مارتن هيدغِّر
ترجمة: محمد سبيلا

إن ما نتوقعه من هذا السؤال هو أن يكون مناسبة لتقديم خطاب عن الميتافيزيقا. لكننا سنتخلى عن ذلك. وبدله سنناقش مسألة ميتافيزيقية محددة. وبسلوكنا لهذا السبيل ننتقل مباشرة إلى الميتافيزيقا. وبهذه الطريقة وحدها نوفر للسؤال الإمكانية الحقة ليقدم نفسه. إن مشروعنا يتضمن، كخطوة أولى، الإعداد التدريجي لتساؤل ميتافيزيقي. وسيحاول هذا العرض، فيما بعد، تهيئة السؤال، وسيختم بمحاولة تقديم جواب عنه.

الإعداد التدريجي لتساؤل ميتافيزيقي

إن الفلسفة، من وجهة نظر الحس المشترك، هي حسب كلمة هيجل، “العالم مقلوبًا”. ونتيجة لذلك فإن الطابع الخاص لمحاولتنا هذه في حاجة إلى أن يكون ذا ميزة خاصة. وهذه الخصوصية تنتج عن الطابع المزدوج للتساؤل الميتافيزيقي.

فمن ناحية أولى نجد أن كل سؤال ميتافيزيقي يلامس دومًا مجمل إشكالية الميتافيزيقا. بل إن هذا السؤال هو في كل مرة، هذا المجموع نفسه. لكن، لا يمكن من زاوية ثانية، مساءلة أية مسألة ميتافيزيقية دون أن يكون الُمسائل – من حيث هو كذلك – متضمنًا في السؤال، أي مأخوذًا ضمنه ومشمولا به.

نستخلص من ذلك التنبيه التالي: يتعين على التساؤل الميتافيزيقي أن يُطرح بالضرورة في مجمله؛ ويتعين عليه، في كل مرة، أن يكون نابعًا من الوضعية الأساسية للوجود الإنساني (الدزاين) الـمسائل. ذلك أننا نحن الذين نسائل، هنا والآن، ومن أجلنا نحن. إن وجودنا الإنساني (الدازاين) – باعتبارنا هيئة من الباحثين والأساتذة والطلبة – وجود تحكمه متطلبات المعرفة. فما هي الأمور الجوهرية التي تحصل لنا في عمق وجودنا الإنساني (الدازاين) من حيث أن المعرفة قد أصبحت هي شغفَنا وهوانا؟

إن مجالات معرفتنا منفصلة عن بعضها بمسافات شاسعة. فالطريقة التي تتناول بها علومنا موضوعها تختلف بشكل أساسي من علم إلى آخر. ولعل تناثر الفروع الـمعرفية وتفتتها لا يعود تناسقه اليوم إلا إلى التنظيم التقني للجامعات والكليات؛ وهو لا يأخذ معنى إلا عبر الأهداف العملية التي يتوخاها المتخصصون. وعلى النقيض من ذلك فإن انغراس العلوم في أساسها الجوهري قد انتهى منذ زمن.

ومع ذلك فإننا بواسطة هذه العلوم كلها، وباتباعنا للمقاصد الخاصة بها، نكون في علاقة مع الكائن نفسه. ومن وجهة نظر العلوم تحديدًا لا يتمتع أي ميدان من الميادين بأولوية على الآخر؛ فالطبيعة لا تأتي قبل التاريخ والعكس صحيح، وليس هنالك طريقة لتناول الـموضوعات تضع نفسها فوق الطرائق الأخرى. والـمعرفة الرياضية ليست أكثر صرامة من الـمعرفة التاريخية أو (الفيلولوجية) اللغوية؛ إن لها فقط سمة “الدقة”، وهي شيء آخر غير الإحكام أو الصرامة. أن نطلب “الدقة” من علم التاريخ معناه المساس بمثال الصرامة الذي هو خاص بعلوم الروح. إن العلاقة مع العالم، التي تسود كل العلوم، تجعلها تبحث في الموجود نفسه لكي تجعل منه موضوع بحث وتمحيص، وموضوع تعريف يطرح أساس هذا العلم نفسه، وذلك عبر تلاؤم مستمر مع نمط وجود هذا الكائن Etant ومع كيفية ونوعية مضمونه. إن ما يتم إنجازه في العلوم – بفضل المثال الذي تهفو إليه – هو حركة اقتراب نحو ما هو أساسي وجوهري في كل الأشياء.

