وجدان عبدالعزيز

1
الصداقة كلمة صغيرة في حجمها ولكنها كبيرة في معناها ومضمونها ، وهي أجمل شيء في الوجود ، فعندما نتحدث عن الصداقة فإننا نتحدث عن الحب،والوفاء،والثقة، و الولاء، فالصداقة من أبرز القيم الإنسانية التي تسمو بها الحياة . وهي الوجه الآخر غير البراق للحب ، ولكنه الوجه الذي لا يصدأ. والصداقة أن تبقى على العهد حتى وإن طالت المسافات أو قصرت. في بعض الأحيان، تمر الصداقة كما الحب بمخاطر كبيرة، توشك على الموت ، وقد يتطلّب إنقاذها عملية جراحية. هناك من يكون حضوره في حياتك علامة فارقة، وهناك من يكون علامة فارغة، فإنتقي الصديق الحقيقي، واحذر من الصداقة المزيّفة! الصداقة أحياناً ما تكون … أجمل بكثير من الحب. يتشاجرون يومياً ويأتون اليوم الآخر وقد نسوا زلاّت وأخطاء بعضهم . . لأنهم لا يَستطيعون العيش دون بعضهم هذه هي الصداقة. الأب كنز والأخ سلوى…والصديق كلا الإثنين. التسامح أساس الصداقة والحب الحقيقي. ليس من ‏الصعب‬ ‏التضحيه‬ من أجل صديق ، ولكن من الصعب وجود‬ صديق يستحق التضحيه. الصداقة الحقيقية كالخطوط المتوازية .. لا تلتقي أبداً إلّاّ عندما تطفو المصالح على السطح، عندها تفقد توازيها وتتقاطع. الصداقة لا تغيب مثلما تغيب الشمس…الصداقة لا تذوب مثلما يذوب الثلج…الصداقة لا تموت…إلّا إذا مات الحب.
2
والشعر فعالية عقلية راقية ومن نوع خاص، تحاول أن تفسر العالم، أو بالأحرى، أن تعطيه معنى، وأن تجبره على البوح بشيء من حقيقته. قد يبدو الأمر غريباً، لأن الناس اعتادوا أن يتركوا هذه المهمة إما للفلسفة أو للعلم، ولم يعتادوا أن يفسحوا المجال أمام الشعر ليحدثهم عن رؤيته ورؤياه كتفسير للكون وللوجود، مع أنه قادر على الذهاب أبعد من الفلسفة وأبعد من العلم… يقول الشاعر الصيني (لوتشي):‏ (نحن الشعراء، نصارع اللاوجود لنجبره على أن يمنح وجوداً، ونقرع الصمت لتجيبنا الموسيقى. إننا نأسر المساحات التي لا حد لها في قدم مربع من الورق، ونسكب طوفاناً من القلب الصغير في مساحة بوصة…) ، فالشعر يعطي للحياة معنى مختلفاً، وهو طريقة من طرائق تفسير الحياة.. بل إنه كثيراً ما كان أعمق الطرائق حتى في الحالات التي يبدو فيها مشاغباً ومضاداً للحياة نفسها. وأزعم بأنه كان في الحالة الأخيرة أعمق منه في الحالات الأخرى، وأصدق، وأكثر فعلاً وتأثيراً.
3
ومن الصداقة الى الشعر نستطيع ان نعيش اجواء الشاعرة رماح بوبو ، والتي عبرت عن الصداقة شعرا بقصيدة ذات لغة بسيطة وشفافة وسهلة ‏.. تقول فيها :

(الصديقُ..الصديق
نكهة الضحك..بلا سبب
نكهة الحلوى
نكهة..القهوة
و..نكهة النظرةِ..عند العتب
الصديقُ…الصديق
هو.. رجفة الشفة
في أول البكاء
و..شهقة اللوز..
في آخره
هو..مرآتكَ الأجلى..؟
هو منديلك
حين تخذلك الجميلةُ..الوفيّة..!
حائطك…
حين تمارس خطاياك..البهيّة..!
هو…بساتين الشغب.)

فالصداقة منطقيا علاقة اجتماعية ، وشعريا هي نكهة ، هي رجفة الشفة ، شهقة اللوز ، فالشاعرة تعاملت مع الصداقة جماليا ، حيث اعطتها بعدا جماليا ، فكيف تعاملت الشاعرة بوبو .. تعاملت على اساس ان(الفن في جوهره خبرة من نوع خاص ليست بالحسية ولا بالعقلية الموضوعية، هو خبرة جمالية، ولا يمكن فهم حقيقة الفن إن لم تفهم طبيعة الخبرة الجمالية)1. فإن المتعة الجمالية وسيلة الشعر للوصول إلى الغاية، والجمال وسيلة الشعر إلى غاية الجمال: (فهو اذن إحدى وسائل غرس الجمال في الوجود كذلك فإن من وسائل غرس الجمال الكبرى الصورة الشعرية)2. وقد خلق المجتمع الإنساني هذه الوسيلة الشعرية بدافع الحاجة إلى الالتذاذ، يقول أرسطو : (يبدو أن الشعر ـــ على العموم ـــ قد ولده سببان وأن ذينك السببين راجعان إلى الطبيعة الإنسانية، فإن المحاكاة أمر فطري موجود لدى الناس منذ الصغر، ثم إن الالتذاذ بالأشياء المحكية أمر عام للجميع)3. لذا، فالشعر يملك ما يراه حقيقة ووهماً في منطقه الخاص، ويناسج بينهما في خفاء وتجلٍّ معاً، ويكون الكشف عبر هذا التناوب والتداخل والتعاور فيما يشف عنه كل منهما وهو يخبئ الآخر، ومن هنا سر لعبة المتعة في الشعر التي يتنازعها قطب المنفعة في دائرة الجمال. (وعجيب ذلك الانسان ، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به ، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية ، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء ، بل يضفي عليها من خباله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال)4 ، وهكذا نجد ان الشاعرة رماح بوبو عاشت الحياة والصداقة وتعاملت معهما بصدق العاطفة …

1 ـ د.مصطفى سويف:«الأسس النفسية للإبداع الفني.. في الشعر خاصة» من المقدمة ليوسف مراد.

2 ـ د.مجاهد عبد المنعم مجاهد:«جدل الجمال والاغتراب»، ص741.

3 ـ د. إبراهيم وجيه محمود: «أساسيات علم النفس/مقولة المحاكاة لأرسطو»، ص8.

4 ـ كتاب (فلسفة الجمال) د.أميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص26