قراءة في مجموعة” قاموس العاشقين” لأسعد الجبوري

– إبراهيم محمود-

لعل الكاتب والشاعر العراقي أسعد الجبوري، أراد من مجموعته الشعرية( قاموس العاشقين- دار الينابيع، دمشق/2006)، أن تكون شاهدة، على مكانة العشق لديه إنما في الصورة المتحركة تلك التي تنمُّ عن تحولات العالم من حوله وداخله.

في ( قاموس العاشقين) نكون إزاء سياقات عشقية، إرهاصات قلب عاشق، منمنماته تلك التي تتجاوب وطابعها الموبايلي، وما يتصف به الموبايل” هذا الجهاز الخدمي والذي أدخل ثورة في عالم الاتصالات في العالم وبين بني البشر” من قدرة على تقريب المسافات بين الناس، بين شخص وآخر، وما ينطوي عليه من ميزة يتفرد بها في تمثُّل أدوار في الصوت والصورة، وحتى ما يمثُّله من غموض، يجعله أقرب إلى التأويل منه إلى التفسير، ولهذا، وكما يبدو، فإن الجبوري في عمله الشعري هذا، رغِب أن يكون كل الوارد فيه متجاوباً مع فكرة الموبايل، بدءاً من حجم الديوان، وهو بشكله المستطيل والصغير، والصورة الرمزية التي تتصدر واجهته، والإشارة التي تواجه الناظر أو القارئ بجوار العنوان، أي من جهة الإحالة إلى ما هو موبايلي(1000SMS )، حيث المودع في المجموعة 1000 مقطعاً شعرياً، أشبه برسائل موبايلية، وكأنّي به استساغ لعبة الموبايل، إنما في خدمة ما هو عشقي. لم لا، أليس الشعر هو تمثل تاريخه ليكون تأريخ التاريخ؟

 

لا بأس في الحالة هذه من التوقف عند هذا الديوان، أي القيام بممارسة تنقيبية وتأويلية لهذا العاشق المتواري وراء الكلمات أو في فضاء متخيَّل الشاعر، وهو مأخوذ بشبقيات الموبايل، إن جاز التعبير، إنما بغية استشراف مكانة الموبايل في عالمه الشعري، وموقع العشق فيه، من خلال تلك التمثلات المختلفة لما هو موبايلي بالاسم أو بالترميز، انطلاقاً من فكرة تمتلك بعضاً جلياً من وجاهة الطرح والمساءلة والمقاربة معاً، وهي طزاجة مفهوم الموبايل في تجلياته الشعرية عشقياً، وذلك عندما يكون العشق ذاته بوابة كبرى لخاصية الشعريّ، وتحفيزاً للشعر في أن يتعدد وجوهاً وأصداء معان ٍ، وإعلاماً بأن ثمة دائماً ما ينتظرنا ويغبطنا، أعني سعادة الروح بشعر هو خميرة ممرَّرة موبايلياً، أو هو موبايل يؤاخي بين الجهات.

 

 

فكرة القاموس: قاموس الفكرة

 

أن يرِد المتعلق بالعشق، من خلال اسم علم جمعي: العاشقين، كما هو المتداول اليومي وحتى العامي أحياناً، استجابة للروح الحية والمعاشة في وسطنا الاجتماعي، في حيثيات” قاموس”، فإن في ذلك نوعاً من رد الاعتبار للكلمة، من خلال ارتباطها بما هو لغوي عام، وما يقبل التصنيف والتراتبية بالمقابل، وحتى ما يفيض عن مفهومها، كون العشق أكبر مما هو قاموسي، بقدر ما هو أكثر استنارة منه، إنما يلتقيه فيما يستمر به إشكالاً متجدداً، حيث إن القاموس لا يأتي إلا في أعقاب سيرة حياة لغة في تاريخ مرسوم، ومجتمع مسمَّى، كما لو أن القاموس يحيل قارئه إلى المتفرق أو المشتت، أو المتداخل، أو ما يحتاج إلى لائحة اعتبارات جمالية وذوقية في تسلسل كلماته ومنهجه في الكتابة، دون أن يغلق الباب، لأن القاموس ليس محك ما يحتويه، إنما هو إجراء تقويمي أو ترتيبي لكلمات بحسب أهميتها أو دلالتها أو مكانتها، انطلاقاً من ثقافة صاحبه، حسب القاموسي أن ينجو من النقد، كما هو معروف، وحسب العاشق في إهابه الشعري، أن يقول شيئاً، ويثبته وأن يلقى أسماعاً، ليكون الشعر شعر شاعر واحد، والعشق منظور إليه في عمومه، ولكنه يحمل بصمته، وكأني بالشاعر فيما يتمثله عشقياً، داخل في رهان التحدي مع ذاته العاشقة، والعاشق الآخر، وما يلقى لديه من أذن مماثلة.

 

إن ما أعرفه، أو ما اعتقده معروفاً لدي، هو أن ثمة تجاذباً ضدياً بين كل من الشاعر وعشقه، في اللحظة التي يحاول فيها تحويل هذا المخبَّأ أو المبثوث داخله إلى كلمات ذات معنى، بما أن العشق في أعمق مشاهده عصي على التمثل اللغوي، لأن العشق حالة ما قبل اللغة التي تستهدف النيل من اللامحدد أو السرّي، حتى بلغت درجة عالية من التفنن والمكرية في استدراج مشهديات العشق في الداخل، لتتمكن من الإحاطة به، وتدوينه كما لو أن حقيقة العشق هي في المسطور.

 

أكثر من ذلك حين يحاول الشاعر، وكونه شاعراً أن يمارس لعبته الفنية في جعل المنطوق ميتا عادياً، لغة أكثر كونها لغة من خلال طابعها الجمالي أو الفني، وأن يتقدم بذاته الشعرية باعتبارها تؤدّي مهمة معتبرة فائقة الوصف وهي أنها لا تتوقف عند حدود ذاتيتها إنما تروم ما هو عام، وما من أجله يشعر كل شاعر أن المرسوم باللغة يعنيه ويعني غيره.

 

في ضوء هذا الاعتبار لا يبدو على الشاعر أنه يستنفد فرص التعبير ومعاودة ذات المفهوم، وكذلك السعي المستمر ولو بطرق متنوعة، للالتفاف على موضوعه، مدخِلاً المكر المجاز في ذلك، ليكون في مقدوره تحقيق المبتغى أكثر فأكثر.

