كتب أسعد الجبوري في روايته:

عندما وضعني أبو قعبرة على ظهر حمار في تلك الساعة من ظهيرة ذلك اليوم الصيفي الملتهب بطقسهِ، وقادني مربوطاً بحبل كان يمسكهُ بيده من على ظهر حصانه الهزيل، ذكّرتُ نفسي بـ”سانشو” تابع “دونكيشوت” تماماً.
فها أنا وإياه، وكأننا سندخل معركة، لقتال طواحين الهواء.هكذا شعرتُ بذلك المشهد، بعد أن انطلق بي الرجلُ، معتقداً بأنني لن أنجو من لهيب ذلك النهار الذي كان يغص بنيرانه داخل الجلد. كنا نمشي راكبين على الدابتين، ونحن نتَصَبَّبُ عَرَقاً. وما أن قطعناً العديد من الأميال،حتى فكرت بضرورة لالتقاط الأنفاس. ولكن لا وجود لمفردة استراحة في ذهن قائد حماري، لنستريح تحت ظلال نخلة أو زريبة من القش، قد تظهر لنا على الطريق بشكل مفاجئ على أطراف القرى التي كنا نمر بها.
كنت مؤمناً بحصول شيء من ذلك القبيل.
لكن خيالي الواسع، سرعان ما فتح في رأسي ألبوم صور الصبية دفلى، لأزداد تعرقاً وضغطاً وقهراً، وأنا في مثل ذلك المشهد السير كوي الفظيع.
لم أتمكن من التفكير أبعد من تلك النقطة، لولا قيام أبو قعبرة بسحب علبة معدنية من تحت إبطه، ليستل منها سيجارة من صنع يدوي، سرعان ما أشعلها في الحال، حتى دون أن يسألني، إن كنت مُدخناً أم لا؟!
شعرت بكمية الاحتقار التي يكنّها لي الرجل. حاولت الإبلاغ عن ذلك الاحتجاج النفسي الذي تجاهل الرجل بموجبه وجودي ورغباتي، إلا أنني فضلت المضي قدماً في تلك المسيرة المجهولة الهدف، علّني أصل إلى أي شجرة أو حائط طيني أو بهيمة عملاقة، من أجل أن استظل بها، ولو باستراحة عابرة تقيني مؤقتاً من لهيب ذلك الطقس الحارق.
• هل تعرف كيف تدخنُ الحشيش يا طارق؟
سألني أبو قعبرة بشكل مفاجئ، وهو يحاول جمع دخان سيجارته تحت شماغه الأحمر الذي كان يحطه على رأسه وهو يمتطي ظهر ذلك الحصان.
• لا ليس بعد. فأنا لم أدخن تبغاً قط.
“أجبته بسرعة، بهدف حثّه على المسير قدماً نحو المكان الذي أريد لي الذهاب إليه حسب وصية الشيخ فليفل”.
• ألمْ تقل لنا بأنك كنت ميتاً؟
• نعم. حصل ذلك
• وهل لا وجود لمدخنين هناك. أقصد في المكان الذي كنت فيه؟
• قد يكون في بعض المناطق، وقد لا يكون في أخرى. ولكن لماذا تسأل أنت عن الحشيش يا أبا قعبرة؟
• لأن المؤمنَ سؤالٌ دائم يا طارق.
• بحشيش أم دون حشيش؟
• لم أصل لدرجة الإيمان بعد، حتى أجيب على سؤالك الماكر.
• ولكنك على حصان، وأنا على حمار يا أبا قعبرة؟
• وماذا يعني ذلك كما تظن يا فتى؟
• يعني إننا على طرفي نقيض. أنت الأعلى وأنا الأسفل. وهذا بحدّ ذاته يخلق فروقاً طبقية على الأقل. هذا من جانب. أما الأمر الآخر فيتعلق بالحشيش الذي تتعاطاه الآن، وأنت على ظهر حصانك .
