مقتطفات من رواية ((ثعابين الأرشيف))

مع بزوغ الفجر. . سمع الشيخ فليفل هرج ومرج زوجاته الثلاث، وهنّ يدخلن الدار وسط قهقهات كانت تتعالى من صدورهنّ التي ما تزال متخمة بنشوة شراب شمبانيا الليلة البارحة.
إلا أن تلك النشوة لم تدم طويلاً، بعدما رأت هنادي بعير الشيخ فليفل نائماً وسط باحة السراي.
“صرخت هنادي بالحريم وهي مذهولة:
• إنه بعير الشيخ يا نسوان!!؟
• وهل هبط علينا بعيرُ فليفل من السماء يا شيخه؟!!
ردّت عليها جورية باستهزاء وهي تفرك عينيها بأصابعها لتتأكد من صحة الصدمة.
لم تردّ عليها هنادي، بل أشارت إليها بأن تسكت فقط.
بعد ذلك مضت إلى الداخل بحذر شديد دون أن تحدث جَلَبة.
فيما انطلقت خلفها ضرتها شمس، والفزع يملأ قلبها من المفاجأة.
بينما ظلّت جورية جالسةً في وسط باحة السراي مغمورةً بالسعادة، وهي تمسح على رأس البعير بيدها اليمنى، وكأنها لا تريد الانقطاع عما كانت تفعله، ظناً منها بأن رأس الشاب لويس، هو من كان بين يديها في تلك اللحظات، وليس رأس البعير التعب المرهق من رحلة العودة المفاجئة.
ما حدث ليلة البارحة، لا يمثل تاريخاً لحادث طارئ، بقدر ما هو مفتاح كان مفقوداً أو ضائعاً لخزائن أجساد، هي بالأصل قطعُ لحم مباعة بالجملة للشيخ فليفل.
• تعالي يا جورية. سلمّي على الشيخ. فهو موجود هنا في الغرفة.
صرخت بها هنادي وهي ترتعد. فأجابتها جورية بسخرية:
• هل أنهى الشيخ مناسك الحج وعاد من تلك الغسالة نظيفاً؟!
• لم نسمع صوتك جيداً. فكفيّ عن الهذيان وتعالي إلى الداخل.
صاحت بها شمس وهي تحاول تحذيرها من مغبة الاستمرار بالتهكم على الشيخ. لكن الأخيرة سرعان ما وجدت نفسها واقفة فوق رأس الشيخ فليفل، وكلها شجاعة وقوة وهي ترحب به وتسأله بتهكم:
• من أية ماركة رأيت الكعبة يا شيخ؟
• اللعنة على أفكارك يا وقحة. ما أسفل هذا الكلام؟ ردت عليها هنادي وهي تعضض على شفتها السفلي بأسنانها تحذيراً. فأجابتها جورية مستطردة:
• ملايين من البشر يعتبرون الكعبة مثل غسالة أوتوماتيكي، كلما داروا فيها أو حولها، كلما نظفت أجسادهم من الذنوب والجرائم والجنايات والأوساخ.
• حمداً للرب. إنه رأي حسن وليس شركاً بشيء.
علقت شموس بحذر.
في تلك الأثناء نهض الشيخ فليفل من نومته، دون أن يغيب عن محياه الإرهاق أو التعب.
نظر في وجوه النساء الثلاثة بعمق وتفحص دقيق، ثم طلب قهوة. فنهضت الأولى والثانية والثالثة نحو المطبخ بإيقاع واحد، وهنّ يتهامسن عما سيحدث لهنّ بعد ذلك. وكيف سيكون مصير كل واحدة، فيما لو تسربت للشيخ تفاصيل سهرة الأمس؟!!
• لن نعترف له بشيء. سنخبره إننا كنا معزومين على حفلة عرس في قرية أخرى.
قالت شمس وهي ترتجف. فعلّقت جورية عليها:
• سأعترف له بما حدث لنا في سهرة الأمس الرائعة، وليحدث ما يحدث. أصلاً أنا أتمنى الطلاق من هذا الشيخ المتعفن. وليس أمام كل واحدة منا، إلا أن تضع حداً لسلطته القاهرة، وتعوضها بسلطة الجسد.
• لا تذهبي بأحلامك بعيداً أيتها الحيوانة. فما وجدنا هنا، إلا من أجل أن نخدم الشيخ ونمتلئ بمياه رجولته حتى لو كانت مالحة.
رَدّت عليها هنادي. فأجابتها جورية:
• وأين هو ماء الشيخ يا سيدتي هنادي، وقد تصحر جسدك مع سريرك، حتى أصبحنا جميعاً، أشد قحلاً من الربع الخالي؟!
• ولكن لماذا قطع الشيخ مناسك الحج قبل إتمامها، وعاد إلى هنا مسرعاً دون زوجته زبيدة؟
هذا ما لم تسألان عنه. قالت ذلك جورية بشيء من العصبية.
• أتوقع بأن الشيخ فليفل يضمر لنا شيئاً سيئاً. وإلا فلمَ قطع مناسك الحج وعاد مسرعاً إلى قرية الطوف؟
هل اكتشف جبلاً من الذهب أم آباراً للبترول هنا؟!!
• وزبيدة صاحبة الفرج الجديد والنهدين المقببين. كيف تركها الشيخ على طريق مكة وحيدةً دون حزام العفة أو محرم يتولى أمرها بين الحجاج الذكور؟!!
سألت جورية وهي تمسك رأسها من صداع مفاجئ.
• لكل حادث حديث. وما علينا الآن إلا السكوت لنبلغ لبّ القصة. فقد يكون الشيخ فليفل قد قتل زبيدة على طريق الحج، وجاء يستعجل مصيرنا باللحاق خلفها !!
• ولماذا يفعل ذلك برأيك أيتها الحمقاء؟ سألت هنادي مبتسمة. فرَدّت عليها جورية:
• من أجل أن يجدد لذئاب شهواته لحوماً طازجة جديدة. من يدري؟!
كان الشيخ فليفل يشرب قهوته المرّة وينظر في وجوه حريمه بشَزْر دون تعليق.
لم ينبس ببنت شفة. ربما لأنه كان يستعرض تلك الصور التي وصلت إليه عبر الأيميل عن زوجاته الثلاث في سهرة بورنو البارحة.
بلع كل الكلام، مثلما بلع كل الصور الإباحية التي لم تبق منطقة من أجساد حريمه، دون أن يتم تصويرها بلقطة زوم!!
كانت رؤوس الجميع ملتهبة في تلك الساعة. لكن فليفل لم يقل شيئاً.
ابتسم فقط. وقبل أن يغادر السراي العائلي باتجاه المسجد، أمرَ زوجاته الثلاث باختراع طريقة لصنع طبيخ الكبسة بالشمبانيا !!
آنذاك. . فغرتْ النساء أَفْوَاههن . ثم تطلعتْ كل امرأة بوجه الأخرى برعب وحذر وقلق مفزع شديد، وكأنهنّ يؤكدنّ لبعضهنّ بافتضاح أمر سهرة ليلة البارحة !

**
من رواية أسعد الجبوري (( ثعابين الأرشيف))
الرواية التي حُجبت عنها جائزة دمشق للرواية العربية