وهذه العلاقة المتميزة مع العالم التي هي علاقة تتوجه نحو الموجود نفسه، تتخذ لها كدال مرشد موقفًا يختاره الإنسان بحرية. حقًا إن السلوك العام للإنسان، سواء منه السلوك القبل-علمي أو الذي يقع خارج إطار العلم، يشهد هو أيضًا على وجود علاقة مع الكائن. ولكن السمة المتميزة للعلم تقوم في أنه يترك، من حيث المبدأ، للشيء ذاته، وحده، جهارًا، الكلمة الأولى والأخيرة. إن العلم، من حيث هو تساؤل وتعريف وعرض للأسباب المرتبطة بالمادية الخالصة للأشياء، يؤدي إلى الامتثال أمام الكائن ويتجه إلى أن يترك له، وله وحده، صلاحية الكشف عن ذاته. إن للبحث والنظرية إذن بهذا المعنى دور تقديم خدمة؛ وعلى أساس هذه الخدمة ترتكز إمكانية أداء دور لدال الـمرشد ضمن مجمل الوجود الإنساني. إن العلاقة الخاصة التي يقيمها العلم مع العالم، وكذا الموقف الإنساني الذي يجعل منه دالاً مرشدًا، ليسا في الحقيقة قابلين للفهم الكامل إلا عندما نرى وندرك ما يحدث وما يحصل تاريخيًا، في علاقة من هذا النوع مع العالم. إن الإنسان – هذا الكائن من بين كائنات أخرى – “يجري بحوثًا علمية”. وما يحدث في عملية الإجراء هذه ليس شيئًا أقل من تدخل كائن يدعى الإنسان، في مجموع الكائن، وذلك بصورة يتوصل فيها الكائن، في هذا التدخل وبواسطته، إلى أن ينفتح من حيث هو وكما هو. إن التدخل الذي يؤدي إلى الانفتاح هو الذي يعيد إنتاج الكائن أمام ذاته وفق نمطها الخاص.

وهذا المظهر الثلاثي (العلاقة مع العالم، والموقف، وتدخل الإنسان) الذي يشكِّل، في الأصل، وحدة، يبسط ويحسم مع بريق الوجود الإنساني الذي يتحقق في الوجود العلمي. وإذا ما تملكنا بصراحة هذا الوجود الإنساني المتحقق في العلم فإن علينا بالضرورة أن نقول: إن ما تشير إليه العلاقة مع العالم هو الكائن ذاته ولا شيء غيره. إن ما يتلقى منه كل موقف سلوكه الموجه هو الكائن ذاته وليس شيئًا أكثر منه.

وما به يتحقق التحليل الذي يبحث ويواجه، في عملية تدخل الإنسان، هو الكائن ذاته ولا شيء غيره.

إن ما به يأخذ التحليل طابعًا زمنيًا وتاريخيًا أصيلاً، وهو يمارس البحث ومواجهة الأشياء، خلال عملية تدخل الإنسان، هو الكائن ذاته ولا شيء وراءه.

ولكن، من الملاحظ أنه من الطريقة التي يتأكد بها رجل العلم، وهو يجري أبحاثًا، مما ينتمي إليه وما يدخل ضرورة في مجال اختصاصه، فإنه في هذه الطريقة ذاتها يتحدث عن شيء آخر مختلف عن شيء آخر غير الكائن.

وما يتعين على البحث العلمي أن ينفذ إليه هو فقط “ما هو موجود” وخارج ذلك – لاشيء: فقط ما هو موجود – لاشيء وتعني بالخصوص: “ما هو موجود” وخارج ذلك لاشيء.