 

وفي حديث المكر الأدائي ضرب من ضروب المغامرة الشعرية الغاوية، لنصرة عاشق مدنف أو من تملَّكه العشق، وهو يحاول التخفيف من “مصابه” العشقي، أو رؤية طريقه ليستعيد عافيته مع محبوبه، ويكون أكثر وضوحاً وصفاء.

 

وفي ( قاموس العاشقين) نجد التفافات ومناورات واستراتيجيا التمثل الدلالي لصور وأطياف ورموز لذات المقصد: أي العشق، رغبة في إنجاح مسعاه الرغبي: أن يزداد قرباً من عاشقه أو معشوقه، أو تتقلص المسافة بينهما، دونما هوادة، ودون طائل بالمقابل، حيث إن الشاعر ليس من وظيفته أن يضع مخططاً لعاشقه أو لعاشقيه، وإلا فإنه سوف يصبح رجل مشاريع عشقية أو تعهداتياً، ليبوء عمله الفني بالفشل الذريع، كون الشعر لا يؤمّن دواء لداء يبتلي به أحدهم في سياق الأدب أو الفن أو الشعر تحديداً، إنما يمعن النظر في ذات الداء، ليتخذه موضوعاً يبرع في تبين مأسويته ونفاذ فعله في الإنسان، عدا عن أن الشاعر هنا لا يؤدي دور الطبيب إنما الوصَّاف الذي يشجّع على” معاقرة” العشق كداء نبيل.

 

وربما ما قاله رولان بارت في كتابه( شذرات من خطاب في العشق- ترجمة: د. إلهام سليم حطيط- حبيب حطيط، الكويت/2000)، حول العاشق وما يميّزه، يفيدنا هنا( يتساءل العاشق، ليس عما يحب قوله للحبيب( ليست صورة الاعتراف) بل كيف يمكنه تخبئة” اضطرابات”( مطبّات) عشقه: رغباته وضيقه، أي باختصار اندفاعاته.ص48).

 

والشاعر عاشق بامتياز، أو عليه أن يكون عاشقاً فوق العادة، وإلا لبطُل أن يكون شاعراً، وخصوصاً حين يتناول موضوعاً عشقياً، وخصوصاً أكثر حين ينهمُّ بوضع قاموس تذوقي للعاشقين عموماً وليس لعاشقين محددين، وبالتالي فإن عشق الشاعر هو شعره هذا الذي يتجاوزه، ويصيبه بالحيرة وبالجذب ليكون أكثر مكاشفة لهذا الأثر الحرّيف للعشق.

 

يتداخل المجسَّد موبايلياً، مع الطريقة التي يؤدي الموبايل وظائفه المركَّبة: من أداء دور الهاتف، إلى خزن معلومات معيَّنة، إلى تقديم معلومات ذات صلة بالأحداث، تبعاً لنوعية التصميم والجدة له، وما في ذلك من مفاجآت، بما أن الموبايل يمتلك القدرة على المباغتة باستمرار، وما يناظره في الجانب الآخر: الشعري، كما لو أن الشعر يعرّف بنفسه شعرياً، من خلال الاختزال أو التوميض في المرسَل الشعري، أو ما يخص مفهوم” الميسِج”، وخاصية الميسج في التعبير عن أمور مختلفة بأقل قدر ممكن من المفردات، إنما في المرتقى الفني، وما يعنيه التكثيف هذا من معاينة للموضوع، وبالتوازي مع الحدث التخيلي، وإبلاغ الآخر: المتلقي بأن ثمة شيئاً مغايراً للمقروء، يمارس طابعه الإيحائي والدلالي روحياً، وفي الوقت الذي يميط المرسَل اللثام عما هو مستجد، وحتى مستفز إيجابياً، باعتبار ذلك ترجمان أحوال حيوات في الأفق المنظور.

 

إن الشعر هنا ينسّب نفسه إلى المستقبل، بسوية لافتة، بقدر ما يكون الراهن تحدياً له، وعلى طريقة نهرية في سريان فعل مؤثرته الجمالية، وكأني بالشاعر فيما يأتي به يمارس لعبة مستحدثة، تماشياً مع الطارئ والمختلف وتوقاً إلى الأجمل.

 

أليس الموبايل معبراً إلى التخومات القصوى، وإشعاراً بأن الموعود به شعرياً، لا يمكن نفاده، إنما يتعزز الارتحال إليه؟

 

إلا أن السؤال الذي نعتبره ضرورياً، ومن حق القارئ هو: هل المهمة التي تكفَّل بها الشاعر ذاتياً، أو كلّف بها نفسه كان مؤدياً للهدف المنشود؟ إن الجواب، والذي نعتقده مرتبطاً بمغزى المجموعة الشعرية، وبعمل الجبوري، هو أنه غير معني بسؤال كهذا، بما أنه شاعر أساساً، وأن ليس لدى الشاعر سؤال يشغله بدايةً ونهاية، ربما كونه سؤالاً معيارياً، وأن الذي تحقَّق لديه هو أبعد من حدود المعيارية، إنه منجَز فنّي بجلاء، ولهذا فإن السؤال الذي يستحق الطرح هو: إلى أي درجة يمكن لقارئه أن يشعر أن ثمة حضوراً لعشق سابر، عشق يصله بما هو موبايلي، وأنه تمكَّن في أن يموبل” من الموبايل” صوره الشعرية الخاطفة أو الوامضة، وأن يأخذ بقارئه إلى فضاء المتخيل الشعري، ومعايشة متعة المدوَّن لغوياً.

 

في هذا السياق، يكون العدد المتعلق بذات المقاطع الشعرية من جهته قابلاً للمساءلة، وهو: لماذا ألْف، وليس أقل أو أكثر؟

 

إذ إننا نجد أنفسنا إزاء عدد مركَّب وزوجي، عدد يفصل ما بين ما قبله وهو مكوَّن من مرتبتين، وآخر، يضاف إلى هذا المتوقف عنده، أي ألف، بأصفاره الثلاثة! هل لأن الذي ضمَّنه المتخيَّل هو الجانب الزوجي وما فيه من مفارقة الجنسانية، إذ يُستدعى كل من الذكر والأنثى، أو الرجل والمرأة، أم إن ذلك متروك للبواعث الحسية والتذوقية للقارئ؟

 

ثمة في الذاكرة الجمعية مفهوم ( ألف ليلة وليلة)، وهو المفهوم الذي يعايش لحظة التوقف عند( ألف مقطع)، كما لو أن الشاعر أراد أن يقوم بعمل آخر يعنيه، مع ملاحظة اعتبارية وهي أنه على علم بحقيقة الواحد على جهتَيّ الصفرين، أعني بذلك ( 1001)، وإحداث تأثير مغاير في الذاكرة الجمالية، ليس أكثر من رغبة الشاعر في الاختلاف بحضور أنثاه.

