عبد الرحمن منيف: العراق : هوامش من التاريخ والمقاومة.. المضامين قبل الهوامش.. العراق :

لا يصنع تاريخه المهمشون ولا يرسم مستقبله المجرمون

د. سيّار الجَميل
مقدمة :
عندما أهديت نسخة من كتابي الاول ” العثمانيون وتكوين العرب الحديث ” الذي اصدرته في نهاية الثمانينيات الى استاذنا الكبير البرت حوراني ، أجابني الرجل بعد اسبوعين برسالة قال فيها : يا سيار ، ان اردت ان تحافظ على مستواك ، فلابد ان لا تصدر شيئا بعد اليوم اقل كفاءة من هذا الكتاب .. وتكرر الامر نفسه مع استاذنا الكبير عبد العزيز الدوري ، عندما التقيت به بعد ان اطلّع على كتابي ” المجايلة التاريخية ” الذي اصدرته في نهاية التسعينيات، قال : ينبغي عليك ان لا تصدر أي كتاب بعد اليوم اقل اهمية مما اصدرت الى حد الان ! وكلما اتقدم في العمر ، اشعر بأن المسؤولية الادبية والعلمية والاخلاقية تتضاعف فوق كاهلي امام الناس . لقد أتيت بهذه المقدمة ، لأعلم القارىء بأن اسم الكاتب والروائي المعروف عبد الرحمن منيف ، قد اهتز عندي هزّا شديدا وأنا اقرأ كتابه الاخير الذي اصدره قبل ايام بعنوان : ” العراق : هوامش من التاريخ والمقاومة ” .. وتمنيت عليه بصدق لو انه بقي بعيدا جدا عن مثل هذه الموضوعات التي طرقها وكتب فيها مضمون هذا الكتاب الذي خسر فيه مؤلفه الكثير من رصيده لدى القراء والمختصين والمثقفين العراقيين الذين يعلمون ما لم يعلمه الاخ منيف ، ويدركون ما لم يدركه الرجل للاسف الشديد .
وكم نادينا بأعلى اصواتنا ، بأن اية مغامرة جديدة لأي من الكتاب والادباء العرب لابد ان يحسب حسابها جيدا قبل ان يندفع صاحبها من اجل الاثارة بالاقتراب من موضوعات عراقية حسّاسة جدا وخصوصا في تاريخه الحديث والمعاصر ، لأنها ستعكس فشله حتما وتؤثر بالضد على سمعة صاحبها سيما وان تاريخ العراق المعاصر معقّد جدا وله مخاطر لا تحصى ولا تستقصى وان اغلب الذين تعاملوا معه من المؤرخين العراقيين والغربيين كانوا على درجة من التخصص والسيطرة على معرفة بالعراق ومكوناته واطيافه ومشكلاته وتعقيدات كل الوانه .. فضلا عن توفر قدر كبير من الحيادية والامانة والشمولية من خلال اتباع منهج ذكي وبارع في التعليل وتحليل المضامين والمواقف والاحداث التاريخية والابطال والشخوص وصولا الى النتائج والاستنتاجات التاريخية ومن ثمّ توظيفها جميعا في خدمة البحث العلمي . ان تاريخا رصينا للعراق الحديث لا يمكن كتابته من خلال هوامش عادية وقصاصات ورقية من قبل اديب روائي هام في دوامة سياسة خرقاء قادت بعد عقود من السنين الى كل هذا الوباء الذي تشهده المنطقة في بدايات القرن الواحد والعشرين !
من هو عبد الرحمن منيف ؟

ولد عبد الرحمن منيف في عام 1933 في عمّان بالاردن لأبٍ من نجد وأم عراقية – كما يقولون – . أنهى دراسته الثانوية في العاصمة الأردنية, ثم التحق بكلية الحقوق في بغداد العام 1952. وبعد عامين من انتقاله إلى العراق ، طرد منيف منها في عام 1955 مع عدد كبير من الطلاب العرب بعد توقيع حلف بغداد; فواصلَ دراسته في جامعة القاهرة . تابع عبد الرحمن منيف دراسته العليا منذ عام 1958 في جامعة بلغراد, وحصل منها في عام 1961 على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية, وفي اختصاص اقتصاديات النفط, وعمل بعدها في مجال النفط بسورية . في عام 1973, انتقل منيف ليقيم في بيروت حيث عمل في الصحافة اللبنانية, وبدأ الكتابة الروائية بعمله الشهير (الأشجار واغتيال مرزوق ) . في عام 1975 أقام في العراق, وتولى تحرير مجلة (النفط والتنمية )حتى العام 1981 الذي غادر فيه العراق إلى فرنسا حيث تفرغ للكتابة الروائي. وفي العام 1986 عاد منيف مرة أخرى إلى دمشق ..حيث يقيم الآن . كان صديقا حميما للاديب الروائي جبرا ابراهيم جبرا .
صدر لعبد الرحمن منيف عدد من الروايات: (الأشجار واغتيال مرزوق) (1973), (قصة حب مجوسية) (1974), (شرق المتوسط) (1975), (حين تركنا الجسر) (1979), (النهايات) (1977), (سباق المسافات الطويلة) (1979), (عالم بلا خرائط) (كتبت بالاشتراك مع جبرا إبراهيم جبرا, 1982), خماسية (مدن الملح): (التيه) (1984), (الأخدود) (1985), (تقاسيم الليل والنهار) (1989), (المنبت) (1989), (بادية الظلمات) (1989), و(الآن هنا) أو (شرق المتوسط مرة أخرى) (1991), (لوعة الغياب) (1989), (أرض السواد) (1999). كما صدرت لمنيف مؤلفات في فن الرواية, ومؤلفات أخرى في الاقتصاد والسياسة . حاز على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية للرواية عام 1989 وعلى جائزة القاهرة للإبداع الروائي التي منحت للمرّة الأولى عام 1998.