فالحشيش الذي تدخنه، قد يكون مناسباً لمسألة ما يسمى بالإيمان. بمعنى آخر، أنت صاحب إيمان مضطرب، وقد وجدت في مادة الحشيش ما يمكن أن يهدئ من روعك، فيطرد عنك الكفر ولو إلى حين من الوقت. وربما أوجد الله في شجيرات القنب الهندي سرّاً لا يعرفه أحدٌ سواه.
• لا بأس من هذه الأفكار التي تتقافز من رأسك كما الضفادع. وهي أفكار تعجبني. فأنا رجل غير متأثر بالإيمان إلا كمفردة ضاربة بالقِدم، عادة ما تثير فينا المخاوفَ وتستنفرُ السيوف لتخرج من أغمدتها.
• وهل يُعيدُ الحشيشُ السيوفَ إلى تلك الأغماد، فيما لو ظهرت لملاقاة الدم؟
• لا أظن. ولكنه ربما يُلَطّفُ شيئاً من صور الموت. أي، لا يجعلها قاسية مرعبة.
• اسمعني أيها الفتى. قصة موتك وعودتك من الموت، لم تقنع أحداً.
أتعرف لماذا؟
لأنها غير منطقية، ولا تحدث إلا لمخلوق مشبّع بالحشيش.
فمن الأنبياء كلهم، لم يعد نبيٌ أو رسولٌ واحدٌ من موته. فكيف لمدّعٍ مثلك أن يقنعنا بأنه مات وعاد للأرض ثانية؟
لذلك أريدُ أن أجد لك تبريراً ينقذُ جسمك الغض الحلو الرشيق من تلك الورطة التي أوقعتَ بها نفسك. المصيبة يا فتى.. أنك تحاول خلخلة إيمان البشر في هذه القرية. وهذا يعني بعبارة بسيطة، أن لتلك الخلخلة ثمناً باهظاً.
• ولهذا تريد مني الاعتراف بتعاطي الحشيش، كي تنفي عني جنحة الكفر يا أبا قعبرة؟
• بالضبط. هذا ما يجب علينا أن نفعله. سنأخذ في المكان القادم قيلولة، ثم نبدأ بالتحقيق، فتعترف أنتَ بارتكاب تلك الهلوسة الحرام، وتعد الشيخ بترك تعاطي الحشيش وما ينجم عنه من خيالات أو منامات أو رؤى هدّامة سيئة وأحلام غير شرعية، قد تقود المرء المسلم إلى حبل المشنقة. هكذا سيتم الأمر. سأكتب المحضر. وتوقع عليه، ثم نغلق بوجهك أبواب الجحيم.
• وإذا لم أفعل ما تأمرني به يا أبا قعبرة. ما الذي سيجري لي؟
• الله أكبر. الله أكبر
• ماذا تعني بتكرار تلك اللازمة:هل ثمة من ادعى بأن الله صغير أو اصغر ؟!!
• لا تضعنا يا فتى في مواجهة عنيفة مع أشد صور الكفر على الأرض.
• لم أفهم؟!!
• اترك أمر الله وحجمه .ودعنا في أمر وجودك الشاذ بين قوم أفقدهم الإيمان الأعمى البصر والبصيرة،فراحوا يطالبون بتشكيل محكمة شرعية ،للإطاحة برأسك من على أكتافك، وينتهي بك المطاف طعاماً للكلاب يا طارق. شيوخ المنطقة هنا أشدّاء بالولاء للدين،وهم جاهليون بالقدر المطلوب. ولا يعرفون الرحمة أبداً في أمور الكفر واقتراف الذنوب، خشية أن لا يكون التهاون بالقضايا الإلهية سبباً للتفريط بالقوى الغيبية. أعوذ بالله!!
• ألست أنت واحداً منهم يا أبا قعبرة؟ فلمَ تكون ليّناً معي بحق السماء؟
• لأنني لست مُتَعَصّباً يا فتى. وتستطيع وصفني بالوسطي.

**