سلام إبراهيم

 

 

بمناسبة فوز البعثي “وارد بدر السالم” بجائزة الدولة التقديرية لهذا العام 2017
كتب لحروب صدام عشرات القصص، وشغل مواقع زمن الدكتاتور في صحف البعث، ومن يشغل أي منصب في البعث لابد ان يكون قد أنمسخ بشدة من كتابة التقارير حول ما حوله، هرب أول الأحتلال مثلما فعل كل كادر البعث الثقافي إلى الأمارات وظل هناك إلى أن عاد بعد هدوء الأوضاع وعودة زملائه البعثيين ليسيطروا على وزارة الثقافة ودار الشؤون الثقافية، فردَّ إليه الأعتبار فغير موجته، فبعد أن كتب قصصا وروايات تمجد قيم الموت والقتل وحروب صدام الذي ضيع في حملة الأنفال ألالاف من الأكراد، واليزيديين في مقابر جماعية لم تكتشف جثثهم حتى الآن، وثقتهم بالصور في روايتي التسجيلية الصادرة عن وزارة الثقافة “في باطن الجحيم” 2013، حينها كان “وارد” يمجد ذلك الجيش والحرس الجمهوري الأداة الفعلية لتغييب أولئك البشر أطفال ونساء وشيوخ. يعود في زمن سلطة الطوائف والفساد مغيراً موجته بأنتهازية مقيتة ليكتب عن محنة اليزيديين رواية “عذراء سنجار” أي دجلٍ هذا وأي نفاق، ومن سبى وشرد اليزيديين هو بعث وارد نفسه بنسخته الداعشية، فتكرمه وزارة الثقافة الطائفية بجائزة الدولة لشدة أنتهازيته وتلونه، فيتساوى بذلك مع أسماء لامعة لها مواقع مشرفة كالزميل القاص والروائي د. لؤي حمزة عباس وغيره.
أي زمن عراقي هذا؟
وأي انحطاط
هنا أعيد نشر نص عن قادسية صدامه سبق ونشرته قبل عامين:
كتاب قادسية صدام 2- وارد بدر السالم
سلام إبراهيم
كتاب قادسية صدام
2- وارد بدر السالم
كما قلت في الحلقة الأولى في عراق ما بعد الاحتلال أختلط الحابل بالنابل بعد أن نصب المحتل رجال ساسة فاسدين لصوص لا يحملون أي مشاعر وطنية إزاء بلدهم العراق وينفذون أجندة دول الجوار حتى أوصلوا العراق إلى حافة التقسيم، وصار العراقي يقتل العراقي باسم الطائفة والدين والقومية. في ظل هذا الخراب ضاعت المقاييس. وتسيد في المجال الثقافي كادر البعث نفسه محتمياً بغطاء هذه الطائفة أو تلك أو بهذا الحزب أو ذاك، وهذا الموضوع ممكن الرجوع إليه في موضع غير هذا.
هنا سأتناول كاتب آخر نشر قصة في الجزء الرابع من كتاب – قصص تحت لهيب النار- قادسية صدام 1983 – دار الشؤون الثقافية بغداد. والكتاب مصدر بإهداء يقول (إلى أمل الأمة وفارسها الرئيس القائد صدام حسين).
الكاتب هو –وارد بدر السالم- وهو كاتب بعثي شغل مناصب عديدة في صحف النظام، وتفرغ زمن الحرب ضمن آله الأعلام المطبل لها. الانتماء الصافي للبعث أتاح له حرية في اختيار مواضيع قصصه، فهو لا يخاف من رقيب. إذ هو أصلاً رقيب على نصوص الآخرين، وسنلمس ذلك من خلال تحليلنا لقصته المنشورة في هذا الكتاب “حلم الشقائق”. ففيها يصور جندي رامي في دبابة في طريقه للالتحاق بوحدته فرحاً مستبشرا، بعودته إلى جبهة الحرب متخيلا لحظة حلوله بحضيرة الدبابة، وهذه طبعا مشاعر منافية جدا لحالة إنسان ممكن أن يقتل بأي لحظة حتى لو فرضنا جدلا أن الحرب عادلة وحتى هذا المفهوم عاد وهماً بعد سقوط أيديولوجيات المدن الفاضلة، ليس ذلك فحسب، بل كل الأدب الإنساني لم يصور جنديا فرحا مشتاقا لجبهة حرب. بل الإنسان دوما يطمح لحياة الأمان والعيش بسلام. هذا المبنى الحسي المقلوب يناسب أحاسيس الكاتب الجالس في مقرات الصحافة في بغداد في دعة يراقب ويسوق إعلاميا قيم القتل والموت لا الجندي (كنت جنديا على فترات متقطعة منذ 1982 حتى 1985 في جبهة الحرب وخبرت حياة الجندي وكيف يفكر وبماذا يحلم. صور الزميل الروائي جنان جاسم حلاوي في روايته الملحمية –ليل البلاد- التي صدرت عن دار الآداب بيروت، حياة الجبهات في فصول مرعبة). فيرسم الجندي المسكين المساق إلى حتفه كأنه عشق تلك الحرب ولحظة القتال يقاتل بروح الحبيبة لنقرأ:
