نتيجة بحث الصور عن الشاعر البرتغالي نونو جوديس

ترجمة وتقديم: سعدي يوسف

أن تكون شاعراً برتغاليّاً!
التقيتُ نونو جوديس، أواخرَ الثمانينياتِ، في فرنسا، وقرأنا معاً، في مدينة بوردو الفرنسية.
كان محمود درويش معنا.
آنها، كان نونو جوديس ملحَقاً ثقافيّاً بسفارة بلده (البرتغال) في باريس.
اطّلعتُ على نصوصه، باللغتَينِ الإنكليزية والفرنسية.
وقبل عشرين عاماً ترجمتُ عدداً من قصائده إلى لغتي العربية، ونشرتُها في مجلة متخصِّصة.
التقَينا، ثانيةً، هذا العامَ، في المملكةِ المغربية، لمناسبة نيله «جائزة الأركانة» المرموقة من «بيت الشِعر في المغرب»، وأسهمْتُ في الاحتفاءِ والاحتفالِ، باعتباري ذا علاقة بالجائزة.
كان اللقاءُ عزيزاً عليّ، ليس فقط لأنني أرى نونو جوديس ثانيةً مع زوجته مانوَيلا، وهو الصديقُ الكريمُ، بل لأنّ هذا اللقاءَ عجّلَ في تنفيذ مشروعٍ أثيرٍ لديّ، كنتُ أُعِدُّ له منذ حينٍ.

■ ■ ■
أن تكون شاعراً في البرتغال، أمرٌ ليس باليُسْرِ الذي قد نتصوّرُه.
البرتغالُ أمّةٌ في أوروبا، ما زالت شاعرةً.
وللشِعر في البرتغال تَمَكُّنٌ ومكانةٌ.
والمشهدُ الشِعريّ، هناك، لديه من يُحتفى بهم، بعد فرناندو بيسوا.
نونو جوديس، هو من بين هؤلاء، أكيداً.

■ ■ ■
القصائدُ الخمسون التي اخترتُها، وعُنِيتُ بتعريبها، تُمثِّلُ، إلى حدٍّ كبيرٍ، مداخلَ نونو جوديس إلى فن الشِعر
Ars Poetica، وهي مداخلُ معقّدةٌ حقّاً، حدَّ أنّ لكل نصٍّ، أركيولوجيا مختلفةً عن سواه.
لكنّ هذه المداخلَ، على عُمقِها، وتنوُّعِها، لم تجعلْ نصَّه مستغلَقاً.
هنا، تماماً، تكمُنُ الحِرْفيّةُ العاليةُ للشاعرِ.
وهنا، أيضاً، تتّضِحُ راديكاليّتُهُ، حيثُ الشِعرُ مُحَرِّضٌ، مُغَيِّرٌ.

■ ■ ■
أمُلُ في أن يُسهِمَ نونو جوديس، في إضاءةِ السبيلِ أمام الجيل الفتيّ، في الأرضِ العربيةِ، هذا الجيلِ الذي اختلطتْ عليه الأمورُ، والتبستْ أمامه المسالكُ.
الشِعرُ ليس ترفاً.
إنه ضرورةٌ كالموسيقى، والنهرِ، والرأس.
سعدي يوسف
تورنتو 03.04.2015
* النصّ مقدمة لديوان «حياة في خريطة» الذي سيصدر قريباً عن «دار الجَمل».

الطيرُ الأسود O MERLO

منقارُ الطيرِ الأسودِ، خارجَ القفصِ
ليس أشدّ صُفرةً
منه، داخل القفصِ
الطيرُ المسكينُ ينكمشُ في زاويةٍ
ويبدو خجِلاً،
مع أن الخطأ هو ممّن وضعَه هناك
عارفاً أن الطير الأسودَ لم يهْوِ من السماء
ثمَتَ طيورٌ مثل ذاك
طيورٌ بشرٌ
في قفصِ، بالرغمِ من منقارِهم الأصفر
إنهم لا يُغَرِّدون
لا يطيرون. لا يتكلّمون
هم طيورٌ أمسَوا عمياناً
بسببٍ من صمتِ الكهَنةِ،
وبُكْماً من استبصارِ الأنبياء ِ

بمُصادَفةٍ مَحْضٍ، فتحتُ القفصَ
لكنّ الطيرَ ظلَّ في موضعِهِ، هناك
لا يدخلُ
ولا يَخرجُ.