 

ولعل الناظر في موبايلياته، أو مقاطعه الموبايلية، يلاحظ أن ثمة نحو خمسين مقطعاً موبايلياً، إلى جانب مقاطع أخرى تقابله، منها ما يتعلق بالهاتف( أكثر من عشرة)، دون نسيان خاصية الموبايل أكثر من خلال المقاطع الأخرى التي تضمنت مفردات من نوع( الشاشة)، و( البطارية)، و( الصوت)، و( الخليوي)، و( المحمول)… الخ، فهل كان المقصد هو إمكان التقابل أم التحويل أم التنويع في وسيلة الاتصال، مع فارق المأثور التذوقي في كل حالة؟

 

إن كل ما تقدَّم يُبقي الموبايل” سيد الموقف” في واجهة الحدث الشعري التخيلي وفبركة الصورة الشعرية، وهي المقاطع التي تتباعد وتتقارب فيما بينها، كما جاءت مرقمة، كما في الشعور الحادث لحظة النظر في هذه المقاطع والمسافة الفاصلة فيما بينها( 3-4-9-21-92-114-162-163-168-171-173-175-180-181-187-192-197-282-297- 345-349-465…الخ)، حيث إن المقاطع التي رتَّبتها تبعاً لورودها في الديوان، تضمنت مفردة الموبايل بصياغات مختلفة، ولكنها، أي المقاطع، جاءت لتنمُّ عن ذائقة شعرية يصعب اكتناهها، أو البت في حِكمة ورودها بالصياغة التسلسلية هذه، ولماذا جاءت موزعة هكذا، أم كان ثمة مخطط لدى الشاعر ليتصرف مع موبايله وصدمة الموبايلية الشعرية؟

 

هذه أيضاً إشكالية المكاشفة الدلالية، وشهادة الموبايل المصاغة شعرياً، ونوع الباث فيها، وصلتها بحالته النفسية، أو أي وضعية نفسية كان عليها لحظة كتابة كل مقطع، سواء في جملة واحدة أو اثنتين أو أكثر، كما سنرى، وتحديداً عندما ننتقل إلى نهاية الديوان، وذلك الحضور المكثف للكلمة إذ التتابع قائم فيها(972-977-982-983-988-997-988-999)، ليكون المقطع الأخير ذاته مجنَّساً موبايلياً بقوله( أينما ذهبت يا حبي- فأنت محمول في هاتفي المشفَّر)، لأنه يعنيه وحده، بقدر ما تكون الحالة الشعرية مسمّية إياه لا سواه، وليكون الاسم المشفَّر لأنه خاصية الحبيب، مقابلاً للصورة العائدة إليه في المفتتح القاموسي رقم”1″( ما أن تملأ صورتك الشاشة- حتى يبدأ قلبي بالتبخر)، وبين الصورة التي تستشرف جلاء أمر الحبيب: العاشق، والصورة التي تلغي صورته وتتحفظ حتى على الاسم، لأنه من ذاتياته، تكون ثمة لعبة شعرية.

 

إن الموبايل ليس مجرد جهاز الكتروني أو تقني فقط، إنما يصطبغ بأهواء وميول ومزاجيات الشاعر في صفحات الديوان، باعتباره عاشقاً لا يهدأ، أو كون العشق لا يستقر على حالة معينة لحظة النظر في الموبايل وقد اتخذ هيئات ومجازات واستعارات، وأُخرِج من قيافته المادية، وأُلبِس أكثر من معنى تلويني أو تشكيلي، كما هو مقتضى المغامرة الشعرية.

 

في المقطع الثالث نقرأ( لا تغلقي الهواء بوجهي- دعيني أطاردك ِ في حدائق الموبايل- وأحلم بالعنادل)، لنقرأ ثمئذ في الرابع( ما لون هواك في الموبايل- ليتلطخ قلبي بكل ذلك الطلاء الأرجواني.).

 

بين المشهدين الواردين في مقطعين متسلسلين، ثمة الفارق بين حالة رغَبية موجهة، جهة مخاطبة العاشق، لحظة اتخاذ الهواء عامل ربط، وتفاعل، وكون الهواء متنفساً أو لصيقاً بالتنفس، إزاء الضرب الآخر من المقرَّر وهو المتمثل في الرغبة بأن تفسح تلك لعاشقها ما هو مشتهى لديه، وهو دائماً الفاعل والمقرّر ومدوّن الخبر، وجامع مفردات العاشقين كذكور طبعاً، أي أن تكون هناك فسحة لافتة وغنّاء، حيث حدائق الموبايل، وما تستحضره هذه من طير كالعنادل، وصفة العندلة في الموضوع على صعيد التمثل الصوتي والطيران، وما في ذلك من محاولة تشكيل المختلف واللذيذ في العلاقة، خلاف التالي، أي حين يكون إزاء سؤال دون السؤال، لعله استفسار، حيث غابت إشارة الاستفهام، عبر مكاشفة اللون للهوى، وهو غير ممكن، ولكنه الممكن الشعري وحده، ويكون الطلاء الأرجواني ومزجيته التعبير عما هو متألق ومفعم بالحركة أو الحيوية، وحكمة المكاشفة، وما في ذلك من مسعى تخديمي، ليكون القلب في مقام اللون المقدَّم، معرَّفاً به.

