لم أستطع النوم في تلك الليلة أبداً.

كيف يمكن أن تغمض عيناي في دار، ورأسُ صاحبهِ معلقٌ على جدار واجهته من الخارج؟!!

لا يمكنُ تصديق الأمر. فما أن توغل الليلُ في الظلام أبعد فأبعد، حتى وجدتُ الحماسةَ وهي تجتاحُ كل خَليّة في جسدي، لتدفع بي إلى أن أقوم بتلك العملية الشاقة:إنزال رأس سعدون حماد من على الجدار، ودفنه في أية بقعة من أرض الرقة.

لا أعرف كيف أستطيع فعل ذلك؟ولا أين يمكنني دفن الرأس؟ بل هل تسمح دولة الخلافة بإنزال الرأس أصلاً، قبل أن تنتفي فكرة التعريض بالرجل، والتشهير بخيانته التي استحق بموجبها قطع الرأس، بناء على الأمر الشرعي؟

أخذتُ القرار دون رجعة.فما أن أوشك الليلُ أن يدخل بنهاياته المظلمة شديدة العتمة، حتى قمت بشق باب الدار بهدوء، لإلقاء نظرة على رأس سعدون المعلق، من أجل معرفة الطريقة الأفضل لنزعه من على ذلك الجدار.هل تحتاجُ العملية إلى سلّم طويل أم إلى حبل أم أم. .

إلا أن مشروع التخطيط لتلك العملية، سرعان ما باء بالفشل، بعدما رأيت شخصاً بلصق الجدار ،وهو يقف على ظهر بعير، ويحاول التقاط رأس سعدون وتخليصهِ من عقد الحبل. امتلكتني الصفنةُ مَشُوبةً بالذعر في البدء. لكن، وما أن شاهدني ذلك الشخص، حتى سارّع بمخاطبتي بصوت منخفض:

  • كيف تكون في الدار، فيما رأس صاحبه مُعَلَّقٌ في الشارع؟! يا عيب الشؤم منكَ. كيف تفعل ذلك والرجل الميتُ صاحبك؟
  • ولكنني كنتُ قادماً لرفعه كما ترى.
  • لا تثرثر. فالوقت لا يسمح لنا بذلك. تعال افرش لي هذه البطانية هنا، لأنزل الرأس من على الحائط. نَلّفهُ جيداً ،ثم نضع البطانية في كيس الخيش هذا. علينا الإسراع بالعمل، والخروج من المدينة. أتريد الذهاب معي أم تخشى من ذلك أيضاً؟
  • وإلى أين تريدنا أن نذهب؟
  • لا تخف. أنا أعرف إلى أين المسير بالضبط. فأهل سعدون من شيوخ عشيرتنا، وهم في قرية لا تبعد إلا مسافة يوم من مشي البعير المسمى بالدرج. عندما نصل إلى هناك، سيقيمون الفاتحة على روحه، ويقومون بدفن رأسه. قل .ماذا قررت .هل تأتي معي أم لا؟
  • بالتأكيد.
  • إذاً خذ الرأس ولفهُ بالبطانية ،ثم ضعها في الكيس وتعال اركب خلفي.
  • سأفعل ذلك في الحال. ولكن هل سيتحملنا البعير المسكين هذا؟
  • لا تأكل همّ الدّابة. هات الكيس من يدك، وأغلق باب الدار فوراً، بعد ذلك ناولني يدك لتصعد خلفي. هيا.
  • أجل. سيكون كل شيء على ما يرام بلمح البصر.

ما أن أصبحتُ على ظهر البعير، حتى شعرت بأنني على سطح بناية. نظرت إلى باب الدار، ولوّحت له بيدي مودعاً. فيما سلمنّي الرجل الكيس، لأضعه في حضني. ثم بدأت الدّابة بالمشي الوئيد أو الرس كما يطلق ذلك على مشي الإبل المبطئ.

كانت مدينة الرقة في تلك الأثناء بالهزيع الأخير من الليل، هادئة تشبه مقبرة ضخمة، لم تبق فيها سوى ريحٍ سموم. خاصة بعد استمرار قصف سلاح الطيران السوري المفاجئ لمقار وتجمعات دولة الخلافة.

حركة سلاح الجو السوري أربكت التنظيم، وكسرت من هيبة البرابرة بعض الشيء. لذلك خففوا من نقاط التفتيش والمراقبة، وباتوا يتنقلون إلى مراكز وحواجز طيّارة للتفتيش، هرباً من أعين الطائرات.