صـورة IMAGEM

الرجلُ الذي يتكلّمُ مع نفسِه، في محطة ميونيخ المركزيّةِ،
بأيّ لغةٍ كان يتكلّم؟
بأيّ لغةٍ يتكلّمُ أولئكَ الضائعون، هكذا، على الأرصفةِ
ليلاً في محطّات القطاراتِ،
آنَ لا تبيعُ الجواسقُ، جرائدَ أو قهوةً؟
رجُلُ ميونيخ لم يسألْني شيئاً، بل بدا لي أنه ليس بحاجةٍ إلى شيء،
أعني أنه كمن بلَغَ المرحلةَ الأخيرةَ،
المرحلةَ التي لا يحتاجُ فيها المرءُ حتى إلى نفسِه
مع أنه كلّمَني بلسانٍ لا يُماثِلُ لغةً
مُعَبِّرةً عن عاطفةٍ أو إحساسٍ
لغةً هي محضُ أصواتٍ يخالِفُ منطقَها، الليلُ
أكان يُسائلُني إنْ كنتُ فهمتُ، لغتَه، بأيّ حالٍ؟
أم أنه كان يحاولُ أن يَذْكرَ لي اسمَه، وأصْلَه
– في ساعةٍ، كهذي الساعةِ، حينَ لا قطارَ سوف يصِلُ أو يغادرُ؟
لو كان أخبرَني هذا
لأخبرتُه أنني، مثله، لا أنتظرُ أحداً،
وأنني لم أكن أوَدِّعُ أحداً
في تلك الزاوية من محطّةٍ ألمانيّةٍ،
مع أنّ بمقدوري أن أُذَكِّرَه بأنّ لقاءاتٍ ما، تعتمدُ على المصادفةِ
بدون حاجةٍ إلى ترتيباتٍ مسْبَقةٍ
هذا حين تكتسبُ الأبراجُ معنىً،
والحياةُ، إيّاها، وراءَ الأبراجِ، تَهَبُ معنىً للعُزلةِ
التي تدفعُ أحداً نحو محطّة فارغةٍ،
في ساعةٍ، لا تُشترى فيها الصحفُ،
ولا تُحتسى القهوةُ…
مُعِيدةً ملمسَ الروحِ إلى الجسد ِالغائبِ
هذا يكفي ليقيمَ حواراً، مع أن الواحدَ هو ظِلُّ الآخر
ففي ساعاتٍ ما، من الليلِ، لا أحدَ متأكِّدٌ من حقيقتِه حتى لو أنّ أحداً، مثلي، شهِدَ كلَّ وحشةِ العالَم
متبديةً، في غماغمِ جُمَلٍ بلا معنى
في محطةِ قطارٍ ميّتةٍ.

صراع طبقيّ LUTA DE CLASSES
ليس كلُّ مَن بنى الكاثدرائياتِ
شهِدَ الأمرَ نفسَه
بعضهم، شيّدَ في ضوء النهارِ، أبراجاً، ومستدقّاتٍ
حتى بلغَ العُلى
وآخرون، في السراديبِ
رسموا الجحيمَ مستضيئينَ بالشموع،
مُخَلِّفينَ في الأرضِ، مساحةً للموتى المجهولين
أولئك الذين بلغوا الأعالي
تلقَّوا النظرةَ الرَبّانيّةَ، وشهِدوا انتصارَ فجرِ الربيعِ،
أمّا أولئك الذين ظلّوا في القاعِ، مستخلِصينَ إشارات ِالشياطينِ
من الجدرانِ الرطبةِ
فقد تبادلوا الشتيمةَ والداءَ
لكن الكاثدرائيّة فريدةٌ، بالرغم من ذلك،
وأولئك الذين يزورونها، يمتدحونَ الكمالَ، الذي يقولون إنه نتيجُ الرؤيا الصافيةِ
أولئك لا يفكرون بالتفاصيلِ،
مَن يهتمُّ بالعاملين في الظِلالِ
الذين يفقدون بصَرَهم في الرسوم الدقيقةِ المستخلَصةِ من العتمةِ،
إنْ كان ما نراه اليومَ هو خطُّ الكفافِ حيثُ الحَجر ينحتُ السماءَ؟
هكذا نقول: من اللامساواةِ يولَدُ التناسُقُ
وهي الفوضى الإنسانية، تلك، التي تَجلبُ، من الفراغِ
كلَّ ما نهوى.