العنوان وتوهم التاريخ :
ولما كان مضمون كتاب عبد الرحمن منيف هو مجرد هوامش في التاريخ والمقاومة – كما اسماها – ، فان الكتاب يقع في باب المصنفات التاريخية وبذلك ابتعد الرجل عن حقل كتاباته في الرواية الادبية والتاريخية . لقد اطلق المؤلف عنوانه على كتابه : ” العراق : هوامش في التاريخ والمقاومة ” وبرر استخدامه لمصطلح ( الهوامش ) عندما وصف كتابه بأنه : ” كتاب مجرد مجاز ، اذ كتب معظمها بظروف خاصة ، ومن الذاكرة بالدرجة الاولى .. وانها ليست دراسات تاريخية .. وهذه الصفحات عبارة عن رؤوس اقلام اكثر مما هي دراسة تاريخية ” ( ص 27 ) . وانا اعلق هنا بقولي على ازدواجية في الفهم : لا ابدا ’ لا يمكننا قبول هذا الايهام والتفسير من قبل كاتب محترف اسمه عبد الرحمن منيف ، فما دمت تعترف بأن ” التاريخ .. يستدعي قراءة متأنية موضوعية للوقائع ، ومعرفة نقاط قوتها وضعفها ، والا انقلب السحر على الساحر ، كما يقال ، اذ يصبح التاريخ عبئا بدل ان يكون رافعة وطاقة اضافية ” ( ص 9 ) .
اعتقد بأن هذا خلل كبير ، فما دمت لم تستطع ان تجعل من كتابك الا مجرد مجاز وليس تاريخا ، فلماذا غامرت هكذا بسرعة بالكتابة في شؤون العراق المعاصر ؟ واذا كنت تدعو الى الموضوعية ، فلماذا غابت الحيادية عنك في كتابك غيابا متعمدا ؟ ناهيك عن حجم الاخطاء التي وقعت فيها والتي لم تستطع التخلص منها كونك ادخلت نفسك في دوامة لم تستطع الخروج منها ابدا ، خصوصا وان العراق يمر اليوم بأخطر مرحلة تاريخية ستحدد مستقبله ومصير اجياله ، فليس من السهولة ابدا ان تنزل الى حلبة مليئة بالالغام والمتفجرات ، وانت عديم القوة والتخصص والاحتراف والمهارة وفي وسط امواج عاتية ولم تملك اية ذاكرة تاريخية قوية عن العراق تسعفك في تمييز الالوان والانواع والاجناس وكل الاطياف المتنوعة للمجتمع العراقي بكل تعددياته القديمة .
نحن والغرب
ان مشكلة عبد الرحمن منيف هي مشكلة اغلب ابناء العروبة في النصف الثاني من القرن العشرين .. انهم يغلبون كراهيتهم للغرب على كل تفكيرهم من حيث يفتقدون حياديتهم وموضوعيتهم بسبب هذا العداء الذي يعتبرونه متبادلا ومن دون اية قياسات ولا تمفصل في الحيثيات والموضوعات والخلط بين المعرفة والايديولوجيات والايهام السياسي بصبغ كل الحياة العربية وكأنها عدوة لكل هذا العالم .. وبالاحرى كأن مشاكلنا كلها من صنع هذا العالم .. صحيح ان علاقاتنا بالغرب متموجة بين القوة والضعف وبين الانشداد والانفلات وبين الاستعمار والتحرر وبين اسرائيل وفلسطين .. الخ الا ان العرب لا خيار لهم اسوة ببقية الشعوب الاخرى في العالم الا التعامل مع الغرب بحكم قوته وهيمنة تحدياته المتنوعة ليست السياسية حسب ، بل الاعلامية والمعرفية والثقافية والتكنولوجية .. واستطيع القول بأن اغلب ابناء النخب العربية المثقفية الناضجة قد تعلمت في الغرب وعرفت امتلاك تخصصاتها ومناهجها ومعارفها الحديثة عن الغربيين .. وهناك من استوعب كيفيات التعامل وهناك من لم يستطع الاستجابة للتحديات وهناك من اغلق جوارحه كاملة عن كل الغرب باعتباره عدوا لدودا .. يقول المؤلف مثلا : ” ان المخطوطات الهامة والنادرة والتي تتمتع بقيمة تاريخية وفنية رحلت عن المنطقة العربية الى عواصم الغرب وحواضره وهناك قفل على القسم الاكبر منها ، بحيث لا تتاح الفرصة للتصوير او العرض او لمجرد الرؤية ” ( ص 193) .