ماذا إذن عن هذا اللاشيء؟ هل من باب الصدفة أننا نعبر هكذا بشكل طبيعي؟ هل هي فقط مجرد طريقة في الكلام ولا شيء أكثر من ذلك؟

ولكن ما الذي يدعونا إلى الانهمام بهذا اللاشيء؟ إن العلم ينحِّي العدم ويبعده باعتباره سلبًا خالصًا. ومع ذلك فإننا عندما نُبعد العدم بهذه الطريقة، أليس معنى ذلك أننا نفترضه ونتقبل وجوده؟ ولكن هل نستطيع أن نتحدث عن تقبل إذا كنا نتقبل لاشيء؟ ألا نقع بذلك في نوع من المماحكة اللفظية الفارغة؟ ألا يتعين على العلم الآن أن يستعيد جديته وبرودته من أجل أن يقتصر على الانشغال “بما هو موجود”؟ أليس العدم، بالنسبة للعلم، سوى فظاعة ووهم؟

إذا كان العلم على حق فإن هنالك نقطة واحدة ثابتة: وهي أن العلم لا يدعي أنه يعرف شيئًا عن العدم. وذاك في النهاية هو التصور الدقيق علميًا للعدم. إننا نعرفه بقدر ما لا نريد أن نعرف عنه شيئًا، ألا نعرف شيئًا عن هذا اللاشيء.

إن العلم لا يريد أن يعرف شيئًا عن العدم. لكن من المؤكد أيضًا أن العلم عندما يحاول أن يعبر عن ماهيته الخاصة، فهو يستنجد بالعدم، وها هو يلجأ إلى ما قام باستبعاده. يا لها من مفارقة يكشف لنا عنها العلم في حقيقته الأساسية!

إننا عندما نتأمل وجودنا الفعلي – باعتباره وجودًا محددًا من طرف البحث العلمي – نكون قد سقطنا في نوع من التعارض الصادم. وفي هذه الصدمة يكون قد تشكل نوع من التساؤل. إن السؤال ليس في حاجة إلا إلى أن يعبر عنه بألفاظ خاصة: ماذا عن العدم؟

إعداد السؤال

إن عملية إعداد السؤال عن العدم يدفعنا بالضرورة إلى موقف يجعلنا نعرف ما إذا كان من الممكن أن يتلقى هذا السؤال إجابة عنه، أو على العكس من ذلك أن الإجابة عنه مستحيلة. لقد قلنا من قبل إن العدم قد قُبِل، أي استُبعِد على العكس من ذلك من طرف العلم بنوع من اللامبالاة والتعالي، باعتباره “ما ليس موجودًا.

لنحاول مع ذلك أن نتساءل عن العدم: ما العدم؟ منذ الاتصال الأول يكشف لنا السؤال عن شيء غير مألوف. فنحن بتساؤلنا بهذا الشكل نكون قد وضعنا قبلاً العدم كشيء “موجود”، ككائن محدد هو هذا الشيء أو ذاك. ولكنه يختلف عنه اختلافًا جذريًا. تساؤلنا حول العدم – أن نسأل عما هو وعن كيفية وجوده – يقلب موضوع السؤال إلى نقيضه. وبذلك يتخلص السؤال من موضوعه الخاص.

وتبعًا لذلك فإن كل إجابة عن هذا السؤال هي منذ البداية مستحيلة إذ إنها تقدم نفسها، بقوة الأشياء، عبر الصيغة التالية: العدم “هو” هذا أو ذاك. إن كلا من السؤال أو الجواب حول العدم يتضمنان التناقض الدلالي نفسه.

وهكذا فليس ثمة حاجة إلى أن يرفضه العلم. فالقاعدة التي يقلبها الجميع باعتبارها القاعدة الأساسية للفكر، أي مبدأ التناقض الذي يتعين تجنبه، وكذا “المنطق” العام، كلها تعوق هذا السؤال. إذ إن الفكر – الذي هو أساسًا ودومًا فكر عن شيء ما – يتعين عليه أن يتصرف – من حيث هو تفكير في العدم – ضد ماهيته الخاصة.

بما أنه يظل من الممنوع علينا أن نجعل من العدم، من حيث هو كذلك، موضوعًا، فها نحن نكاد نشارف على نهاية بحثنا حول العدم، مفترضين مع ذلك، في هذا السؤال، أن “المنطق” هو الهيئة الفاصلة العليا، وأن الذهن هو الوسيلة الملائمة، وأن الفكر هو بالضبط الطريق المؤدي إلى إدراك العدم في أصله، وإلى إقرار إمكان الكشف عنه.

