خالد الريسوني

قبل أن يتحوّل جوزيه ساراماغو (1922-2010) في الثمانينات إلى الروائي البرتغالي الأكثر قراءة وإثارة للإعجاب بين القراء في العالم ربما، وقبل أن ينال نوبل للآداب ويتحوّل إلى اسم تمتد شهرته على نطاق واسع، عرف حلقات ما قبل تاريخ الشهرة. فقد كان صحافياً وشاعراً وكاتباً مسرحياً. لو لم يكتب الرواية هل كان سيتم تداول اسمه كشاعر؟ وهل سيتذكر أحد ديوانيه الشعريين “القصائد الممكنة” الصادر سنة 1966، و”الفرح احتمالاً” سنة 1972؟

جوزيه ساراماغو نفسه أثار هذه القضية في مقدمة أول إعادة إصدار للطبعة البرتغالية لأشعاره، حيث يقول: “وقد يتساءل المرء ما إذا كانت هذه الأشعار (كلمة نادراً ما تستعمل اليوم، لكن جد مناسبة بالنسبة لهذه الحالة) تستحق أن تنال فرصة ثانية، أو إذا كانت هذه الفرصة عن طريق المصادفة سوف تملى بسبب إثباتات المؤلف في مجال التخيّل السردي”. وبعبارة أخرى، يتساءل الكاتب البرتغالي هل نحن أمام استحقاق شعري يفرض نفسه أم إزاء ظاهرة بسيطة ومتواترة للاستفادة من شهرة الاسم على مستوى النشر لتسويق منتوج ما، فهل القصائد تحتفظ لنفسها بقيمة مستقلة شعرياً؟

يبدو أن ساراماغو بانعطافته التاريخية نحو الرواية ونحو الشهرة التي أكسبه إياها عالم الخيال السردي، نسي أنه شاعر في العمق، ولولا الشاعر فيه لما كان ربما الروائي المميز، وشاهد ذلك ليس فقط شعره ولكن أيضاً صفحات كثيرة من رواياته من أمثال رائعته “سنة موت ريكاردو ريس” ومن ممارساته في الحياة العامة مثل زيارته لإقليم تشياباس ولقائه مع القائد العام لانتفاضة الفلاحين ماركوس، وزيارته لرام الله لفك حصار الجيش الإسرائيلي عن “المقاطعة”، ثم أخيراً هذه القصائد التي تشي بعمق الرؤية وبحساسية مختلفة تجاه الأشياء والكلمات. إن في قصائد ساراماغو دقة وحساسية وقصدية عميقة ونبرة وإيقاعاً لا يستطيع أن يخطئها قارئ الشعر، وهي قصائد عايشت مرحلة دقيقة من تاريخ البرتغال، السنوات الأخيرة لديكتاتورية سالازار، ولكنها لا تتجاوزها لأن الشاعر حينها سيتوقف عن كتابة الشعر وسيتجه تدريجياً إلى كتابة الرواية. يقول ساراماغو في إحدى قصائد الديوان، تلك المعنونة بـ: “الأيادي النظيفة”: “عن حركة القتل بكلتا اليدين/ طريقة عجن الخبز ليست مختلفة (يا له من جيد هذا التقدّم، يا لها من راحة: زرّ على اليمين يعطي الخبز، وبزرّ اليسار، بسهولة، أطلق، دون أن أرى، القنبلة الطائرة، وأصيب العدو)”. لكن قصائد ساراماغو، مثل يومياته ومقالاته، تهمّ بدرجة أكبر المتخصصين والمهتمين بأدبه وعشاق كتاباته، فهي ترضي بعضاً من ظمأ المنبهرين بقدرة هذا الكاتب في الحكي وبشخصيته ككاتب يحترم إلى أبعد الحدود معنى الالتزام الأخلاقي بقضايا الإنسان الكبرى، ولأن ساراماغو لمّا اختار أن يكون روائياً انتقل في الشعر إلى مرتبة ثانية وهذا ليس شأنه وحده، لقد حدث مع خورخي لويس بورخيس وخوليو كورتاثار وروبيرتو بولانيو وخوسيه إيمليو باشيكو وخوسيه ليثاما ليما ومانويل ريفاس وأندريس طرابييو… فهَجْرُ جنس أدبي يتم دائماً لصالح آخر وقلّما يخلق قرّاء جدداً لأنه يرسخ الكاتب أو الشاعر هنا ويزيحه هناك، وهذا ما حدث مع الأوروغوايانية كريستينا بيري روسي التي اعتبرت نفسها دوماً شاعرة علماً أنها روائية أفضلُ منها كشاعرةٍ حسب النقاد. ولكن في الأعمال الشعرية الكاملة لساراماغو، إلى جانب الديوانين المذكورين سالفاً، يضيف ديواناً شعرياً آخر عنونه بـ”سنة 1993″ ضمَّ فيه نصوصاً نثرية تقترب من الشعر، ولكنها تحمل الكثير من القواسم المشتركة مع رواياته التي ستأتي تباعاً فيما بعد، وهي أبعد ما تكون عن ملامح الشعر الذي كتبه ونشره من قبل.
ديوان “سنة 1993″، ومثلما يحدث مع أورويل في “1984” (الذي نُشر عام 1948) هو حكاية استباقية نُشِرَ للمرة الأولى عام 1975، وهي نتيجة مباشرة للحنين والروحية الطوباوية التي أجَّجتها ثورة القرنفل.

في بعض من قصائد ديوان “الفرح احتمالاً” يلاحظ ميل واضح نحو السريالية وتوظيف لتقنيات السرد، لكنه في ديوانه الأخير “سنة 1993” يحكي أيضاً تفاصيل دقيقة لكن بشكل أفضل. فبداية ونهاية الديوان لا تترك أي مجال للشك عن اللوحة التي ألهمت الشاعر. وقال “الأشخاص يوجدون جالسين في مشهد دالي مع الظلال المقصوصة جيداً بسبب وجود شمس يمكن القول إنها ثابتة”، هذا ما نقرؤه في السطور الشعرية التي تفتتح الديوان.

ويطل علينا دالي دون إحالة على اسمه في السطور الأخيرة من الديوان: “مدوياً ننتهي إلى أنه ليس ثمة شيء تحت الظل الذي يرفعه الطفل مثل جلد مسلوخ”. وهذا الديوان “عام 1993” ربما كان يستحق أن ينشر في طبعة مستقلة قبل أن ينشر في الأعمال الكاملة لأنه يحمل ملامح جنينية لما سيصير عليه الشاعر عندما سينتقل إلى إبداع أعمال روائية كبرى مثل: “العمى” أو “سنة موت ريكاردو ريس” أو “كل الأسماء”.

لكن أهم ما يميّز أي عمل من أعمال ساراماغو هو الدرس الذي يكتنف هجائيته لهذا العالم، عالم بؤسٍ وقسوةٍ يفشل دائماً في الدنو من شفافية الشعر المفرطة.

 

 
/www.alaraby.co.uk/culture