مع قدوم موسم الحج، قرر الشيخ فليفل الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج برفقة زوجه الصغرى “زبيدة” .وهي المرأة الرابعة حسب الترتيب الشرعي لحريم البيت في قرية الطوف.
وما أن قطع الشيخ فليفل أولى خطواته على طريق الحج برفقة المدام، حتى وجد بعيره وهو يتلكأ، رافضاً السير قدماً على درب مكة، بينما الناقة التي كانت تحمل حرمه زبيدة على ظهرها في الهودج ، فكانت تغذّ المسير نحو الكعبة مسرعةً !!
لم يثر الأمر اهتمامه في بداية مسير تلك القافلة التي كانت ترافقه، حاملةً رجال قرية الطوف وحريمها في ذلك الموسم من الحج.
فقد انطلق بعيرهُ هو الآخر بالمسير منتشياً مع ارتفاع صوت الموبايل الذي سرعان ما أخرجهُ من جيب دشداشته البيضاء، وراح يُمعن بتلك الرسائل والصور التي كانت تظهر له على شاشته.
لا أحد يعرف حجم ذلك الاضطراب الذي أصاب فليفل وقتها بشكل مفاجئ.
لم تمض دقائق، حتى وجد الشيخ فليفل نفسه غارقاً بموجة من نعاس داهمهُ على حين غرة، ليسقط بالنوم على طرق مكة فجأة.
بينما كانت المدام زبيدة في ذلك الوقت، تبحث عن حلّ ينقذها من الحرّ. فكما يبدو أن قماش الهودج لم يمنع نزول الشمس على رأسها، فبقيت تتصبب عرقاً من شدّة حرارة اجتمعت عليها من مصدرين: الطقس وشيء عاطفي آخر يخص الفؤاد.
مع كل خطوة كانت الناقةُ تمضيها على ذلك الدرب، كان لهيب الأجساد يزداد ارتفاعاً.
ذلك ما كانت تشعر به زبيدة. وهي تخوض حرباً نفسية – بيولوجية من أجل فكّ الاشتباك ما بين حرارة الطقس وحرارة جسدها، وهو ما دفعها إلى القيام بعمل له جرأة مخيفة، وذلك عندما قامت برفع غطاء الهودج عن جسدها، وتحرير رأسها من الحجاب الذي كان يخنقها.
في تلك اللحظات، كانت الشياطينُ تكبس على مخ الشيخ فليفل المستغرق بقيلولته التي راحت تدمرُ كل محتويات رأسه، عدا كابوس مزعج واحد، يخص قيام الملا أبو قعبرة بالسيطرة على المسجد في قرية الطوف، وإعلانه عن مراسيم سريعة لانتقال سلطات فليفل إليه.
عندما استفاق الشيخ فليفل من هيمنة ذلك الكابوس الذي سيطر عليه في أثناء القيلولة العابرة في الهودج، سمع هاتفه النقال يرّن دون توقف.
فأخرج الجهاز من جيب دشداشته وراح يقرأ ويتأمل ويستعرض الصور والرسائل بكل انتباه وغضب.
وما هي إلا لحظات، حتى أغلق الموبايل بنرفزة واضحة، وتقدم مقترباً من ناقة زوجته زبيدة وهو مستعرٌ بغضب ناري.
مدّ يدهُ بسرعة البرق، والتقط الموبايل من يد زبيدة بسرعة خاطفة، ليضبطها على الطريق الصحراوي، وهي على (التشات) تمارس العادة السريّة مع شاب وسيم في غرف الفيسبوك !!
• ما الذي تفعلينه أيتها الساقطة؟ سألها الشيخ هائجاً وهو في حالة من الارتباك. فردّت عليه زبيدة قائلة:
• لم أفعل شيئاً. . إلا ما كان مقدراً لنا في اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعية يا شيخ.
• لا يحق لك ممارسة العادة السريّة بوجودي محرمٍاً.
• ولكنك كنت غائباً عن مكان شهوتي بمراقبة خصومك. نومك أثقلُ من جبل على لحمك يا شيخ.
• قد يدركني مكرُ الملا أبو قعبرة في أثناء غيابي فأضيع!
• ومن قال لك ذلك يا بعلي؟
• أشباحي التي كنت معها منذ قليل يا زبيدة.
