Álvaro Peña paintings

البحث عن صوت الأنوثة المتواري في الذكورية‮!‬
منصورة عز الدين

منذ صادفني عنوان كتاب‮ “‬السرد والجنوسة في سيرة بني هلال‮” ‬للدكتور محمد حسن عبد الحافظ،‮ ‬تحمست لقراءته ليس فقط لعلاقتي بالسيرة الهلالية منذ الطفولة،‮ ‬ولكن لاهتمامي بالجنوسة في علاقتها بالسرد‮. ‬توقعت أن دراسة عن الجنوسة بمعناها المركب في نص حافل بالتغني بقيم الفحولة والبطولة سوف تكون ثرية ولافتة،‮ ‬والحقيقة فاقت الدراسة القصيرة توقعاتي‮.‬
في كتابه‮ ‬يسعي د‮. ‬عبد الحافظ‮ “‬للبحث عن صوت الأنوثة المتواري في الذكورية،‮ ‬وإعادة النظر إلي الذكوري الذي‮ ‬يبطن الأنثوي‮”‬؛ مؤكداً‮ ‬علي أنه‮ ‬يحاول فعل هذا‮ “‬دون التورط في الوقوع في أحد شركين‮: ‬تنظير‮ ‬يجدد تطرف المنظور الذكوري،‮ ‬أو تنظير‮ ‬يمتثل لنسوية تؤدي إلي إنكار تركيب المرأة ونتائجه‮: ‬أي إنكار المرأة ذاتها‮: ‬أي التفكير وفق استراتيجية نُجاوِر بها خطابين‮: ‬المهيمِن والمهيمَن عليه‮.”‬
يحاول المؤلف خلخلة ما درج الباحثون عليه من ربط للسيرة الشعبية بعالم الذكور،‮ ‬حيث أن الشائع أن معظم رواتها‮ (‬علي تنوع طرائقهم‮) ‬رجال،‮ ‬ومتلقيها المباشرين الظاهرين رجال،‮ ‬والفضاء السردي السيري من خلق الرجال ويتحكم فيه الرجال‮.‬
يبدأ من تساؤل بسيط مفاده‮: ‬هل السيرة الهلالية إنتاج حكائي أنثوي،‮ ‬وأداؤها الشعري ذكوري؟ السؤال أقرب لفرضية‮ ‬يضعها الباحث موضع الاختبار،‮ ‬رغبةً‮ ‬منه في الإجابة علي سؤال آخر‮: “‬هل السيرة الهلالية سيرة نسوية؟‮”‬،‮ ‬وهو سؤال تبادر إلي ذهنه بعد لقائه عام‮ ‬1996‮ ‬بالسيدة رتيبة فرغلي الراوية الأسيوطية للسيرة الهلالية‮.‬
لاحظ د‮. ‬عبد الحافظ أنها تعيد صوغ‮ ‬الأساس الذي‮ ‬يقوم عليه مولد البطل في سيرة بني هلال بحيث تتحول خضرا الشريفة لا‮ “‬أبو زيد‮” ‬إلي البطل المحوري‮. “‬تضع السيدة رتيبة النساء في مرتبة البطولة،‮ ‬أو ترتقي بالبطولة إلي مرتبة النساء‮” ‬كما‮ ‬يكتب‮.‬
يقصد المؤلف لفت النظر إلي أن سيرة بني هلال حكاية من خلق النساء وإبداعهن كحال‮ “‬ألف ليلة وليلة‮”‬،‮ ‬وتحتل النساء بطولة المشاهد المركزية فيها،‮ “‬بينما‮ ‬يمثل الرجال حراسا للسيرة الهلالية ورواة ومؤدين لها،‮ ‬علي نحو أتاح لهم حرية صوغها في أشكال شعرية تتسم بالفحولة‮.”‬
من موقع الحراسة هذا،‮ ‬أصبح للرجال سلطة التشويش علي السمات والأنساق النسوية داخل السيرة الهلالية،‮ ‬ووسمها بما‮ ‬يتفق مع رؤيتهم،‮ ‬أي أصبحوا حراس البوابة التي تصل عبرها السيرة إلي المتلقين‮.‬
يتوقف د‮. ‬عبد الحافظ أمام صراع الأنواع الشعرية في‮ “‬الهلالية‮”‬،‮ ‬فالمربع هو النوع الشعري الشائع في أداء الرواية المصرية لها في أسيوط وسوهاج وقنا،‮ ‬لكن هناك أيضا‮ “‬الفرادي‮” ‬و”الموال‮” ‬و”الحداء‮” ‬في مناطق أخري،‮ ‬كما أن نسخ السيرة الهلالية المخطوطة والمطبوعة منذ القرن التاسع عشر تحوي قصائداً‮ ‬عمودية وزجلاً‮. ‬وحين سأل الباحث الراوي مصطفي عبيد عن مصادره،‮ ‬أجاب الأخير بأنه تلقي قصص السيرة عن النساء،‮ ‬بوصفها حكايات،‮ ‬وأعاد نظمها بالقصيد التقليدي ذي الحس البدوي التونسي‮.‬