 

كأني بالرسالة الموبايلية تؤدي أدواراً تمارس المزيد من المجازات وحتى خوض غمار المغامرة الشعرية في لعبة مفتوحة، وهي لا تصل، أو لا أظنها تصل، ولن تصل، لأن عليها ألا تصل طبعاً، كونها غير موضوعة في خدمة مواطن ما باسمه، وغير عاهدة إياه بذلك،بما أن العاشق هنا في حالة غفل عن الاسم، وتلك تيمة العشق لدى الشاعر، كونه لا يسمّي عاشقه الذي في مقدوره أن يشير إلى أي عاشق دون أن يبتَّ في أمره، سوى أنه يضعه في مواجهة مصير ذاتي، أي ما يعتبره عشقه، ومن يكون موضوع عشقه، لأن لا توجيه مسبقاً، أو محدَّداً لخط سير الرسالة أو عنونة العاشق، حتى بالنسبة لقاموس العاشقين، يكون المبتغى هو أن يتفاعل القارئ مع مناخات عشقية، أن يضطلع على أحوال عاشق ما، غير محدد زماناً ومكاناً، إلا من خلال المحال عليه موبايلياً أو تحت رعاية وموبايلية، لأن البحث عن الاسم والعنوان والمرسل أو المرسل يكون من شأن مؤسساتي أو إعلامي، والشاعر يوسّع في حدود العلاقة، ليبقى العشق شغّالاً للمعني به .

 

ذلك ما يحاول الشاعر إرساء قاعدة متحركة له، أو رسم حدود غير مستقرة، على قارئه أن يعاينها بدرجة عشقية ما، هي التي تقيم فاصلاً مأخوذاً به بينه وبين آخر، وفي هذا التنوع يحضر العشق، ويكون القاموس أكثر من صنعة أثر قائم!

 

إن الموبايل هو بناء عالم في قلب عالم، بل ربما أمكن القول أنه محاولة التحرك صوب عالم موبايلي، لعله صنو المدينة الفاضلة بمعايير العاشقين ليس إلا، وخصوصاً حين يُتَّخذ الموبايل وسيلة أو إشارة مرور وعتبة لرؤية هذا العالم المختلف، وكونه قابلاً لأن يستجيب لأكثر من تمثُّل رغبة، وفي تشكيل المشاهد الحسية على قاعدة موبايلية، كما في قول الشاعر

 

(كصحراء نيفادا- هكذا موبايلي يكون بعد نفاذ البطارية- مقطع171)، حيث إن البطارية بمثابة القلب للجهاز الخليوي، وأنه في نشاطه العملي يشابه ذات القلب، بقدر ما يوفّر غطاء آمناً لصاحبه في أن يستمر ” ينبض” في نسج خيالاته.

 

وهذا ما نتلمسه في المقطع”982″، والمرتجى من الموبايل، تبعاً لحالته المؤنسنة( ما إن يصاب موبايلي بالحمّى- حتى أعرف أنك في غير عالمي)، لأن أي خلل يتعرض له الجهاز، يقلل من إمكانية الاتصال بالآخر: المحبوب أو المنشود، ولأن الحرص عليه هو دوام التفكير بنجاح وغبطة بالآخر ذاك، لا بل إن سلامة الجهاز هي التي تضمن سلامة حامله: العاشق أو الداخل في حوار عشقي مع الآخر: منتظره أو مشاركه في الخاصية الموبايلية، وهو الهاجس الذي يتوافر في أكثر من مقطع، كما في المقطع”978″( أشحن قلبي بلمستك ِ- ولا حاجة للبطارية بعد اليوم)، وهو الذي يمثل حالة نكوص عما تقدَّم، أو إلغاء لعقد وخيانة ما له، لأن القلب النشط لا يمكنه أن يؤدي مهاماً موبايلية، إلا إذا أعطيَ دوراً مجازياً أو تمثَّل الموبايلية في التخاطر عن بعد ومعايشة الآخر وجدانية، ويتكرر ذلك في المقطع” 995″، إنما هذه المرة عبر الإشارة إلى قلب المحبوب أو العاشق، وما في ذلك من تسمية أدوار، أعني من تمرير رغبات موبايلياً في الواقع، وما يجعل الواقع رهن إشارته الشعرية طبعاً( ما حاجتي للبطارية بعد الآن- وقلبك معي).

 

في الحالات كافة، سواء جرى التنويه إلى قلبه أو قلبها، أو أي قلب آخر، فإن ذلك عائد إلى مناقبية ماثلة للعيان وهي التي تسمّي الموبايل، وفنون الموبايل، ليكون هذا النشط خيالياً بمحفّز موبايلي، لولاه لما كان المختلف في( قاموس العاشقين).

 

إن هذا الولع الموبايلي، استهدافيٌّ واستكشافي في آن، لأنه يروم عبر الموبايل ما يمكّن صاحبه من التحليق عالياً في فضاء المشتهى، كما لو أن الموبايل قبعة الإخفاء في الانتقال من مكان إلى آخر، أو بساط الريح في التحرك عبر مسافات طويلة، لأن الرغبة التي يسمّيها الشاعر غير مدينة ومنسوبة سوى إلى ذاتها، وأن القيمة الجمالية وحدها تجلو فاعليتها الفنية.

 

إن الصور المتداخلة هي أوراق الشاعر في عالم تخيلاته، بينما يكون الموبايل المفتاح ليكون انتقاله أو تحوله إلى الجهة التي يريد أو يرغب، وما رحابة عالم أدواته ومشهّياته إلا ذائقاته الشعرية وفتوحاته الدلالية الفائضة على القاموس.

 

في المقطع” 180″ حين يقول( الموبايل كرسي ملوكي- ووحدها صورتك على العرش تمضي)، لا أظنه معنياً بالسؤال الزمكاني لقارئه، إنما ثمة مرجعية وحيدة تعينه في بث مؤثراته على صعيد المفردة الشعرية وتضميناتها الرمزية:

 

عند ربط الموبايل بالكرسي الملوكي وتكريس سلطة نافذة، وعند ربط صورتها بالعرش وهي تتحرك، كما لو أن الصورة تلك هي دمغة، أو إمضاءة الشاعر، وأن الذي يثيره هو ما يعلِمه وينثره جمالياً في إهاب التقابلات أو التناظرات.

 

ذلك ما نتلمسه في المقطع التالي” 181″( يطالب العاشق بحضانة صوتك- قبل أن يشيخ خارج الموبايل):

 

أن يكون العاشق في موقع الحاضن، والصوت في موقع الطفل الطري العود، فإن ثمة تبنياً له، وهو التحديد الزمني أو عين المهلة الزمنية لهذا الموعز إليه، قبل فوات الأوان، من خلال مفهوم الشيخوخة، وطالما أن الموبايل يعلِم بذلك.

