للخير والشر معاً، وكذلك القوة، كما يرمز لليقظة والانتباه والحذر حيث ينام وعينيه مفتوحتين. ويرمز عند الصينيين للشجاعة ويعتبر لدى المصريين بمثابة الحارس العظيم، ويعتبره العبرانيون رمزاً للقسوة، ويشار له عند الرومان والايرانيين بالملك. ويرمز كل من الأسد والحمل للسعادة والسلام، أي العصر الذهبي، وقد يشير هذا الحلم إلى محاولة الإنسان فرض إرادته وسيطرته على الآخرين. وقد يشير إلى وذع الشخص الحالي أو كما يقال، يلعق جراحه.[20]

وتعتبر الأم رمز للنموذج الأصلي وتشير إلى مكان الأصل، إلى الطبيعة وإلى ما يخلق سلبياً، ومن ثم إلى الجوهر والمادة، وإلى المادية والرحم والوظائف الإنمائية. وهي تعني كذلك اللاشعور، والحياة الطبيعية والغريزية، والمجال الفيزيولوجي، والجسد الذي نسكنه أو يحتوينا، لذلك تمثل من الناحية السيكولوجية أسس الوعي، والوجود أو الاحتواء من الداخل يشير كذلك إلى العتمة، إلى شيء ليلي ومخيف يُطبق على المرء (الساحرة الشريرة – زوجة الأب القاسية)، هذه الإلماعات تقدم فكرة الأم في الكثير من صورها الأخرى الأسطورية والاشتقاقية. وهي تمثل كذلك جانباً مهماً في الين، في الفلسفة الصينية، أو المبدأ الأنثوي المظلم والسلبي، هذا تصور عام مأخوذ من إرث جماعي حي و مدون في اللغة، موجود في الأزمنة كلها وعند الشعوب جميعاً ويعبر عنه من خلال الحلم الفردي على هيئة رموز عامة نجدها في أحلام جميع الناس. فكلمة الأم التي تبدو مألوفة جداً، تشير بوضوح إلى الأم المعروفة، الأم الفردية “أمي”، إلا أن رمز الأم يشير إلى خلفية أشد ظلمة تستعصي على الصياغة ولا يمكن أن تفهم إلا فهماً غامضاً على أنها حياة الجسد الخفية المرتبطة بالطبيعة، ولكن حتى هذا الفهم شديد الضيق، ويستبعد الكثير من المعاني الحيوية الرافدة. والواقع النفسي الأولي الأصلي شبكة لا يمكن تصورها و لا تُفهم إلا في أبعد مدى يصل إليه الحدس، وبعدئذ، ولكن بغموض شديد.[21] ومن رموز الأم الكهف، الذي يرمز في الأسطورة إلى عالم الأسرار والخفايا والولادة، والموت أيضاً، كما قد يرمز للأنوثة والأم وما تمثله من الرحم الآمن النكوصي. والنفق، وقد يرمز إلى الأنوثة، وقد يشير إلى الحاجة بالأمن، العودة إلى الرحم.

كذلك ترمز السفينة لدى المسيحيين إلى الحماية والنجاة (نوح)، وكذلك إلى الروح الجماعية، بل إلى النفس الفردية في أحيان أخرى تأخذ رمز عن الجسد الذاتي للإنسان. وترمز إلى العبور والتطهر المرتبطة بالماء، كرحلة يونس في البحر التي تنتهي في أحشاء سمكة كبيرة. يونس الذي يتعرض لخطر كبير يكتشف مرحلة عليا من وجدانه ومن أناه، فيولد كما لو ولد بشكل سحري، مستعداً للخضوع إلى أوامر الأنا الأعلى. ولكن هذه الولادة لا تكفي وحدها لتؤمن له إنسانية كاملة. ليس بكونه حبيساً في الهو ومبدأ اللذة (من خلال تجنب المهمات الصعبة التي ألقاها الله عليه) ولا سجيناً في صرامة الأنا الأعلى (عبر التمني بخراب المدينة الضالة)، يمكنه الوصول إلى الحرية الحقيقية وإلى أنا متفوقة. يونس لا يصل إلى إنسانيته الكاملة إلا انطلاقاً من اللحظة التي لم يعد فيها تابعاً بشكل أعمى للهو والأنا الأعلى، لكي يرى شعب نينوى حسب الحكمة الإلهية: ليس حسب البنى القاسية للأنا الأعلى، ولكن عبر الأخذ بعين الاعتبار الضعف البشري.[22]