لكن هل سيكون من المسموح به إذن أن نجادل في سيادة “المنطق”؟ أليس الذهن إذن، في الواقع، هو الحَكَم والسيد في هذا التساؤل حول العدم؟

فبمعونته لم نتوصل مع ذلك إلا إلى تحديد عام جدًا للعدم حيث نستطيع أن نضعه كمشكل ولكن كمشكل يحطم ذاته. وذلك لأن العدم هو نفي الكائن في مجموعه، أي اللاكائن الخالص المحض. ومع ذلك فإننا عندما نعبِّر بهذا الشكل، فإننا نُخضع العدم لتحديد أعلى، أي لما هو سلبي: فنحن نعرِّفه كشيء منفى. والحال أنه، حسب تعليمات “المنطق” التي هي تعليمات راسخة وغير قابلة للخرق، فإن النفي عملية من عمليات الذهن. كيف نستطيع إذن أن ندعي، بصدد سؤال العدم، بل وبصدد مسألة إمكان هذا السؤال نفسه، أن نجعل الذهن في حالة تعطل؟ ومع ذلك فهل ما نفترضه هنا مسبقًا في هذه المسألة هو أمر يقيني؟ هل اللا وحالة النفي، وبالتالي النفي ذاته، تمثل التحديد الأعلى الذي يندرج العدم تحته كنوع خاص من الأشياء المنفية؟ أليس العدم موجودًا إلا بسبب وجود الـ”لا” أي النفي؟ أم أن الأمر على العكس من ذلك؟ أليس النفي والـ”لا” موجودين لأن العدم موجود؟ هذه قضايا لم يحسم فيها، بل لم ترتفع أبدًا إلى مستوى السؤال الواضح. إننا نؤكد ما يلي: إن العدم سابق سبقا أصليًا على “اللا” وعلى النفي.

إذا كانت هذه الأطروحة صحيحة، فإن إمكان النفي كعملية من عمليات الذهن، ومن ثمة الذهن نفسه، أمران يتوقفان بشكل من الأشكال على العدم. كيف يمكن للذهن إذن أن يدعي حق التقرير بصدد مسألة العدم؟ أليس تناقض الـمعنى الظاهر للسؤال حول العدم وللجواب المقدم عنه، راجعًا في النهاية إلى المعنى الخاص المؤكد بصورة عمياء من طرف الذهن الذي هو في حالة شرود؟

إذا كانت الاستحالة الصورية التي يمثل بها سؤال العدم تثنينا عن مسعانا، وإذا كنا على الرغم منها نطرح هذا السؤال، فإن علينا، على الأقل، أن نستجيب لما لا يكف عن الحضور والاستمرار كمطلب أساسي لإمكان التوجه نحو طرح جيد لأي سؤال. إذا كان على العدم، أيًّا كان شأنه، أن يكون، هو ذاته، هو مضمون السؤال، فإنه ينبغي أن يكون معطى من قبل ويتعين علينا أن نكون قد تمكننا من الالتقاء به.

أين نبحث عن العدم؟ كيف نعثر على العدم؟ ألا يتعين، من أجل العثور على شيء ما، أن تكون لدينا من قبل معرفة عامة عن أن هذا الشيء موجود؟ وفعلاً، فإن الإنسان ليس قادرًا على البحث إلا عندما يكون قد توقع مسبقًا المثول الفعلي للموضوع المبحوث. والحال أن ما نبحثه الآن، هو العدم. هل هناك في النهاية بحث بدون هذا الاستباق، أي بحث يقوم على الكشف الخالص عن الموضوع؟

مهما يكن الأمر فنحن نعرف العدم، حتى ولو لم يكن إلا ذلك الذي نتحدث عنه كل يوم بهذا الشكل أو ذاك. وهذا العدم الشائع المبتذل المصاب بفقر الدم والذي يقدم نفسه على شكل بداهة شاحبة جاهزة، والذي يحوِّم حول أحاديثنا، دون أن نلحظه، يمكن أن نعطيه، بدون تردد، ما يشبه التعريف: “العدم هو النفي الجذري لكلية الموجود”. ألا يبدو أن هذا التوصيف للعدم يشير في النهاية إلى الاتجاه الوحيد الذي يمكن انطلاقًا منه أن نصادفه؟

يتعين أولاً أن يكون الكائن في كليته معطى (لنا) حتى يمكن أن يخضع، من حيث هو كذلك، إلى عملية السلب الجذري التي يتعين على العدم نفسه ذاته أن ينكر نفسه فيها.

