قراءة في مجموعة قصائد للشاعر/ ناجي رحيم

بقلم/ عنفوان فؤاد

مزج الشاعر بين الحميمية والتقزز بكميائية النقيض المعتدل، وهذه اشتغالات نافذة إلى خلايا التفكير. هذا ما يهز ويحط من بال المتلقي. ولن يهدأ إلا برغبة طمأنينة ثانية وثالثة.

إن النص الذي يتطلب من القارئ الجد والجهد ذاك معيار آخر للعب على أعصاب العقل.

▪ في هذا المقطع، (( المطر دعوة… خلايا الكون لقنينة ))

جلية هنا شاعرية وارتباط الشاعر بذات المطر. فالذات هنا، يخاطبها مرة ثم يحاصرها بالأسئلة مرات.

اعتماد الشاعر لتقنية الديالوج في ظاهر الحديث، والقصد من ورائه مونولوجا داخليا لا يعني به حتى نفسه.

القلق الوجودي طبيعة المفكر، الكاتب، والشاعر إلا أن هذا الأخير يملك أدواته السحرية لتزويم العالم ومن ثم بث الروح فيما حوله، بتأثيثه لهذا الوجود حسب وجعه، وعلى مقاس قلبه.

أي كأس جعلته يكتب ما كتب؟ فالصور المشهدية والمجازات الخاطفة لعين العقل ذاك ما جعل كيمياء النص متزنة.

“ على زجاج النّافذة تتلوّى قطراتٌ

كأنّها ذكرياتٌ تسيل،،

يبدوأني أحفّزُ كلّ خلايا الكون لقنينة. “

▪ القطرات بعد تقطعها وسيلانها تباعا هكذا، بلمسة حنين، شاهد ذكرياته تسيل، ثم فرمل سرعة العواطف مما جعله يحشر العقل ليتساءل بلسان حاله: إذا ما كان يقوم بتحفيز كل خلايا الكون لقنينة خمر!

“لا أنام كم حاولت….
أشرب وأتحدّث بلغتي الأمّ وحدُها تضمّني، هناك “

▪ في هذا المقطع ينتقل خطاب الشاعر من الداخل إلى الخارج/ العالم. يكشف لنا الشاعر عن خصامه المكرر مع الأرق، في مشهد بسيط يجعل القارئ يتنقل داخل النص، عدم المقدرة على النوم، رغبة في جلب قنينة الخمر… ثم يكشف عن أمر آخر، سر عدم النوم هو التقزز من العالم بما يحوي.

هذا التقزز يشير إليه باللعب؛ شتان بين اللعب مع… واللعب على؛ يعلن تمرده ورغبته في الإمساك بأنف العالم، وسحبه إلى بحيرة البط. وجميعنا يعرف أسلوب التعنيف اللفظي أو الجسدي.

لماذا بحيرة البط دونا عن كل الأمكنة؟ هنا يتكشف لنا سر آخر، وهو مدى تعلق الشاعر بالبحيرة، ولربما هي جنته في أرض الغربة حيث قال: (( أشرب وأتحدّث بلغتي الأمّ وحدُها تضمّني، هناك ))

هذا يدل عدم رضاه على المجتمع الذي فيه ويمتد عدم الرضا إلى أبعد مدى.

“ العرق لنهاية الأسبوع عادةً… العمل عبوديّة أفكّر وأنا واقف في القطار “

▪ استخدام مفردة “العرق” بمثابة كشف صريح لهواية الشاعر، هويته، وغصاته.

أما استعارته لمشهد “خضة الثدي” وفعل التلصص، مما يحرك بداخله، لا الرغبة الجنسية والشهوة؛ بل رغبة من نوع آخر هنا…

فالكاتب يعيد الاعتبار لفعل التلصص، ويبلوره في سياق إبداعي ودلالي، مما جعله يقول أن كل “خضة ثدي، خضة قصيدة “.