يلاحظ المؤلف أيضاً‮ ‬أن السرود المدونة حافلة بشخصيات أنثوية لا تذكرها السرود الشفهية،‮ ‬في مقابل درجة ثبات أعلي للشخصيات الذكورية‮! (‬في إحدي المدونات المطبوعة طبعات عديدة لدي ناشرين مختلفين،‮ ‬نجد أن ثلثي القصص معنونة بأسماء نساء‮). ‬وهذا‮ ‬يعيدنا من جديد إلي الدور الذي‮ ‬يمارسه رواة السيرة كحراس للبوابة،‮ ‬وتأثيرهم علي الصورة التي‮ ‬يصل بها العمل لمتلقيه،‮ ‬إذ‮ ‬يكون مصبوغاً‮ ‬برؤاهم وأفكارهم ومشاعرهم ونظرتهم للعالم‮.‬
فكون السيرة الهلالية نصاً‮ ‬شعبياً‮ ‬تمثل الشفاهة دوراً‮ ‬مركزياً‮ ‬في أدائه وتلقيه‮ ‬يعني أننا أمام نص دائم التحول والتبدل وأنه خاضع طوال الوقت لعملية مستمرة من الإزاحات تجعله في حالة ابتكار وإعادة خلق لا تنتهي‮.‬
الرواة الساردون والمؤدون والشعراء الشعبيون‮ (‬الرجال‮) ‬عملوا علي الإيهام بالسيطرة علي‮ “‬خطاب السيرة الهلالية‮”‬،‮ ‬لكن الحقيقة لا تعدو‮ ‬غير نجاحهم في إبداع منظومات متعددة من الأداء المتقن الذي راكم النصوص،‮ ‬دون أن‮ ‬يعني ذلك طمس العلامات السردية المتصلة بحس النساء،‮ ‬أي دون أن‮ ‬يكون في مستطاع‮ “‬هيمنة‮” ‬الأداء الذكوري‮ “‬وأد‮” ‬حس المرأة وإبداعها السردي،‮ ‬بل الأدائي،‮ ‬الذي أسهم في خلق جماليات السيرة الهلالية‮.” ‬كما‮ ‬يكتب المؤلف‮.‬
ثمة سمة لافتة أخري تخص الاختلاف بين السيرة المدونة والمرويات الشفاهية لها،‮ ‬تتمثل في تهرب المؤدين والرواة الرجال من أداء عديد النساء في السيرة والتحايل عليه بتحويله إلي‮ “‬مربع‮” ‬أو‮ “‬فرادي‮”‬،‮ ‬إذ‮ ‬يرون في العديد انتقاصاً‮ ‬من الفحولة الشعرية وغير الشعرية‮. ‬ويخلص الكاتب إلي أن‮ “”‬سردية السيرة الهلالية‮” ‬ليست ذكورية حصراً،‮ ‬فالشفرات النسوية جذر إبداعيتها‮.”‬
وفي الفصل الأخير المعنون بـ”في سردية الشخصية النسوية‮” ‬يتوقف المؤلف أمام مركزية الشخصيات النسائية في الهلالية خاصة خضرا الشريفة والجازية التي‮ ‬يصفها بـ”الشخصية السردية المحورية في سيرة بني هلال،‮ ‬بدورها المركزي في الأفعال السردية‮: ‬في التدبير القبيلي لشئون الرحلة‮. ‬في قرار الحرب‮. ‬في الصراع المركب والمتراوح بين الأبطال‮.” ‬والجازية أيضاً‮ ‬هي التي‮ ‬يعرف بها اسم العلم‮ “‬حسن‮”‬،‮ ‬إذ‮ “‬يُلقب حسن بـ”أبو علي أخو الجاز‮”‬،‮ ‬علي نحو نادر في تاريخ النصوص القولية الشعبية العربية،‮ ‬يكني فيه رجل عن شخصية امرأة ليست أمه‮ (‬علي نحو ما‮ ‬ينسب‮ “‬أبو زيد‮” ‬إلي أمه‮: “‬ولد خضرا الشريفة”؛‮ “‬ابن الشريفة”؛‮ “‬ابن الغريبة”؛‮ “‬ولد الغريبة‮”.. ‬إلخ‮).‬
قرب نهاية كتابه،‮ ‬الصادر عن معهد الشارقة للتراث،‮ ‬يشير محمد حسن عبد الحافظ إلي أن تلك الإضاءة لا تمثل‮ “‬مخططاً‮ ‬كاملاً‮ ‬لمقاربة كلية لموضوع الشخصية السردية النسوية في السيرة الهلالية،‮ ‬كما أن التركيز علي نموذج شخصية‮ “‬الجازية‮” ‬ليس مكتملاً‮ ‬هنا،‮ ‬وإنما‮ ‬يجري علي نحو سياقي‮. ‬إنها إضاءة علامة إشارية فحسب‮.”‬
كما عرفت منه أن دراسته هذه جزء من مشروع أوسع‮ ‬يشتغل عليه

http://adab.akhbarelyom.com/newdetail