• لا تخف. عندما نصل إلى مكة، ادع على أعدائك بالشر وبالفناء، فقد تستجيب لك الآلهة، وتمسحهم بالتراب.
• ولكن طريق الملا إلى منصبي في مسجد الطوف أقصر من طريقنا إلى مكة البعيدة !
• تضرع للآلهة يا شيخ. . أن يقصر طريقكَ، ويمدّ بطول أعمار طرقهم؟
• ومنْ يضمن لي ما يحول دون انتصار الملا علىّ. رأيته بالمنام وهو يزيحني عن منبر الجامع ،ويأخذ مكاني بالقوة مع حشد من الناس الذين قدموا له الولاء ليكون شيخ قرية الطوف. يا للقدر المجهول .لقد ضيعني اللعينُ أبو قعبرة !
• كأني أرى خوفك يا شيخ، وقد انتزعَ منك كل الإيمان؟
• ومن قال لك بأن الإيمان بالآلهة سيرسخ سلطتي على رقاب العباد يا زبيدة؟
• لا بد من المضي قدماً في المشروع. فأن تكون حاجاً يا فليفل، فذلك سيزيد من هيبتك بأعين قبائل قرية الطوف. أنت قلت ذلك. وقررت حملي معك على هذا الهودج. أليس كذلك؟
• مكة يا زبيدة، ستبقى بشعابها لأهلها، فيما لو فقدت أنا وظيفتي في قرية الطوف الشبيهة بكهوف القرون السالفة من شدة الغبار والتوحش، سأصبح هباءً منثوراً. لذلك يجب إعادة الحسابات. فليس إيماني أطول من طريق مكة.
• وماذا أنت فاعل يا شيخ الآن؟
• ليس أمامي غير أن أعود لقرية الطوف، لمنع حدوث ما رأيته في المنام الجهنمي المرعب.
• ولكنك ستخسر أناس كل هذي القوافل التي تسير بركبك نحو الحج؟!!
• أما الناس يا زبيدة، فيمكن تعويضهم بنسخ أخرى من تلك المخلوقات الساذجة التي لم ينقش العلمُ شيئاً على حيطانها. بينما السلطة، فمن الصعوبة بمكان أن تجدي كرسيّاً لتتسمرّي عليه للأبد، دون تلك المسامير العملاقة والصدئة.
• آه لو تدرك هذه الناقةُ هوّل ما تقولهُ يا شيخ فليفل؟!
• قد تدرك ذلك، ولولا طبيعتها الباردة، ما كان لها أن تكون صبورة إلى ذلك الحد.
حاول الشيخ فليفل الإمساك بيد زبيدة التي كانت منهمكة تحت ثيابها، إلا أنه لم يتمكن من ذلك. فقد سحبت زبيدةُ يدها بعيداً، وكذلك لتشيح بوجهها عنه، مطلقةً النظر من طاقة الهودج نحو الفضاء الخارجي، ومتأففة في الوقت نفسه من كل ذاك الهوّل العدمي الذي كانت تمر بظروفه داخل قرية، لا يتعايش فيها إلا موتى الماضي مع أحياء اليوم الغارقين بالجهالة والسحر والخرافات وتعدد المذاهب وثبات الخوف والهلاك.
صحيح أنكِ فتاة مثقلة بالأميّة ولم تدخلي مدرسة في حياتك، ولكنك تعلمتِ بعض الشيء من الشيخ ومن تلك الكتب التي يأتي بها بعلك فليفل من العاصمة، يقرأ فيها، ثم يقوم بإحراقها أو بدفنها في جوف الأرض، خشية أن يطلع عليها أحدٌ، فيكتشف الاجتهادات الأخرى التي تفند ما يعتقد به فقراء الناس وجهلتها هنا.
أجل. فما وجدته في تلك الكتب، كان مختلفاً عما يربي فليفل الناس عليه في الجامع.
أعين الناس هنا، إما طمر نظرها الرمدُ، أو أنها تحتاج إلى نظارات طبية لمعالجة القصور. أو هي شبيهة بأعين الشيخ فليفل التي تقرأ ولا تفصح. تأكل الحريم أكل الدجاج دون شبع، إلا في حالات الطوارئ، فقد يستغني هذا البعل عن كل شيء، عدا منبر المسجد. فهو روحه الثانية التي يحاول من خلالها صيد الناس وتغذيتهم بالأفكار المستمدة من صراعات الأسلاف واقتتالهم.