مـِثلَ نساءٍ يَهْرَمْنَ GOSTO DAS MULHERES ENVELHECEM
أوَدُّ النساءَ اللائي يهرمْنَ،
إنهنّ مع غضونِهِنّ المتعجِّلةِ
والشَّعرِ المنسدلِ على كتِفَي فستانٍ أسود
يُحَدِّقْنَ، ضائعات ٍفي حزنِ الستائر ِالسميكةِ
أولئك النسوةُ يجلسْنَ في زوايا الغرُفاتِ، يسترقْنَ النظرَ إلى الخارجِ،
ليس بمقدوري، في موضعي من الحوشِ، أن أرى
لكني أتخيّلُ نساءً أُخرَيات ٍهناكَ
جالساتٍ على كراسيّ خشبٍ بلا ظَهرٍ
يُقَلِّبْنَ مجلاّتٍ رخيصةً،
النساءُ اللواتي يهرَمْنَ
لديهِنّ إحساسٌ بأني أراقبُهُنَّ
وأني أحبُّ حركاتِهِنّ المتريِّثةَ
والفِعْلَ الخفِيَّ للزمن على نهودِهِنَّ،
لهذا، ينتظرْنَ ضوءَ النهارِ، ليَعْبرْنَ إلى هذه الغرُفاتِ المعتمةِ،
إنهن يتجنّبْنَ الذهابَ إلى الشارعِ،
وأحياناً، يُغَمغِمْنَ تلك المراثي التي لا تُغَنِّيها سوى شِفاهِهِنّ.

الحَكَواتي O INVENTOR DE HISTORIAS

في هذه المدينةِ كانت غابةٌ،
في هذا المنزلِ باحةٌ
وفي تلك الباحةِ مات رجلٌ، وهو يُحَدِّقُ في النارِ
تلكَ الليلةَ لم تكن السماءُ مرْئيّةً بين الأغصانِ،
لكن أيّ نأمةٍ ليليّةٍ قاطعَت ذِهنَ الرجُلِ،
وحين مات َأضاءَ الحطبُ المقرقِعُ وجهَه.
في تلك الأيام، آنَ لم تكن مدينةٌ ولا منزلٌ،
والغابةُ وحدَها تمتدُّ وراءِ الأنهارِ والتلالِ وراءَ الوديانِ والجبالِ
والقُطْعانِ والرُّعاةِ،
حدَّقَ إنسانٌ في النارِ، وماتَ
لكن في رأسِهِ استقرّت حكاياتٌ، مع الزمن
حتى بلَغَتْ تلكَ الغرفةَ التي كانت باحةً
في مدينةٍ بلا أشجارٍ، ولا طيورٍ.
ما يتذكّره الإنسانُ عند الشعليلةِ، يُمسِكُ بألَقِ اللهبِ
الذي سيستحيلُ رماداً في نهايةِ الليلِ،
والريحُ ذاتُها التي كنسَتْ أوراقَ الخريفِ ورمادَ النارِ
لن تحملَ كلماتِ الرجلِ
الذي ماتَ فجراً،
لكنّ الحكاياتِ التي ابتدَعَها أبِقَت منه لتطوفَ العالَمَ والقرونَ
بينما البشَرُ الآخرون، وهم يُسَوون الغاباتِ بالأرضِ
ويبنون المدنَ،
ابتدعوا حكاياتٍ أخرى.

((الأخبار اللبنانية))