والأجنحة ترمز إلى في الديانة المسيحية للألوهية، فالملائكة لها أجنحة، بينما ترمز للحكمة عند البوذيين (لاحظ الأطفال المتوفين هم طيور الجنة، بالارتقاء دائماً نعبر عن الطيران) الحلم بوجود أجنحة يشير للمعرفة والحكمة وقوة الروح، إنه يدل على السيطرة والقوة والقدرة على الرؤية الموسعة، وهذا ما عبرت عنه أساطير الطيران. وأن ترى الآخرين بأجنحة فهذا دليل إعجابك بهم. وبذلك ترتبط الطيور، فقدرتها على الطيران الحر تعبر غالباً عن الطموح والمعرفة والقدرة. وقد كانت الطيور تقوم في الأساطير بدور الرسول بين الآلهة والإنسان، كما أنها تمثل في التراث المسيحي والاسلامي الأرواح في الجنة. ويعتقد المصريون القدامى أن الطيور ترمز للروح المتحررة من الجسد بعد الموت.[23] في حين أن الغراب تصفه أغلب الحضارات بالكائن القادر على التكهن بالأحداث المستقبلية المرتبطة بالشر، وأنه على اتصال دائم بآلهة العالم السفلي والموت، كما يرسم على غصن الشجرة التي قطفت منها حواء التفاحة قبل خروجها وآدم من الجنة، لذلك يرتبط ظهوره الحلمي بالجانب المظلم من الدوافع.

خاتمة

إنّ حريتنا – حسب يونغ – لا تكمن خارجنا، بل داخلنا. يمكن أن يقيد المرء في الخارج، لكنه سيشعر أنه حر، لأنه فجّر قيوده الداخلية. يمكن للمرء بالتأكيد أن يحصل على الحرية الخارجية من خلال تصرفات مفعمة بالقوة، لكن المرء لا يخلق الحرية الداخلية إلا من خلال الرمز، الذي يفتح الباب على مصراعيه للولوج في عالمنا الذاتي. يقول يونغ: ” نحن أيضاً نعيش في أحلامنا، لا نعيش فقط في النهار، أحياناً ننجز أعظم أعمالنا في الأحلام”.[24]

*********

المراجع:

[1] اريك فروم: الحكايات والأساطير والأحلام، مرجع سابق، ص 22.

[2] كارل يونغ: الأحلام، مرجع سابق، ص 115.

[3] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق،ص 272.

[4] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية، مرجع سابق، ص 44.

[5] إريك فروم: اللغة المنسية، مدخل إلى فهم الأحلام والحكايات والأساطير ، مرجع سابق، ص 176.

[6] فراس السواح: الله والكون والإنسان، نظرات في تاريخ الأفكار الدينية، دار التكوين، دمشق، ط1، 2016، ص 68.

[7] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، مرجع سابق، ص 540.

[8] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق، ص 96.

[9] كارل يونغ: الأحلام، مرجع سابق، ص 120.

[10] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية، مرجع سابق، ص 46.

[11] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق، ص 52.

[12] روجيه باستيد: السيسيولوجيا والتحليل النفسي، مرجع سابق، ص 241.

[13] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية، مرجع سابق، ص 195.

[14] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، مرجع سابق، ص363.

[15] كارل يونغ: الإنسان ورموزه، سيكولوجيا العقل الباطن، مرجع سابق، ص 197.

[16] ميشال مسلان: علم الأديان، مساهمة في التأسيس، مرجع سابق، ص 265.

[17] سليمان الدليمي: عالم الأحلام، الرموز والإشارات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2006، ص 180.

[18] مرسيا إلياد: البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، ترجمة: سعود المولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط1، 2007، ص 218.

[19] سيجموند فرويد: نظرية الأحلام، مرجع سابق، ص 103.

[20] سليمان الدليمي : عالم الأحلام، الرموز والإشارات، مرجع سابق، ص 174.

[21] كارل يونغ : الأحلام، مرجع سابق، ص 154.

[22] برونو بتلهايم: التحليل النفسي للحكايات الشعبية، مرجع سابق، ص 77.

[23] سليمان الدليمي: عالم الأحلام، الرموز والإشارات، مرجع سابق، ص 218.

[24] كارل يونغ: الكتاب الأحمر ، مرجع سابق، ص 170.