واقول متسائلا : اذا لم تكن عندك اية تجربة ومعاملات مع مكتبات العالم الكبرى في الغرب ، فلماذا يفترى هكذا على العرب زورا وبهتانا ؟ وبصراحة متناهية اقول : لقد نجح الغرب كثيرا في حفظ آثارنا ومخطوطاتنا من التلف والسرقة والنهب والاحتراق والعبث .. وعلى مدى خمس وعشرين سنة وانا ومعي مجموعات واسعة من المختصين والباحثين العرب والمسلمين الشرقيين ونحن نستخدم المكتبات الامريكية والروسية والبريطانية والفرنسية والالمانية والنمساوية والهنغارية والايرلندية والاسكتلندية والاسبانية .. الخ من دون ان اجد دائرة او مكتبة واحدة في الغرب تقفل علي ما اريد الاطلاع عليه ابدا ! انني امتلك هويات واذونات رسمية خاصة بي لاستخدام مكتبات معينة من دون اي معاناة كالتي يعاني منها العرب انفسهم في مكتبات بلدانهم انفسهم ؟ فلماذا نضحك على بعضنا البعض الاخر ؟
اسئلة لابد ان تجيب عليها : اخطاء تاريخية
هل من المعقول ان يقول المؤلف – مثلا – : ” فثورة العشرين مثلا التي انفجرت مع بداية الحكم البريطاني للعراق .. ” ( ص 11 ) ونحن نعلم بأن الاحتلال البريطاني للعراق استغرق اربع سنوات للفترة 1914 – 1918 م ، ولم تندلع الثورة الا بعد ثلاث سنوات على احتلال بغداد من قبل الجنرال مود عام 1917 . والمؤلف يبدو انه لا يعترف بجريمة غزو الكويت ويسميها بـ ” دخول الكويت ” بقوله : ” فأمريكا شجعت العراق على دخول الكويت .. ” ( ص 17 ) وثمة خطأ آخر عندما يقول : ” .. ما لبثت ان اعتبرت هذا الدخول ( = غزو الكويت ) سببا لاعلان الحرب وحشد القوى من جميع انحاء العالم لتحرير الكويت ، وكانت بالتالي حرب الخليج الاولى ” ( ص 18 ) . والصواب كما هو معروف انه ( حرب الخليج الثانية ) ! ويتابع الخطأ بخطأ آخر عندما يستطر قائلا : ” أما العدوان الاخير ، والذي سمي بحرب الخليج الثانية ، فقد بدأ الاعداد له منذ ان انتهت الحرب الاولى .. ” ( ص 18 ) ! وهل من المعقول ان تقول بأن ” اغلب مناطق العراق اصبحت تحت سيطرة الثوار عام 1920 اذ ما عدا بغداد والبصرة ، والتي كانت تتمركز فيها القوات البريطانية وكان يحاصرها الثوار ايضا ، فان باقي المناطق كانت محررة وتخضع لسيطرة الثوار .. ” ( ص 42) . وهذا غير صحيح ابدا ، فالمراجع التاريخية جميعها لا تقر بمثل هذا الكلام ابدا ، بما فيها المصادر من كتابات بعض الذين شاركوا في الاحداث !
وتقول بأن المستر ( عبد الله ) فيلبي ” كان احد صانعي السياسة البريطانية في المنطقة العربية ، خاصة في العراق .. ” ( ص 70 ) . نعم ، كان فيلبي من منفذي السياسة البريطانية وليس من صنّاعها ، ولكن في نجد من الجزيرة العربية وليس في العراق بعد ان اقترح ان يكون الاخير جمهورية وليس مملكة .. وقد عاش في الرياض ردحا طويلا من الزمن وكتب كل مؤلفاته عن السعودية ونجد والملك عبد العزيز آل السعود .. ولابد ان نرجع للكم الوفير من كتبه ومنشوراته ونتدارسها لنرى حجم ما كتبه عن موضوعات الجزيرة العربية مقارنة بالذي كتبه عن العراق !
وتقول بأن بريطانيا ( كانت ) مستغلة بقاء لواء الموصل موضوعا للمساومة ، لأن هذا اللواء بقي موضع تجاذب بين تركيا .. وبين بريطانيا وبين فرنسا ” ( ص 71) . واقول : لا ابدا ، فمشكلة الموصل لم تظهر للعلن الا بعد 1921 اي بعد تأسيس كيان الدولة في العراق وبعد معاهدتي سيفر ولوزان .
الطعن في شرف فيصل الاول وسلوكه العام
وتقول : ” وكان فيصل الاول يلجأ اليها ( = المس بيل ) في الصغيرة والكبيرة الى ان وصل الامر الى حد الالتباس في العلاقة ، وتشير المس بيل ذاتها الى عدد من الحالات حين كان فيصل الاول يستدعيها الى مزرعته الخاصة في خانقين ليناقش معها بعض الامور ، او لكي يفضي اليها بمكنونات عقله وقلبه ! ” ( ص 76 ) . وهنا ، اتساءل : ألم يكن بمقدور مؤلفنا عبد الرحمن منيف ان يوثق هذا الخبر الذي يتعلق اساسا بشرف الملك فيصل الاول واخلاقياته ؟ اذا كنت قد اعتمدت على كتاب عبد الرحمن البزاز في توثيق المرشحين للملكية في العراق ، فلماذا لم توّثق هكذا رواية خطيرة تتعلق باثمن ما يمتلكه الانسان ؟ هل غدا التاريخ العوبة او دمية بأيدي البعض من الروائيين الراديكاليين الذين لا يحترمون كلمتهم ؟ واذا كان المؤلف يطلق بهكذا احكام جزافا على الاخرين ، فلسوف يتهم بعدم الامانة في اعماله كلها ! وسواء التقى فيصل خلسة بالعجوز الانكليزية المس بيل في مزرعته ام قصره ام لم يلتق ، فالمس بيل لم تكن عربية ولا مسلمة ولا فتاة عراقية باكر يأبى اهلها على شرفها .. فلماذا لم يكتب منيف في هوامشه عما اقترفه عدي صدام حسين بحق الفتيات العراقيات ؟ ولماذا لم يتعرض عبد الرحمن منيف بكلمة حق واحدة تقال في الذي جناه صدام حسين بحق العراقيين والعراقيات .. يكفي في فيصل انه اسس كيانا جديدا وحقق علو كلمته في عصبة الامم قبل ان يموت .. ويكفي صدام انه هجم ذلك الكيان وسحق شعبه واخل بالنظام العربي قاطبة بحروبه التي لم يذكرها صاحب تاريخ الهوامش !
