عبد الباقي يوسـف

العلاقة بين الأدب والنقد هي علاقة جمالية فنية ذوقية تكاملية، يغتني الأدب بالنقد كما يغتني النقد بالأدب. عندما يتحدث الإنسان جملة، فإن هذه الجملة تولّد لديّه ولدى مستمعيه عدّة جمل من النقد والتحليل والتأويل.
ما دام الإنسان يستخدم لسانه للحديث بشكل جيد، فعليه أيضاً أن يطلق سمعه للاستماع بشكل جيد لكل ما يمكن أن يُقال تعقيباً، أو تأويلاً، أو نقداً، أو مديحاً، أو تحليلاً لِما أبدى به من وجهات نظر، أو مواقف.
وحقيقة الأمر فإن الكلام يغتني بالكلام، والرأي يغتني بالرأي، ووجهة النظر تغتني بوجهة النظر، والموقف يغتني بالموقف.
عندما أتحدث طويلاً ولا أجد مَن يبدي تعقيباً، أو تأويلاً، أو نقداً، أو وجهة نظر، فإن عليّ عن ذاك الركون إلى الصمت لأنني أتحدث لأناس يعرفون ما أقول، ولا أحرّك نزعة معرفة أو تحاور في أفئدتهم، أو أنهم لا يفقهون شيئاً مما أقول.
إن الحديث الذي يفتقد روح التحاور هو حديث عقيم لا نفع منه سواء من المتحدث، أو من المتلقي.

بنيوية العلاقة
أريد أن أقول هنا، أن الناقد الجاد هو محلل أدبي أكثر مما يركن إلى النقد، وفي تقديري فإن المحلل الأدبي، هو أقرب إلى هذا اللون من ألوان الكتابة لأن الناقد لايكون ناقداً قبل أن يكون محللاً يضع ما يقرأ تحت مشكاة تحليله.
يشرح رولان بارت منهجه في قراءة النصوص الأدبية في مؤلفاته ومنها: هسهسة اللغة ،خطاب عاشق، ولذة النص، والكتابة في درجة الصفر.
يقول بارت جواباً على سؤال تم طرحه عليه : / الكتابة ليست شيئاً سوى بقايا الأشياء الفقيرة والهزيلة للأشياء الرائعة والجميلة في دواخلنا /.
لذلك يمكننا أن نرى أن غالبية النقّاد الذين تحولوا إلى كتابة الرواية، كانوا روائيين متواضعين عدا أنهم تشتتوا بين النقد والرواية، لأنهم كانوا يكتبون بقلم الناقد أكثر مما يكتبون بقلم الروائي، فكانت رواياتهم شبيهة بدراسات نقدية أكاديمية محكومة مسبقاً بمعايير النقد، إضافة أنه كان يشعر وهو يقرأها بأنها كـُتبت للنقاد وللمناهج الجامعية أكثر رمما كـُتبت لعامة فئات القراء.
كانت تفتقر إلى الفضاءات الروائية المفتوحة، تفتقر إلى دفء النسيج الروائي والألفة الروائية، إلى خصوبة مساحات الخيال الشاسعة، إلى رقة وعذوبة الدفق الشعري، إلى قوة ملاحظة الروائي في التقاط أدّق التفاصيل التي تتفاعل مع نسيج روايته التي يعيشها ويكتبها ويتنفسها معاً. إضافة إلى ذلك فإن القارئ عندما يقرأ هذه الرواية، فإن اسم الناقد لايبرح مخيلته وطوال القراءة يشعر بأنه يقرأ رواية لناقد وليس لروائي، وهذا له شأن آخر في مسألة التذوق ومسألة التلقي والتفاعل مع ذهنية القارئ.
يشعر قارئ الرواية بأنه في حضرة أستاذ جامعي موقر وناقد أدبي رصين في قاعة محاضرات محكمة أكثر مما يشعر بأنه في بستان منزل روائي مفتوح لاستقبال كل عناصر الطبيعة. روائي مفتوح الأفق، واسع الخيال، غني التعابير، مغامر في تقنياته الفنية.
يتناول الناقد النص الأدبي الذي ينظر إلى قراءته قراءة نقدية تحليلية تأويلية، النص الثري الذي يضيء ويظلم العالم، الذي يزلزل الحواس، ينعش الروح، ويُجري الدموع من العينين ، النص الذي يجعله يقهقه بأعلى صوته، يصمت بأعلى صمته، يخشع بأعلى خشوعه، هاهو النص البهي الذي يبدّل أحول النفس كما يبدل الزمن فصول السنة.
إنه فنان يعرف كيف يقود الكلمات إلى الأراضي الخصبة والينابيع العذبة الرقراقة كما يفعل الراعي الماهر، يعرف كيف يمد يديه إلى ثدي الكلمات ليستخرج حليبها ولبنها وزبدتها وقشدتها ويقدمها في أطباق شهية.
ياله من فنان ماهر هذا الذي أبدع هذا النص المذهل، لابد للمرء أن يقتني أي شيء يراه لهذا الكاتب حتى لوكان في صحيفة عابرة.
ينتهي من القراءة الأولى، ثم يختلي بنفسه يتأمل في كل مابثه إليه النص، ويعود إليه مرّة أخرى. يفرغ من السطوع الثاني الذي يكتشف في محرابه مالم يكتشف في السطوع الأول ، ويخرج من محراب الكلمات، ينتظر حيناً . ثم ينظر في أمر إعطاء هذا النص الثري حقه من النقد. يرتدي ثياب العوم في منتصف الليل ويقذف بجسده في مياه النص ويغوص في أعماق مياهه العذبة، ثم يخرج ويعكر المياه، ويغوص فيها وهي عكرة ، ثم يخرج ويغوص فيها وهي راكدة، ثم يخرج فيغوص فيها وهي صاخبة هائجة.
إنه مع كل سباحة وغوص في لون وشكل، يستخرج ما لم يستخرجه من قبل، ويأتي بصيده الثمين بعد كل هذه المراحل، يشعر من جديد بأنه انفتح على النص مرّة أخرى وانفتح النص عليه مرة أخرى.