 

تلك هي اللفتة الشعرية الكريمة لعاشق كريم بأعطياته القلبية، لمحبوب مكرَّم بفيض مشاعر العاشق، لجهاز كريم بدوره لا يتوانى عن تلبية نداءات العاشق، لحظة الاستعداد لطلبه، والآخر يكون على الانتظار مهما بعدت المسافة، لنكون في مجتمع موبايلي، أو يكون لدينا كائن موبالي حديث العهد، أو ما يصح اعتباره حول أننا شخصيات مسنَّنة موبايلياً.

 

وإن تحدثنا بنوع من التوسع والتروّي أكثر، أمكن التشديد على خاصية لافتة، هي مدى قدرته على تحويرنا وجعلنا على نموذجه الذي يغطي كوناً، وما في الطرح الموبايلي أو سليل الموبايل هذا من نزوع فيتيشي أيضاً، جهة التعلق به، على صعيد تأصيل رغبات تترى ووسمها بما هو موبايلي، ولكنها الفيتيشية الجاذبة والخادمة في ضوء المعرَّف به خليوياً، كما لو أن هذا العشق الذي تفرعت حدوده، وتنامت مقاماته القلبية، إنما يتفيأ فضيلة الموبايل، ويؤنسن عالمه الضيافي ويجمّله، وما الشاعر إلا ناظر في أمر الموبايل، لكنه يخرجه على مقاس رؤيته الشعرية، لجعل قاموسه ملتقى دلالات مؤمثلة.

 

وهذا النظر يتوخى إمكان تحقيق الحد الأقصى من الكشف الشعري، كما هو دأب الشاعر الكاتب أو الكاتب الشاعر، يقيناً منه أن الكتابة ذاتها هي هواية المغامرة، أما الشعر فلعله مغامرة في قلب المغامرة، وحتى بالنسبة للذي اعتمده في طريقة تصنيفه لمكونات موقعه الالكتروني” الامبراطور” وما يعنيه الامبراطور من دلالة، وقد تمت فلترة الاسم، ليكون الاسم  الرحب معفىً من ضريبة المكاشفة الأخلاقية، كونه الامبراطور على صعيد الممارسة الثقافية وتعميقاً للمختلف ثقافياً.

 

في ( قاموس العاشقين)، حيث سؤال الحداثة الشعرية وما بعدها يطرح نفسه، ليس من جواب منتظَر، بقدر ما تكون لدينا حزَم إجابات مفتوحة على اللاتناهي، كرمى الشعر وطابعه المتعدي للحدود، وفي البنية الحداثية القائمة في الديوان، ثمة شافية تجلو خاصية الشعر، والرغبة في الإتيان بالجديد، أو البحث عن المختلف، كما هو شأن الموبايل ومرادفاته.

 

الموبايل موضوع شعري، وليس الشعر نفسه، وهو ممثَّل بقائمة طويلة من المعطيات التذوقية والمقدَّمة للآخر، وليس من تحديد أو تأطير لهذه المعطيات، كما في العلاقات المفعَّلة بين عناصر المقطع الواحد، أو كما في المناخ الهذياني الخاص الذي يسيطر على عموم مقاطع( قاموس العاشقين)، وهو الهذيان الذي يتقدم صُعُداً أو في أي اتجاه دون النظر خلفاً، كما لو أن مجرد النظر على طريقة” أورفيوس” يجلب الكارثة لصاحبه، ووفق هذا التصور، يكون لدينا هذا الدفق اللافت من المقاطع” الألف” وهو مرقَّم، بغية التوقف عند كل مقطع، ولكن دون إمكان البت في الطريقة التي تعامل بها الشاعر مع مقاطعه المختلفة هذه. ما إذا كانت كتابة هذه المقاطع جاءت دون ترتيب، ثم رتَّبها، أم اشتغل عليها في زمن غير معلوم بالدقة، من خلال الفاصل العددي بين مقطع وآخر، وما كان يُرجى في قول أو كتابة هذا المقطع أو ذاك.

 

ما يهم، بالنسبة للناظر فيها، هو ما جاءت به في طريقة التسلسل، وهي الطريقة التي تشرّع له في أن يتعرض لها بالبحث أو المساءلة أو المقاربة النقدية: السيميائية أو التأويلية أو الجمالية أو التذوقية…الخ، وهبَات الموبايل للشاعر.

 

إن الالتفاف أو الاصطفاف حول الموبايل يبرّره الوضع الانتاجي له، إن جاز استخدام هذا التعبير الاقتصادي، بما أن ثمة مقاطع كثيرة، بالاسم أو بالإحالة أو عبر الترميز، ترتد أو تنتسب إلى عالم الموبايل، ليكون هذا القاموس الاستثنائي في جلاء أمره معزّزاً بأثريات الموبايل، وما المقاطع التي وردت في صيغة رسائل نصية قصيرة، إلا إخلاصاً لهذا الكائن المؤنسن ووفاء له، بالطريقة التي تخيَّلها الشاعر، وفي السياقات التي أطلق العنان لخياله في أن يستشعر موبايلياً.

 

في لائحة من الأوصاف، يمكن معاينة جانب الاجتهاد في عامل الخيال الشعري لديه ومغامرة التوصيف، حيث المحقَّق على مستوى المبلَّغ عنه شعرياً هو الجدير بالتثبيت، كما في المقطع”282″( الموبايل مستشفى في اليد- الموبايل أرض اليكترونية تحررت بفعل نساء من غير فئة الحريم).

 

بين تعيين مكان إقامة لمعالجة أولئك الذين يحتاجون إليها، إنما هؤلاء لا يكونون في هيئة بشر مشخصين، بل في وضعية مشاعر وأحاسيس وانفعالات، والذين ينشغلون بأخبارهم أو تسقط أخبارهم هذه، من موقع تفاعلي طبعاً، وأداتية اليد في المصافحة وترجمة العلاقة حركياً، تكون اليد الفاعلة في ذلك، كونها تحمل الموبايل وباسمها أو طريقها يكون الاتصال بالذي يهمنا أمره، كما لو أن اليد هي التي تديرأمورنا موبايلياً، أو أن مواهب الموبايل تكتشَف عبر الأصابع وقبضة اليد، وفي الطرف الآخر وهو غير منفصل عن الأول ثمة عناصر أخرى يجري تأميم أنشطتها، وجعلها مناط العشق، عن طريق النساء اللواتي يستحققن شرف الاسم ومباركته، وليس الحريم هؤلاء اللواتي سلبن خاصية الذات المستقلة بأنوثتها، وما في الأثر من جانب تحريري وتوعية صحية أو حتى من تحريض على المجاهدة ومقاومة العالم الضيق سابقاً.

 

ذلك ما يمكن تلمسه في مغامرة موبايلية أخرى في المقطع”334″، حيث الطبيعة تمدنا بقوى كامنة وراعشة( صورتك في براري الموبايل- هي صورة من يؤرخ لليل والخيل- وصالون الجوكندا).

 

إذ إن الإحالة إلى البراري إحالة إلى العالم مطلق السراح مما هو كابوسي أو محمياتي في الداخل، هي التشديد على وضع إنشائي لعالم محرَّر من الضغوط والولاءات، بالترافق مع الجاري ضبطه أو تدوينه عبر تقصّي الليلي، وما يرتَكب فيه من جنَح أو آثام، ربما باسم الذكورة ضداً على المرأة، وما يستحضره إجراء كهذا من نشدان للحرية ومتعة الفن، حيث الحديث المقتضب جداً عن الجوكندا” رائعة دافنشي” حديث عن الفتح الجمالي متعدد الطيات والمسارات والأهواء.

 

وللأسباب الموجبة والوجاهية أصولاً، يكون هذا الإقدام على ما هو مشرَّع له، حين يكون التيمم صوب الجهات التي تدخل في عهدة الموبايل على صعيد الذبذبات، والموعود به دائماً، عندما يصرّح الشاعر لمن يحب ما يريد أن يكونه، أنَّى كانت هي، تجاوباً مع اللامحدود في أعطيات الموبايل في المقطع”564″( أنا عباد شمسك في الموبايل- في اللغة- وفي الفناء).

 

إنه الإعلان المباشر والصريح عن لحظة الولادة الشعرية، كما هو الإعلان عن لحظة نعي أو ساعة الوفاة، حيث الموت حبَّاً، طالما أن هذا الموبايل لديه كل هذه المواصفات، ويحقّق للعاشق ما كان يحلم به في أمكنة مختلفة ولحظة يشاء طبعاً.

 

الشاعر رهين الموبايل في الوقت نفسه، ولكنه واع ٍ لما هو عليه، وهو يحفظ وداً لموبايله، حتى في حالة صمته، ربما لأن صمته يعادل صمت النص الخصب، والذي ينطوي على الكثير من الموعود به، إذ إن صمت الموبايل ليس باعثاً على أي نوع من أنواع القلق أو مثيراً للسخط، ليجري انتقام ما منه، كون الذي يدَّخره في داخله لا يمكن الاستغناء عنه، كما ورد ذلك في المقطع”683″( لن أقتلك على صمتك أيها الموبايل- ففيك من الأرواح ما يحول دون ذلك).

 

كما لو مجرد المس بالموبايل يعني إلحاق الأذى بالذات في الحال، وما يصل هذه بأسماء أو أرقام من يهمه أمرهم داخل الموبايل، وذلك ما نجد له شرحاً آخر وتوضيحاً في المقطع”887″، وكيفية إضفاء بعد قداسي على المشهد المركَّب شعرياً، ولو في حالة مغايرة( موبايلي مثل نخلة مريم- أهزه وما من رطب لحبي- يتساقط!!).

 

هذا الأفق المفتوح لحسابات الموبايل وما لا يمكن حصره من الأوصاف، يعادل متعة الارتحال إلى اللغة وهي في أكثر حالاتها انفتاحاً على العالم، عبر تمثيلات لا تنتهي، والرغبة في منح المشروعية للموبايل لأن يحتفى به بالتالي.

 

إنه نوع من التأسيس لقدرات الموبايل، ولكنه التأسيس الذي لا يتوقف عند نقطة معينة، بقدر ما يكون العمل لصالح سلطة مخيال الشعر وليس سوى الشعر في عالم، كثيراً ما نشهد فيه تراجعاً لما هو شعري، أو انزياحات مأسوية له، كما لو أن هذا المعمول به، يمثّل بياناً عالي المستوى عن مآلات العالم الكارثية، حيث اختفاء الشعر هو اختفاء الكائن الجميل: القلب الذي يعمل ليل نهار، والقلب الذي ينبض على مدار الساعة، ولكنه يمنح الجسد عافيته أو القدرة على التحرك هنا وهناك.

 

ثمة الحديث عن قدرات الموبايل، عما يظهر به جهة التمثيل أو التحول، والشاعر ينوع في كشف حساب قدراته، كما في المقطع” 465″( أسهر تحت أشجار الذكرى- ومعي كآبة الموبايل تعوي في العظام)، حيث يجري الربط بين الذكرى التي تنمو أو تتفرع وما فيها من ظاهر وباطن، وما تستحضره الذكرى من كآبة، أو تسببه من ألم، لأن ثمة ما لا يأتي أو لا يتحقق، كما لو أن الموبايل يشاطر صاحبه ألمه أو يكون المدَّخر داخله نظير الذاكرة المعذَّبة بما هو مناط بها.

 

أو حين الانتقال يكون إلى مشهد آخر، في إجراء تقابل بين من يحب واللواتي يحاولن النيل منها، وكأني بالموبايل فيما يتعرض له آلياً، يفصح عن مكنون العاشق( كلما حاولت الحمقاوات محو صوركِ- من موبايلي- يغرقن في بحر الشاشة).

 

لكأن الشاشة ببياضها هي العودة إلى الوضع السديمي، هي طمس لكل أثر وتغييبه، حيث بياض الشاشة يعني إطلاق تحذير إلى أن الذي رؤيَ على الشاشة يعني ضرورة التوقف، وكأن القائم وراء البياض لا يعود في مقدور أحد الوصول إليه، كون الصور مودعة في نقاط، أو حيوزات مؤمَّن عليها، وهي لعبة شعرية أو مباراة شعرية يفوز فيها العاشق.

 

ذلك ما نتلمسه في المقطع”967″( الموبايل محارةٌ- وطالما أتلذذ بوقع صوتك اللؤلؤي- هناك).

 

دائماً يكون لدينا السفر أو الارتحال إلى الأعماق أو إلى الخفاء، أو إلى آفاق بعيدة، وأظن ذلك من خصوصيات الموبايل أو من بين مهامه الأكثر براعة، حيث الحجم الصغير والفعل الكبير، وحيث المصمَّم في الداخل في مفهومه الرياضي، يعدُ بما لا يحاط به مقارنة بقدرات الإنسان العادية في تقليص المسافات، وليكون لدينا هذا المشهد الكنزي في الأعماق لسان حال الملموس في الموبايل، وما يشكّله كل ذلك من حوافز تغبط الشاعر بقدر ما توسّع في حدود قدراته بالذات.

 

لكن ذلك يبقي الموبايل في منعطف طرق، قرين احتمالات، مجسّد مصائد، ومشخص مفاجآت، ليكون الحد الذي تلتقي المناقب والمثالب، وحيث يكون الفتنة التي لا راد لسحرها بالمقابل، كما هو المنظور إليه في المقطع”998″( اللعنة على الموبايل- صانع الخطايا وقائدها على طريق الأحلام.)

 

هل يمثّل ذلك دعوة إلى إعلان القطيعة معه، أم ضرورة التحكم بقدراته، أو الحد من سلطاته الهائلة والرهيبة؟

 

ليس من درس معطى لتغيير مسار سلوك، أو إحداث تأثير فيه، إنما هي مغامرة الجمال عبر الشعر وتيهه الأثير.

 

هل من عناء ملموس لدى الشاعر فيما استهل به قاموسه وتوقف عنده؟ هل من مقايضة لدى الشاعر لموبايله، أم من حُكم أخلاقي في مقطع ما دون آخر؟ هل أفصحت مغامرة الشاعر عما يستبطنه بالكامل تجاه الموبايل في قاموسه؟

 

إنها أسئلة تعمل على أكثر من ” جبهة” معرفية وذوقية، جبهة يكون الخاسر الوحيد فيها، كما أعتقد، ذاك الذي يتوقف عند معنى وحيد مكتفياً به أو يستوقفه مشهد حسي في مقطع دون آخر، وربما لا يعود قادراً على المتابعة وما في ذلك من إساءة إلى روح الديوان لأنه يراعى في مجموعه، بينما الرابح هو الذي يضيف من عنده ما هو منتظر منه، أي ما يجعله أكثر قرباً من الشاعر وهو يسائله عما سكت عنه، وما استبقاه لديه لأن القاموس الموضوع ليس خلاصة قواميس العاشقين سوى أن الذي قام به الشاعر كان يمثُّل رؤيا شعرية، أو جملة بثيات أو برقيات، كما هي لمعة الشعور في الداخل.

 

حسبه أنه قدَّم ديواناً يحمل اسماً معيناً، وأنه لما يزل يحتفظ بموقعه لأن الانشغال بالموبايل في اضطراد بالتأكيد.

 

ولعل التنويع الذي حفل به ديوانه يترجم هذا الجانب المثابر في ذات الشاعر، بقدر ما يلقي الضوء على مسيرته الأدبية، وليس الشعرية وحدها، وهي التي تكاد تتلخص في عبارة واحدة، سلفت سابقاً، وهي: المغامرة!

 

لكنها المغامرة التي تحفظ للشعر حقوقه قدر استطاعته، أي من خلال إثارة قارئه وإعلامه ضمنياً أن ثمة ما ينبغي التنبه له والإصغاء إليه، أن ثمة ما يجدر التوقف عنده، أن ثمة ما يجب تبين فعل تشكيله الجمالي في الناظر أو القارئ، رغم  وجود صعوبته أحياناً أو عجز أولي في التواصل مع هذا المختلف، وتحديداً إذا كان العمل المختلف ضداً على التقليد.

 

إذ بالنسبة للجبوري كشاعر عراقي مغترب، هو يكتب منذ عقود زمنية عدَّة، وما يعنيه هذا الفاصل الزمني من تجلي استحقاق الشاعر أو الكاتب عموماً في أن يُهتمَّ بأمره، والتفكير خارج زوايا النظر المعتادة في السرد القولي وسياسة الكتابة، حيث له مع كل كتابة جديدة مسعى جديد للإتيان بجديد، والهدف هو كيفية تنويع المقام الشعري، وجعله في ذمة اللامعهود، ليكون اللامتوقعُ أو العجيب أو الصادم والباعث على اليقظة الروحية هذا الذي يتشكل مشهداً شعرياً أو غيره.

 

سواء تحدثنا عن شعره في تعدد دواوينه، كما في ( ذبحت الوردة… هل ذبحت الحلم؟)، أو( أولمبياد اللغة المؤجلة)، أو( الامبراطور)، أو ( العطر يقطع المخطوط)، أو( الملاك الشهواني)..الخ، أو بالنسبة لأعماله الروائية( التأليف بين طبقات الليل- الحمّى المسلحة- قيامة الديناصور…الخ)، إذ إن في وسع متابعه القارئ أو الناقد أن يتلمس جنون الاختلاف والشغف بالتنويع لديه، وما هذا الديوان الشعري الذي اتخذناه نموذجاً بحثياً، رغم مرور سنوات ست على صدوره، إلا الدليل على نوعية الشغف المتبصر بحيوية المختلف، وبدقة أكثر: بفاعلية المتنوع، واستمرارية أثره جمالياً وذوقياً حتى الآن.

 

إن الكتابة في ( قاموس العاشقين)، تنسّب الشاعر إلى عالم المعاصرة بكل تقلباتها ومستجداتها وحكاياتها الكبرى، بقدر ما توفّر أمثلة حيّة، ومن الداخل طبعاً، على مدى رحابة مفهوم العشق واستطالاته الأرضية وملامسة جنون العاشقين.

 

لعل صرح المعنى الشعري يسهل النظر فيه من خلال مقاطع مختلفة تتناثر في مرمى النظر داخل الديوان، حيث الحديث لا ينفك يتعلق بما هو اتصالي، والتشديد على الاتصال في عالم يشهد اختناقات كثيرة، ومضايقات للروح بالذات، كما لو أن المرعيَّ في الموبايل هو إمكان تأصيل المؤتى فيه أو منه على أرض مجتمعية تشهد على تصحر أرواح، وأن هذا المتنفس الحداثي يقبل التأهيل والتعويل عليه لجعل الكلمة أكثر نضارة أو تكون ممثلة إشراقة أمل لاحقاً.