في مكان آخر يطعن عبد الرحمن منيف ايضا في فيصل الاول واخلاقه وسيرته ايام مرضه ووفاته ، فيقول : ” وضمن ملابسات تلفت النظر لتشابكها وغرابتها ، وبعد ان التقى فيصل بسيدة هندية قيل انه كان يحبها ، وبعد ان شرب الشاي معها تعّرض لازمة قلبية اودت بحياته … ” ( ص 91 ) . ومرة اخرى ، هل استطاع المؤلف ان يوثّق الخبر بدل جعله سائبا هكذا قيل عن قال ؟ لماذا ملابسات تلفت النظر ؟ واين التشابك والغرابة ؟ كيف التقى فيصل بسيدة هندية وكان يحبها وهو على سرير المرض في سويسرا ؟ ومن الذي قال للمؤلف بأن فيصل كان يحبها ؟ لماذا هكذا تلفيقات بحق رجل اعتقد انه لم يسرق العراق ولم يضطهد العراقيين .. اعتقد انه كان مؤسسا بارعا لدولة جديدة ! واعتقد انه الزعيم الوحيد الذي حكم العراق في القرن العشرين وقد فهم العراقيين فهما عميقا .. واذا كانت المعلومات المؤكدة والموثقة تقول بأن ممرضة هندية كانت تقوم في احدى مستشفيات سويسرا على راحته .. وتتهم بزرقه ابرة فيها سم وليس هناك ادلة دامغة تكشف هذا الخبر .. فلماذا قمت بتحريفه اخرجته عن حقيقته ؟ واسألك : اذا كان هناك محبة قد جمعت فيصل الاول بسيدة هندية فلماذا قتلته ؟ هذا كلام هامشي فعلا ولا يصلح ان يعتمد عليه ابدا القراء العرب من العقلاء والمثقين الناضجين .
يقول المؤلف : ” في عام 1921 كانت المباحثات من اجل اقامة الدولة ، تجري بين فيصل بن الحسين ومعه كوكبة من الذين شاركوا في ثورة العشرين ، وكان غبار المعارك لا يزال عالقا بعباءاتهم وجفونهم .. والطرف الثاني في المفاوضات مجموعة من القادة العسكريين والسياسيين البريطانيين الذين عرفوا المنطقة وناسها .. ” ( ص 83 ) . وانا اتساءل : ما هي اسماء تلك الكوكبة الذين شاركوا في ثورة العشرين ؟ فالتاريخ لم يقل بمثل هكذا رواية تاريخية ، فمن اين اتى المؤلف بها ؟ ونحن نعرف قادة ثورة العشرين واحدا واحدا .. فمن هو ذاك الذي جلس يفاوض الانكليز ؟ هل يمكن للمؤلف ان يخبرنا بما سجله بكل سرعة ؟
ان كتابة التاريخ امانة في اعناق اولئك الذين يجازفون في معالجة موضوعات خطيرة وخصوصا عندما تتعلق بقضايا لا يدركها الا المختصون الذين لهم القدرة في استنباط التوجهات استنادا الى معلومات موثّقة واكيدة ، وليكن معلوما بأن كاتبنا لا يفّرق ويا للاسف الشديد بين ” المعلومة ” الدقيقة و ” وجهة النظر ” العامة ، فخلط بين الاثنتين ، فجاء كلامه غير دقيق ابدا خصوصا وانه لم يعتمد على مصادر تاريخية ووثائق معلومات ، بل اعتمد على ذاكرته وعواطفه فقط في كتابة موضوعات خطيرة من اجل الاثارة لا من اجل المعرفة ، ومن اجل تشويه تاريخ العراق لا من اجل اغنائه بما يفيده والعراق يمر بادق مراحله اليوم !

هل كانت المعارضة العراقية : دمى خزفية امريكية !! ؟؟
وتتداخل الامور والالوان والشخوص لدى المؤلف عندما يكتب قائلا : ” ان المباحثات والمفاوضات التي تجريها اميركا مع الدمى الخزفية التي صنعتها بنفسها واعتبرت انها وحدها التي تمثل العراق ” ( ص 86 ) . ويقول في مكان آخر : ” أما الدمى الخزفية التي حشيت بالقش وجيء بها من امريكا بعد الاعداد والتدريب ، لتكون وجه العراق الجديد وحاملة لواء الديمقراطية ، فانها تبدو عاجزة فقيرة خالية من اية جاذبية ، الامر الذي اربك حتى صانعيها ، بحيث لا يعرفون ماذا يفعلون بها ، والى متى ستبقى قبل ان تتحطم وتتحول الى فتات ! ” ( ص 92 ) . واعلق بدوري قائلا : لماذا كل هذا التداخل والخلط بين الذي كان قد حدث في الماضي وبين ما يجري اليوم ؟ ومن هي تلك الدمى الخزفية الامريكية ؟ انه يقصد رجال المعارضة العراقية الذين وقفوا ضد سياسات صدام حسين وعقدوا مؤتمراتهم السياسية في صلاح الدين ولندن والناصرية .. ربما لا تتفق مع المعارضة العراقية واحزابها ، ولكن لا يمكن بأي حال من الاحوال ان تخلط بين الماضي والحاضر ؟ واذا لم يكن المؤلف متثبت ومدقق في قضايا الماضي ، فمن ذا الذي يصدقه عندما يكتب عن الحاضر ؟ واعتقد انه كان ولما يزل متعاطف جدا وبقوة مع نظام صدام حسين بل وملتزم بادبيات البعثيين باعتباره بعثيا محسوبا على القيادة القومية في العراق وقد استفاد ماديا ومعنويا على مدى اكثر من عشرين سنة فكيف لا يهاجم رجال العراق اليوم ويعتبرهم دمى خزفية والاحلى في كل الذي قاله انها دمى خالية من اي جاذبية ! كأن رجالات صدام امثال : حسين كامل وعلي حسن المجيد وطه الجزراوي وعزت الدوري يتمتعون بجاذبية كالاقمار والشموس ؟؟ نعم ، ربما كنت اختلف مع المعارضة في اساليب العمل والتنظيم والتنسيق ، ولكن ثمة اجماع بين العراقيين على ان المعارضة العراقية ضد صدام حسين قد نسقّت جهودها السياسية مع الامريكان بعد العام 1991 ، ولكن ليس من باب العقل ان يصدر المؤلف احكامه البعثية على المعارضين لصدام حسين كونهم دمى خزفية .. فماذا يقول عن معارضات عراقية تم صنعها عراقيا كل من العراق وسوريا وايران وبريطانيا وفرنسا والمانيا وهولندا والسويد وكندا واستراليا ونيوزيلندا وغيرها من بلدان العالم .. واعتقد ان جميعها لم يكن من صناعة احد !