غير أنه حتى لو غضضنا الطرف عن الطابع الإشكالي للعلاقة بين النفي والعدم، فكيف يمكن لنا، ونحن كائنات متناهية، أن نجعل مجموع الكائن في كليته سهل المنال في ذاته وسهل المنال، في نفس الوقت، بالنسبة لنا؟ وفوق ذلك فإننا نستطيع أن نفكر في الكائن في مجموعه من خلال “الفكرة” أو “المثال”، ونستطيع من ثمة أن ننفي بالفكر ما نتخيله هكذا، ثم نعود للتفكير فيه باعتباره شيئًا منفيًا.

وبهذه الطريقة نصل إلى المفهوم الصوري للعدم المتخيل، لكننا لا نصل أبدًا إلى العدم ذاته. لكن العدم ليس لا شيء. وبين العدم المتخيل والعدم “الحقيقي” لا يمكن أن يكون هناك أي فارق، هذا إذا كان من الصحيح أن العدم يمثل عدم التمايز المطلق. أما بالنسبة للعدم “الحقيقي” أليس في ذلك رجوع إلى المدلول الغامض والمتناقض عن عدم موجود؟ إنها المرة الأخيرة التي توقف فيها اعتراضات الذهن بحثنا، هذا البحث الذي لا يمكن أن تقوم مشروعيته إلا عبر تجربة أساسية عن العدم.

إذا كان من الأكيد أننا لا نستطيع أبدًا أن ندرك مجمل الكائن في ذاته فليس أقل من ذلك يقينا أننا نجد أنفسنا واقعين وسط هذا الكائن، الذي هو منكشف لنا في مجمله بشكل أو بآخر. وفي النهاية يظهر فرق أساسي بين إدراك مجمل الكائن في ذاته، وبين الإحساس بأننا موجودون وسط الكائن في مجمله. فاللفظ الأول يشير إلى استحالة مبدئية، بينما يشير اللفظ الثاني إلى حدث متواتر بالنسبة للكائن الإنساني (الدازاين).

ويبدو، بدون شك، أننا في سلوكاتنا اليومية لا نرتبط في كل مرة إلا بهذا الكائن أو ذاك، وأننا نكرس أنفسنا على وجه الخصوص لهذا الميدان أو ذاك من ميادين الكائن. ورغم أن الابتذال اليومي يبدو وكأنه يكتسي سمة التشتت، فإنه، مع ذلك، يضمن قدرًا من تناسق الكائن في مجموعه رغم أن هناك ظلاً يخفى هذا التناسق. وعندما لا نكون منشغلين، على وجه الخصوص، بالأشياء ولا بأنفسنا، إذ ذاك يباغتنا هذا المجموع، في “الضجر الحقيقي” مثلاً. وهذا الضجر ما يزال بعيدًا عنا عندما يتعلق الأمر فقط بهذا الكتاب أو بهذا المشهد، بهذا العمل، أو بهذه التسلية أو تلك التي تسبب لنا الضجر، ولكنه الضجر الذي ينبثق عندما “نصاب مثلاً بالضجر”. إن الضجر العميق الذي يجثم علينا كسحابة صامتة تنتشر في غياهب النفس الإنسانية، يقرب بين الناس والأشياء، وبينك وبين الناس جميعًا في حالة لا تمايز وسوية مدهشة. هذا الضجر يكشف الكائن في مجموعه.

هناك إمكانية أخرى لهذا الانكشاف، وهي إمكانية تتوفر لنا في الابتهاج الذي يولده لا فقط حضور هذا “الشخص” أو ذاك، بل الحضرة الناتجة عن حضور شخص عزيز علينا.

إن مثل هذه الحالة الوجدانية التي نكون فيها في هذه الحالة أو تلك، تجعلنا نحس، بأننا وسط الكائن في مجموعه، وأن شحنته القوية تنفذ إلى أعماقنا. إن الموقف الوجداني الذي يجعلنا نحس بهذه الشحنة، لا يكشف لنا بطريقته الخاصة، وفي كل مرة الكائن في مجموعه فحسب، بل إن هذا الكشف – الذي هو أبعد ما يكون عن كونه مجرد حادثة بسيطة وعارضة – هو في نفس الحدث الحدوث الأساسي الذي تتحقق فيه كينونتنا الإنسانية.