كانت الدّابة تقطع بنا الشوارع الضيقة بحذر. فصاحب البعير يعرف إلى أين يسوق حيوانه دون تعثر. هو ابن المدينة. وجار سعدون في الدار. معرفته بي، تبدو معرفة عابرة كما فهمت من كلامه المقتضب السريع والقلق. ربما أخبره عني سعدون ببعض الجمل السريعة.

كل ذلك لا يهم. فرأس سعدون ملفوفٌ بالبطانية. والبطانية في الكيس. والكيس بحضني الآن. لذلك فليس بالإمكان أن يضيف سعدون جملة واحدة على ما قاله لجاره عني. فموتى دولة الخلافة، لا يقدرون الكلام عن أحوالهم إلا لله وحده.

ولكنني في الوضع هذا، ربما أستطيع أن أُلقُّن رأس سعدون الكثير من الجمل والأخبار والعبارات المفيدة عن أفعال المغول والجرائم التي تحدث هنا وهناك، ليقو بإضافتها إلى الملفات التي يحتفظُ بها، ومن ثم ليقدمها إلى ربّ العالمين ككتلة آلام موحدة واحدة.

ولكن كيف سأبدأ عملية تلقين الرأس؟

هل أقوم بمحو الذاكرة القديمة من رأس سعدون  أولاً، وتنظيف الرجل من الماضي والحاضر، تمهيداً لضخ المعلومات التي تضمها الفلاشات والاسطوانات الممغنطة والسي ديات وبقية البرامج الخاصة بتكوين خزائن العقل؟

  • اسمعني يا رجل. أظنك تحمل اسم طارق. أليس كذلك؟
  • نعم. هو بالضبط.
  • اسمع ما سأخبرك عنه الآن. نحن سنخرج من هذه الأزقة الضيقة نحو مخرج جديد للمدينة، قلّ منْ استخدمه أحدٌ من قبل. لذلك هناك احتمال وجود مفرزة للتفتيش في طريقنا. فإذا تم ووقعنا في براثنها، ما عليك إلا تجنب الأخذ والرد مع عساكرها. وإذا ما سألت، فدعني أرَدّ بدلاً عنك. فإن اقتنعوا، مضينا في طريقنا، وإن لم تشبعهم الإجابة، عليك تدبير الردّ بالمختصر المفيد.
  • وإذا طلبوا الكشف عما بداخل الكيس؟
  • اخبرهم بأن لك امرأةً حبلى، تَوَحَّمَت على رأس خروف في ساعة متأخرة من الليل، فأتيتها به حاراً من المسلخ لتقدمه لها.
  • أرجو أن لا نضطر إلى ذلك، ونمضي في طريقنا دون عقبات.
  • أنا لست مثلك يا طارق. مع أنني رجل مسالم ولا أتعاطي المشاكل. لكن ذلك لا يحول دون الاشتباك مع أدوات الشر والخراب، كلما وجدت نفسي مضطراً لذلك. قد لا تعرف عن علاقتي بسعدون شيئاً. نحن عشنا مراهقتنا سوية. وأيضاً مررنا بمختلف تجارب الشباب معاً. ولكن علاقتنا بَرُدَت في الفترة الأخيرة، كلّ ذلك ما كان ليحدث لولا زواجه من تلك الفتاة التونسية كوثر. قلت له أن لا يتخذها زوجة له،ولم يفعل.غلبته شهوته وصار بعلاً شهوانياً بشكل حادّ.

تعرف عليها في بداية الأحداث، عندما جاءت الفتاة ضمن موجة نسوان جهاد النكاح. أعجب الاثنان  ببعضهما، وقررا الزواج على الرغم من رفض عشيرته المطلق لذلك الزواج. ولكنه تخلى عن كل شيء، مفضلاً الجسد البض على الإرث والعادات والتقاليد والسياسة والعشيرة.