 

إذ الهاتف نفسه موضوع في الخدمة لتخفيف الضغط، ضغط العزلة على المعذبين هؤلاء الذين يشكلون سكان أو أهل القاموس ( قاموس العاشقين)، مع فارق الإمكانات والقدرات، باعتباره منزلياً، والآخر نقالاً أو محمولاً ويخص قبل كل شيء، المسافات البعيدة، وليكون يقين الشاعر بما يصف إيمانه بالمودع فيه في أهليّته ونجاعته، كما في المقطع”68″ حيث الإيحاء إلى المفارقات والمعانقات في المشاهد المتخيلة، بدءاً من الحب وما يكونه حقيقةً، وعرائية التمثيل للمعنى المضاف إلى القول المركَّب والتخيلي( الحب نظرة بلا ثياب- وهو أيضاً رحلة تعذيب طويلة- على خطوط الهاتف الوهمية).

 

لكن الذي يمكن قوله هو أن ثمة تبادل مواقع جمَّة جهة التعبير عن كل من الهاتف والموبايل، إذ يتراءى لي أن الموبايل هو الهاتف مع إضافة بعض اللمسات أو الميّزات من خلال التعامل معه، وأن الهاتف هو الموبايل من خلال طريقة تقديمه، كما في المقطع”885″( صار هاتفك النقال نقالاً كبساط الريح- فحذار أن تسقط بك الحمولة في الوادي العميق)، وما يقوله  أكثر في المقطع”960″( حينما تظهر على الشاشة صورتك- حزينة- أطلب لهاتفي سيارة الإسعاف)، أو ما يقوله في المقطع ” 990″( ما أن يصبح صوتك كطريق مغلق- حتى يبدأ هاتفي بالأنين كجندي- عائد من الحرب.).

 

رغم أن الاختلاف قائم بين الهاتف المنزلي والثابت في مكانه، والهاتف النقال داخل البيت، أو المتعلق بقاعدته ويستطيع العمل على مسافة معينة، والموبايل الذي يعتمد على بطارية تنشحن، ومن خلالها يكون المؤشر الدال على عمل الموبايل.

 

أهو العشق الذي تلبَّس الشاعر وهو يتمثله، ليجد في وسيلة الاتصال ذات التعبير أحياناً؟ إذ المهم هو وجود جهازين بين شخصين متحابين، أو عاشقين، وهو رهانهم، ووسيلتهما في التفاعل مع بعضهما بعضاً، كما لو أن الخفي في الموبايل هو الذي يجلو الخفي في العشق، أعني أن حضور الموبايل هو الذي يملي قواعده على العاشق في اختيار كلماته وضبطها، كما في المقطع” 253″( الحب راديو يهذي بموجات الكوبرا- والعاشق ثملٌ على كرسي الغروب).

 

في جدل الحضور والغياب، الصمت والكلام، الصوت والصورة، يكون الانشغال الدائم بالآخر، نفياً لزمن ضاغط هنا.

 

أو حين يظهر الموبايل راسماً الخلفية الحية للموبايل، أعني ما يأتي على صورة الموبايل، كما في المقطع”788″( ما من عاشق- ولا يدَّخر نفسه ضحية في بنك الحب).

 

في مجمل الحالات أو الأوقات التي تصعد المشاعر والأحاسيس مستنفرة تلبية لنداء الأقاصي حيث القلب يكون رحالة أو متنقلاً بين أمكنة المحبوب، يكون الانشغال بالموبايل على مدار الساعة تعبيراً عن هذا الامتلاء الوجدي بالمقابل.

 

إنها اللحظات التي تأتي مرنَّمة أو مموسقة، كما لو أن المعبَّر عنه موسيقياً، يناشد العفوية ويلتزم بإيقاعها المتصادي في الجهات كافة، كما في تمثل الكمنجة أكثر من مرة، كما في المقطع”71″ صحبة البيانو( صوتك بيانو في النهار- وهو في سريري كمنجة مبللة- بالكحول)، حيث البيانو المركَّب بمكوناته الموسيقية، يصدح في النهار، بينما الكمنجة باعتبارها الجهاز العزفي المعروف، فيحيل على ما هو رومانسي أو حتى ليلي، بين الصحو والنشوة المذهبة بالعقل.

 

أو ما يأتي تحت رعاية موبايلية، حيث التشابك بين الصوت النابع من الكمنجة والصورة الظاهرة على الشاشة، في المقطع”958″( الكمنجات في الأرواح- تذبل- ووحدك على شاشتي غابة أحلام- بلا حدود).

 

إنها جملة من الإحالات الشعرية إلى ما هو موبايلي، ولكنها إحالات تحتفظ بنقلاتها الموسيقية، كما هو الجامع الجذبي بين الصوت والصورة، بين الصمت الباعث على النشاط التخيلي، وانتظار لحظة سماع الصوت أو ظهور الصورة ضمناً، وما يعنيه الانتظار من قيمة اعتبارية وانهمام كل عاشق بنظيره أو بمقابله.

 

بالطريقة هذه، أو كما يعتقَد، يمارس الشاعر أسعد الجبوري في زمن الاستخفاف بالحب، وحتى من خلال الاستخفاف بهذا الجهاز الموبايلي دونما نظر في مهامه الجليلة، يمارس كتابة المفرد بلغة المثنّى، حيث يكون لدينا عاشقان، أو يكون العاشق الذي يصاغ في هيئات شعرية، في سيرة المقاطع الألف، وحيوية المثار وجدانياً من خلالها.

 

وربما، ومن خلال ما تقدم، يستثير أحدهم جرَّاء هذا الكم اللافت من المقاطع، ويستوقفه هذا التعبير النقّال أو المتحول من مقطع لآخر، ولكن ما لا يمكن غض النظر عنه، هو وجود قاموس يسمَّى ( قاموس العاشقين)، وما فيه من ابتداع لغة خاصة قد لا يوافَق على بعض شكلياتها، لكن لا مناص من الموافقة على غواية المبثوث عشقياً وجمالياً فيها.

ولعلي فيما أثرته من خلال قاموسه، بعد مضيّ سنوات ست، أعبّر عن سيرورة القيمة الجمالية لشعرية الموبايل العشقية!

 

 *باحث من سوريا