العراق بين كولبنكيان وصدام حسين
يقول المؤلف : ” تم الاتفاق بين الاطراف جميعا على اقتسام الثروة النفطية .. اما الخمسة بالمائة الباقية فقد تركت للسمسار الدولي كولبنكيان .. ” ( ص 90 ) . ولا ادري من اين استقى منيف معلوماته ، فالمستر كولبنكيان لم يكن سمسارا دوليا ، بل كان عراقيا ارمنيا يمتلك مقاطعات كبرى من الاراضي الواقعة في لواء كركوك التابع لولاية الموصل واكتشف النفط في اراضيه ، وان حصتّه لم تكن حديثة العهد بل تعود الى شركة النفط العثمانية وقد قررت حصّته على هذا الاساس منذ العهد العثماني ايام عهد السلطان عبد الحميد الثاني .. وبقيت علاقة الرجل قوية بالعراق حتى بعد ان عاش حياته في الخارج وللتاريخ اقول كما يعرفه اغلب العراقيين القدامى انه منح الكثير من عائداته الى العراق والعراقيين بصفة منح ومشروعات واعمار وخدمات وبعثات دراسية للطلبة العراقيين .. الخ وبعد تأميم النفط من قبل احمد حسن البكر ، تأممت حصّة كولبنكيان من قبل البعثيين ومنحت الخمس بالمائة الى صدام حسين شخصيا اذ سيطر عليها منذ ثلاثين سنة حتى زوال حكمه .. أسأل الان : لماذا لم يؤرخ عبد الرحمن منيف ذلك ؟ لماذا لم يقل كلمة حق ازاء المستر كولبنكيان الذي افاد العراق والعراقيين من الخمس بالمائة ؟ لماذا لم يقل بأن صدام حسين بلع الاخضر واليابس وترك العراق هبابا يبابا ؟؟
اخطاء في تاريخ المرحلة : مشكلة الموصل
يقول المؤلف : ” .. أما اتفاقية سان ريمو ، فقد اعطت نفط العراق لبريطانيا وفرنسا وخصت بريطانيا بالانتداب على العراق لكن قيام الثورة البلشفية فضح هذه الاتفاقيات .. ” ( ص 95-96 ) . وكلنا يعرف بأن اتفاقية سان ريمو كانت قد وقعت في 25 ابريل / نيسان 1920 ، وان الثورة البلشفية الروسية قد اندلعت يوم 17 اكتوبر / تشرين الاول 1917 ، فكيف تفضحها وقد سبقت الثورة تلك المعاهدة بثلاث سنوات .. انه يقصد اتفاقية سايكس – بيكو ! ثم يكتب المؤلف من عندياته اشياء لا اساس لها من الصحة ، فمثلا يقول : ” ولكن الولاية ( = الموصل ) تضم بين سكانها مجموعات عرقية متعددة ، فقد حاولت الاطراف المتنازعة ان تعزز مواقعها وان تمالىء اكبر عدد من المجموعات العرقية ، كي تكسبها الى جانبها ، الامر الذي استدعى تدخلات كثيرة واستطلاع آراء من قبل لجان متخصصة سميت عن عصبة الامم ، او من بعض الدول التي عرضت وساطتها ، مثل الولايات المتحدة ، والتي اصبحت شريكة في هذا النزاع بمرور الوقت وليكون لها في النهاية نصيب في الثروة النفطية ” ( ص 96 ) .