  • قد نخرج من الرقة سالمين، فنصل إلى قرية عشيرة سعدون حاملين حتفنا إلى هناك، فلا استقبال ولا طعام ولا منامة. بل ربما يرمون رأسه بوجهينا، فتضربنا الحيرة، ولا نعرف كيف يمكننا التصرف آنذاك!!
  • لا تأخذك الظنون السوداء يا طارق.
  • لم تخبرني عن اسمك يا أخا العرب؟!!
  • ربما لأن ذلك غير مهمّ. لكن إذا ما كنت مصرّاً على التعرف أكثر، فأنا(جاسم نجم )من نفس قرية سعدون المسماة (عايد ) وهي قرية من قرى محافظة الرقة تبعد عن الرقة غرباً 55 كم. عن الطبقة 6 كم جنوباً و المطار حوالي2_3 كم من الجنوب شرقاً ومن الغرب الكرين و البحيرة تقريباً 5 كم.
  • الآن فهمت سبب حماستك العالية بإنقاذ رأس صديقك سعدون من التعفن والتلف.خاطرت برأسك الحيّ من أجل رأس ميت.يا لك من شهم.
  • وهل يهون عليك أن نترك رأسه معلقاً لتأكله الجوارح؟ لا أعتقد بأن ذلك من الصواب بشيء. أما قولك عن المخاطر، فهي في كل مكان وفي كل موقف. هكذا أصبحت الأمور في الرقة. فلا يأتمن المرءُ على رأسه أو يده من القطع في أية لحظة.
  • لقد عادت الناس إلى عصر القطع والسلخ والرمي بالحجارة. (علقت على كلام جاسم وأنا أرتعد خوفاً، بعد أن لاحظنا حركة مريبة في آخر شارع نحاول الخروج منه. )
  • لا تخف يا طارق. فالخارجون من ذلك الدار متعبون وليس لديهم الرغبة إلا بالنوم الآن.
  • لماذا تقول ذلك يا جاسم؟
  • لأنهم كانوا يمارسون النكاح. فالبيت الواقع في زاوية الشارع تلك، هو مجمع لدولة الخلافة خاص بحريم النكاح. يذهب إلى هناك، كل من يأتي دوره وفقاً لتسلسل الأسماء الموجودة على قائمة الانتظار. (ردّ جاسم بطمأنينة)
  • ألا تظن بأن تنظيم داعش صورة سريّة مشابهة بهذا الشكل أو ذاك للمافيات الجنسية وعصابات خطف الرقيق التي مرّت عبر التاريخ؟
  • يمكن للمرء أن يقول ذلك. ولكنهم تنظيم دموّي مرعب، لا يتفق وعالم النسوان الرومانسي. (علق جاسم ضاحكاً)
  • ربما. ولكننا في عصر شديد الغرابة وكثير التناقضات.
  • أجل يا طارق. أنها التناقضات التي تلد توائم من التناقضات الأخرى. وهكذا دواليك. . .

(علق جاسم وهو يدفع البعير لتسريع الخطى تخلصاً من المدينة. )

  • هل يمكننا تنفس الصعداء يا جاسم الآن؟ هل أصبحنا خارج مدينة الرقة. أم تتوقع أموراً مخيفة أخرى، قد تقع لنا على الطريق؟

(سألتهُ متلهفاً سماع ردّ سريع)

  • ما من شيء آمن في هذي البلاد يا أخي طارق. لقد سادَ الخراب وأتلفنا بشكل شبه كامل. ولكننا ما نزال نقاوم الموت كل بطريقته الخاصة.

(رَدّ جاسم بنبرة تَنمّ عن حزن عميق )

  • معك حق يا أخا العرب جاسم. موت البشر أولاً. بعده موت المدن. بعده موت الموت ذاته. أليس ذلك ما ينبئ به القدر في هذه البلاد الجميلة؟

( علقتُ على كلمات جاسم سائلاً بألم. فأجابني:).

  • أتمنى أن يُبقي لنا الموتُ عمراً قصيراً، لنرى نهاية لهذه الحرب. هذا كل ما أريده من حياتي، بعد ذلك ليأخذني عزرائيلُ إلى حيث يريد. ولكن ليس قبل أن أرى توقف طواحين الدم في سورية.
  • وأنا معك فيما تحلم به.
  • تصور كيف أصبحت أحلامنا في هذا الزمن!! (قال ذلك جاسم، وكانت الكلمات بفمه تتعثر. أحسست بذلك من خلال سماعي لذلك النشيج الخافت الذي كان يخرج مع الكلمات)
  • على أية حال. الأوطان قد تضعف كما يقال، ولكنها لا تموت. أليس هذا ما يؤكد عليه التاريخ؟ (أجبته محاولاً إنقاذه من نشيجه الداخلي الذي بدأ يرتفع)

التاريخ. التاريخ. كم في هذه الكلمة من المورفين؟ يبدو أنني لا أستطيع فهم هذه الكلمة ولا تحملها. (ردّ جاسم بلامبالاة، ثم صمت).

 

من رواية أسعد الجبوري((ثعابين الأرشيف)) التي حُجبت عنها جائزة دمشق للرواية العربية