ماريان مور.. ليست من سيّدات جويس

نوال العلي
بعد قراءتها، قال جيمس جويس: “لقد قضت “الأرض اليباب” على فكرة الشعر بالنسبة للسيدات”، استخدم جويس تعبير Ladies ولم يقل Women. وفي اختيار هذه المفردة بالذات تظهر فطنة جويس ودقته. فكم عملاً شعرياً كتبته “سيدة” يمكن أن يذكر كما تذكر قصائد إليوت أو أزهار بودلير أو رباعيات الخيام أو روائع المتنبي؟ يذكّر تعبير جويس هذا بالتعبير الدارج في الإنجليزية: “أنت تتعارك كسيدة”، حين تكون ضربات الرجل ضعيفة وغير موجعة، فهل كان جويس يقصد الرجال والنساء معاً ممن يكتبون شعراً واهناً أو شعراً لا “يسترجي”؟ من مفارقات تاريخ الأدب، أن “يوليسيس” جويس وأرض إليوت اليباب، ظهرا في العام نفسه. في عدد تشرين الأول/ أكتوبر 1922، نشر إليوت قصيدته الشهيرة هذه في مجلته The Criterion، ونشر الشاعر الفرنسي، فاليري لاربو، في العدد نفسه مقالاً يعرض رواية صدرت حديثاً بعنوان “يوليسيس”، المجلة نشرت، أيضاً، قصيدة استثنائية للشاعرة الأميركية، ماريان مور، (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1887 – شباط/ فبراير 1972).

 القصيدة المعنونة “شعر”، كانت مور قد نشرتها أول مرة في ثلاث صفحات، ثم ظلت تشتغل عليها وتعيد كتابتها، حتى أصبحت القصيدة كلها ثلاث عبارات في سطرين: “أنا، أيضاً، لا أحبه، ثمة أمور مهمة/ خلف كل هذا الخداع”. كان هناك مقطع ساحر في القصيدة الأطولـ التي امتلأت بتعداد الظواهر التي تقف خلف الشعر أو تبدو غير شعرية: “الخفّاش متماسكاً رأساً على عقب، برغوث، شخص مهووس بلعبة البيسبول، الإحصاء- ليس أنه صالح للتمييز ضد “وثائق البزنس والكتب المدرسية”؛ كل هذه الظواهر مهمة”. ليس جديداً أن مور أخذت عبارة “وثائق البزنس والكتب المدرسية” من مقطع في مذكرات تولستوي، أخذتها عامدة إلى مكان أبعد من نص تولستوي، أخذتها من حيث لم تميّز ضدها كعبارة نثرية وليست شعرية أبداً، وضمّتها لقصيدتها عام 1922، التي تفكر في معنى الشعر، كأنها تقول بإمكان الشعر أن يبتلع أي شيء، كأنها تقول الشعر إنسان يمكنه أكل المسامير والورد. كان زمن مور، زمن الشعراء الظواهر، لا يقتصر تعبير الشاعر عن ذاته بقصائده، بل يستخدم مظهره وصوره وملابسه، من إزرا باوند وصوره في مستشفى سانت إليزابيث إلى مور صاحبة القبعات المثلثة وصورها بمضرب البيسبول وفي حديقة الحيوانات. كانت الشاعرات آنذاك يمارسن بعضاً من الكتابة السياسية، ويجرّبن في الشعر، وفوق ذلك كان يثقلهن الإرث الذي تركته شاعرات القرن التاسع عشر. ولكن مور حتماً ليست واحدة من سيدات جويس، فقصيدتها وتأثيرها لا يقل عن الشعراء الذين عاصرتهم. في مراسلات بينها وبين باوند، سألها إن كانت “أثيوبية” بعد أن قرأ قصيدتها “أرض سوداء”، فكتبت هذا الرد: “ولدت عام 1887، ونشأت في بيت جدي، وهو رجل دين في كنيسة “بريسبيتارية”، أنحدر من أصول إيرلندية، وربما اسكتلندية أيضاً، لكني سلتيّة أصيلة، (…) وعلى النقيض من انطباعك، أنا شقراء وشعري أحمر في الوقت نفسه (…). لقد تأثرت بك، عندما بدأت كتابة الشعر المقطعي”. كتبت مور قصيدتها “قبر” في بداياتها، وكانت بمثابة بطاقة تعريف بشعريتها، إنها قصيدة تبدو وكأنها تحدث خارج ذاتها، خارج ما هو شخصي وخاص، تحدٍّ عميق وواعٍ لكتابة “السيدات” ونأي عنها. لاحقاً، تروي مور قصة عن هذه القصيدة: “كنا ننظر إلى البحر، واقفتين على صخور جزيرة مونغان بعد العاصفة، وجاء رجل ووقف بيني وبين أمي، وبيننا وبين الأمواج التي كنا نتأملها أيضاً. قالت أمي: “لا تنزعجي، من طبيعة البشر أن يقفوا وسط الأشياء”. كان البحر موضوعاً مفضلاً عند مور، وحضر في هذه القصيدة كقبر: “رجل ينظر إلى البحر، يستولي على المشهد ممن لهم الحق نفسه فيه. إنها طبيعة البشر أن يقفوا وسط الأشياء. لكنك لن تستطيع الوقوف وسط هذا؛ ليس لدى البحر ما يعطيه سوى قبر محفور جيداً”.

– : https://www.alaraby.co.uk/culture/20