بعد هذا الاعتراف لن أستغرب إن ذكر لنا أن جل القصائد تمت كتابتها في وسائل نقل، أقصد القطار على وجه التحديد (( العمل عبوديّة أفكّر وأنا واقف في القطار ))

بعدها يعود ليعلن لنا عن صخبه والقول بأن؛ العمل عبودية؛ وهذا الصراع ناتج عن فكر الشاعر التحرري وتمسكه بجناحي روحه وفكره، بينما العمل قيد أثقل ويثقل تلك الروح.

منذ أسابيع أتساءل: هل أعصرُ تفاحةَ رأسي…

” شيف ركي” وأنثر بقاياها في بازار العالم؟”

▪ هذا المقطع بالذات، شاهق بالفلسفة والقلق الوجودي، حيث يخاطب الذات من الداخل ثم الخارج، كفعل تخييري ما بين التمرد المطلق أو الإذعان للقيد المطلق. بين عصر الرأس الذي يواجهه بالعالم أو عصر الروح وهذه الأخيرة شبهها ب ” شيف ركي” البطيخة، وجميعنا يستحضر صورة البطيخ عند شقه والطريقة التي يتناثر بها والفوضى العارمة التي يحدثها.

هذا التعبير مبطن برغبة جامحة في قلب الموازين والقيم. لأن الكاتب لا يصخب على مجتمع بعينه بل أبعد من ذلك بكثير. هذا ما جعله يوظف مشاعره المتخمة بالغضب والاشمئزاز من أحداث العالم وما آلت إليه مجريات الأمور.

“ لقد عانقتُ الفرات، الفراتُ النبيّ * “

قال: عدّت يا ولدي، هل غبتَ عنّي لحظة؟

أبي يا فرات، لم أغبْ عن سحابةٍ مرّت عليك “

▪ هنا يوظف الشاعر أحد رموز العراق، حيث وفق تمامًا في ذلك .

لم يكتف بذلك بل يدخل في ديالوج تصويري حميم بين عتاب وحنين، وطن ومهجر، ذاكرة ونسيان…الخ من الدلالات الحمالة لحب الوطن أولا وأخيرا… عدم التنصل من هذا الحب ولو بعد دهر من الاغتراب.

“ رغبة هائلة لعشق امرأة، كل لحظة يمطرني وجهها، عيناها وشعرها وضحكة خفيّة تلمع على شفتيها تناديني، أسمع لهاثها الآن كما عود السنباطي في هذي الصلاة، أعشق أشجارا تمرّ لتحيّتها، عصافير تزورها كلّ صباح وتغنّي لها عن توقي، امرأة تدور معي في مجرّة الربّ هذه، قصيدة لا أستطيع الاقتراب منها، أخشى أن يتوقّف الهواء عن التنفّس، أخشى على قلبي أن يموت، أخشى على أشجار الجيران أن تعصف، أحبّك أقولها عبر هذي الخضّة، يا عود السنباطي اعزف لحنها، اعزف لحنها أرجوك”

▪ المرأة في نصوص ناجي رحيم، غاية وليست وسيلة بل أسمى من ذلك…

يوشي لنا بتفاصيل حميمة لامرأة يراها هو دون الكل، يبدأ بالشكل الخارجي ثم على مهل يهمس لنا بما يستشفه من هذه المرأة التي يدور في ملكوتها كل الجمال والحب، التي في حضرتها تسقط مجازات الأنوثة بأكملها.

مدى حرصه وخوفه عليها من أن يخدشها حتى الهواء، إلا أنه بذكاء شعري قلب الصورة قائلاً:
“أخشى أن يتوقف الهواء عن التنفس، أخشى على قلبي أن يموت….”

“أتحسّس أيّامي كما لو أنّها قنبلة موقوتة… أزيح قنبلة موقوتة عن رأسي”

▪ الشاعر ناجي، يأتي مرة أخرى ليواجهنا به، بما يعيشه مرات ومرات في سيناريو عبثيّ، بشكله المونودرامي.

“لا تلعبْ مع الصغار، ستضيّعُ طريقَ المكتبة… كيف تسحب اعتذارا من صغار يرفسونَ بأقدامهم على أهداب حسّك؟”

▪ في المقاطع التالية يأتينا الشاعر بقائمة لوائح وتحذيرات، مبينا حبه، حرصه على المطالعة والاطلاع قاصدا بها غيره، ناهيا عن اللعب مع الصغار، بمعنى صغار الأمور من أهمها تسريب الوقت من بين أصابع العمر.

“ هذي “القصائد” لا تتعنيني… كمن يستمني نساءً… في مزبلة”

▪ هنا يضرب الشاعر عرض الكلام جل الكلام، متنصلا من قصائد ليصفها بأكاذيب، ثم ينصب شخصه ملكا ومالكا للأكاذيب.

بعدها يتنكر لكل ما سبق قائلاً: “لا تعنيني أكاذيب

كمن يستمني نساءً … في مزبلة “

هذا التضارب الفكري، وعدم الاستقرار على وجهة معية، يدل على حالة الطوارئ التي وصلت إليها أفكار الشاعر، وذلك نتاج الصراع الدائم الذي يعيشه. بينه وبين ذاته، بينه وبين كل مأ حوله.

“ كلّ يوم هديّة، هذا القطّ العجوز لا يملّ… رميت الفأر خلف الحائط وطار تومي خلفه”

▪ في هذا المقطع يكشف لنا مدى وحدة الشاعر حد التوحد، الأنيس الذي جاء على ذكره قط عجوز ومن كثرة الملل يلاعبه بفأر حي، الحال هنا ليس لتنشيط القط الهرم وإذابة الشحوم من عليه، إنما لخلق جو من الفرح، جو من الحركة حتى ينشغل ويشغل بال وحدته.

“ لستُ عضوا في اتحاد الأدباء… أما التي كفّت فأتركها في حراسة قطّي الهرم تومي “

▪ هنا تتغير الوجهة الشمولية لدى الشاعر، لتصبح عدمية بشكله الصارخ. فتكرار “لست” بمثابة نفي وإسقاط كل ماله من حقوق وما عليه من واجبات، تنصل فعلي ومبيت على عدم الرغبة بأي شيء حد اللاشيء بكافة جزئياته.

“ فقدٌ يفترشُ ساحاتٍ ومتضاحكونَ يتلولبون في خسّة”

▪ في هذه الومضة نجد أن الشاعر يفتك بالفقد ويتذمر من اللامباباة

“ سأحذف كثيرا من خطوات قبل الوصول إلى دكّة باب “

▪ كذلك في هذه الومضة يفسر الشاعر عدم رغبته بالنظر إلى الخلف، الخلف هنا هو: الحياة، المجتمع، باقي الكائنات…

يود مسح أي أثر يستدل به الغير عليه، بالمقابل يمسح أثره هو من صفحة الحياة باللاانتماء والعزلة المفرطة والمفرطة حتى في حق الوجود.

“ تهتزّ لأن مصائرَ ترتعشُ في رأسك… تعاتبُك كوابيس،

البارحة هربتَ منها، كانت قلوبٌ تلهثُ على الطاولة،

لم ينفعكَ القيءُ، صدّقني ستهتزّ مرّاتٍ ومرّات

حتى وإن كنتَ في قبر”.

▪ يعود بنا الشاعر من حيث انطلق، معاقرة قنينة الغيبوبة، التذمر والعتاب… إلى حديث الذات على شكلِ ديالوج خفي. بصوتين داخل رأس واحد. بين الأنا والأنا الصغرى.

نخلص القول إلى أن الشاعر وظف مفردات دلالية عميقة وصارخة، لتخرج إلينا هذه النصوص الشذرية بعمقها وبلاغتها ومضامينها اللغوية والفكرية.

**
اللوحة للفنان العالمي البلجيكي روني ماغريت