مشكاة النقد
يقدم النقد الكثير للمبدع، ويسلط له الأضواء على الكثير من الجوانب المظلمة التي لايكون بوسعه رؤيتها إلا بواسطة قنديل الناقد، الناقد الذي يفتح له أبواباً جديدة ما كان ليلجها لولاه ، ولذلك فإن العلاقة بين المبدع والناقد هي علاقة تكميلية، والمبدع يأخذ من الناقد كما أن الناقد يأخذ من المبدع، لأن الناقد يتذوّق النص الأدبي الذي يشرع في تأويله وتحليله وتسليط الضوء على جوانب مظلمة فيه، لا أقل بأنه يقرأ ما بين السطور فحسب، بل أنه يقرأ السطور أيضاً، ويستمتع بدفئها، ويقطف عناقيد النص ربما أكثر من بقية القرّار لحكم التخصص وبحكم الذائقة النقدية والتحليلية التي يتمتع بها . إنه يحرّك / البنى المترسبة / 1 بغية تأويلها وتحليلها .
يقول د. هـ. لورانس عن مهنته الروائية: / بما أنني روائي, فإنني أعد نفسي أسمى درجة من القديس والعالم والفيلسوف والشاعر. فالرواية هي كتاب الحياة المشع/ . ويقول الناقد لايونل تريلنيج : / إن الرواية بحث مستمر وميدان بحثها هو العالم الاجتماعي, ومادة تحليلها هي عادات الناس التي تتخذ دليلاً على الاتجاه الذي تسير فيه نفس الإنسان/.
ويتحدث ماريو بارغاس يوسا عن الكتابة النقدية، وأهمية الاستفادة من النقد من خلال توجيهه لأديب شاب 2 .
يقول رولان بارت في كتابه لذة النص:
عندما اقرأ بلذة هذه الجملة، هذه القصة، أو هذه الكلمة،هذا يعني أنها جميعها كتبت بلذة.
ويقول في ذات الكتاب: لذتي لاتقوم على وصال جسدي مع من أحب، ولكنها تقوم على وصال جسدي مع ما أكتب ذلك أن وصال المحبوب مبعثه نزوة تورثني متعة، ووصال المكتوب مبعثه شهوة تورثني لذة، وإني لأحس في المتعة زوالاً، وإني لأحس في اللذة دواماً .

مظاهر النقد في التراث العربي
حضر النقد في التراث الأدبي العربي إلى جانب الأدب، فكان النقاد ينيرون ويحللون النصوص الأدبية، ويقدمون لها النقد البنّاء الذي يكون بمثابة الإضافة والتفسير لتلك النصوص .
وقد شهد التراث العربي أسماء بالغة الأهمية في حركة النقد الأدبي، وقد أسست هذه الأسماء وهذه المؤلفات لمذاهب وظواهر غنية في النقد سواء في العالم العربي بدءاً من نقاد مدرسة الديوان وغيرها، أو في مناهج النقد في العالم.
حفل التراث العربي بظواهر نقدية غنية، وحفل هذا التاريخ بأسماء لامعة ومهمة في تاريخ النقد، وقد برز من النقاد ابن المعتز ومن مؤلفاته : الطبقات – البديع
اعتبره ابن رشيق:/ أنقد النقاد / 4. وقال عنه كراتشكوفسكي / كان أديباً ناقداً، وافر العلم والثقافة، دقيق البصر بمكامن الجمال، سليم الذوق والأحكام والآراء/ 5 .
وتم وصفه بأنه يمثل ذهنية الأدباء النقاد في القرن الثالث للهجرة، وهي/ طائفة درست الأدب قديمه وحديثه، وأخذت القديم عن اللغويين والنحويين، ولكنها عُنيت بالمُحدث أشد من عناية هؤلاء وحفِلت به، وأقبلت على تحليل عناصره، وما يجِدُّ فيه عهداً بعد عهد، وما بينه وبين المذهب القديم من تفاوت، تلك هي طائفة الشعراء والأدباء وعلماء الأدب، ومن أظهر الأمثلة لهؤلاء عبد الله بن المعتز، فقد كان كثير السماع، غزير الرواية، يلقى العلماء من النحويين والإخباريين، ويقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم، ولكنه كان مع ذلك مهتماً بنقد المحدثين/ .
اغتنى التراث العربي بألوان متعدد من الاتجاهات النقد مما جعلها تقف كأساس لمناهج نقدية معاصرة عديدة .
لقد ازدهرت الحركة النقدية على قدر ازدهار الحركة الإبداعية والأدبية ، ومن هنا يمكننا اعتبار أن العقود التي ازدهر فيها النقد هي ذاتها العقود التي ازدهر فيها الأدب.
تبقى العلاقة بين الأدب وبين النقد هي علاقة صنوية مهمة، ويبقى الناقد هو الشخص الذي أخذ على عاتقه مهمة تفسير وتأويل وتحليل النصوص الأدبية، فتمتع بمكانة أدبية وثقافية رفيعة، كما تمتع بتقدير الأدباء، وقد ترك النقد تراثاً ثقافياً وأدبياً طيباً أغنى المكتبة الأدبية ، وغدا هذا التراث النقدي بمثابة مرجع لدارسي ومتذوقي الأدب.

((المدى))