ولكي اجيب على مثل هذا التزييف للتاريخ والاحكام البليدة ليعلم الاخ المؤلف بأن الموصل ولاية عربية قديمة تنتمي الى العراق منذ عصر سحيق ، وانها قاعدة بلاد الجزيرة الفراتية وهي جزء علوي شمالي من بلاد ما بين النهرين وكانت تضم على امتداد التاريخ اعراقا وقوميات واقليات متآخية متعايشة في المدينة والريف .. في الجبال والسهول والهضاب والبوادي . لقد كان انبثاق لجنة تقصي الحقائق عن عصبة الامم بمثابة صمام الامان يضمن عراقية الموصل التي كان الاتراك بدأوا يطالبون بها بذرائع واهية .. وكان عمل افراد تلك اللجنة الدولية معرفة التوزيع السكاني ومعرفة الانتماءات السكانية سواء للعراق ام لتركيا وهي من انجع الوسائل الدولية في بدايات القرن العشرين .. وبقيت اللجنة الدولية تتدارس طويلا ميدانيا اوضاع السكان وارائهم والحدود وتواريخهم وجغرافياتهم .. ولا ينسى فضل الموقف المشرف لابناء مدينة الموصل من خلال احزابها السياسية : الحزب الوطني وحزب الاستقلال ولجنة الدفاع الوطني في الاستماتة من اجل عروبة الموصل وعراقيتها .. فماذا يتكلم المؤلف في كتابه ؟ ولماذا تزييف الحقائق ؟ ولماذا لا نعترف فعلا بدور كل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية في ذلك الوقت من اجل ابقاء الموصل في اطار العراق ؟ لماذا نستخدم الاسقاطات المعاصرة على التاريخ ، واذا كانت امريكا مكروهة اليوم ، فلماذا يسقط المؤلف كراهيته على ادوارها منذ ثمانين سنة ؟.. وليكن معلوما ان كان المؤلف لا يدري بأن مواقف الولايات المتحدة في النصف الاول من القرن العشرين كانت ممتازة ازاء قضايا الشعوب وكانت تناصر قضايا عدة في العالم ازاء ما كانت ترسمه كل من بريطانيا وفرنسا ! وكنت أتمنى من المؤلف ان لا يخوض في هكذا موضوع من دون وثائق ومستندات تاريخية كتلك التي استخدمها المؤرخون المختصون ، امثال : فاضل حسين وانصح المؤلف منيف بأن يراجع مرة اخرى وبتمهل شديد ما كتب عن هذه ” المشكلة ” التاريخية التي لولا التدخلات الدولية لصالح عراقيتها لاستحوذت تركيا الكمالية عليها خصوصا وانها كانت اقوى من العراق كثيرا ، ولكان اصبح مصيرها مصير لواء الاسكندرون .. ولكن الاصرار العراقي والبريطاني ، وخاصة عند ابناء الاقليم وبالذات اهالي مدينة الموصل ودور احزابهم السياسية على تدويل القضية قد اكسبها ابعادا في كسبها الذي عد انتصارا للعراق كله . ان مهمة المؤرخ ان يكون حياديا وامينا من دون ان ينحاز ابدا من اجل تبرير تجاوزات جرت مؤخرا على عهد البعثيين ورئيسهم المخلوع صدام حسين .
الفريق بكر صدقي
يقول المؤلف : ” من صفات هذا الضابط ( = بكر صدقي ) الكفاءة العسكرية والطموح السياسي ، وباعتباره كرديا فقد كان يفكر ويعمل من اجل انشاء كيان خاص للاكراد في شمال العراق .. ” ( ص 108 ) . ويقول المؤلف ايضا : ” ولأن طموحات بكر صدقي باقامة كيان كردي في الشمال العراقي اصبحت علنية ومكشوفة .. ” ( ص 115 ) . وهذا هو الخلط بعينه وانني اتحدى المؤلف ان يأتينا بنص وثيقة واحدة تعلمنا بأن بكر صدقي كان يسعى لتمزيق العراق وانشاء كيان انفصالي كردي ! صحيح ان بكر صدقي من عرق كردي ، لكنه كان عراقيا صلبا ويعتبره كل المؤرخين الذين اعتنوا بتاريخه انه كان ضابط عراقي محسوب على المجموعاة الشريفية التي آمنت في البداية بافكار الشريف حسين بن علي ، ومن ثم كان لبكر صدقي دوره في تأسيس الجيش العراقي ، ولكنه وجد نفسه في تيار عراقي وطني يقف ازاء تيار عربي قومي في بنية الجيش العراقي – كما اشار الى ذلك المؤرخ حنا بطاطو – ، ولم يكن في نية بكر صدقي ابدا تأسيس اي كيان كردي في شمال العراق .. ولكن خصومه كانوا قد روّجوا ضده جملة من السيئات وخصوصا بعد مصرعه انه كان شعوبيا وانعزاليا عن العروبة وخصوصا بعد مقتل جعفر العسكري مؤسس الجيش العراقي اثناء انقلاب بكر صدقي الشهير في العام 1936 . وللعلم ، فان بكر صدقي كان هو الضابط القوي الذي يؤثره الملك غازي على غيره من الضباط العراقيين . واقول ايضا بأن النغمة التي يرددها الكثير من الكتاب العرب المعاصرين بأن الاكراد انفصاليون انما هي فرية واكذوبة يوظفونها من اجل تمزيق وحدة العراق المصيرية ، ويدخلون انوفهم في ما لا دخل لهم به ، فالعراقيون العرب وانا منهم يعترفون بأن اخوتهم الاكراد العراقيين هم ملتصقون بالعراق التصاقا قديما وقد اثبتت الاحداث بأن مصيرهم هو مصير كل العراقيين .. ولقد انجب العراق العشرات بل المئات من الشخصيات الكردية المدنية والعسكرية ومن المثقفين والاداريين والمبدعين المخلصين للعراق وترابه وكلهم كانت لهم ادوارهم الوهاجة في تقدم العراق الحديث .
مصرع الملك غازي
يقول المؤلف : ” وهكذا دبرت عملية اغتيال الملك ( = غازي ) في ليل بهيم من قبل بعض خدم القصر وبادعاء ان عمود الكهرباء سقط على السيارة التي كان يقودها الملك .. ” ( ص 116 ) . ويقول ايضا : ” وكان بطلها الضحية غازي وفرسانها نوري السعيد وعبد الاله والملكة عاليه ” ( ص 116) . وفي مكان آخر : ” وقد اشترك في هذا الاغتيال ثلاثة : نوري السعيد والملكة عالية والامير عبد الاله .. ” ( ص 151) . ويقول عن نوري السعيد : ” خاصة بعد ان انكشف دوره في تصفية الملك غازي ، وبداية ارتقائه درجات السلم نحو الموقع الاول في السلطة ” ( ص 155 ) . اما الشهادات التي اعتمد عليها فكانت لناجي شوكت الذي قال : ” لا يستبعد ان يكون .. ” ( ص 117) وتوفيق السويدي الذي لم يتهم احدا ( ص 117 ) وصلاح الدين الصباغ الذي اتهم عبد الاله ونوري باصبعه ولكن الصباغ كتب ذلك في فرسان العروبة في العراق بعد حركة 1941 اي بعد ان انقلب من صديق وفي لعبد الاله الى عدو لدود .. ويكرر المؤلف اتهامه لنوري بقتل غازي ( ص 167 ) . نعم ، لقد راجت اشاعات لا حصر لها ضد نوري وعبد الاله كما روج البعض عن دور للملكة عاليه وروج آخرون لدور قام به الانكليز .. وكتبت دراسات وكتب وبحوث ولكن حتى يومنا هذا لم يعثر على اي وثائق دامغة تدين اي طرف بقتل الملك غازي . ان مشكلة المؤلف ليس في ترويج مثل هذه الاشاعات والاقاويل ، ولكن وجدناه يكتب عن اشخاص وكأنهم فعلا قد قتلوا وغدوا في عرفه مجموعة قتلة !! ويعيد ويكرر من دون استخدام اي عبارات توحي بشكوكه كمؤرخ .. فالمؤرخ الحقيقي لا يمكنه ابدا ان يحّول على مزاجه مجموعة اتهامات الى حقائق وادانات من دون ان يطلعنا على حقائق ثابتة .. وكل الذين كتبوا في الموضوع تكهنوا بحدوث مؤامرة دبرت لقتل الملك .. ولكن من هو القاتل الاساسي ؟ انني اتحدى المؤلف ان يأتيني بتلك الحقائق ! وعليه ، فلا يمكن ان نوزع الاتهامات على اناس نكرههم ونمقتهم ونحن نجهل حقائق التاريخ ! ولا يمكن لضميرنا ان يقبل جعل التاريخ محطة لرمي كل احقادنا وكراهياتنا عليه ! ولا يمكن تشويه ذلك التاريخ الذي ستقرأه الاجيال القادمة .. ويمكن ان يتحول عندها ما تقرأه من الاكاذيب الى حقائق ! اما ما ذكره المؤلف عن نوري السعيد وبداية ارتقائه السلطة ، فلقد اخطأ مرة اخرى ، اذ لابد ان يعلم المؤلف بأن نوري ترأس اول وزارة له في عهد فيصل الاول .. كما وكان نوري وراء توقيع معاهدة 1930 وتطبيقها قبيل رحيل فيصل العام 1933 التي ادخل العراق بموجبها عصبة الامم بعد ان نال استقلاله الشكلي . وعليه نقول بأن لا اثباتات ملموسة ولا قرائن محسوسة منذ مصرع الملك غازي حتى يومنا هذا تؤكد المؤامرة التي يلوكها الجميع بأن غازي قد رحل بعد تصفيته ! ولا دلائل قانونية فعلية تشير الى اشتراك نوري او عبد الاله بتلك المؤامرة ؟ فكيف يمكن لكاتب مرموق مثل عبد الرحمن منيف ان يغّلب فيها كراهيته للهاشميين ونوري السعيد ولا يقتصر على اتهام عبد الاله ونوري بقتل غازي ، بل يجازف باشراك الملكة عاليه زوج غازي بقتل زوجها ، وهذا اتهام باطل وقذف وطعن لا اساس له من الصحة ان لم نتأكد تأكيدا وثيقا ! ولا يمكن الاعتماد على الخصم في لصق الاتهامات . ان مصداقية اي كاتب في هذا الوجود لا يمكن ان تبقى ثابتة لا تهزها الرياح الا من خلال حفظ الكاتب نفسه من الوقوع بفوضى القيم وتغليب الكراهية على تحكيم العقل .
المعارضة العراقية لصدام حسين
يشن المؤلف هجوما سياسيا كاسحا ضد المعارضة السياسية العراقية لحكم صدام حسين ونظامه ، وهو هنا كما في اي مكان من كتابه ، يخلط التاريخ بالسياسة ويخلط البدايات بالنهايات ويخلط المفاهيم بالوقائع .. وعمله كله من اوله حتى آخره مجرد تجميل بالنظام السياسي السابق وبالتالي تنزيه صدام حسين وحكمه للعراق . دعونا نتأمل قوله واحكامه العامة : ” وعلى ظهور الدبابات الامريكية دخل المعارضون الاشاوس ، وافترضوا ان ساعتهم قد حانت كي يحكموا العراق ، لكن الاجتماعات التي عقدوها على اطراف الصحراء ، وبالقرب من اور التاريخ ، لم تمكنهم من الاتفاق على شيىء ، كما ان اميركا أخذت تسحب اعترافها بهم شيئا فشيئا ، واصبحوا ، كما يقول المثل البغدادي ، مثل معايد القريتين ، فلا الشعب يعترف بهم او بدورهم ، لأنهم ليسوا موضع ثقة بعد ان تربوا في احضان اجهزة المخابرات ، واميركا لم تعد بحاجة اليهم بعد ان استلمت كل شيىء بنفسها ، ولم يعودوا قادرين على تقديم خدمات لها ، لأنهم بلا جذور . ومثلما نسوا الوطن طوال سنين ، فقد نسيهم الوطن ، واصبحوا يحّنون من جديد الى الملاذات التي كانوا فيها ” ( ص 24-25 ) .