إن ما ندعوه “بالعواطف” ليس لا ظاهرة ملازمة ولا عابرة في سلوكنا الفكري والإرادي، كما أنه ليس مجرد تجسيد لهذا السلوك، وليس أيضًا حالة باقية بقاء الأشياء، حالة نتدبر فيها شؤوننا بهذا الشكل أو ذاك.

ومع ذلك، فإذا كانت هذه الحالات الوجدانية تضعنا بمحضر الكائن في مجموعه، فإنها تخفي عنا العدم الذي نبحث عنه، ونكون عندئذ أقل تمسكًا بالرأي القائل بأن نفي الموجود في مجموعه، كما تكشف لنا عنه الحالة الوجدانية، يضعنا بمحضر العدم. وهذا لا يمكن أن يحصل، إلا في الحالة الوجدانية، التي تكشف لنا العدم، بصورة أصيلة، وعبر عملية كشف خاصة.

فهل تحدث في كينونة الإنسان (الدازاين) حالة وجدانية تجعله بمحضر العدم ذاته؟

أن يحدث ذلك فذاك أمر ممكن، حتى وإن كان بصورة نادرة، ودون أن تكون له حقيقة ملموسة إلا في بعض اللحظات، وذلك في تلك الحالة الوجدانية الأساسية التي هي القلق. ونحن لا نعني بالقلق هنا ذلك الاكتئاب الشائع الذي ينطوي بطبيعته على تهيؤ للخوف لن يكون من العسير مصادفة نماذج منه. فالقلق يختلف اختلافًا جوهريًا عن الخوف. إذا كنا نحس بالخوف ونعانيه فإن ذلك يكون دومًا تجاه هذا الكائن أو ذاك، الذي يهددنا بهذا الشكل أو ذاك. إن “الخوف من…” شيء ما هو أيضًا خوف دومًا من أجل شيء محدد. بما أن السمة الخاصة للخوف هو أن يكون محددًا تجاه هذا الشيء أو ذاك فإن الإنسان الخائف يجد نفسه مقيدًا بهذا الشيء الذي يثير لديه الخوف. وفي المجهود الذي يبذله الإنسان لينقد نفسه من هذا الموضوع أو ذاك فإنه يحس بعدم الأمن تجاه هذا الشيء الآخر، أو يصاب بنوع من “فقدان الصواب” بصورة عامة.

أما القلق فلا يتيح لمثل هذا الاضطراب أن يحصل. بل بالعكس فإنه ينشر نوعًا من الهدوء المتميز. والحق أن القلق هو دومًا قلق “أمام…”، لكن ليس أبدًا قلقًا تجاه هذا الشيء أو ذاك. إن القلق “أمام…” هو دوما قلق “من أجل…” لكنه ليس أبدًا قلقًا من أجل هذا الشيء أو ذاك. ومع ذلك فإن عدم تحدد ما نشعر أمامه أو من أجله بالقلق ليس افتقارًا خالصًا للتحديد؛ بل إنه الاستحالة الأساسية في تلقي تحديد معين. إنه يبرز ضمن تفسير معروف لدينا. ففي القلق نقول: “هناك شعور بالقلق” ولكن من هو هذا المجهول؟ من الذي يضايق هذا المجهول؟ إننا لا يمكن أن نقول أو أن نشير إلى هذا الشيء الذي يجعلنا نشعر بالتضايق والقلق. فكل الأشياء، ونحن ذاتنا، نسقط في حالة من اللامبالاة وعدم التمييز. ومع ذلك فإن ذلك لا يحدث بمعنى مجرد اختفاء للأشياء، بل في نوع من تراجع الـمـوجود في مجمله، ذاك الذي يداهمنا في حالة القلق هو ما يثير في نفوسنا ذلك الضجر، إذ لا يبقى لنا أي شيء نستند إليه. في انزلاق الكائن هذا لا يبقى أمامنا ولا يباغتنا إلا هذا “اللاشيء”.

المصدر: مجلة مدارات العدد 13 – نقلاً عن موقع ابن خلدون