(وكان يبرز، بين شبكات الأمطار، وجه امرأة ما، يشع مع البرق الخاطف، كنت أحس أنها معي على الساتر وأنها اليد التي تضغط زناد البندقية ص77).
لا أدري ما أصف من يقلب الصورة الحقيقية لبؤس جندي في جبهة حرب كانت وقتها تبدو بلا نهاية بهذه الكيفية. لا أدري. لكنني أتسائل:
– إلا يحس الآن وارد بدر السالم بتأنيب ضمير؟!.
لا أعتقد ذلك، فقد قابلته عام 2013 في دار الشؤون الثقافية وكنت ذاهبا لاستلام نسخا من روايتي الوثائقية – في باطن الجحيم – بمكتب – نوري أبو رغيف – وهو يحمل بيده طلبا لعودته إلى وظيفته السابقة زمن الدكتاتور كموظف وخبير بدار الشؤون الثقافية، وكان مرحا وأهداني مجموعة قصصه – المعدان – التي أعاد طباعتها بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة العربية.
المهم نعود إلى قصته الفائزة بالجائزة الثانية في مسابقة من مسابقات قادسية صدام كما هو مذيل بمدخلها. هذا الجندي المسكين يحلم بالوصول إلى وحدته ليسجل حسب النص ذكرى جديدة يعني مأثرة في القتل وهذا ما كان يحلم به وهو يصاب بشظية، تخيلوا شخص على وشك الموت بدلا من التفكير بشريط حياته كما هو معروف ويحدث لكل البشر حتى وهو على فراش موت طبيعي، فكيف بجندي مساق لحربٍ لا ناقة فيها ولا جمل، تعالوا نقرأ كيف صور –وارد بدر السالم- تلك اللحظات وهو لابس ملابسه الزيتوني وجالس في مكتب مريح في مكتب جريدة الثورة في بغداد:
(كان يرى نفسه ثقيلا جدا، وكان ثمة قوى آسرة تشبك قدميه.. ينبغي أن أصل وأسجل مع الأصدقاء ذكرى جديدة..أنه من العبث أن تصطادني شظية سخيفة.. أوف.. لو كان أمامي فصيل بشرى كامل.. لو سرية.. والله ما خفت وما أتعب نفسي.. قنبلة مهداد وينتهي الأمر.. ص82).
هكذا يصور – وارد – ويزور مشاعرنا مشاعري الجندي الذي عانى في الجبهات ورأى الأهوال والذي كان يموت مقهورا مسكينا مناديا في لحظاته الأخيرة أمه وأبيه وأحبابه متشبثا بالحياة دون جدوى.
والجندي الملتحق في القصة يلقي حتفه في قصف وهو في طريقه إلى وحدته، وهذه اللحظة يصورها – الرقيب وارد (أكيد كان مسئولا عن شعبة التوجيه السياسي فيما لو أرسل للمعايشة في جبهات الحرب لأشهر) يصورها وكأن الجندي المسكين دخل جنة من الزهور والسعادة لحظة مغادرته الحياة التي يختم فيها قصته. وهذا نص خاتمة قصته
(غامت الأشياء حوله وطوقها السراب، تذكر فيها جبل الغبار وضجة العصف وهو يرتفع – عندما كان منطلقا بسرعة هائلة – إلى الفضاء. وانه أصبح الآن خارج حدود الكون وجاذبيته الكبيرة التي كان ينوء بثقلها الهائل. فغمره مساء بارد وامتدت تحته بحيرة عريضة من الشقائق الحمراء وحامت فوق رأسه ملايين الفراشات صاعدة هابطة مثل أزهار ملونة.. ص83).
بماذا أصف هذا التزييف لعذاب العراقي الذي قدم قرابة المليونين بين قتيلٍ وجريح في حرب لا معنى لها.
ماذا أصف – وارد بدر السالم – الذي رأيته بشوشا وهو يقدم إلى نوفل أبو رغيف أوراق معاملته للعودة إلى منصبه في دار الشؤون الثقافية في الشهر الرابع من عام 2013.
عجبي من كائنات مشوهة ليس لها علاقة بالإنسان وتصدر كتابا وروايات.

لا يتوفر نص بديل تلقائي.
لا يتوفر نص بديل تلقائي.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