ربما كان الرأي السياسي لعبد الرحمن منيف هو الذي كان يعّبر عنه صدام حسين ونظام حكمه السابق ، وليس دفاعا عن عراقيين كانوا يسمّون انفسهم معارضة لأنني لم اكن منخرط في اي فصيل او حزب عراقي معارض ، بل بقيت مستقلا عن كل الفصائل والاحزاب .
.. ان عبد الرحمن منيف لم يقّدم دليلا واحدا لقول كلمة حق فيمن اجرم بحق العراق والعراقيين وكل الامة العربية ! ان عبد الرحمن منيف لم يكتب كلمة واحدة تدين كل الاعمال المخزية التي انتجها صدام حسين ولم اجد له كلمة رثاء واحدة لالاف العراقيين الذين يرقدون مع ملابسهم الرثة نساء وشيوخا رجالا واطفالا في المقابر الجماعية ! كيف لنا ان نقرأ بعد اليوم اعماله الابداعية اذا كانت منطلقاته قد افتقدت كل معاني الانسانية ؟ واقول للحقيقة بأني كنت اعجب دوما بأعماله وبرغم اختلافي معه في روايته التاريخية ” ارض السواد ” وخصوصا في جانب المعلومات التاريخية عن العراق في القرن التاسع عشر ، فقد كنت ابرر له ذلك لأنه كان كاتبا روائيا له الحق في توظيف المعلومات التاريخية كيفما شاء ، اما ان يغدو كاتبا سياسيا ولم اجده منصفا ابدا ولا صاحب موقف حيادي على الاطلاق فان ذلك يمثل منتهى الضياع ويا للاسف الشديد ! كيف لنا ان نقول بأن الرجل قد حمل في جوانحه ضمير العراق وقد صمت صمتا ابديا عن هول وبشاعة ما احدثه النظام السابق ؟؟ واذا كان يكتب هوامش في تاريخ العراق فأين هي ادانته لغزو الكويت ؟؟ وأين هي ادانته لصدام حسين الذي حكم العراق بالحديد والنار ؟ وبأي حق يعترض ويسفّه المعارضة العراقية وينعتها بالنعوت القاسية وكأن ملايين العراقيين المعارضين في الداخل والخارج لا قيمة لهم كالذباب في عينيه ؟؟ هل ان المعارضة السياسية العراقية يمثلها بعض رجال ونسوة يسمونهم باعضاء مجلس الحكم الانتقالي ، ام انها تتكون من ملايين العراقيين الذين ذاقوا المرارات والويلات في دواخل الوطن الصعبة وشتات العالم الموحشة .. واذّكر الرجل أنه في الوقت الذي كان اولئك البشر من ملايين العراقيين يعانون كل القساوات والتعاسة والالام كان هو يعيش معززا مكرما بين بغداد ودمشق .. وعليه ، فكم وددت منه ان يصمت كما كان دائما او ان يكون منصفا وامينا وحياديا في كتابه الذي تسّرع جدا في كتابته ونشره .. اذ توّضح جليا بأن البكاء والولولة والعويل للعديد من الاخوة العرب المعروفين ليس على وطن ثمين اسمه العراق ، بل على رزق مفقود بالعملة الصعبة انقطع بعد ان كان يجري بالملايين لعشرات السنين .
واخيرا
وآخر ما يمكنني قوله في هذه الجولة النقدية بأنني اقدّر عبد الرحمن منيف واحترم ابداعاته الروائية كلها وأقدره كواحد من امهر الادباء العرب المعاصرين ، ولكنني اختلفت معه في اصداره لمثل هذا ” الكتاب ” الذي لا معنى له ابدا ، واذا كان يريد منه تشجيع ما يسمى بـ ” المقاومة ” العراقية ، فلقد اختلطت الاوراق اليوم اختلاطا عجيبا بعد العمليات الارهابية المقيتة ضد ابناء الشعب العراقي ومصالحه الحيوية كما وتطال ايضا مؤسساته وخدماته ومدارسه ومراكز شرطته .. الخ خصوصا وان العراقيين هم الذين سيقررون مصيرهم في نهاية الشوط .. اتمنى على الرجل ايضا ان يكون صاحب كلمة سواء وان ينصف العراقيين جميعا ، فليس من باب اللياقة ابدا ان لا يعلن عبد الرحمن منيف في كتابه هذا عن ادانة واحدة لما ارتكبه صدام حسين من جرائم بحق العراقيين وما اكثرها ولا ينتقد ايا من الاخطاء والخطايا التي ارتكبت ايام العهد السابق ليأتي بكل الادانات والاتهامات للحكام العراقيين السابقين وللمعارضين السياسيين من صدام حسين وما اكثرهم .. ليس اولئك الساسة الذين تنوعت اتجاهاتهم وتياراتهم واتصالاتهم وسياساتهم ، بل الملايين من العراقيين الذين فروا او اضطهدوا او غرقوا او قتّلوا او اعدموا او اسروا او شوّهوا او افتقدوا او هجروا … الخ كما واتمنى على الرجل ان ينفتح صدره لمثل هذا السجال الذي حددت فيه بعض الاخطاء في المعلومات والتباينات في وجهات النظر .. عسى ولعل يتداركها في قابل الايام .

 

http://www.sayyaraljamil.com/Arabic/viewarticle.php?id=critics-20060328-880
( نشرت في ايلاف ، 8 – 9 نوفمبر 2003 ).