أما إذا اقتضت الضرورة أن يتخلى فليفل عن الحريم مقابل المنبر، فلن يجد الشيخ مانعاً بقطع باهه مقابل ذلك.
كم أنا ممتنة لوجودي مع رجل مهووس مثل الشيخ.
هل سأشكر الأقدار التي جعلتني أتعرى تحته في الليل، وجعلته في النهار، يتعرى من كل شيء أمامي؟
لا أعرف تماماً، مثلما لا أعرف سرّ سرعته بالقذف تلك، حينما يرمي حيواناته المنوية في كهفي البعيد رمي الوحوش، ثم يمضي بأولاده لصيد الضُبَّان أو تلك القنافذ الضخمة المسماة بالنيص في الفلاة المتاخمة لقرية الطوف.
سعرُ كل حيوان، يُثمّن بمدى الطاقة الجنسية التي يمنحها للشيخ أو لسواه من مشتري المتعة. فتلك الحيوانات كما أظن، هي من كانت وما تزال تثير في أرحامنا الشهوات، وليس الشيخ فليفل وجماعاته من آكلة الضبان وحيوانات الرمل.
لذلك. . فكلما هيأت نفسي لمجامعة الشيخ مضطرةً، سرعان ما أشعر بأنني أضاجع بعضاً من تلك الحيوانات ليس إلا.
فالأخير –فليفل وجماعته- مثل أسلاك الكهرباء، ناقلةٌ للطاقة الايروتيكية التي كانت كامنة في جسد الحيوان قبل التهام لحمه ليس غير.
الناس في المدن البعيدة يقولون عن النكاح ممارسة الحب، فيما نحن حريم الشيخ، نُرمى بسوائل الفياغرا وحيوانات الضُبَّان، قذف الرصاص من فوهات البنادق. لأن فليفل كان يضاجعنا بدلاً عن كل حيوان يأكلهُ.أو وفقاً للمعادل الفلسفي فأن تلك الحيوانات هي من تنكحنا بالضبط !
اللعنة عليك يا زبيدة وعلى تاريخ مولدك. ما لزوم كلام وقح كهذا الذي تحاكين به نفسكِ الآن. . وأنت على طريق الحج إلى الكعبة؟!
لم يشأ الشيخ فليفل الأخذ والردّ مع زبيدة بعد “المسج” أو الرسالة الإليكترونية التي استلمها وهو على ظهر البعير عبر هاتفه المحمول.
لقد غرق بقراءة الكلمات والتدقيق بالصور ملياً. بعد ذلك أحسّ بأن روحه على وشك أن تُزهق:
“يا أبن الكلب. أهكذا تريد الانقلاب على شيخك، فتبتلع قرية الطوف بما فيها يا أبا قعبرة؟!!”
وقبل أن يقفز قلبُ فليفل من بين أضلاعه حيرة وقلقاً من الملا أبو قعبرة وألاعيبه، هرول نحو البعير الذي كان يحمل الشاب طارق، ووجه إليه أمراً شرعياً بأن يكون مِحرماً لزوجه زبيدة.
بتلك السرعة الفائقة، علّقَ فليفل زبيدة برقبة الفتى، من خلال تلك الفتوى، وأقفل راجعاً إلى قرية الطوف لمنع الملا من التآمر والاستفراد بقرار الحرب والسلم في قرية الطوف.
تركَ قوافل الحجاج تشقُّ التلال الرملية تحت قرص الشمس الملتهب بمعزل عن قيادته، وناسياً مكة والفروض والمناسك وهي تتطاير مع زبدِ فمه المُتعَلقم سمّاً ونارا.
“آه لو كانت تحت إستي مرسيدس، لا سنام هذا البعير الماشي على بيض العفاريت”.
تلك كانت آخر جملة طويلة، لفظها بلعومُ الشيخ فليفل مثل عاصفة رملية هوجاء، تخرجُ من ثقب بين جبلين.

 

من رواية ((ثعابين الأرشيف))

للروائي الدنمركي من أصل عراقي

أسعد الجبوري